رواية اشتد قيد الهوي الفصل الثامن والاربعون والاخير
تمر على المرء أعوامٌ لا تُحدث في حياته فارقًا يُذكر سوى شيبٍ يتسلل إلى شعره وسنواتٍ من عمره تنساب من بين يديه دون أن يحقق فيها ما يُرجى.
والمحظوظ فقط هو من يُدرك قيمة الوقت فيمنح كل لحظة من عمره معنًى ويصنع منها ذكرى دافئة تجمعه بمن يحب... من يحوّل سعيه إلى جبلٍ شامخ ثم يقف على قمته بانتصار....
وقد وقف هو على تلك القمة منتصرًا…
نجح أيوب عبد العظيم وأصبح من الأثرياء بفضل سعيه الدائم وصبره الممتد عبر تلك السنوات.
قد اقتحم عالم الأزياء بقوة مبهرة حتى غدا اسمًا لامعًا يتجاوز حدود بلده...حضر العديد من الحفلات في دولٍ شقيقة وارتدى تصاميمه أشهر الشخصيات المؤثرة في المجتمع...داخل الوسط الفني وخارجه من أصحاب المناصب الرفيعة....
وتوطدت علاقاته مع كبار الشخصيات في البلاد مع أناسٍ لم يكن يتخيل يومًا أنه سيعبر أمام منازلهم أليوم تجمعه بهم صداقة ومودة متبادلة.
وها هو الآن يقف أمام المرآة في غرفته الواسعة المخصصة لملابسه الفاخرة… غرفة كبيرة تضم كل ما يملك من ثيابٍ أنيقة وأحذية وساعات يد نفيسة.
غرفة لم يكن يحلم يومًا أن يمتلك مثلها لكنها أصبحت جزءًا من (الفيلا) الجديدة تلك التي تضم غرفًا عديدة وأثاثًا فاخرًا وخدمًا يلّبون طلباتها.
فيلا طالما حلم أن يقتنيها ليجمع فيها شمل عائلته…
وحين صممها المهندس منذ عامٍ واحد خصّص جناحًا مستقلًا لوالدته وشقيقتيه توفيرًا لمزيدٍ من الخصوصية وكذلك فعل مع نغم....
أما الطابق السفلي فكان ملتقاهم الدائم حيث يجتمعون أغلب الوقت. وهناك لا تفارق الحفيدة المشاكسة جدتها وعماتها وقد تعلق بها الجميع إلى حدٍ يثير غيظه إذ تحظى بكل هذا الاهتمام منهم ومن نغم.....
قطع أفكاره صوتُ خطواتٍ صغيرة تقترب…
فبقي في مكانه يراقبها عبر انعكاس صورتها في المرآة.....
رآها تخطو نحو أحد الأدراج مرتديةً منامتها الخضراء الطفولية التي رُسمت عليها شخصية كرتونية مفضلة لديها....
وحين اقتربت أكثر من أغراضه نبّهها بنبرة حازمة..
"رُبى… اتفقنا على إيه؟"
زمّت الصغيرة شفتيها…
كانت قد ورثت عن والدتها عينيها الرماديتين وأخذت منه شعره الأسود الحالك لكنه فائق النعومة كشعر أمها.... اما ملامحها فكانت قريبة إلى حدٍّ كبير من نهاد وندى فهما شبيهتان وجاءت الثالثة بعيونها الرمادية تنافسهن في الجمال…
لكن طباعها كانت كأمها فهي بنت ابنةِ الذوات الا يكفي واحده لتصبح الثانية نسخةً مصغّرةً منها في الطباع وطريقة الكلام ....
قالت الصغيرة وقد قاربت على إتمام عامها الخامس…
"انا بحب ساعاتك يا ايوب......"
استاء من اعتيادها على نطق اسمه هكذا فقال عابسًا...
"أيوب... ونعمة التربية... هو أنا يا أستاذة رُبى مش اشتريتلك ساعة؟"
قالت الفتاة بجدية ليست غريبة عليه..
"أيوه بس دي للأطفال... أنا كبيرة وعايزة زيك."
سألها بلؤم...
"يعني إنتي مش طفلة؟"
أومأت برأسها فسألها...
"أمال ليه بتطلبي مني أجبلك كاندي؟"
عبست الفتاة كوالدتها وهي تقول بالجدية ذاتها..
"ماما كمان بتاكل كاندي معايا وهي كبيرة... يعني مش للصغيرين بس."
التقط أيوب تلك الجدية وعلم إلى مَن تنتمي فقال مبتسمًا رغمًا عنه...
"بلاش تقعدي مع نهاد كتير... بقيتي بتتكلمي زيها."
قالت رُبى ببراءة...
"نودي جميلة..."
لم يعقّب أيوب على كلمتها فهو يعلم أنها ليست فقط جميلة بل رقيقة وجادة... وآهٍ من جديتها التي تُقلقه عليها أحيانًا... وكأنها جدار من جليد تحيط به نفسها....
مزح مع ابنته ساخرًا...
"الدكتورة بقت نودي!"
قالت الصغيرة بوجه عبوس مضحك...
"نودي مش دكتورة... الدكتور بيدي دوا مُر نودي بتديني كاندي!"
جادلها أيوب وكأنها شخص بالغ...
"ده عشان عمتك بس لكن في المستشفى بتدي دوا مُر."
جاء من خلفهما صوت ناعم كخرير القطط...
"صباح الخير... إيه اللي مصحيكم بدري كده؟"
رد أيوب وعيناه تشملانها بمداعبة صريحة ثم قال بعذوبة....
"صباح الورد الأحمر."
إبتسمت وتوردت وجنتاها مع ارتجفها كعروس حين تذكرت ليلة أمس وحرارة أشواقهما المنصهرة على ضوء الشموع....
نظرت إلى ابنتها محاولةً إلهاء عقلها عنه وعن ليلة أمس...
"رُبى.... إنتي هنا وأنا بدور عليكي!"
قالت الصغيرة بلهجة أطفال عابسة تشع براءة...
"جاية يا مامي آخد ساعة من بابي عشان أشوف الوقت... "
عقّب أيوب بمزاح...
"سيدة الأعمال... خايفة تتأخر على مواعيدها.. "
هام وجه نغم بالعاطفة وهي تميل على ابنتها تخطف القبلات وتقول بحب....
