رواية المصلحة التي لم تخطر على بالي الفصل الخامس والاخير
بعد أيام لم تظهر فيها والدتي، انتظرنا تقرير الشرطة، بعد البحث في الأقسام والمستشفيات والحوادث لم يظهر اسم والدتي في سجلات الشرطة.
كنت خايفة على والدتي وقعدت أفكر بيني وبين نفسي، اختفت فين وهي مريضة مش بتقدر تتحرك بمفردها. مكنش محتاجة تفكير، لازم هناك شخص ساعدها. إزاي إخواتي والشرطة غاب عنهم الفكرة؟ ليه إخواتي غاضين الطرف عن أساس المشكلة، والدتي اتخطفت؟ لكن لو اتخطفت أكيد الخاطف هيطلب مقابل، وده محصلش. مكنش قدامي غير يونس، يونس هو اللي عمل كده.
كان الكلام بيني وبين يونس انقطع، يونس رفض يتكلم معايا بعد حادثة المستشفى، اعتبرني غير موجودة في الشقة. وأنا كرامتي منعتني أتكلم معاه، كنت عارفة إني مش غلطانة ومش لازم أضغط على نفسي عشانه.
رغم كده سألته، قولتله: يا يونس، إحنا مش لاقيين والدتي، اختفت فجأة، والشرطة معرفتش عنها حاجة.
بصلي وقال: وليه بتسأليني أنا عنها؟ هي والدتك ولا والدتي؟ اسألي إخواتك، أخوكي الكبير اللي أقسم يحط أمه في عيونه. والدتكم الحبيبة زي ما أختك كانت بتردد. بس أعتقد ده من مصلحتكم، الشقة بقيت فاضية، وفلوس البنك متاحة، تقدروا تقسموها بينكم.
صرخت في وشه: فلوس إيه اللي بتتكلم عليها؟ والدتي أهم حاجة في الدنيا.
ابتسم بسخرية: أنا مش ناقص صداع، ومعنديش طاقة أضيعها في حاجة غير مهمة.
كان مصر يستفزني، بيتهمنا بسعينا ورا الفلوس، بيقلل من حبنا لوالدتي، لكن الاتصال اللي تلقيته من أخويا بيطلب اجتماعنا مع المحامي طلعني من شرودي.
قدام المحامي قال أخويا الكبير: والدتنا اختفت وكلنا قلقانين عليها، لكن ده ميمنعش نحفظ حقوقنا. ورث والدتي لازم يتوزع بينا، ولو والدتي ظهرت نرجع ليها كل حاجة.
كلامه كان مقنع، وكلنا وافقنا عليه، والمحامي بدأ في إجراءات تسليم التركة، خلص الإجراءات القانونية وعرض الشقة للبيع.
الشقة اتباعت بمبلغ كويس، وبعد التحفظ على فلوس البنك، كل واحد فينا حصل على مبلغ محترم. وبدأ الكلام عن اختفاء والدتي يقل مع الوقت إلى أن أصبح أمرًا واقعًا، وبعدها توقف خالص.
كان عندي مبلغ كويس يسمحلي أفتح مشروع وأعتمد على نفسي، بقائي مع يونس أصبح مستحيل. طلبت منه الطلاق، ويونس معترضش، لكنه طلب مني أجله شوية لحد ما أشوف مشروعي هينجح ولا لأ. كأنه مهتم بمستقبل حياتي رغم إنه رافض يتعامل معايا. لكني وافقت، بعد نجاح المشروع هخلعه، هحطه قدام الأمر الواقع.
لكن شكوكي حول يونس لم تتوقف، يونس بيخوني، ودي كانت أهم نقطة عندي، لو قدرت أثبت خيانته هقدر أطالب بكل حقوقي. بدأت أتتبع تحركاته في كل مكان، اتصالاته وخروجاته، كنت عارفة إنه هيقع في أي يوم. لكن يونس كان حريص جدًا، منتبه لكل حاجة، بعد رجوعه من الشغل كان بيقعد في غرفته بيتابع تليفونه، ولما أدخل عليه يبعد التليفون عنه. حاجة مش محتاجة تفكير، يونس بيكلم واحدة تانية.
كان لازم أردله القلم. انتبهت لمشروعي بكل تركيز، مشروعي بدأ يكبر، وكل الصعوبات كانت بتتحل لأن نيتي كانت سليمة. تركت يونس ورا ضهري، مكنش مهم بالنسبة ليا هو بيعمل إيه. خليه يعك براحته، أنا هحقق حلمي وأشوف غيره.
