رواية الفرار من العشق الفصل الثالث 3 بقلم اميرة خالد


 رواية الفرار من العشق الفصل الثالث 

دخل زهران بخطوات متثاقلة، وتساؤلات الدنيا ترتسم على وجهه. التف برأسه نحو فردوس، وصوت أنفاسه المتقطعة يكشف عن صدمته:
— "هو احنا بنقضيها إيه يا نعمة؟ فهميني، إيه اللي بيحصل هنا؟"
​اقتربت منه فردوس بخطوات سريعة، وملامح وجهها تنطق بالخوف والترقب:
— "الحق يا شيخ زهران... بنت ناديه هنا! موجودة جوه في الدار!"
​وقف زهران مكانه كأن صاعقة أصابته، وعيناه تخرجان من محجريهما من شدة الذهول:
— "بنت مين؟! ناديه ماتت! وبنتها تيجي هنا إزاي وأصلاً تعرف طريق البلد دي منين؟!"
​هزت فردوس رأسها بيأس وهي تخفض صوتها بحذر:
— "والله ما أعرف يا شيخنا، بس شكل (الحاجة هانم) هتولع نار. البنت دخلت لوحدها وغلبانة، واللي عرفته إن ناديه ماتت من فترة."
​تمتم زهران بصوت خافت وهو يمرر يده على لحيته:
— "لا حول ولا قوة إلا بالله... العلي العظيم. طيب، هي فين دلوقتي؟"
​أشارت فردوس برأسها نحو الداخل وابتلعت ريقها:
— "جوه... في أوضة العمده."
​— "ودخلت إزاي أصلاً والعمده نايم بقاله سنين؟"
​لم تكن فردوس تحتاج للإجابة، فقد حكت له كل ما حدث بالتفصيل، وزهران يستمع وهو عاجز عن استيعاب حجم الكارثة. وفي تلك اللحظة، قطعت حديثهما هانم الشيخ بخطوات حاسمة ونظرات حادة، متجهة مباشرة نحو زهران:
— "تعال يا شيخ زهران، أنا عايزاك كلمتين على مفيش."
​أطاعها زهران بحذر:
— "حاضر يا حاجة، سامعك."

​في ردهة الدار الكبيرة

​كان بدر يقف في المنتصف عاجزاً عن فهم ما يدور حوله، يلتفت يميناً ويساراً:
— "هو في إيه يا جماعة؟ فهّموني، إيه اللي بيحصل هنا بالضبط؟"
​التفتت إليه نعمة بسرعة، وقد تبدلت ملامح وجهها بين الذهول والإثارة:
— "اتسكت يا بدر وما تحطش نفسك في الحوارات دي... ده حصل حوار كبير أوي! تخيل، العمده اللي ما كانش بيتحرك من على سريره من 15 سنة... اتحرك النهارده!"
​فتح بدر فمه على مصراعيه وابتعد خطوة للوراء غير مصدق:
— "أنتِ بتتكلمي بجد يا نعمة؟! مستحيل!"
​— "بجد وجد الجد كمان!"
​في تلك اللحظة، قطعت هانم الشيخ حديثهما بصوت صارم ومليء بالتحذير وهي توجه كلامها لزهران:
— "بقول لك إيه يا حاج زهران... تاخد البنت دي فوراً وتفارقوا البلد دي حالا. البنت دي لو فتحت خشمها بحرف واحد، الدنيا هتخرب على الكل، وأنت فاهم أنا قصدي إيه كويس."
​انحنى زهران برأسه قليلاً استجابةً لأمرها:
— "ماشي يا حاجة، اللي تشوفيه... بعد إذنكم."