"أنا أقولك الساعة يا مامي... اسأليني وأنا أقولك بس إنتي عايزة الساعة ليه؟"
قالت الصغيرة...
"عشان نهاد قالت هترجع الساعة أربعة من شغلها... وأنا هستناها عند تيتة... "
قالت نغم بابتسامة جميلة...
"بس دا لسه بدري خالص... نهاد هتلاقيها لسه تحت عند تيتة...."
برقت عينا الصغيرة الرماديتان وهي تقول بحماس لرؤية عمتها...
"أوكيه...... أنا هنزل!"
قالت نغم بحزم طفيف..
"مش قبل ما تغيري هدومك... وتفطري."
"هفطر عند تيتة... "
وافقت نغم وقالت...
"تمام روحي للدادة خليها تجهزك عشان تنزلي."
فرحت الصغيرة لأن أمها سمحت لها بالنزول مبكرًا هكذا فقالت وهي تقبلها بعد أن انحنت لها نغم تلقائيًا....
"بحبك يا مامي..."
بادلتها نغم العاطفة برد مماثل بينما عبس أيوب بغيرة فهو للأسف لا يحظى بتلك العاطفة والتقارب لكثرة انشغاله عنهما بالعمل والسفر....
نغم تتفهم غيابه لأنها تعرف طبيعة عمله لكن والدته تُشعره دومًا بتقصيره ناحية عائلته... لكن لكل شيء ضريبة...وهو يحاول بقدر الإمكان التواجد معهما.
"ربوش مفيش بحبك يا بابي؟"
ركضت الصغيرة إليه وكان ينتظرها وهو يجثو على ركبته لتتعلق في عنقه بكلتا ذراعيها وتطبع أكثر من قبلة على وجنته وكأنها تشعر بحاجته لها... لا حاجتها هي.....
"بحبك يا أيوب!"
قالت نغم بحزم رقيق...
"بابي يا رُبى..."
اعتذرت قائلة ببراءة...
"سوري بابي... بحبك يا بابي."
ضمها أيوب أكثر إليه حتى اختفت الصغيرة بين ذراعيه ليشم رائحتها المميزة قائلًا....
"وأنا بموت فيكي يا قلب بابي."
حين رحلت رُبى ظلت نغم مكانها تتبادل معه النظرات منتظرة دعوة صريحة منه...
فلبى أيوب نداء قلبها مشيرًا لها أن تقترب بنظرة شوق لا تخطئها عيناها العاشقتان...
"تعالي يا كُلّ الحب... تعالي في حضني... ملحقتش أشبع منك امبارح...."
دست نفسها بين ذراعيه ترتاح على صدره النابض هامسة بمشاكسة نسائية...
"بس إحنا مسبناش بعض لحظة من ساعة ما رجعت من شغلك..."
تنهد تنهيدة حارة تحكي عن تلك الليلة الصاخبة التي كانت تعويضًا رائعًا عن شهر كامل عمل فيه ليلًا ونهارًا لا يراهما لعودته متأخرًا وذهابه مبكرًا قبل استيقاظهما....
ارتسمت التسلية على محيّاه وهو يذكرها بتفاصيل تلك الليلة التي أعدتها خصيصًا لإسعاده...
"بس امبارح فاجأتيني نغم الموجي بتحتفل بعيد ميلادي ببدلة رقص حمرا... يا وعدي!"
فلتت منها ضحكة أنثوية تشع خجلًا ثم تبعتها عبارتها المحبِطة....
"متفكرنيش بقى... كانت محاولة فاشلة وتقريبًا
مش هتتكرر تاني."
همس أيوب معترضًا وهو يشدد على ضمها دافنًا وجهه في عنقها يدغدغها بأسنانه....
"بس أنا عايزها تتكرر تاني... ده إنتي طلع عندك مواهب مدفونة...ومش هتطلع غير على إيد العبد لله."
نطقت اسمه بدلال...
"أييووب..."
"يا روحه..."
رده جعل قلبها يختلج بالخفقات وهي تقول بهيام يصعب السيطرة عليه أمام أيوب عبد العظيم...
"بحبك... بحبك أوي..."
رد وهو يذوب معها أكثر...
"أنا بقى دايب... دايب في هواكي..."
بعد لحظات من تلك العاطفة المتبادلة سألها وهو يعيد تمشيط شعره وهندمة ملابسه...
"هتفطريني ولا هنفطر عند صفصف؟"
أجابته وهي تنوي المغادرة لأخذ حمام دافئ قبل أن تجهز نفسها مثله استعدادًا للعمل...
"هي اتصلت وقالت إنها مستنيانا... وأنا يدوبك أجهز نفسي عشان عندي شغل في الشركة... حسبت ساعتين تلاتة وهرجع... عشان رُبى عندها تدريبات في النادي.... "
قال أيوب على نحوٍ مفاجئ...
"اعملي حسابك... هاجي آخدكم في آخر اليوم..."
استدارت إليه بملامح مشدوهة...
"بجد؟"
سألها أيوب مبتسمًا...
"مالك مصدومة كده ليه؟"
قالت نغم بحرج..
"مش مصدومة... بس إنت بقالك فترة مشغول..."
أومأ أيوب معترفًا بتقصيره ليقول..
"وفضيت وناوي أعوضكم إنتي ورُبى بخروجة حلوة... إيه رأيك؟"
هزت كتفيها وبحب قالت...
"إنت عارف رأيي... لو في أي حتة أنا موافقة
طالما معاك يا حبيبي..."
توهّجت نظرات عينيه بالحب فقال بعذوبة..
"يبقى اتفقنا يا كل الحب... هنقضي اليوم النهارده في المكان اللي تشاوري عليه... "
ابتسمت موافقة لترسل له قبلة في الهواء ممتنةً لذلك الشعور المتبادل بينهما... فقد كانت بأمسّ الحاجة إلى خروجة تجمعهما بعيدًا عن صخب الحياة العملية والمسؤوليات التي تلاحقهما...
.........................................................
خرجت من غرفتها بكامل أناقتها استعدادًا ليومٍ جديدٍ حافلٍ بالعمل في المشفى.. ما زالت خريجةً مبتدئة بعد الامتياز لكن ممارستها لعامين في المشفى أكسبتها صيتًا رائعًا بين الأساتذة الكبار وأصبح الجميع يشيد بذكائها وتفانيها العملي.