لما مشروعي بدأ يكبر، يونس فاجأني إنه ساب الشقة من غير سبب. كان فاكر إنه هيكسرني، غيران من نجاحي، مش عارف يتعايش معاه. كان منتظر سقوطي، لكن أنا كنت أقوى من أحلامه. شغلي أخد كل وقتي وحياتي، ووصلت لمرحلة إني بقيت مديرة مجموعة فروع قوية، والفلوس جريت في إيدي.
كان بقاله شهور معرفش حاجة عن يونس، والوقت حان إني أعرفه مقامه، وإن كل نزواته والست اللي عايش معاها في الحرام لا يمكن تأثر فيا. عرفت هو عايش فين، وقررت أعمله مفاجأة. كلمت ضابط شرطة صديقي ورتبت معاه هعمل إيه. كنت عايزة أضبط يونس متلبس وأفضحه وأكسره قدام عيوني. يونس كان لازم يخضع ويطلب السماح، ولما ينزل تحت رجلي وقتها أقرر أعمل فيه إيه.
طلبت السواق وأمرته يطلع على العنوان. كان بيت صغير في مكان هادئ، قدامه حديقة.
وقفت السواق بره، ودخلت من الباب، تأكدت إن المايك شغال. كان لازم أجاري يونس في الكلام لحد ما أوقعه. لازم يونس ينكشف على حقيقته، والناس كلها تشوف الشخص القذر اللي مستخبي وراه.
كنت هخبط على الباب، لكن من ورا الزجاج شفت يونس. كان شايل أطباق بيرصها على الطاولة. الأستاذ بيحضر الأكل بنفسه، وفي شقتنا كان عامل نفسه سي السيد. رص الأطباق، وسمعته بينادي. من على السلم كان منتظر الهانم طبعًا. بعد شوية نزلت بتمشي، وعلى وشها ابتسامة. كانت شبه والدتي، بتمشي ببطء. يونس جرى يستقبلها عند آخر درجة في السلم، مسك إيدها ووصلها لطاولة الطعام. كنت محتارة، دي أمي ولا واحدة شبهها؟
الفضول خلاني أنتظر ومعملش أي حركة. كان بيأكلها بإيده الوغد الحقير. وبعد ما الأكل خلص، لقيته بيتكلم معاها، كان بيقول حاجة وهي رافضة. لكن يونس أجبرها تقف، ومشيوا ناحية باب البيت.
جريت استخبيت، واكتشفت إن يونس بيساعدها تمشي في الحديقة، وبيقول الدكتور أمر بكده.
لحظتها تأكدت إنها والدتي، والدتي اللي سابت البيت من غير كلام. بس كانت مختلفة، كأن عمرها صغر، وبتمشي. والدتي اللي عمرها مكنتش قادرة تتحرك بتمشي من غير مساعدة.
لقيت عيوني نزلت، لكن مش ممكن أضعف في اللحظة دي. ظهرت نفسي ومشيت ناحيتهم. يونس مكنش مصدق نفسه. ووالدتي بصتلي بصة غريبة.
ولما قربت، يونس متكلمش. والدتي قالت: بتعملي إيه هنا؟
جريت على أمي أخدها في حضني، لكنها بعدتني عنها.
قلت: ماما، دورنا عليكي كتير، مكنتش أعرف إن يونس خاطفك.
والدتي ابتسمت: وزعتوا ورثي؟ روحي استمتعي بالفلوس الحرام اللي إنتي وإخواتك فضلتوها عليا، بس قلبي وربي غضبانين عليكم.
قلت: يا ماما متقلقيش، أنا عندي فلوس كتير، هاخدك تعيشي معايا. يونس كان خاطفك صح؟
اطلعي بره، صرخت والدتي بكل قوتها. مش عايزة أشوف واحد منكم هنا.
مشيت على عربيتي، وكلمت إخواتي أحكيلهم اللي حصل.
إخواتي مكنوش مهتمين، قالوا: اللي يشيل قربة مخرومة يستاهل، خليها معاه طالما اختارته.
لكن أنا مكنتش مستعدة أخسر. كلمت الضابط وطلبت منه يقبض على يونس بتهمة خطف والدتي، وإن يونس بيخضعها ليه بطريقة مش عارفاها. لكن للأسف والدتي أنكرت كل ده، وطلع يونس منها من غير أي تهمة.