​داخل غرفة العمده

​كان رحيم جالساً على الكرسي بجوار السرير، وعيناه مسلطتان على تلك الفتاة التي كانت تطبطب برفق شديد على يد العمده العجوز. فتح العمده عينيه ببطء شديد، وبصوت هادئ يملؤه النعاس والاشتياق قال:
— "هتسيبيني تاني يا ناديه... مش كفاية الغياب ده كله؟"
​رفعت الحان بصرها، وقد غطى الخجل وجهها، فردت بصوت رقيق يحمل طمأنينة عميقة:
— "لا يا عمي... مش هسيبك، أنا جنبك أهو ومش همشي."
​ابتسم العمده ابتسامة ضعيفة ومريحة، ثم أغمض عينيه واستسلم لنوم عميق وهادئ.
​في تلك اللحظة، علت طرقة خفيفة على باب الغرفة.
— "مين؟" سأل رحيم بصوت جاد.
— "أنا يا رحيم بيه، الشيخ زهران."
​نهض رحيم فوراً وفتح الباب باتساع، وعينيه تتحرك بين الشيخ والفتاة الواقفة خلفه:
— "اتفضل يا شيخ زهران، أنا كنت لسه هبعت أطلبك."
​دخل زهران بخطوات مترددة، وما إن وقعت عيناه على الحان حتى رمقها بنظرة محملة بذكريات قديمة. لاحظ رحيم نظرات الشيخ، فالتفت فجأة نحو الحان وقال بصوت حاد:
— "هو ده الشيخ زهران اللي كنتِ بتسألي عليه من شوية؟"
​سحبت الحان يدها برفق شديد من يد العمده، ونهضت من على المقعد بكسوف وحرج واضح:
— "أهلاً بحضرتك يا عمي... أنا الحان، بنت ناديه."
​نظر إليها زهران بعيون دامعة قليلاً:
— "عرفت يا بنتي، ربنا يرحمها."
​قالت الحان بلهفة:
— "طب كويس قوي... عشان في أسئلة كتير أوي محتاجة إجابات، وعايزة أسألها لحضرتك بالذات."
​تحرك زهران ليمهد لها الطريق:
— "طيب يا بنتي، تعالي بينا نروح على الدار بتاعتي ونتكلم براحتنا هناك بعيد عن هنا."
​وقبل أن يخطوا خطوة واحدة، قطع رحيم الطريق بعصاه، وخبط بها بقوة على أرضية الغرفة الخشبية حتى تركت صدى مزعجاً:
— "على فين يا شيخ زهران؟! عايز تمشي كده عيني عينك من غير ما نعرف دي مين أساساً، وإيه اللي جابها هنا في التوقيت بالذات، وإيه السحر اللي خلا أبويا يصحى وينادي عليها باسم ناديه دي؟!"
​توقف زهران وحاول تهدئة الموقف بحكمة الكبار:
— "يا رحيم بيه، أنت عارف إن العمده تعبان وصحته على قدها، وأوقات كتير بيكلم نفسه وبقول كلام ملوش أي أساس من الصحة... أما البنت دي، فهي بنت عمي، ومش غريبة."
​تنفس رحيم بعنف وكأن صدره يغلي من الغضب، فتقدم بخطوات واسعة وفتح الباب على مصراعيه وخرج متوعداً. أما الحان، فقد تملكتها رهبة الموقف، فخافت ومسكت بطرف جلباب الشيخ زهران بقوة حتى خرجوا جميعاً من الغرفة.
​في الخارج، نادى زهران بصوت عالي:
— "يلا يا فردوس... يلا يا نعمة، وأنت يا بدر هتيجي معانا ولا قاعد هنا؟"
​رد بدر وهو يلحق بهم:
— "لا، جاي يا بوي."
​أما رحيم، فرمى نفسه على الكرسي بغضب، وصاح باختناق:
— "هو إيه ده يا شيخ زهران؟! لسه كلامنا ما خلصش!"
​تدخلت هانم بسرعة ودب في صوتها القلق لتغلق الباب خلفهم:
— "خلاص بقى يا ولدي، كفاية اللي حصل... سيب الجماعة تمشي، وأبوك تعبان ومش ناقصين مشاكل."
​التفت رحيم نحوها بعيون شاردة ومشتعلة:
— "بقول لك ايه يا حاجة! سيبيني أفهم بس إيه اللي بيحصل في البيت ده من ورايا!"
​أما الحان، فوقفت في الردهة وبدت عليها علامات الحرج الشديد وهي توجه حديثها للجميع:
— "أنا آسفة جداً إني بوظت الدنيا وعملت القلق ده كله... بس أنا كنت بجد محتاجة أقعد مع الشيخ زهران كلمتين. لو وجودي عامل مشكلة أو مضايق حد، أنا مستعدة أرجع من حيث ما جيت."
​قاطعها رحيم بصوت ساخر وهو يضيق عينيه:
— "بقول لك إيه يا دكتوره... مش دكتورة برضه ولا أنا غلطان؟"
​هزت الحان رأسها بضيق واضح من طريقته المستفزة، لتكمل هجومها الهادئ:
— "خروج من هنا مش هيحصل، غير لما أفهم كل حرف وكل تفصيلة بتحصل في البيت ده!"
​وقبل أن يرتفع صوت رحيم أكثر، تدخلت هانم بحزم قاطع:
— "خلاص بقى يا رحيم، قلت لك سيب الناس تمشي، وخلينا نطمن على أبوك أحسن."
​زفر رحيم بضيق شديد، ولوح بيده في الهواء:
— "طيب يا حاجة..." ثم استدار ودخل غرفته بعصبية وأغلق الباب خلفه بقوة.
​تنفس زهران الصعداء وقال للبقية:
— "يلا يا بنتي..." وخرجوا بسرعة من الدار يتبعهم بدر بخطوات سريعة.