كعادتها هي جيدة في حياتها العملية تُجيد ممارستها لكن في الحياة عمومًا هي مجرد فتاةٍ جليدية دائرة حياتها محدودة جدًا ولا ترغب في إضافة المزيد مهما حاولوا....
رأت والدتها الحبيبة تضع الإفطار على المائدة فاقتربت منها ومالت تقبلها بمناوشة قالت نهاد
بحب...
"صباح الخيرات يا صفصف..."
ردت صفية مبتسمة وهي تشير لها بالجلوس
"صباح النور يا حبيبتي...ما تنزليش قبل ما تاكلي."
رفضت نهاد كالعادة....
"مليش نفس يا صفصف... بعد الضهر أبقى آكل حاجة خفيفة....هجيب سينابون...."
امتعضت الأم بعدم رضا....
"سينابون إيه اللي مبتكليش غيره ده... اسمعي الكلام وكلي لقمة.... "
ثم توقفت صفية وسألتها بتذكر ولمحة من الحنين في عينيها.....
"كلمتي أختك؟"
أجابتها نهاد مع إيماءة بسيطة...
"أيوه اطمني كلمتها الحمد لله... هي كويسة وهترجع الأسبوع الجاي."
تنهدت الأم بشوق...
"وحشتني أوي... عايزة أعزمها هي وجوزها... تفتكري أعمل إيه؟"
زمت نهاد شفتيها قائلة بجدية..
"اسأليها مكرم بيحب إيه... واعمليه."
حدقت الأم في نهاد للحظات ثم قالت بدهشة بعبارةٍ حفظتها نهاد منذ أن وقعت أختها التوأم في الحب وارتبطت بأحد زملائها في الجامعة وبعد عامٍ تزوجا منذ أسبوعٍ مضى...
"مين يصدق إن ندى اتجوزت قبلك... أنا قولت عدوة الرجالة دي اللي هتقعد في بيتها..."
ضحكت نهاد فكلما قالت هذه العبارة ضحكت بمرارة فالأمر ليس بيدها وقلبها يبدو أنه توقف عند حادثٍ مؤلم تشوهت مفاهيم الحب بالنسبة له وأصبح زاهدًا في هذه المشاعر....
"عدوين الرجالة هما اللي بيتجوزوا أسرع من الناس العادية... أصل بييجي اللي ينسف معتقداتهم بنظرة واحدة."
قالت والدتها بعبس...
"وانتي يا دكتورة إمتى ييجي اللي ينسف معتقداتك؟"
تأففت نهاد فكالعادة أخذ الحوار هذا الطريق المسدود معها...
"تاني يا ماما..."
تبرمت والدتها مغتاظة
"يا بنتي ده من كترهم مش عارفة المرفوض ده رقم كام!"
قالت نهاد بعناد شديد
"أنا مش عايزة أتجوز... أنا هفضل كده."
استهجنت الأم وقلبها يؤلمها
"وده ليه بقى إن شاء الله؟... هتقعدي جنبي؟ هو أنا هعيشلك العمر كله حتى أخوكي الله يقويه ما بين شغله وبيته بالعافية محدش فاضي لحد يا نهاد..."
قالت نهاد بغصة مريرة
"أنا مش عايزة حد يفضى لي يا ماما... ربنا يديكي الصحة وطولة العمر وتفضلي معايا."
ترقرقت عينا الأم وهي تقول بلوعة
"يا بنتي أختك أهي اتجوزت اللي كانت بتقول برية من الجواز... وكل اللي في سنك اتجوزوا ومعاهم عيال واللي اتخطب... وانتي مش عايزة تفتحي بابك لحد... عملتيها قبل كده مرة يتيمة وأخوكي رفضه بسبب المسافة.... "
ذكّرتها والدتها بـ(محمد الغازي) ذلك البدوي ذو العينين الحادتين اللتين تفرضان حضورهما كلما التقت بهما ولهجته المميزة التي لم تسمع مثلها يومًا....
بلغت ذروة ضيقها وهي تنهي النقاش...
"يا ماما مش كل يوم على السيرة دي... أنا تعبت."
استاءت الأم أكثر وقالت بوجوم
"وأنا تعبت أكتر منك... انتي معمولك عمل أنا هاخدك وأطلع بيكي عند أي شيخ يفكه."
تأففت نهاد وحملت حقيبتها قائلة بنزق
"مفيش فايدة يا ماما... عمومًا أنا اتأخرت."
هتفت الأم..... "والفطار يا نهاد"
بملامح واجمة قالت باحتجاج
"بعد اللي قولتيه هييجي لي نفس إزاي آكل؟
سلام يا صفصف."
كانت على وشك المغادرة لكنها وجدت ابنة أخيها الصغيرة تنزل من على السلم الممتد إلى الطابق الأول حيث يجتمع الجميع لتناول الطعام والجلوس معًا....
كانت الصغيرة متأنقة بثوبٍ أبيض مطبوع عليه الكرز الأحمر مع قبعة حمراء ونظارة بيضاء وحذاءٍ أحمر وشعرها منسدل خلف ظهرها....
رُبى تحب انتقاء ملابسها بنفسها كوالدتها لديها ذوق رفيع في اختيار الألوان والثياب المناسبة وكذلك الإكسسوارات... بنت ابنة الأكابر.....
همست نهاد بانبهار
"روبي... إيه الحلاوة دي.. "
لفتت رُبى نفسها عدة مرات لتُريها الثوب ثم سألتها بلهفة بعد أن لاحظت استعدادها للخروج
"رايحة فين يا نودي؟"
انحنت نهاد إليها لتكون في مستوى طولها
"رايحة شغلي مش قولتلك إني هرجع الساعة أربعة؟...لما أرجع نلعب سوا ونحكي الحواديت بتاعتنا.... "
قالت رُبى بحزن..... "طيب بس متتأخريش..."
"حاضر يا قلبي... وأنا راجعة هجيبلك كاندي معايا... اتفقنا؟"
تحركت الصغيرة في اتجاه جدتها...
"صفصف..."
استقبلتها صفية بحفاوة تضمها إلى صدرها وتقبلها
"قلب صفصف...أحلى من يقول لي صفصف!"
ادعت نهاد الغيرة...
"جتلك حفيدتك خلاص... اتنسيت أنا؟"
نظرت إليها صفية بمحبة بينما الصغيرة بين ذراعيها تتدلل...
