رواية زوج الاربعة بفصول اربعة الفصل الثالث والاخير
ملحمة مأساة وسيم الأليمة!
توقف الزمن لحظة، وصارت الصالة المركزية تشبه ساحة معركة إغريقية قديمة! كانت الفصول الأربعة يقفن في صف واحد، والورقة الخبيثة التي تساقطت من جيب وسيم تعاد قراءتها بأعلى صوت!
كانت تهاني تعيد قراءة الجملة بصوت رخيم وكأنها تتلو حكماً بالإعدام:
"البند الأول من خطة وسيم: إيهام صفاء بأن حبيبة تكره رقتها.. البند الثاني: اللعب على عاطفة نشوى لإيقاعها بتهاني.. البند الثالث: استخدام حبيبة كمرعب للجميع!"
نظرت حبيبة إلى الورقة، ثم رفعت عينيها نحو وسيم المقيد بالرعب فوق الأريكة، وقالت بنبرة هادئة.. هدوء ما قبل العاصفة:
"يعني أنا مرعب يا وسيم؟ بقى أنا اللي شلتك في الأيام السودة تطلعني 'بعبع' البيت؟!"
بدأت صفاء تنتحب بصوت مرتفع، لكن هذه المرة لم تكن دموعاً وهمية، بل دموع قهر حقيقي درامي:
"يا هواني! يا كسرة نفسي! كنت أحسبك الملجأ من جفاء الأيام، فإذا بك الرياح التي تقتل زهرتي! واااا حسرتاه على عمرٍ ضاع في حب رجلٍ يحسب النساء بيادق شطرنج!"
أما نشوى، فقد رمت فازة التوليب على الأرض فتكسرت ألف قطعة، وقالت ببراعة تراجيدية:
"أنا كنت فاكراك الربيع اللي بيفتح أزهاري.. طلعت الجفاف اللي بيجيب طفيليات الجيب والقلب! مش هسامحك يا وسيم.. ورد هولندا حرمتني منه، وحرمتني من الثقة!"
أمّا تهاني، فقد أغلقت دفتر الملاحظات بصوت مدوٍّ كأنه طلقة رصاص، وقالت بنبرة جليدية قاطعة:
"تم الحكم حضوريًا على المدعو 'وسيم' بالإعدام الوجداني والنفني الشامل. يُنفذ الحكم فورًا!"
بدأت المطاردة الملحمية!
ركض وسيم نحو الممر الضيق المؤدي للجناح الخلفي، بقميصه الممزق ونظارته المائلة، وهو يصرخ بصوت مبحوح يحمل مزيجاً من الهلع والتوسل التراجيدي:
"ارحموني يا معشر الفصول! أنا جوزكم! أنا اللي اشتريت لكم التكييفات! أنا وسيم حبيبكم!"
لكن لا رحمة في قلوب الفصول إذا اتحدت!
كانت حبيبة تركض خلفه ملوحة بـ "مغرفة المحشي" وكأنها فارس في حروب العصور الوسطى، وصفاء تركض وهي ترمي عليه المخدات والزهور الجافة وتندب حظها بصوت أوبرالي، وتهاني تطارده بقائمة عقوبات ثقيلة تضرب بها على الجدران، ونشوى تلاحقه بعطورها المخرشة للحواس وترشها في وجهه!
صرخ وسيم وهو يقفز فوق أريكة الصالة:
"يا رب! أصلح بيني وبين المناخ! أنا أخطأت.. أنا إنسان ضعيف أطمع في الفصول الأربعة، ولكن أكلتني تقلبات الطقس!"
انزلق وسيم على أرضية الصالة الملساء بسبب عطور نشوى السائلة، وسقط على ظهره بسقطة سينمائية مدوية!
"باااااام!"
سكت الجميع فجأة.
كان وسيم ممدداً على الأرض، يدس يده تحت رأسه، وعيناه متسعتان بسقف الغرفة، ولسانه يعزف مقطوعة من الأنين التراجيدي:
"آه يا ظهري.. آه يا شبابي الذي ضاع بين الحر والصقيع.. أهكذا ينتهي 'وسيم'؟ سأفارق الحياة وأنا جائع.. لم آكل كنافة بالمكسرات، ولم أستمتع بالتوليب، ولم أذق طعم القهوة المظبوطة!"
