رواية لؤلؤة الدنجوان الفصل الرابع 4 بقلم نور محمد


 رواية لؤلؤة الدنجوان الفصل الرابع 


غابت لؤلؤ عن الوعي، وانهار جسدها النحيل بين ذراعي هشام وكأنها زهرة اقتلعت من جذورها بعنف.

في تلك اللحظة المجنونة، وأمام عدسات الكاميرات التي تلتقط كل تفصيلة، شعر هشام بانسحاب الروح من جسدها. لم يتركها تسقط؛ بل التقطها ببراعة وبقوة بين ذراعيه الفولاذيتين، وكأنها لا تزن شيئاً.

توقفت الفلاشات للحظة، وحل صمت مذهول بين الصحفيين، قبل أن ينفجروا بالأسئلة من جديد.

“هشام بيه! الآنسة لؤلؤ مالها؟”
“هل أغمى عليها من الضغط؟”

رسم هشام على وجهه تعبيراً مثالياً للزوج العاشق المذعور. نظر إليها بحنان مصطنع أثار إعجاب الكاميرات، ثم التفت للصحفيين بابتسامة قلقة.

“زي ما انتو شايفين يا جماعة، لؤلؤ أعصابها تعبت جداً من ضغط الإشاعات السخيفة دي، ومن الفرحة والمفاجأة كمان. أرجوكم تعذرونا، مراتي محتاجة ترتاح.”

وبحركة استعراضية زادت من هيبته، حملها بين ذراعيه كأميرة من أميرات ، واستدار عائداً إلى داخل القصر.

بمجرد أن أغلق عادل الباب الضخم خلفهما، مانعاً عاصفة الصحافة من اللحاق بهما، سقط القناع.

تلاشت ابتسامة هشام العاشقة، وحل مكانها برود قاسي وصرامة حادة. نظر إلى الفتاة الفاقدة للوعي بين ذراعيه.

كانت خفيفة كالريشة، رأسها يتدلى للوراء،وشعرها الفاحم ينسدل كشلال ليلامس ذراعه.

كان وجهها الأسمر شاحباً، وشفتيها… تلك الشفتين اللتين افترسهما منذ لحظات، كانتا منتفختين قليلاً ومحمرتين إثر قبلته القاسية.

شعر بلسعة غريبة في صدره، ونار خفية تسري في عروقه. لماذا قبلها بتلك الطريقة الو*حشية؟

كان يقصد مجرد قبلة سطحية سريعة لإسكات الصحفي، لكن بمجرد أن لامست شفتاه شفتيها المرتجفتين، وبمجرد أن استنشق رائحتها الطفولية البريئة، فقد السيطرة تماماً.

لقد تذوق في شفتيها شيئاً لم يتذوقه في مئات النساء اللاتي عرفهن؛ تذوق النقاء، تذوق الضعف الذي يستفز رجولته بطريقة مجنونة.

“هاتها على جناحك بسرعة يا هشام، هطلب الدكتور!” صرخ عادل بلهفة، قاطعاً حبل أفكار هشام المشوشة.

“دكتور إيه وزفت إيه، دي تلاقيها أغمى عليها من الخضة بس.” رد هشام بصوت أجش، محاولاً إخفاء توتره، لكنه بخطوات واسعة وسريعة صعد بها الدرج الرخامي الفخم، متجهاً نحو جناحه الخاص.

دخل هشام جناحه الذي يشبهه تماماً؛ ألوانه داكنة بين الأسود والرمادي، بارد، فخم، وخالٍ من أي لمسة أنثوية.

وضع لؤلؤ برفق غير معهود على سريره الضخم ذي الملاءات الحريرية السوداء. التناقض كان صارخاً؛ فستانها الأبيض البسيط وبشرتها السمراء اللامعة وسط هذا الظلام الحالك، وكأنها نجمة سقطت في ثقب أسود.

وقف بجوار السرير يراقبها. كانت تتنفس بانتظام، وصدرها يعلو ويهبط بهدوء. رفع يده بغير وعي ومرر إبهامه الخشن على شفتيها المنتفختين. تذكر طعمها، فانتفض وكأن تياراً كهربائياً صعقه. سحب يده بسرعة، ومسح وجهه بعنف.

“إنت بتفكر في إيه يا غبي؟” همس لنفسه بغضب. “دي مجرد حتة خدامة، ورقة عشان تخرس بيها الكلاب اللي بره. إياك تنسى ده.”

أدار ظهره لها، وخلع سترته ورماها بإهمال على الأريكة، ثم فك أزرار قميصه العلوية محاولاً التقاط أنفاسه التي أصبحت ثقيلة فجأة.

صب لنفسه كأساً من الماء المثلج وتجرعه دفعة واحدة.

في هذه الأثناء، بدأت لؤلؤ تستعيد وعيها ببطء. شعرت بملمس ناعم جداً وبارد تحتها. حركت رأسها بضعف، لتقتحم رائحة عطره الرجولي النفاذة رئتيها بقوة، مما أعاد لها شريط الذكريات كصفعة قوية على وجهها.