"عمري ما أنساكي يا دكتورة... آه لو تحنني قلبك هتفرحي قلب أمك بيكي.. "
قالت نهاد بمهادنة
"إن شاء الله يا صفصف... كل حاجة في وقتها أحلى...."
تنهدت صفية تنهيدة طويلة بعد رحيل ابنتها وقالت بألم
"ربنا يسعدك يا نهاد... وترجع الفرحة تنوّر عينك من تاني... لو أعرف بس إيه اللي مخبياه عليا وإيه اللي شقلب حالك السنين اللي فاتت دي..."
...........................................................
ينامُ بطمأنينةٍ فوق فراشٍ وثير لم يظن يومًا أنه سيغفو بهذا العمق مرتاحَ البال مأمن مستقبله هو وعائلته بأشياء عديدة لم يكن يتوقع يومًا أن ينالها....
كانت أقصى طموحات «سلامة» يومًا أن يمتلك شقّةً متواضعة في أي مكان يكفي أن تكون شقّةً لا غرفةً فوق السطح....
أما اليوم فقد صار يمتلك شقّةً تطلّ على البحر في أرقى الأماكن وسيارةً حديثة وحسابًا بنكيًا وفيرًا يكفيه لسنواتٍ قادمة بل ويزداد مع عمله وكثرة الإعلانات التي تنهال عليه من داخل مصر وخارجها....
ومع صيته الذي ذاع وارتفاع أجره بين زملائه أصبح محط أنظار الجميع يغار منه البعض ويحقد عليه آخرون....
ومن يصدّق أنهم حاربوه بنسبة الغير معروف؟
ومن يصدق أنه تصدّى لهم جميعًا ولم يتزحزح
عن عمله؟
لقد ساندته «هانيا» كثيرًا حين علمت بنشأته كما ظلّت «عزّة» رفيقة دربه إلى جواره في تلك الأزمة فخرج منها أقوى وأصلب مما كان....
وقد تعلم سابقًا أن التراخي قد يُفلت أثمن الأشياء من بين يديك وهو لن يكرّر ذلك أبدًا.....
شعر بأصابع صغيرة تعبث بخصلات شعره تجذبه برفق وهمسٌ متذمّر ينساب بالقرب منه…
"اصحى بقا يابابا.......يابابا......"
لم يردّ عليه سلامة بل اكتفى بسحب ابنه بين ذراعيه بقوة ثم دثّره بالغطاء معه...
رفض الصغير وهو يضحك من إمساك والده به..
"لا مش عايز أنام أنا... ماما عملت الفطار..."
سأله سلامة مدّعيًا الاهتمام حتى يطيل بقاءه معه
"عملت فطار إيه؟"
ردّ الصغير...
"بيض بالبَسطرمة..."
ادّعى سلامة الضيق وهو يضمّ الصغير بحنوّ ويشمّ رائحته بنهم فهذا الصغير ليس مجرد ابن ينتمي إليه بل هو عمرٌ وحياة تتمحور حوله...
يسعى بجد حتى يوفّر له الأفضل... أفضل بكثير مما هو مطلوب منه...
"مش بحبه... يبقى الفطار ليك مش ليا..."
قال الصغير ببراءة...
"عشان ماما بتحبني أنا..."
عقد سلامة حاجبيه متجهمًا كطفلٍ غيور...
"وأنا ماليش من الحب ده جانب؟"
هزّ الصغير رأسه بمشاكسة...
"لا... لا... إنت لا."
"كده طيب..."
انقض «سلامة» عليه بمزاحٍ خشن يدغدغه فانفجر الصغير ضاحكًا بملء شدقيه وشاركه «سلامة» الضحك بصوتٍ عالٍ كأنهما في نفس العمر....
وقفت «عزّة» عند باب الغرفة تراقب مزاحهما بابتسامةٍ ناعمة يقطر منها الحزن فمع «يوسف» يعرف كيف يضحك من قلبه وكيف يمزح دون تكلّف أما معها فيبدو الأمر مختلفًا كأنه يؤدي واجبًا لا بدّ من قضائه...
واجبٌ مفروض عليه.... عليه أن يتمّه… وكم يشطر هذا الإحساس قلبها نصفين.....
كانت تتمنى لو تتوغل في قلبه وروحه كما تملّكها هو حتى أصبح في عينيها الحياةَ كلّها وما فيها.
قالت عزة بهمسًا حاني....
"الفطار ياسي سلامة.....يلا يا يوسف...."
هتف الصغير شبيه أبيه...
"أنا اسمي سي يوسف... إشمعنى بابا؟"
لانَت نظرات عزة أكثر على ابنها وقالت بحنان..
"يا سلام على الغيران... إنت سيد الناس كلها ولا تزعل..."
ثم نظرت إلى زوجها الذي استقبل عينيها مبتسمًا
"صباح الخير..."
ردّ ببُحّةٍ خاصة...
"صباح الفل يا وزة..."
ثم أمام عينيها أخذ علبة السجائر فقالت عابسة
"حرام عليك يا سي سلامة... سجاير على الصبح كده؟ صحتك..."
رفض سلامة الانصياع إليها كعادته وقال بأمر
"خدي يوسف وأنا شوية وجاي وراكي..."
أطاعت دون جدال فقد كانت تظنّ دائمًا أن الخنوع مفتاح قلبه....
"من عنيا... بس متتأخرش أنا حضرتلك الحمّام..."
ردّ سلامة برفق...
"تسلم إيدك يا وزة... شوية وجاي وراكم..."
بحث «سلامة» عن قداحةٍ فلم يعثر عليها ففتح الدُّرج القريب منه ليأخذ واحدةً جديدة فوجد تلك الحلوى المغلّفة في مكانها منذ أسبوعٍ مضى ألقاها هنا ولم يخطر بباله أنها ستبقى كما هي...
اجتاحه مشهدُ رؤيتها بعد خمس سنواتٍ كاملة… حين رآها في حفل زفاف توأمها...
سنواتٌ طويلة تعمد خلالها الهروب من أي لقاءٍ قد يجمعهما ولو صدفة وهي كذلك حرصت على ذلك حتى نجحا معًا في ألّا يلتقيا طوال تلك الأعوام.