هنا.. تحولت الكوميديا إلى تراجيديا سوداء مضحكة!
اقتربت الزوجات الأربع منه ببطء، وتراجعت نظرات الغضب لتحل محلها الصدمة.
جلس وسيم يأنّ بكبرياء مجروح، ودمعة تمردت من عينيه اليسرى (دمعة درامية من طراز رفيع):
"ابتعدن عني يا فصول الغدر! اتركني أموت بين الرخام البارد.. لقد أطعمتكن حباً، فأطعمتنني مغارف ومقاطع عقوبات! أين الوفاء؟ أين العافية؟ سأرحل عن هذا البيت.. سأترك الفيلا لكم، وأذهب للعيش في خيمة في الصحراء حيث لا يوجد إلا مناخ واحد جاف وأمين!"
سقطت كلمة "أرحل" كالصاعقة على قلوبهن!
رغم كل الكوارث، يبقى "وسيم" هو وسيم.. زوجهم الحبيب وأساس هذه الفيلا!
سقطت صفاء على الركبتين بجانبه وهي تبكي بمرارة حقيقية هذه المرة:
"لا يا وسيم! لا ترحل وتتركني للخريف لحالي! من سيستمع إلى قصائدي الكئيبة في منتصف الليل؟ من سيتحمل بؤسي سواك؟!"
واندفعت حبيبة وجلست عند رأسه، وعيناها مليئتان بالندم الصيفي:
"وسيم! يا حبيبي يا ابن الأصول! أنا آسفة.. المغرفة كانت لحظة غضب! والله هعملك صينية بسبوسة بالمكسرات من غير ما أزقك ولا كلمة! بس بلاش تمشي!"
أما نشوى فبدأت تبكي وتلثم يده:
"مش عاوزة توليب يا وسيم! مش عاوزة أروح هولندا! هزرع بصل في البلكونة بس تفضل معانا!"
حتى تهاني، تلك المرأة الحديدية الجليدية، ذابت دموعها على خدها، وجثت على قدميها وقالت بنبرة خفيضة ترتجف:
"وسيم.. سألغي الجدول الدوري للحب. سأعطيك ميزانية مفتوحة للابتسامات بدون عقوبات.. فقط لا تترك البيت يظلم!"
كان وسيم يستمع لكل هذا والنار في قلبه تُستبدل بالانتصار، لكنه أبقى على وجهه ملامح "الرجل المحتضر درامياً"!
مسح دمعته ببطء، ونظر إليهن برقة مظلومة وقال بصوت ضعيف متهدج:
"أحقاً ما تقولون؟ أم أن هذا مجرد فخ مناخي آخر لإسقاطي؟"
صرخن جميعهن بصوت واحد:
"والله العظيم بنحبك يا وسيم!"
أغمض وسيم عينيه ببطء، وتنفس بعمق وكأنه يستعيد الحياة من جديد، ثم قال:
"عشان أسامحكم.. وعشان الفصول الأربعة ترجع تتناغم من تاني.. عندي شرط واحد تراجيدي لا تنازل عنه!"
سكتن جميعاً ينتظرن شرطه بلهفة:
"ما هو يا وسيم؟ مرنا نطع!"
فتح وسيم عينيه وابتسم ابتسامة خبيثة ساحرة وهو يقول:
"أن نعيش جميعاً في جناح واحد.. وتطبخوا لي فطوراً ملوكياً الآن، وتتعهدوا بألا تُذكر كلمة 'معاهدة' في هذا البيت إلى الأبد!"
نظرت الفصول الأربعة إلى بعضهن البعص..
ثم ابتسمت حبيبة، ومسحت صفاء دموعها، وضحكت نشوى، وهزت تهاني رأسها برضا.
وقامت الفصول الأربعة بمساعدة "وسيم" على النهوض، وحملوه كالأمراء نحو الطاولة الكبيرة، حيث جُلبت القهوة المظبوطة، والمحشي الساخن، والبسكويت الخريفي، والتوليب الوردي!
جلس وسيم على رأس الطاولة، يأكل بمرتاح البال، ونظر إلى الجمهور (المتابعين) بابتسامة نصر درامية وهو يهمس:
"أحياناً تحتاج الكوميديا إلى القليل من الدراما والتظاهر بالموت.. لكي تستعد العاصفة وتعود الحياة إلى الفصول الأربعة!"
تمت بحمد الله