قلت ليونس وسط القسم والعساكر: مش هسيبك.
وهناك والدتي دعت عليا بحاجات وحشة.
طلعت من القسم مغتاظة، مقررة إني لازم أنتقم من يونس حتى لو خلصت كل فلوسي.
لكن للأسف المشاكل في الشغل بدأت تظهر. مشكلة ورا مشكلة، وكلها تهد الحيل. بدأت مشاريعي تفشل، وأتلقى خسارة ورا خسارة، لحد ما بقيت على الحديدة.
عرفت إن كل ده كان بسبب دعوة والدتي، وبسبب يونس. يونس اللي كرهها فيا.
روحت هناك مرة تانية مصرة على الطلاق. يونس قابلني مع والدتي، وهناك قلتله: طلقني لو كنت راجل.
يونس بص لوالدتي قبل ما يتكلم: كلكم كنتوا فاكرين إني بسعى ورا المال عشان بساعد والدتك. مكنتوش تعرفوا إني بحب والدتكم زي والدتي الله يرحمها. وإن دعوتها كانت بتسهل كل الطرق قدامي. كنتوا فاكرين إني بخدم والدتكم عشان أغراض تانية، بس الخير اللي شفته على إيد والدتك عمري ما شفته في حياتي. والدتك عاملتني كويس من أول يوم دخلت فيه عندكم. اعتبرتني ابنها، ومكنش ممكن أتخلى عنها.
فكرتوا في الفلوس، لكن الفلوس مش كل حاجة.
عايزة فلوس؟ بسبب دعوات والدتك أنا عندي فلوس كتير. عندي مصنع كبير، أنا راجل أعمال بسبب الست الطيبة دي.
طلبت منها أكتر من مرة تكتب الشقة باسمكم، وتتنازل عن الفلوس، لكنها رفضت.
الشقة اللي أنا اشتريتها بفلوسي، ووالدتك هتعيش فيها مع مراتي الجديدة إن شاء الله.
إنتي طالق بالتلاتة. أنا أخرت طلاقك احترامًا لوالدتك. لكن دلوقتي معدش ينفع تفضلي على ذمتي.
صرخت في وشه: استنيت لحد ما بقيت على الحديدة؟ لكن أنا مش هسيبك، هاخد حقي كامل.
ابتسم بسخرية: اتفضلي، ده شيك بكل مستحقاتك.
بصيت على الشيك ورميته في وشه. إنت راجل أعمال وعايز تديني ملاليم؟
ابتسم مرة تانية، وبص لوالدتي وقال: مش قولتلك؟
طلع شيك تاني ورماه في وشي، وقع على الأرض.
وقال: يلا بينا يا والدتي، كل حاجة انتهت.
نزلت أخدت الشيك، كان فيه مبلغ محترم.
سمعته بيهمس: الفلوس دي هتروح منك زي ما راحت اللي قبلها، طالما قلب والدتك مش راضي عنك.
صرخت: هقف على رجلي مرة تانية، وأوريك نجاحي.
بس محصلش. كل حاجة كانت متقفلة في وشي. وكل ما أبدأ في حاجة تظهر مشاكل جديدة. خساير من غير سبب.
الدنيا كلها تقفلت في وشي. كنت بخسر فلوس لأسباب غير متوقعة، ويدوبك مرت شهور كنت خسرت كل حاجة.
إصراري على الانتقام من يونس، وإظهار إني قوية، خسرني كل حاجة.
إخواتي كلهم رفضوا يساعدوني، رغم إني ساعدتهم كتير لما كان معايا فلوس.
ملقتش أي شغل. حالتي تدهورت.
ولأول مرة لقيت نفسي بعيط ومحتاجة أمي.
روحت هناك وأنا متوقعة الرفض.
اعترفت بندمي، وطلبت من والدتي تسامحني.
والدتي سامحتني، وقالت ممكن أقعد معاها.
طلبت منها أرجع ليونس. يونس يعتبرها والدته، وإني هغير نفسي وأعوض عن كل أخطائي.
والدتي قالت: مش هينفع. يونس اتجوز واحدة أفضل منك، وإنتي نلتي عقابك زي ما كل إخواتك هينالوا عقابهم، سواء طولت أو قصرت.
وشفت بعيني مصايب بتنزل فوق دماغ إخواتي. مصايب كبيرة تزلزل أي شخص.
تمت بحمد الله
