رواية رماد الانتقام الفصل الثالث 3 بقلم هاجر سلامه

 


رواية رماد الانتقام الفصل الثالث بقلم هاجر سلامه



وقفت السيارة الفارهة سوداء اللون أمام البوابة الحديدية الضخمة لقصر عاصم السلحدار. كان الحراس يركضون بهلع بعد أن تبيّنوا وجود الابنة الصغرى داخلها بملابسها المبتلة ووجهها الشاحب كالموت. ترجل جسار من السيارة بكل شموخ وثقة، كأنه ملك يطأ أرضاً غنمها في معركة، بينما كانت بيري تتحرك بخطوات واهنة، والبرد ينهش جسدها النحيل.

انفتح باب القصر بلهفة، وخرج عاصم السلحدار يركض كالمجنون، لكن أحدهم سبقه بالركض؛ إنه آسر، ابن صديق والده، الذي كان متواجداً في القصر بالصدفة لمتابعة ترتيبات الزواج. آسر لم يكن مجرد عريس، بل كان مهووساً ببيري منذ طفولتهما، يراقبها كملك ملكية خاصة لا يسمح لأحد بالاقتراب منها.

ما إن لمح آسر بيري بحالتها المزرية حتى جُن جنونه.
 ركض نحوها كالإعصار، وأمسك بكتفيها يتفحصها بلهفة وخوف مفرط ينم عن هوسه الشديد بها، متجاهلاً وجود الرجل الضخم الواقف بجانبهما.

آسر بلهفة وهلع وهو بيشدها لحضنه: "بيري! حبيبتي إيه اللي حصلك؟ هدومك مالها مبلولة كده ليه؟ أنتي كويسة؟ حد عملك حاجة؟ انطقي يا بيري أنا قلبي كان هيقف عليكي!"
بيري وهي بتحاول تبعده عنها بتعب وكسوف: "أنا.. أنا كويسة يا آسر.. سيبني بس عشان تعبانة، الأستاذ ده هو اللي أنقذني من المو.ت في البحر".
التفت آسر بغضب وعيون حمرا نحو جسار، وبص له من فوق لتحت بقرف: "أنت مين؟ وعملت فيها إيه؟ وإزاي بنتي تكون معاك في عربيتك بالمنظر ده؟"
جسار بص لآسر بنظرة باردة، حادة كالشفرة، وقدم خطوة خلت آسر يتراجع غصب عنه من هيبته: "أنا مين دي متخصكش يا شاطر.. بس لسانك وحركاتك دي تلمها، بدل ما ألمك أنا بطريقتي.. أنا رجعت البنت لأهلها، والكلام مع صاحب البيت مش مع عيال".

تدخل عاصم السلحدار بسرعة ليفض الاشتباك، بعد أن شعر بهيبة جسار الطاغية. 
شكر عاصم جسار بامتنان زائف، وطلب من زوجته وأميرة أخذ بيري بسرعة إلى غرفتها لتبديل ملابسها. صعدت بيري والدموع في عينيها، وهي تلتفت لمرة أخيرة نحو جسار، تشعر بغموضه الشديد وتقرأ قسوة غريبة في عينيه المتحديتين لآسر.

قاد عاصم جسار نحو مكتبه الفخم، وتبعهما آسر الذي رفض المغادرة، وجلس وعيناه تشتعلان غيظاً من هذا الغريب.
 جلس جسار على المقعد الجلدي الوثير بكل أريحية، ووضع قدماً فوق الأخرى بعجرفة، وبدأ يوجه كلامه لعاصم مباشرة، متجاهلاً وجود آسر تماماً.

جسار ببرود شديد: "أنا اسمي (جسار الجبالي).. صاحب مجموعة الجبالي العالمية للاستثمار.. وأظن إنت عارف الاسم ده كويس يا عاصم بيه، وعارف إن في إيدي أشتري ديونك كلها من البنوك بكره الصبح وأقفل قضايا الإفلاس اللي هتدخلك السجن".

عاصم صدمته كانت زلزال، وقف من ذهوله: "جسار الجبالي؟ الحوت اللي في أوروبا؟ أنت.. أنت اللي تقدر تنقذني بجد!".

آسر وقف بعصبية وخبط على المكتب: "تنقذ مين يا عم أنت؟ عمي عاصم مش محتاجك، أنا وأبويا هنسد الديون، وبيري هتبقى مراتي الأسبوع ده، اخرج بره اتفضل!".

جسار مابصش لآسر أصلاً، فضل باصص لعاصم وابتسم بسخرية: "العرض بتاعي كالتالي يا عاصم بيه.. أنا هسدد كل ديونك بالكامل، وهضخ ملايين ترجع شركاتك للقمة.. في مقابل حاجة واحدة بس.. أنا هجوز بنتك بيري.. فوراً والأسبوع ده".

وقع الطلب كالصاعقة في الغرفة. اشتعل آسر غضباً وفقد السيطرة على نفسه، بينما تلمعت عيون عاصم بالجشع عند سماع اسم "مجموعة الجبالي العالمية" وملايينها التي تفوق ما يملكه آسر وعائلته بمراحل.

آسر بصراخ وعروقه بارزة: "تتجوز مين يا بني آدم أنت؟ بيري ليا أنا! أنا بحبها من صغرنا ومحدش في الدنيا هياخدها مني! يا عمي عاصم ارمي الراجل ده بره القصر، ده جاي يساومك على بنتك!".

عاصم بص لآسر بملامح جامدة، وجشعه عماه تماماً بعد ما قارن بين قرشين صلاح وصحوبيته، وبين مليارات جسار الجبالي ونفوذه الجبار اللي هيخليه في حتة تانية خالص.

عاصم بنبرة حاسمة وصارمة: "اطلع بره يا آسر.. سيبنا لوحدنا دلوقتي".
آسر بصدمة وعدم تصديق: "أنت بتقولي أنا اطلع بره يا عمي؟ عشان واحد غريب؟ وعلشان الفلوس؟ بتبيعني وبتبيع اتفاقنا؟"
عاصم بغضب زجر: "قولتلك اطلع بره يا آسر! ده بيزنس وشغل كبار، وأنا مصلحة شركتي واسمي فوق أي حاجة.. اتفضل امشي دلوقتي وأنا هبقى أكلم أبوك".

خرج آسر من المكتب وهو يجر أذيال الهزيمة، وقلبه يشتعل بنار الغل والوعيد.

 التفت إلى الوراء ونظر إلى باب المكتب وهو يهمس بهوس أعمى: "مش هسيبها لك يا جبالي.. بيري بتاعتي أنا، وموتك هيبقى على إيدي لو فكرت تلمسها".

في الداخل، التفت عاصم نحو جسار بابتسامة طمع واضحة، وبدأ الطرفان في وضع الخطوط العريضة لصفقة البيع الجديدة، ميعرفش عاصم إنه سلم بنته المدللة بيري لأكبر عدو لعيلته، وأن جسار الجبالي بدأ رسمياً أولى خطوات انتقامه الدموي.


تعليقات