غير أن اللقاء الأخير كان يصعب التهرب منه… رآها بعد كل تلك السنين...كانت أكثر تألقًا من ذي قبل زادتها الأيام أنوثةً وجمالًا… ووَحدة....
أصبحت «الدكتورة» رسميًّا كما كانت تسعى وصارت تمارس مهنتها في أحد المشافي الخاصة بعد توصيةٍ من أخيها...
في تلك اللحظة أبصرت «نهاد» ابنة أخيها تنهض بعد أن تعثّرت وهي تركض بين الطاولات مع الأطفال....
(رُبى… مين وقعك؟)
أشارت «رُبى» إلى الصبي الواقف جوارها ذو الشعر الكثيف والغُرّة الناعمة التي تغطّي جبهته...
(يوسف… ابن عمو سلامة.)
نظرت إليه «نهاد» بدهشة فقد لمحَت «سلامة» عند دخوله القاعة برفقة زوجته وابنه بأناقةٍ لافتة تحكي عن رجلٍ بات يملك الكثير…
لكنها لم تكن سوى نظرةٍ خاطفة لم تتجاوز الثواني ثم أشاحت بعدها ببصرها بعيدًا ولم تنتبه إلى ذلك الشبه الكبير بين الابن وأبيه....
قال الصغير بتردّد...
(إحنا كنا بنجري ورا بعض… هي وقعت. أنا مقصدتش… أنا كمان وقعت زيها...)
انتبهت «نهاد» إلى الحُلّة التي يرتديها الصبي وقد تجعدت إثر سقوطه مع «رُبى»...
أشارت إليه نهاد أن يقترب بينما تبتلع ريقها كمن يبتلع شفراتٍ حادّة…
لم تتخيّل يومًا أن تعيش هذا المشهد لكن يبدو أن التعاسة كُتبت عليها وأن تدفع ثمن حبٍّ انساقت إليه بطيش المراهقة.....
وحتى الآن ما زالت تسأل نفسها كيف سمحت له أن يتلاعب بها وبقلبها؟.... ولماذا لم تحافظ على قلبها لزوجٍ يصونه… بدل حبيبٍ يُشقيه؟
حين اقترب منها الصغير بوجل نفضت عنه الغبار ورتّبت سترته بعناية وقالت بنبرةٍ جادّةٍ حانية…
(بلاش تجروا ورا بعض.....القاعة مليانه ناس...العبوا من غير جري اتفقنا....)
سالها يوسف....
(هو انتي أسمك إيه......)
اجابت رُبى ببراءة.....
(دي اسمها نودي دكتورة.....بس مش بتدي دوا مُر
بتدي كاندي.....تاخد كاندي..)
ضحكت نهاد وهي تقرص وجنة رُبى.....
(اه يا لئيمة عايزاني اطلع عشان تاخدي تاني..)
قالت رُبى بلهفة...
(واحده بس يانودي... انا واحده...ويوسف واحده.....)
رفض يوسف.....
(مش بحب الكاندي......)
ضربته رُبى في ساقه وصاحت......
(لا بيحبه اوي بس بينسى.....)
حدّقت فيها نهاد بدهشة ثم انفلتت ضحكتها عنوة عنها ضحكةٌ ذات صدى خاص ارتجف لها قلبُ من كان يراقبهما خفيةً من بعيد.
(يا مفتريّة…رِجل الولد.... هديكي أصبري …)
أخرجت نهاد من حقيبتها قطعةَ حلوى فأعطت واحدةً لـ رُبى وأخرى لـ يوسف لكنه اعتذر بأدب
(شكرًا… أنا مش عايز.)
قالت نهاد برفقٍ حانٍ
(خليها معاك....اديها لأي حد من صحابك.)
أومأ برأسه بينما سارت هي مبتعدة تمسك بيد
رُبى معترضة على ركضها هنا وهناك...
وفجأة ظهر سلامة أمام الصغير وقد كان هو الآخر يشيّع رحيلها بنظرةٍ يكسوها الحرمان....
(إيه اللي في إيدك ده يا يوسف؟..)
أجاب الصغير بلا اهتمام وهو يضع الحلوى في يد أبيه وينصرف...
(دي كاندي...خدته من طنط نودي بس أنا مش عايزه... خليه معاك يا بابا. أنا هروح ألعب مع رُبى.)
غامت عينا سلامة وهو يحدّق في قطعة الحلوى المغلفة المستقرّة على كفّه. طالت نظراته إليها قبل أن يرفعها خفيةً إلى أنفه… كالأحمق يفتّش فيها عن رائحتها؟!....
لكنه لم يجد سوى الفراغ…
ذلك الفراغ الذي يعصف بقلبه منذ أن افترقا....
............
"تسلم إيدك يا عزة... أنا هقف شوية في البلكونة."
قالها سلامة وهو يهمّ بالنهوض بعد تناول وجبة الإفطار ليقف في الشرفة ويشعل سيجارة جديدة بينما يسمع صوتها من
خلفه...
"ثواني والشاي يكون عندك..."
لم يُبدِ إشارة أنه سمعها وظل واقفًا واجم الملامح غائم النظرات يشرد في البحر الثائر بأمواجه المتدافعة بعضها يسبق الآخر دون هوادة...
"اللي واكل عقلك يتهنى بيه..."
همست عزة بتلك العبارة بمزاح وهي تضع صينية الشاي على الطاولة...
رد سلامة وهو يستدير بكليّته إليها...
"هيكون إيه يعني غير الشغل..."
قالت بنظرة لائمة...
"طب اكدب وقول إنتي..."
هتف مسترضيًا يطيب خاطرها كالعادة..
"إنتي في قلبي يا عزة... مش بس في عقلي..."
ابتسمت عزة فهي ترضى بالقليل منه حتى
إن كان زيفًا بيّنًا....
"وإنت كل حياتي ربنا يخليك ليا يا سي سلامة... وينجحك أكتر وأكتر..."
أخذ سلامة كوب الشاي وارتشف منه ثم سألها باهتمام...
"فكرتي في اللي قولتلك عليه؟"
قالت عزة بطواعية والحزن يقطر من بين كلماتها...
"فكرت... واللي تشوفه هعمله... إنت عارف إني مبقاش ليا حد هنا بعد موت خالتي... بقيت إنت ويوسف كل حياتي وأنا معاك منين ما تروح يا سي سلامة..."