​في دار الشيخ زهران

​وما إن وصلوا إلى الدار، حتى بادرَت فردوس بلطف إنساني:
— "اتفضلي يا حبيبتي، البيت بيتك."
​دخلت الحان وهي تنظر حولها بخجل:
— "أنا آسفة جداً على الليلة دي، والله ما كان قصدي أبداً أبوظ فرحتكم ولا أعمل المشاكل دي كلها."
​ابتسم زهران بحنان أبوي:
— "يا بنتي ما تقوليش كده، ده بيتك ومطرحك... بس فهّميني، ليه ما اتصلتيش بيا أول ما ناديه أمك ماتت؟ ليه عرفت بالخبر متأخر كده؟"
​أخفضت الحان رأسها بأسى:
— "أنا أصلاً ما كنتش أعرف إن لينا قرايب في الصعيد أصلاً... وما عرفتش طريقك ولا اسمك غير لما لقيت الورق ده في البيت عندي بعد ما ماتت. أنا كل اللي أعرفُم عن حياتها الورقة دي وعقد الأرض القديم ده. ممكن بقى حضرتك تفهمني إيه حكايتهم؟ وليه أمي كانت بتموت في الشغل وتمسح السلالم وتخدم في البيوت، وفي الآخر يطلع لنا أرض بالمساحة دي كلها هنا؟!"
​شابك زهران أصابعه وأخذ نفساً عميقاً:
— "تعالي يا بنتي معايا جوه، وأنا هحكي لك على كل كلمة وكل تفصيلة."
​قاطعتهم فردوس بصوت عملي:
— "يا حاج... مش الأول نتعشى؟ أكيد البنت مسافرة ولسه ما بدقتش لقمة من الصبح."
​أيدها زهران:
— "معاكي حق يا فردوس..."
​لكن الحان قاطعتهم بإصرار:
— "والله يا جماعة أنا شبعانة ومش قادرة أكل... خلينا نقعد نتكلم أحسن يا شيخ زهران، أنا عقلي هيطير من كتر الأسئلة."
​هز زهران رأسه بالموافقة، وشاور لها بيديه نحو إحدى الغرف، ودخلا معاً. وقبل أن يغلق الباب خلفهما، التفت إلى الخارج وقال بجدية:
— "محدش يخش علينا الأوضة دي نهائي، فاهمين ولا لأ؟"
— "حاضر يا شيخنا، عيوني." ردت فردوس بطاعة.