الصحافة… الكذب… الزواج… القبلة!

فتحت عينيها باتساع، وانتفضت في جلستها وكأن عقرباً لدغها. تراجعت للخلف حتى التصق ظهرها بلوح السرير المبطن، ورفعت يدها المرتجفة لتمسح شفتيها بعنف، وكأنها تحاول محو أثره، محو إهاناته، ومحو ذلك الشعور الغريب الذي اجتاحها.

التفت هشام على صوت حركتها المفاجئة. رآها تمسح شفتيها بتلك الطريقة المهينة لغروره. هو هشام الشافعي، الذي تتمنى جميلات العالم نظرة منه، تمسح هذه الفتاة الفقيرة أثر قبلته وكأنه مرض معدٍ!

اقترب من السرير بخطوات بطيئة، كفهد يستعد للانقضاض. عيناه تشتعلان بنار خطيرة.

“بتمسحي إيه؟” سألها بصوت خفيض ولكنه يحمل تهديداً صريحاً.

نظرت إليه لؤلؤ بعينين مليئتين بالدموع والغضب.

“إنت إنسان مريض… حيوان! إزاي تتجرأ تعمل كده؟ إزاي تلمسني بالطريقة دي قدام الناس؟”

ابتسم هشام ابتسامة جانبية ساخرة، وجلس على حافة السرير بجوارها، مما جعلها تنكمش أكثر محاولة الابتعاد عنه.

“حيوان؟” ضحك بسخرية مريرة. “أنا جوزك يا هانم، ناسية ولا إيه؟ وبعدين إنتي مفكرة إني ميت عليكي وعايز أبو*سك؟ ده كان تمثيل… حتة مشهد عشان أقفل بيه بوق الصحفي الحشري ده والناس تصدق إننا دايبين في بعض. متديش لنفسك حجم أكبر من حجمك.”

كلماته كانت كسكاكين تمزق قلبها، لكنها رغم ذلك حافظت على نظرتها المتحدية.

“تمثيل؟” صرخت بصوت مخنوق. “إنت كنت بتخنقني! إنت بتستغل قوتك عشان تذلني. أنا بكرهك… بكرهك أكتر من أي حاجة في الدنيا دي!”

تلاشت ابتسامته، واقترب بوجهه منها حتى لامست أنفاسه الساخنة وجهها.

“اكرهيني براحتك، مش فارق معايا.” قالها بصوت أجش وعيناه تخترقان عينيها. “المهم إن العالم كله بره مصدق إنك بتعشقيني. اسمعي بقى عشان أنا معنديش طولة بال. إنتي دلوقتي بقيتي حرم هشام الشافعي. يعني اسمي وسمعتي بقوا مربوطين بيكي.”

رفع يده وأمسك بخصلة من شعرها الفاحم، يلفها حول إصبعه ببطء، مما جعل جسدها يرتجف بشدة من قربه.

“طول ما إحنا بره الأوضة دي، إنتي هتمثلي دور الزوجة المخلصة اللي بتموت في دباديب جوزها. هتضحكيلي، هتمسكي إيدي، ولو لزم الأمر… هبو*سك تاني وتالت عشان محدش يشك في حرف. فاهمة؟”

“وإن رفضت؟” همست بتحدٍ رغم خوفها.

أفلت خصلة شعرها، ومرر ظهر أصابعه ببطء شديد على خدها الأسمر، حركة رقيقة جعلت قلبها ينبض بجنون غير مبرر.

“لو رفضتي…” قالها بنعومة خطيرة، “أمك اللي في المستشفى دلوقتي بتتعالج على حسابي، هتترمي في الشارع. أنا هشام الشافعي، أقدر أخليكي ملكة، وأقدر أدوس عليكي وعلى عیلتك كلها بجزمة قديمة. الخيار ليكي.”

نظرت إليه بذهول ورعب. كيف يمكن لرجل يمتلك هذا الوجه الوسيم والجذاب أن يحمل قلباً أسود وقاسياً إلى هذا الحد؟ أومأت برأسها بضعف، مستسلمة لواقعها المرير.

“شاطرة.” قالها وهو ينهض من على السرير. “قومي اغسلي وشك. عادل جابلك هدوم تليق بمقامك الجديد. كمان ساعة هننزل نتغدى سوا في الصالة تحت، قدام الخدم. عايز أشوف تمثيلك.”

بعد ساعة، وقفت لؤلؤ أمام المرآة الكبيرة في غرفة الملابس الملحقة بجناحه. كانت الغرفة ممتلئة بعشرات الفساتين الفاخرة، الأحذية، والحقائب التي أمر هشام بإحضارها من أرقى بيوت الأزياء.

اختارت فستاناً أسوداً بسيطاً جداً، ينسدل بنعومة على جسدها النحيل، دون أي فتحات أو إثارة مبالغ فيها.

