رواية علي فين يا زمن الفصل الرابع 4 بقلم اية شاكر

 


رواية علي فين يا زمن الفصل الرابع بقلم اية شاكر




- أنا هربت من البيت.
- بتقولي ايه يا سالي؟!
- هربت، قررت أعيش حره بعيد عن تحكمات أهلي فيا.
- إنتي إتجننتي رسمي... تحكمات ايه! أهلك بيخافوا عليكي، حد يبقى ليه أهل ويهرب منهم؟!
- أنا عايزه أبقى زيك، حره، إنتي مش مقدره النعمه اللي إنتي فيها.
- إنتي اللي مش مقدره النعمه اللي إنتي فيها.. اعقلي يا سالي وارجعي بيتك... صدقيني لو مرجعتيش هتندمي.

قولتها وأنا ماسكه دراع سالي واترجتها ترجع.. وحاولت معاها كتير، لكنها كانت عنيدة وقالتلي إنها لقت شغل كـ جليسة لطفلة، قالت:
- يا زمن أنا بقالي شهر بابا بيوديني الكليه ويجي ياخدني بنفسه... بقالي شهر مش عارفه أتنفس يا زمن.
- باباكي خايف عليكي وعنده حق، الدنيا صعبه أوي من غير أب وأم يا سالي... ارجعي بيتك، متبقيش عنيده.
- متقلقيش عليا يا زمن، جدتي أم بابا عارفه كل حاجه ولما حكيتلها ساعدتني وقالتلهم يسيبوني أقعد معاها..
إستغربت إن جدتها تساعدها في حاجه زي كده..
لكن سالي كانت فرحانه ومتحمسه لشغل الجليسة اللي هتبدأ فيه النهارده...

عجيبه الدنيا دي!
كل واحد شايف غيره مميز عنه ويمكن يشوفه مميز في حاجه هو بيعاني منها أصلًا!! 
اتمنيت لو أمي وأبي جنبي ويشاركوني في حياتي زي ما أهل سالي بيعملوا معاها..

انتبهت لما قالت سالي:
- احكيلي بقا يا زمن، بقالك شهر مشغوله كده! ومش بتقعدي معايا، فينك؟
- كنت بقرأ كتب وروايات اشتريتها جديد.

الفترة اللي فاتت مكنتش بشوف سالي كتير، ولو شوفتها مش بنتكلم ومرت الأيام أنا بين الكلية، وشغلي مع تيتة عفاف، وإعادة ترجمة الكتاب...
بعد ما عرفت إن بديع مبدع ده أشطر كاتب ومترجم في الدار وقرأتله أكتر من كتاب وعجبني أسلوبه...

فقررت أراجع نفسي هو أكيد راجل كبير عني وفاهم أكتر مني...

افترقت أنا وسالي وفضلت قلقانه عليها.. ما هي شغلانة جليسه بالليل دي مش سهله.. يعني لو ظبطت معايا مره مش هتظبط كل مره.. والناس نفوسها بقت صعبه..

قعدت طول الليل صاحيه مشغوله بـ سالي اللي بتقلدني باندفاع وعِند...
كنت كل شويه أرن عليها وأخدت منها عنوان البيت اللي اشتغلت فيه... 
وسهرت أقرأ رواية اجتماعيه دينية بقلم بديع مبدع...
أُعجبت بطريقته في عرض الموضوع والفكره والحبكه..  مع إنه مش من الكُتاب اللي بيظهروا في الإعلام كتير، إلا إن اسمه كان معروف وسط القراء ودور النشر، وشكله قديم في المجال...
لمسني أوي وهو بيحكي عن عقوق الأباء للأبناء:
"قال صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثمًا أن يُضيِّع من يعول.»
والتضييعُ قد لا يكون جوعًا أو عُريًا فحسب؛ إنما  إهمالًا، أو قسوةً، أو غيابًا، أو بـ كلمةً تهدم قلبًا كان يرجو الأمان. فما أشدَّ فقرَ من امتلأ بيته أهلًا، وخلا قلبُه منهم."
كان كل حرف بتقراه عيني بيرن جوايا بصوت راجل تجاوز الخمسين... بصيت لصورته على الواتساب وتخيلته أب كويس جدًا مع ولاده وغمضت عيني وأنا بتخيل نفسي بتكلم معاه وبشتكيله من أهلي وإنهم لا بينفقوا عليا ولا حتى بيكلموني إلا كل فترة طويله..
وسحبني النوم وحلمت إني قاعده مع الأستاذ بديع كنا قاعدين في مكان كله كتب، وبدأت أقوله كل الكلام اللي محبوس جوايا:
- هو إنت ممكن تسبب ولادك؟ هو ليه أهلي سابوني؟ الناس فاكرين إني قـ.ـوية... لكني شديدة الضعف وبخاف. بخاف من الوحدة... بخاف أصحى في يوم ألاقي نفسي مليش حد... أنا جوايا كلام كتير محدش سامعه ولا حاسس بيه.
- متقوليش كده، ربنا سامعه وحاسس بيكي، إوعي تفتكري إنك لوحدك... طول ما ربنا معاكي إنتي مش وحيدة... انتي قـ.ـوية يا زمن اختاري نفسك دايمًا.. ولو وقعتي ساعدي نفسك، وارفعي ايدك وقولي يارب اديني قـ.ـوة، عشان محدش بينفع حد..