​سر الماضي القديم

​داخل الغرفة الهادئة، جلس زهران على مقعد خشبي، وأخرج سبحته المرجانية وبدأ يقلب حباتها ببطء، ثم نظر إليها بعيون حانية:
— "بصي يا بنتي... ناديه الله يرحمها دي تبقَى بنت عمي، وفي شبابنا كانت هي والعمده بيحبوا بعض حب شديد، حب الكل كان بيحكي عنه في البلد. بس في الوقت ده، العمده كان متجوز حاجة هانم، وكان المستحيل بعينه إنه يتجوز عليها أو يجمع بين اتنين في بيت واحد، خصوصاً إن عائلتهم كانت بتحكم بالسيطرة والتقاليد الصارمة.
​العمده حاول ساعتها يكلم أبوه عشان يوافق إنه يتجوز أمك، لكن أبو العمده رفض رفض قاطع، وهدده بطرده من العيلة كلها لو فتح سيرة الموضوع ده تاني. وعدت سنين وأمك مستحية صابرة ومستنياه لغاية ما أبو العمده مات... وبمجرد ما مات، وبقى هو العمده وصاحب الكلمة، ما عدش شهر واحد وكان متجوز أمك في العالي، وعاشوا فترة في المحافظة بعيد عن هنا، وأنا كنت الشاهد الوحيد على الجوازة دي."
​اتسعت عيون الحان بصدمة بالغة، وكأن الأرض مادت من تحتها:
— "إزاي كده؟! ماما طول عمرها بتقول إنها ما اتجوزتش غير بابا وبس! إزاي متجوزة العمده وأنا ما أعرفش؟!"
​ابتسم زهران بابتسامة مريرة:
— "يا بنتي... الدنيا ساعات بتجبر البني آدم إنه يخبي، ويداري، ويعمل حاجات غصب عنه عشان يحمي اللي بيحبهم، ومبقاش فامل خطورتها غير بعد ما تقع الفأس في الراس."
​سألت الحان بصوت يرتجف:
— "طب وبعدين؟ إيه اللي حصل وخلاها تسيبه وتبعد؟ وإيه قصة الأرض دي؟"
​— "اللي أعرفه يا بنتي، إن هانم مرات العمده لما عرفت بالموضوع وجابت آخره، كتبت الأرض دي بيع وشراء لأمك، بشرط واحد... إنها تبعد وتسيب البلد وتسيب العمده خالص عشان تنقذ بيتها."
​هزت الحان رأسها بعدم استيعاب:
— "بس كده؟! مافيش حاجة تاني؟ طيب هي اطلقت منه؟ وإيه علاقة بابا بكل ده؟"
​هز زهران رأسه بجهل:
— "والله ما أعرف يا بنتي تفاصيل أكتر من كده... بس اللي أعرفه كويس، إن في أمانة تخصك ليكي عندي، هقوم حالا أجيبها لك."
​نهض الشيخ زهران بخطوات بطيئة، وفتح دولاباً قديماً وأخرج منه صندوقاً خشبياً كبيراً مغطى بالأتربة، ووضعه أمامها على الطاولة:
— "اتفضلي يا بنتي... دي الأمانة اللي أمك كانت مسيباها ليكي قبل ما تموت."
​فتحت الحان الصندوق بعيون دامعة، لكنها لاحظت شيئاً مفقوداً:
— "طب والمفتاح يا عمي؟ الصندوق مقفول!"
— "والله ما أعرفش يا بنتي، هي سابته لي كده."
​وقفت الحان وهي تشعر بإنها داخل دوامة لا تنتهي:
— "طيب يا شيخ زهران... أنا لازم أرجع دلوقتي، ولما أرتب أموري هبقى أرجع تاني."
​قطع عليها كلامه بحزم:
— "تمشي فين بس يا بنتي والدنيا ليل وخط السفر خطر؟! أنتِ هتباتي هنا الليلة دي، وتحت عينينا لحد الصبح."
​أومأت الحان برأسها بكسوف وامتنان:
— "طيب... بس كنت أصلاً عايزة أشوف حد يشري لي الأرض دي وأخلص منها ومن وجع دماغها."
​قال زهران بقلق واضح وخوف على مصلحتها:
— "بعدين يا بنتي، مش وقت الكلام ده دلوقتي خالص."
​ثم نادى بصوت عالي:
— "يا نعمة!"
​فتحت نعمة الباب بسرعة وعلى وجهها ابتسامة مرحة وودودة:
— "أيوه يا أَبوي، سامعاك؟"
— "خدي الدكتورة معاكي، جهزي لها الأوضة وخليها ترتاح، وطلعي لها هدوم من عندك تلبسها بدل هدوم السفر دي."
— "من عيوني الاتنين يا أَبوي!" قالتها نعمة وهي تمسك يد الحان بحرارة وتخرج بها نحو غرفتها.
​وقف الشيخ زهران مكانه، وأعاد سبحته بين أصابعه، وارتفع صوته بالدعاء الخالص في سره، راجياً المولى عز وجل أن يسترها، وأن يعدي هذه الأيام الصعبة على خير.