لم تضع أي مساحيق تجميل، تركت شعرها الفاحم حراً ينسدل على ظهرها، وارتدت سلسلة فضية بسيطة كانت هدية من والدتها.

نزلت على الدرج الرخامي بخطوات مترددة. كان القصر هادئاً بشكل مخيف. في غرفة الطعام الشاسعة، التي تتوسطها طاولة تكفي لعشرين شخصاً، كان هشام يجلس عند رأس الطاولة.

يرتدي قميصاً أسوداً مفتوح الأزرار العلوية، ويقرأ في جهاز لوحي أمامه.

عندما سمع وقع أقدامها، رفع عينيه. وتجمدت يده.

كانت تتوقع منه أن يسخر من نحافتها أو بساطتها، لكن ما رأته في عينيه كان شيئاً مختلفاً تماماً.

التهمها بنظرة طويلة، متفحصة. اللون الأسود جعل بشرتها السمراء تتوهج بشكل غامض ومثير جداً.

لم تكن صارخة الأنوثة كمن اعتاد عليهن، بل كانت تمتلك جاذبية هادئة، بريئة، ونقية لدرجة تستفز رجولته وتجعله يرغب في تحطيم هذا النقاء.

ابتلع ريقه بصعوبة وأشار لها بالجلوس على الكرسي المجاور له مباشرة.

“اقعدي.” قالها بصوت خشن محاولاً إخفاء ارتباكه.

جلست بصمت، تنظر إلى الأطباق الفاخرة أمامها دون شهية. الخدم يقفون على مسافة بعيدة، يراقبون المشهد بفضول صامت.

“كلي.” أمرها هشام وهو يقطع شريحة اللحم أمامه.

“مش جعانة.” ردت بصوت خافت.

ترك هشام الشوكة والسكين، والتفت إليها بالكامل.

اقترب منها حتى كادت أنفاسه تختلط بأنفاسها، ووضع يده خلف مسند كرسيها محاصراً إياها.

“قولنا إيه؟” همس بابتسامة مصطنعة من أجل الخدم الذين يراقبون، لكن صوته كان حازماً. “حرم هشام بيه لازم تاكل عشان تتخن شوية، العضم ده مش من مستوايا.”

كلماته الجارحة جعلت الدموع تتجمع في عينيها. مدت يدها المرتجفة وأمسكت بالشوكة، وبدأت تتناول الطعام بصعوبة، وعيناها مثبتتان على الطبق لكي لا تنظر إليه.

كان هشام يراقبها بصمت. انزعج من نفسه. لماذا يتعمد جرحها؟ لماذا يشعر بهذه الرغبة المتناقضة بين إهانتها لكسر عنادها، وبين سحبها إلى حضنه لتهدئة ارتجافها؟

فجأة، مد يده ببطء وأمسك بيدها التي تمسك الشوكة. توقفت لؤلؤ عن الحركة، ونبض قلبها بعنف.

“عمرك ما كلتي الأكل ده قبل كده، صح؟” سألها بصوت هادئ، غاب عنه الغرور للحظة.

نظرت إلى عينيه، ولأول مرة لم ترَ فيهما قسوة. “لأ… أنا متعودة على الفول والعيش حاف مع أمي… بس كانوا بيبقوا أحلى من كل الأكل ده.”

كلماتها البسيطة ضربت وتراً حساساً بداخله. هذا العالم المزيف الذي يعيش فيه، المليء بالنساء المصطنعات والأموال التي تشتري كل شيء، بدا فجأة تافهاً أمام صدق هذه الفتاة السمراء الفقيرة.

قبل أن يتمكن من الرد، أو استيعاب هذا التحول الغريب في مشاعره، انفتح باب غرفة الطعام بعنف.

دخل عادل يركض، ووجهه خالٍ من قطرة دم واحدة، وعيناه متسعتان برعب.

“هشام!” صرخ عادل متجاهلاً كل شئ.

انتفض هشام واقفاً، الغضب يشتعل في عينيه لتدخل عادل بهذه الطريقة. “في إيه يا زفت؟ إزاي تدخل كده؟”

تجاهل عادل غضب هشام، ونظر إلى لؤلؤ بشفقة خالصة، ثم وجه حديثه لهشام بصوت متهدج:
“المستشفى لسه مكلميني دلوقتي حالا يا هشام… أم لؤلؤ…”

سقطت الشوكة من يد لؤلؤ لتحدث رنيناً مكتوماً على الطبق. تجمد الدم في عروقها، واتسعت عيناها برعب قاتل، والتفتت نحو عادل تهمس بصوت لا يكاد يُسمع:

“أمي؟… مالها أمي؟”

نظر عادل إلى هشام بعجز، وقال الكلمة التي دمرت آخر حصون صمود لؤلؤ، وأسقطت هشام نفسه في بئر من الشعور بالذنب لم يختبره قط:
“أمها دخلت في غيبوبة… والدكاترة بيقولوا مفيش أمل… القلب بيقف!” ووو


تعليقات