تنهد سلامة بارتياح بعد قرارها وقال بحسم..
"خلاص يبقى على بركة الله... هخلص إجراءات السفر بتاعتكم حسبة شهر كده ونكون رتّبنا أمورنا... دبي بلد حلوة هتعجبك... أنا روحتها أكتر من مرة مع هانيا بحكم الشغل وعجبتني... ونفسي نستقر فيها."
قالت عزة بشجن...
"كل البلاد حلوة... بس بلدنا مفيش زيها... هتقطع بيا إسكندرية وناسها... بحرها وهواها وشوارعها..."
ضحك سلامة بسخرية وعقّب...
"والله إنتي فقرية... حد تجيله الفرصة يستقر في دبي ويقول لا... "
قالت عزة بوجوم...
"مهما زاد جمالها يا سي سلامة مش هتاخد مكان إسكندرية في قلبي..."
قال ببلادة.... "عشان بلدك..."
قطبت جبينها متعجبة...
"ما هي بلدك إنت كمان... مش زعلان إنك هتسيبها؟"
(مش زعلان... كل حتة هنا بتفكرني بيها... وأنا مش عايز أفضل فاكرها...)
قالها سرًا وقلبه يعتصره الألم يريد أن يرتاح من هذا العذاب.... يتمنى أن ينزع تلك المشاعر بخيرها وشرها... ومهما حاول يجد نفسه يقف عند نقطة معينة....
أسبل عينيه يُخفي الحقيقة عنها وهو يقول بهذر..
"أكيد زعلان... بس إنتي عارفة شغلي بقى... ودي حاجة لازم منها... يمكن نرجع تاني بس إمتى الله أعلم..."
حانت من عزة نظرة خلفها حيث يجلس صغيرها أرضًا يلعب بالألعاب فقالت بتردد...
"أكتر واحد هيزعل فينا يوسف... عشان مدرسته وصحابه... ورُبى هتزعل أوي إنه
مش هيشوفها تاني..."
بلا اكتراث علق سلامة...
"بكرة يقابل عيال من سنه ويتصاحب عليهم كمان... متقلقيش هيتعود..وانتي كمان هتاخدي على المكان والناس هناك..."
وافقت عزة الرأي وهي تشعر أنها تجادله أكثر من المعتاد....
"توكل على الله... طالما شغلك هيبقى هناك يبقى أنا معاك... لو هتروح آخر الدنيا أنا معاك..."
...........................................................
اجتمعت العائلة في يوم الجمعة من كل أسبوع اجتماع يملؤه صخب الأولاد ومزاحهم وحديث الكبار وحكاياتهم…
دلفت أبرار إلى شقة أبيها في الطابق الثالث حيث يجتمع الجميع هنا بالقرب من جدتها يقضون اليوم معها… هم معها طوال الأيام...لكن يظل يوم الجمعة مميزًا لأنه
إجازة أبيها وزوجها....
رأت شروق تجلس عند الطاولة تقوم بتقطيف أوراق الملوخية فتلبستها روح المشاكسة فقالت بمناوشة
"قاعدة عندك بتعملي إيه… إنتي مش المفروض عزمتِنا على الغدا؟"
قالت شروق بحسن نية...
"وإنتي شايفاني بعمل إيه… ما أنا بقطف الملوخية…"
استنكرت أبرار...
"محدش بيحب الملوخية دي غير بابا…"
لمعت عينا شروق بالحب لتقول بصدق...
"ما هو الأهم وانتوا بعضيه…"
تسللت الغيرة إلى قلب أبرار فتمتمت بامتعاض...
"هو ده وقت مُحن يا غزالة الشيوخ؟"
رمقتها شروق بغضب...
"أبرار لمي نفسك واعقلي… أنا ماليش مزاج أتشاكل معاكي…"
لوحت أبرار بيدها بضيق...
"أنا مش بتشاكل أنا بتكلم جد… فين الأكل؟"
قالت شروق وهي تزفر في استياء...
"على النار… روحي بصي عليه وحطي إيدك معانا خلينا نخلص عايزين قبل صلاة العصر كده نحطه الغدا…"
استفزتها أبرار وهي تمط شفتيها بدلال...
"بس أنا ماليش مزاج أطبخ أنا جاية آكل عندكم… عشان مش عايزة أطبخ في بيتي…"
لوت شروق شفتيها بازدراء قائلة...
"والله جوزك ده ليه الجنة… إنتي أصلًا من ساعة ما اتجوزتي وإنتي بتاكلي هنا…"
صاحت أبرار بهجوم مبالغ فيه...
"الله وإنتي زعلانة ليه يا حبيبتي؟.. باكل وبشرب في بيت أبويا… يعني بيتي…"
رمقتها شروق بقنوط...
"لا إله إلا الله… على طول نيتك سودة كده؟"
لوحت أبرار بيدها بتشكيك...
"الله أعلم بالنوايا… أنا هروح أشوف الأكل…"
سألتها شروق...
"بنتك فين يا أبرار؟"
نظرت إليها أبرار ثم أجابت بمزاح هادئ...
"ضرتي… مع أبوها… بيمشيها شوية أصلها مخنوقة من قعدة البيت…"
زمت شروق شفتيها مؤنبة إياها...
"ليه طلعتيها تاني؟ دا الجو مش مظبوط وهي لسه صغيرة… دي مكملتش سنة…"
وقبل أن تجيب أبرار وجدت الكرة تضرب مؤخرة رأسها بقوة...
"آه… راسي.. "
اقترب التوأم الصغيران الحسن والحسين نحوها معتذرين بأدب عمّا بدر منهما..
"آسفين يا أبلة أبرار…"
نظرت إليهما أبرار بتجهم وهي تدلك مؤخرة رأسها. كانا نسخةً مصغّرة من والديهما فقد امتزج حبّهما في تلك الملامح وتجلّى فيهما مزيج آسر من بشاشة الأب وجاذبية الأم....
أمرتهما أبرار بحزم اعتادت أن تُعاملهما به لا لشيء سوى رغبتها في اختبار ردود أفعال والديهما...
"حسن… حسين… خدوا بعضكم وانزلوا بالكرة تحت مش بتتلعب هنا… عندكم الحوش تحت واسع…"
سألا والدتهما ببعض الحنق...
"ماما ننزل؟"
أومأت شروق برأسها بهدوء...