حسيت إني عايزة أقول كلام أكتر... لكن صوته كان بدأ يبعد وهو بيكرر:"استعيني بالله"
والكتب حواليا اختفت واحدة واحدة... سمعت صوت الآذان ولما فتحت عيني سمعت أذان الفجر..
اتنفست بعمق، وكان قلبي أهدى من كل يوم... وكأني فضيت منه شويه ألم..

قومت اتوضيت، وصحيت تيته عفاف تصلي عشان بتزعل لو سيبتها نايمه..
وبعد الصلاة، قالت تيته:
- فكرتيني أصلي... ربنا يباركلي فيكي يا ساعة.
ضحكت بخفة:
- زمن يا تيته... اسمي زمـــن.

هزت راسها وكأنها مقتنعة، وبعد ثانيتين قالت:
- هاتيلي أشرب يا ساعة.
ضحكت وقلت بدون جدال:
- حاضر.

منمناش بعد الفجر وقعدت أردد الأذكار وهي تقول ورايا.. 
عملتلنا فطار وفطرت معاها مع إني مش بحب أفطر بدري..

وقعدنا نشرب الشاي في البلكونه وأنا بعدل أخر حاجه في الملف على اللابتوب وبعت الملف لـ أستاذ بديع..

في اللحظة دي وصلت أم هناء، فقفلت اللابتوب..
لما قالت بصوتها العالي:
-صباح الفل يا جماعة الخير... دا أنا منمتش كويس خالص، وامبارح لما روحت، جوز بنت خالتي عمل خناقة مع مراته، والله العظيم لو سمعتي اللي حصل يا حجه هتتصدمي..
نفخت تيته عفاف، وحطت الكوباية على الترابيزة، وأم هناء مكمله كلام، فقاطعتها:
- طيب بعدين يا أم هناء، شوفي شغلك دلوقتي.

مشيت أم هناء...
بصتلي تيته وقالت بنفاذ صبر:
- البت دي بترغي كتير أوي وأنا مبقتش قادره أستحمل.
كتمت ضحكتي:
- معلش يا تيته..
- لا... أم هناء دي لازم تمشي النهارده..
لفت أم هناء ناحيتنا باستغراب:
- نعم يا حاجه؟! بتناديني؟
- بقول امشي... روحي بيتكم.
قالتها إياه بصوت عالي، فجت ام هناء ناحيتنا وهي بتقول:
- أمشي ليه؟
ولسه هتفتح في الكلام، بصيتلها:
- بالله عليكي يا أم هناء روحي كملي شغلك... 

خرجت وهي بتتمتم:
- يا ساتر... هي أول ما تشوفني تتنرفز!

قربت من تيته عفاف وطبطبت على إيديها:
- بالله عليكي استحمليها شويه... على ما نشوف حد غيرها.

سكتت شوية... وبعدين قالت وهي مكشرة:
- بس متتكلمش معايا.

ضحكت:
- حاضر... هقولها.

وقبل ما أخرج أكدت على أم هناء:
- يا أم هناء... بالله عليكي متتكلميش معاها كتير.

شاورت على عينيها وقالت:
- حاضر يا أستاذة زمن... ولا كلمة.

ورغم تأكيدي عليها كنت عارفة إنها أول ما أخرج هتبدأ رغي...

ركبت الأسانسير وقبل ما يقفل لقيت طنط فريده بتنادي:
- استني يا زمن.. وقفي الأسانسير..