في غرفة نعمة الهادئة، كانت الحان واقفة بمنتصف الغرفة، مترددة ومحاطة بمشاعر الغربة والتساؤلات. اقتربت منها نعمة بابتسامة دافئة وحانية:
— "ما تقعدي يا حبيبتي، واقفة ليه كده كأنك في غريب؟!"
​ثم توجهت بخطوات خفيفة نحو الدولاب، وأخرجت منه جلابية صعيدية واسعة ونظيفة، ومدت يدها بها:
— "اتفضلي يا ستي... أنا عارفة إنها بسيطة ومش هتعجبك، ولا تليق بدكتورة مثلك."
​نظرت الحان إلى الجلابية بابتسامة رقيقة وصادقة:
— "ليه بتقولي كده يا نعمة؟ بالعكس، شكلها جميل جداً، وأنا متأكدة إن ذوقك حلو قوي."
​ابتسمت نعمة بسعادة:
— "طيب يا حبيبتي، أنا هسيبك تاختدي راحتك، وهنزل أجيب صينية أكل سخنة على ما تغيري هدومك وتستريحي شوية."
— "تسلمي يا رب، كتر خيرك."
​خرجت نعمة بهدوء وأغلق الباب خلفها. وما إن خلا المكان بالحان، حتى رن هاتفها المحمول بإشعار اتصال يحمل اسم (ليلى). التقطت الهاتف بلهفة وردت بسرعة:
— "يا هلا يا ليلى! وحشتيني قوي."
​جاءها صوت صديقتها الدافئ عبر الخط:
— "وأنتِ أكتر يا حبيبتي يا الحان... طمنيني، عملتي ايه وصلتي لإيه لحد دلوقتي؟"
​اتنهدت الحان بقوة وكأن حملاً ثقيلاً يبرك على صدرها:
— "آه يا ليلى لو تعرفي اللي حصل... مش عارفة أقول لك إيه ولا أبدأ منين، لحد اللحظة دي أنا تايهة ومش فاهمة إيه اللي بيحصل حواليا ده كله!"
​سألت ليلى بقلق:
— "مالك يا الحان، خايفة ليه؟ بصي، لو الموضوع صعب ومكلكع ومش مرتاحة، سيبي كل ده وتعالي فوراً على إسكندرية، واحنا ندور على أي شركة عقارات أو مكتب قانوني يبيع لك الأرض دي ونخلص، وريحي دماغي خالص من وجع الدماغ والمشاكل دي."
​ردت الحان وهي تنظر بعيون شاردة نحو الصندوق الخشبي المغلق الموضع على الطاولة:
— "المشكلة يا ليلى مش مشكلة أرض وفلوس وبس... دي قصة تخص أمي الله يرحمها، وفي أسرار مدفونة هنا لازم أعرفها وأفهم حقيقتها بالضبط."
​شجعتها ليلى بحنان:
— "طيب يا حبيبتي، ربنا يقويكِ... أنا جنبك ومعاكِ دايماً، ولو حابة نتكلم في أي وقت أنا موجودة."
— "تسلمي لي يا رب يا ليلى... ماشي يا حبيبتي، تصبحي على خير عشان تعبت."
— "وأنتِ من أهله يا قلبي، طمنيني أول بأول."
​أغلقت الحان الخط، وتقدمت بخطوات بطيئة نحو الصندوق الخشبي الكبير. وقفت أمامه وهي تحدث نفسها بتعجب:
— "يا ترى ده بيتفتح إزاي؟ ما فيش قفل ظاهر، ولا مكان لمفتاح تقليدي..."
​ظلت تقلب الصندوق وتتأحصن تفاصيله بعينين دقيقتين تبحثان عن أي ثغرة، وأخيراً شعرت بالتعب، فقالت:
— "خليني الأول أغير هدومي وأرتاح، وبعدين أشوف حكايته إيه."
​بدأت في خلع ملابسها، وأثناء نزع كنزتها، تشابكت حواف القماش بقوة في السلسلة الفضية الخاصة بوالدتها والتي كانت ترتديها حول رقبتها. عبست بضيق طفيف، لكنها تعاملت مع الأمر برفق شديد حتى فكت الاشتباك بحذر لئلا تنقطع السلسلة. ارتدت الجلابية الصعيدية المريحة التي أمدتها بها نعمة، وجلست على المقعد الخشبي الصغير.
​وفي تلك اللحظة، وقعت عيناها صدفة على شكل القفل الصغير الموجود في الصندوق، ولاحظت تصميماً غريباً محفوراً في هيكله الخشبي الداخلي يشبه إلى حد بعيد مفتاحاً قديماً كانت تحتفظ به معها في غرفتها بإسكندرية كذكرى لا يفارقها. قفزت فكرة سريعة إلى مخلتها، فأخرجت المفتاح القديم من حقيبتها بفضول بالغ، وتقدمت به نحو الصندوق، وجربت إدخاله في الفتحة الخفية...
​واندهشت أشد الدهشة عندما سمعت صوت (طقطقة) خفيفة، وفتح القفل المزلاج بسهولة غريبة وكأن الصندوق كان ينتظرها!
​رفعت الغطاء بحذر، وتصاعدت منه رائحة ترابية قديمة ممتزجة بعبق الذكريات. بدأت تتفحص المحتويات بذهول؛ وجدت حزماً من الأوراق الصفراء القديمة، وصوراً شخصية لأشخاص لا تعرفهم، وسبحة خشبية داكنة، وزجاجة مسك صغيرة محكمة الإغلاق. ظلت تقلب تلك الأشياء بدهشة بالغة، تحاول ربط خيوط الماضي ببعضها، حتى امتدت يدها إلى أسفل الصندوق، فوقعت أصابعها على صورة فوتوغرافية قديمة باللونين الأبيض والأسود... وما إن وقعت عيناها على ملامح الأشخاص في الصورة، حتى أصابتها صدمة جعلت الدم يتجمّد في عروقها ووقفت الكلمات في حلقها!

تعليقات