"طالما أختكم الكبيرة قالت تنزلوا يبقى تنزلوا… بس متفتحوش الباب.... في الحوش بس… اتفقنا؟"
تحرك التوأم للخارج سريعًا بينما سألتها أبرار باهتمام وعيناها تفتشان عن صديقتها الصغيرة التي غدت مراهقة جميلة تزداد جمالًا يومًا بعد يوم.....
"فين ملك؟"
أجابتها شروق...
"في درسها… ادعيلها… الثانوية مطلعة عينها…"
قالت أبرار...
"دي لسه في تانية...أمال في تالتة هتعمل إيه؟"
تنهدت شروق تنهيدة طويلة ثم قالت...
"ربنا معاها… هي شاطرة بس بتوتر نفسها على الفاضي وبتوترني معاها…"
طمأنتها أبرار....
"هتعدي إن شاء الله…"
في تلك اللحظة خرجت الجدة من غرفتها فتفاجأت بوجود أبرار فقالت بابتسامة حنونة...
"أبرار… إنتي جيتي؟"
اقتربت منها أبرار بحفاوة فقبلت يدها ورأسها ثم قالت باشتياق...
"إنتي كنتي فين يا تيته؟"
قالت الجدة...
"كنت بصلي الضهر… شوفتي الأكل اللي على النار يا شروق؟"
أجابتها شروق...
"أيوه يا خالتي… كله تمام…قعدي انتي ارتاحي.."
عادت الجدة إلى أبرار تسألها بلهفة...
"فين جميلة؟.... مطلعتهاش معاكي ليه سيباها لوحدها؟"
زمت أبرار فمها وقالت بتذمر...
"وهي دي تتساب لوحدها مع ياسين؟ بيمشيها بيتمشى بيها… مش مبطّلة زن... وشبّطانة في ياسين…"
ضحكت الجدة ثم قالت بتذكر...
"ربنا يخليه ليها… البنات حبايب أبوهم… دا إنتي... وانتي قدها كده مكنتيش بتنزلي من على رجل ابوكي…"
بعد عبارة الجدة طرق ياسين على الباب ففتحت له شروق لتأخذ منه الصغيرة التي قفزت عليها فور أن رأتها فهي الجدة الصغيرة التي تطعمها وتدللها اكثر من الجميع…
قالت أبرار...
"جبنا في سيرة القط…"
ضمت شروق الصغيرة (جميلة) إلى صدرها تغمرها بالقبلات وهي تقول بتوبيخ…
"دي مش قطة دي عصفورة إي الحلاوة دي...."
تأملتها شروق مليًّا فالصغيرة نسخة صغيرة من (ياسين) وكان هذا يزيد أحيانًا من حنق صالح ويثير غيرته...غيرة لم تنطفئ على مر الخمس سنوات الماضية....
ومع ذلك كانت الصغيرة الأقرب إلى قلبه يدللها بإفراط ويغمرها بعاطفته تمامًا كما كان يفعل مع أبرار في طفولتها.....
"اي ياغتي.... اي الجمالة دي... "
ظلت شروق تداعب الصغيرة كعادتها تحتضنها بحنانٍ وتلاعبها بشقاوة بينما كانت الصغيرة تتلوّى ضاحكة بين ذراعيها تملأ ضحكاتها المكان....
رآها ياسين تقف أمام الموقد تقلب في القدر فاقترب منها ثم أحاط خصرها بيده هامسًا
بمداعبة...
"بتعملي إيه يا برتي…"
سحبت نفسها من بين ذراعيه وهي تزمّ فمها بضجر
"ملكش دعوة بيا…"
ارتفع حاجباه مستنكرًا بتساؤل..
"إيه فقرة النكد اللي قبل معادها دي؟... إحنا اتخنقنا إمتى؟"
قالت بغيرة كطفلة تعاتب والدها على تقصيره معها
"خدت بنتك ومشيتها ومهانش عليك تاخدني معاك…"
قال بجدية..
"ما هو لو كنتي قولتي كنت خدتك معايا…"
تبرمت قانطة..
"من غير ما أقول المفروض تاخدني معاك…"
قال ياسين محاولًا استرضاءها...
"المرة الجاية حاضر هاخدك أنا وهي ونتمشى على البحر بس بالعربية عشان جميلة متبردش…"
اتسعت عينا أبرار بصدمة...
"ياسين… إنت مش ملاحظ إن اهتماماتك كلها لجميلة؟"
ضحك ياسين بملء شدقيه وقد بدا عليه الرضا من تلك الغيرة المجنونة فالأم وابنتها لا تكفّان عن التنافس عليه وكأن بينهما خصومة دائمة تدور
حوله هو وحده...
"لجميلة وأم جميلة… أنا ليا مين غيركم؟"
قالت بدلال....
"كلام…"
عقّب ياسين وبقايا ضحكته تزين محياه...
"إنتي بتغيري من بنتك يا مجنونة؟"
هزت رأسها نفيًا ممتعضة...
"ده كلام يا ياسينو..... حد يغير من ضرته برضو؟"
ضحك مجددًا ليأخذها بين ذراعيه هامسًا بعذوبة
"مجنونة… تعالي في حضني أصلحك… لو تعرفي أنا بحبها عشان هي منك.... عمرك ما هتزعلِي…"
ابتسمت أبرار وهي تحيط جسده الصلب بذراعيها قائلة بتوله....
"بحبك أوي يا ياسينو… مش مصدقة إن فات خمس سنين على جوازنا….. وبقا معانا جميلة..."
همس بصوت خافت وهو في أوج مشاعر الحب والدفء التي غمرته معها فلم يعد يرى في العالم سواها...
"كانوا أحلى خمس سنين في حياتي… كأني اتولدت من جديد يوم ما بقيتي مراتي وام بنتي…"
استكانت بين ذراعيه تنعم بتلك العاطفة الفريدة معه لطالما أخبرها مرارًا أنها عالمه بأسره وأنه لا يريد من الدنيا سوى عالمها هي…
وبين قلبينا ملتقى لن يبلغه أحد غيرنا....
............................................................
وقفت في الشرفة وبين ذراعيها الصغيرةُ جميلة تُطعمها بيدها متكئةً على السور وعيناها تتبعان صالح في الحوش وهو
يلعب الكرة مع التوأم.