فحطيت ايدي قدامه...
وجريتهي  مع الطفلين ركبوا معايا، فقلت:
- متأخرين النهارده؟ هو الباص اتأخر ولا اي؟!
- لأ دا الباص فاتهم النهارده اتأخرنا عليه، أصل أنا أجازه النهاردة وراحت عليا نومه... عمهم زيد مستنيهم تحت بقاله شويه قولتله ينزل يشغل العربية على ما أنزله... والله لولا أنه بيصعب عليا عشان ساعات بيشتغل بالليل وينام الصبح كنت لغيت الباص ده خالص.. شكلي كده لازم أتعلم السواقه..

- ربنا ييسر أمورك يا طنط...
وانحنيت بوست الطفلين..

ولما خرجنا من العماره شاورت للطفلين وهما شاورو لي بابتسامة.. 
أشفقت عليهم لأني سمعت من أم هناء إن أهلهم سابوهم وسافروا.. 
بس تخيلت نفسي ليا أخ... يا ترى الحياة كانت هتبقى أحسن وأسهل؟!
تجنبت أبص ناحية زيد، نادتني طنط فريدة:
- اركبي يا زمن معاهم... 
- لأ... معلش طريقي غيرهم.. وكمان مش مستعجله وواضح إنهم مستعجلين.

هزت راسها موافقه، وبعد ما ركبوا قربت مني ووقفت تتكلم معايا، وتحكيلي إن ابنها الكبير مسافر هو وزوجته وسايب ولاده معاها، وعرفت إنها منفصله عن زوجها.. وموافقتش تتجوز بعده عشان ولادها وتنهدت وقالت: 
- وبعد ما كبروا ابني الكبير رجع لـ والده وماسك شغله بره مصر وشويه وهياخد ولاده... لكن زيد عكسه مش راضي يشتغل مع والده ولا يسيبني...

- ربنا يباركلك فيهم يا طنط... 
وكان عندي سؤال، فبلغت ريقي وسألته:
- لما اخترتي ولادك و رفضتي الجواز، مخوفتيش إنهم هيسيبوكي فعلًا لما يكبروا؟!
- بصراحه خوفت لكن... سيبتها لله وأصلي جوزي الله يسهله كان مكرهني في الجواز..

وابتسمت ومسكت دراعي وكملت:
- أنا شكلي عطلتك ودوشتك بكلامي... 

- لأ أبدًا... أصلًا لسه بدري وأنا بحبك وبحب كلامك أوي.
- دا أنا اللي بحبك يا قمر إنتي.

ووقفت أكمل كلامي معاها لأني كان عندي فضول أعرف أكتر عن زيد وحياته.. وعنها لأنها كان عكس أمي في كل حاجه... فكنت بسمعها بتركيز...
               ــــــــــــــــــــــــــــ
دخل زيد الشركة وهو بيلقي السلام على الموظفين:
- صباح الخير.
- صباح النور يا أستاذ زيد.
ابتسم زيد ابتسامة خفيفه، وكمل طريقه ناحية مكتبه...

من ناحية تانيه..
مالت أمل ناحية زميلتها همس، وقالت وهي بتعدل شعرها:
- زيد دا حلو اوي... هو مرتبط؟

ضحكت همس وهي بترفع حاجبها:
- زيد؟! شيليه من دماغك لأن دا مستحيل يبصلك.
- ليه يعني؟
- ببساطه لأنك مش استايله.. اللي زي زيد ده هيتجوز واحده محجبه... أنا بقالي سنتين شغالة هنا، عمره ما وقف يهزر مع بنت، ولا عمره قعد معانا في بريك، ولا حتى حضر حفلة من حفلات الشركة عشان بيكون فيها موسيقى... 

ابتسمت أمل بثقة:
- طيب على فكره النوع ده سهل... أول ما يلاقي واحدة تهتم بيه هيقع... ولو على الحجاب أنا أصلًا ناويه أتحجب.

هزت همس راسها وهي بتضحك:
- خلاص... نتراهن؟
- لأ يا ستي الرهان حرام، بس استني وهتشوفي إزاي هكسب.

مدت همس إيديها تصافحها، وقالت:
- موافقة أستنى... بس هتخسري.

صافحتها أمل وقالت بثقة:
- استني عليا بس وهتشوفي.

في الوقت ده، زيد كان دخل مكتبه...
حط اللابتوب على المكتب، وفتحه...
وافتكر كلام والدته عن زمن، إن شكلها قاعده مع جدتها عشان دراستها... وإنها مش بتحكي عن نفسها وواضح إنها شخصية محترمه...
هز رأسه يمين وشمال يطردها من تفكيره، وقبل ما يبدأ شغله، لفت انتباهه إشعار بوصول رسالة جديدة من: Z.Z

رفع حاجبه باستغراب: 
- لحقت خلصت؟!
فتح الرسالة بسرعة وفضول، فتح الملف، وبدأ يقلب الصفحات بسرعة ويراجع بعض الفقرات..

وقف عند أكتر من فقرة...
رجع لورا وقرأ بعض الفقرات مرة تانية..
بعد كام دقيقة، سند ضهره على الكرسي.. وتنهد بعمق قبل ما يكتب:
- اطلعت على التعديلات، واضح إن فيه مجهود كبير، ومستواك اتحسن فعلًا، لكن لسه فيه أحسن من كده، راجعي مرة كمان بهدوء ومتستعجليش في التسليم.

وبدأ شغله...
ــــــــــــــــــــــــــ
- شغلك عامل اي يا سالي؟
- حلو خالص.. عايشه مع راجل ومراته في البيت بس بنام في أوضة الطفلة..
- ازاي تقعدي في بيت فيه راجل غريب؟ فوقي يا سالي كدا غلط..
- متقلقيش يا بنتي دا راجل محترم وكبير في السن... وبعدين مراته موجوده.
- يعني مُصره تكملي في الشغل ده؟
- أيوه.. مُصره جدًا أنا لازم أعتمد على نفسي..

يأست منها....
بصيت في الموبايل..
 لقيت إشعار على الموبايل من الأستاذ بديع... اتنهدت وأنا بفتح الرسالة... قريتها مرة واتنين ونفخت بضيق:
- منك لله وأنا اللي كنت بدأت أحبك.

حطيت الموبايل في الشنطة بعصبية..
أنا بقالي شهر بنام وأصحى على الكتاب ده عشان يقولي راجعيه تاني؟!
افتكرت الليالي اللي كنت بسهر فيها جنب تيته عفاف... وأوقات كتير كنت ببقى تعبانة وأشتغل عشان أخلص... وكنت باخد اللابتوب معايا الكلية، وأراجع بين المحاضرات..

وفي الآخر يقولي "راجعيه تاني."
عضيت على شفايفي بضيق وتمتمت:
- تصدق أنت طلعت رخم!
- مين ده؟
سألتني سالي وقبل ما أرد عليها دخلت الدكتوره...
طلعت موبايلي ورجعت فتحت الرسالة تاني...
قريتها بهدوء أكتر..
سكت شوية أفكر، وبعدين قلت لنفسي: طب ما يمكن فعلًا شايف حاجة أنا مش شايفاها.
زفرت بهدوء وهمست:
- يا رب... صبرني على الأستاذ بديع ده..

وقفلت الموبايل...

ركزت في المحاضرة وسالي قاعده جنبي وكان باين عليها السرور بالشغل الجديد وأنا قلقانه عليها وبفكر أقول لوالدتها...

ووسط المحاضرة...
نزلت الموبايل تحت الديسك وفتحت الكاميرات أشوف اللي بيحصل في الشقة...
ظهرتلي الصالة.. تيته عفاف ماشية ببطء...
وأم هناء ماشية وراها من أوضة لأوضة، وإيديها شغالة حركه مع كلامها..
أكيد بتحكيلها قصة جديدة!

هزيت راسي  باستنكار وأنا بقول في سري:
"يا رب استر."
قلبت على كاميرا المطبخ...

واتصدمت لما لقيت أم هناء مشغله مروحه في المطبخ فاتهزت الستاره اللي جنب البوتاجاز ومسكت النار في طرفها... وفي ثواني بدأت النـ.ـار تزيد..

تسارعت دقات قلبي، لميت حاجاتي وقومت من مكاني، استأذنت الدكتوره وخرجت من المدرج وأنا برن على أم هناء... مره واثنين وتلاته ومردتش..
بدأت إيدي تترعش... وأنا خارجه من الكليه وشايفه النار بتعلى في المطبخ... أنا أصلًا مكنتش مقتنعه بالستاره اللي ورا البوتاجاز دي! وكمان مين عاقل يشغل مروحه جنب بوتوجاز؟!

افتكرت طنط فريدة، اتصلت بيها بسرعة، وجالي صوت:
"الرقم المطلوب مغلق أو غير متاح."
قعدت أرن أكتر من مره.. محدش رد.
خرجت من باب الجامعه وركبت تاكسي و أنا مش شايفة قدامي...
كنت كل ثانية ببص لشاشة الموبايل والنـ.ـار بتزيد قدام عيني وأنا عـ.ـاجزة عن فعل أي شيء.


تعليقات