ازداد اللعب حماسةً حين عاد من الخارج فرآهما يلعبان فألحا عليه التوأم أن يشاركهما فاستجاب مبتسمًا ونزع قميصه ليبقى بتلك الفانلة السوداء ذات الحمالات التي أبرزت جسده العضلي عضلاتِ ذراعيه وصدره العريض... من يصدق أنه في الثامنة والأربعين من عمره بهذا الجسد المفعم بالشباب؟
ومن يصدق أن الصغيرة التي تحملها بين ذراعيها هي حفيدته التي تناديه..
(أدو)
بضحكةٍ شقية كما تفعل الآن في الشرفة؟
نظر إليها صالح ولوح بيده لها فبادلته الصغيرة دون ان ترفع ذراعها تلوح بكفها يمينًا ويسارًا في براءة....
ثم التقت عيناه بعيني شروق بعد أن أشبع الصغيرة نظرًا فأخذ يداعبها بنظراتٍ تنطق بما يعجز اللسان عن قوله... فتوردت وجنتاها وتذكرت أن كل ليلةٍ تقضيها بين ذراعي صالح هي الجنة التي وهبها الله لها على الأرض وأن صغيريها هما أجمل ما جمعها به وأوثق الروابط بينهما....
تلك هي العائلة التي طالما حلمت بها ولم تجرؤ يومًا على تمنيها... كان كل شيءٍ حولها يخبرها أن لا مفرّ من القدر... لكن ما أجمل الأقدار حين تُسلَّم إلى الله تمضي إليك أو تمضي بك وفي كل حالٍ يكون الخير لك.....
انتبهت شروق إلى إحدى الشرفات المقابلة يفصل بينهما شارع حيث تقف شابة في عمر أبرار تقريبًا تراقب صالح بنظرةٍ هائمة وعينين تفضحان إعجابًا صارخًا....
ارتفع حاجب شروق في شزرًا واشتعل صدرها غيرة فأخذت نفسًا عميقًا في محاولةٍ فاشلة لتهدئة مشاعرها.... لكن نظرات الفتاة كانت تزيدها اشتعالًا كأنها أتونٌ حارق....
عادت عيناها إلى صالح فرأته يتوقف عن اللعب يلتقط زجاجة الماء يشرب نصفها ثم يسكب الباقي على وجهه فتنساب القطرات من خصل شعره إلى صدره وعضلاته في مشهدٍ كفيلٍ بأن يسحر من تختلس النظر إليه...
جزت شروق على أسنانها غير قادرة على احتمال المزيد... كان لا بد أن تظهر في المشهد حتى لا تظن تلك المتلصصة أنه خالٍ الوفاض....
اندفعت إلى الداخل فوجدت أبرار في الصالة فأعطتها الصغيرة وطعامها وقالت على عجل..
"أنا نازلة تحت..."
سألتها أبرار بدهشة وهي تجلس إلى جوار ياسين على الاريكة والذي كان يرتشف عصير الرمان الذي أعدّته له....
"نازلة تحت ليه؟..."
أجابت وهي تفتح الباب مسرعة...
"هلعب كرة معاهم..."
اختنق ياسين برشفةٍ من العصير فأخرج رذاذه ساعلًا وهو يضحك بقوة وقد قلدته جميلة بسعالٍ مُصطنع ظنًّا منها أنه لعبةٌ مسلية تشارك بها والدها بينما زمت أبرار شفتيها في تقزّزٍ من الأب وابنته...
ثم أعادت نظرها إلى باب الشقة المغلق وقالت مستنكرة..
"تلعب كرة..... هي الولية دي اتجننت ولا إيه؟"
انتبه صالح إلى وجود زوجته في الحوش بعباءتها المحتشمة وحجابها الطويل... أطلت ببهائها فاختلّ إيقاع قلبه خفقًا ولم تحِد عيناه الخضراوان عنها.
رآها تُقبل عليه بخطواتٍ غاضبة وبين يديها منشفة. وقبل أن يسأل عمّا بها بدأت تجفف وجهه وشعره وذراعيه بعصبية فقال وهو يوقفها...
"في إيه يا شروق؟ مالك... في حد زعلك؟"
رمقت شروق تلك الوقحة بنظرةٍ حادة جعلت الفتاة ترتعد ثم ولجت إلى الداخل بإحباط....
ذلك الإحباط أشعل شروق غيظًا فقالت لصالح
بحدة....
"أنا عايزة ألعب معاكم كورة... "
ارتفع حاجباه بدهشةً من طلبها ومن حدّتها بينما صاح التوأم معًا بحماس...
"إحنا في فريق ماما... "
نظر إليهما صالح باندهاشٍ متوعّد لهم...
"اتفقتم مع بعض يعني طيب... أنتم الخسرانين ماما ملهاش في الكورة."
رفعت شروق أنفها بكبرياء وقالت...
"مين قالك أنا كنت بلعبها في الشارع وأنا صغيرة وكنت أكتر واحدة بتجيب أجوان...."
رمقها صالح بنظرةٍ ماكرة وقال...
"في الشارع؟... طيب العبي يا أم الحسن والحسين."
بدأ اللعب بينهما كان صالح متمكنًا من الكرة وكلما حاولت أن تنتزعها منه كان يحملها من خصرها بذراعٍ واحد وينقلها من مكانٍ لآخر وهو يهمس قرب أذنها...
"ضهرك يا غزالة الشيخ..."
ورغم خفقات قلبها وذوبانها بين ذراعيه تهتف بضيق كل مرة...
"صالح إنت بتغش.."
فيضحك دون رد...راوغها أكثر من مرة حتى لا تُسجل هدفًا لكنه في النهاية استسلم لها ليفرح التوأم... وحين فازا ضحكت شروق بسعادة وهي تضم صغيريها اللذين صرخا فرحًا...
أما صالح فوقف في مكانه مبتسمًا وقلبه يُشرق بشمس ضحكتها ولسانه يردد تلك العبارة الساحرة
"وطـلـع الـشـروق..."
اقتربت منه شروق بتعب فاستقبلها بذراعه لتقف إلى جواره مسندةً رأسها على كتفه تلتقط أنفاسها اللاهثة بعد ذلك المجهود بينما كانت أعينهما تراقب التوأم وهما يلعبان دون كللٍ أو ملل مستمتعين باللعبة وبنظرات والديهما المشجعة لهم....
تمت بحمد الله
