رواية تلميذ الجن الفصل الستون 60 بقلم جمال الحفني

 

 

 


رواية تلميذ الجن الفصل الستون بقلم جمال الحفني




أخدت الكتاب من على الطرابيزة وأنا متأكد إن لسه فيه سر مخبيه، وفتحته تاني على نفس الصفحة، لكن المرة دي الهامش اختفى تماما وظهر مكانه سطر واحد بس مكتوب بحبر لونه أزرق غامق..

"ومن أراد الوصول إلى المحبوس، فليتبع الأرض كما كانت لا كما صارت"
بصيت للجملة وأنا مش فاهم معناها، رفعت عيني ناحية جرموق ومرهوب، لكن الاتنين كانوا واقفين ورايا ومنحنيين ناحية الكتاب وباصين فيه بنفس التركيز، كأنهم هما كمان مستنيين حاجة تحصل..

وفجأة!

الورق بدأ يصدر صوت خفيف، كأنه بيستعد، والحبر الأسود اللي كان مالي الصفحة بدأ يتحرك ببطء، السطور اتفككت من أماكنها، والحروف جريت فوق الورقة كأنها أسراب نمل، وكل كلمة كانت بتسيب مكانها وتروح لمكان تاني، لحد ما الصفحة كلها بقت مزحومة، وبعدها الخطوط بدأت تترص وتتكون قدام عينينا، خط ورا التاني، ومن غير ما حد يلمسها، اتولدت خريطة كاملة فوق الورقة!

لكنها مكانتش خريطة من الخرايط اللي أعرفها, يعني مفيهاش كلمة مصر ولا السعودية ولا روسيا مثلا, كل الأسماء كانت غريبة ومكتوبة بخط عربي قديم، بعضها أعرفه من كتب التاريخ، وبعضها أول مرة أشوفه!

فضلت أتتبعها بعيني لحد ما وقفت عند كلمة كبيرة مكتوبة في أقصى الشمال
(بلاد النرمان)

وتحتها مباشرة عبارة عن جزيرة طويلة مرسومة بالحبر الأحمر، وحواليها عشرات الجزر الصغيرة، وعلى واحدة منها علامة سوده كإشارة على إن سلهب موجود هناك..   

بصيت لجرموق وسألته, بلاد النرمان؟

هز راسه وقال "ده الاسم اللي كان البشر بينادوا بيه المنطقة دي وقت ما الكتاب ده اتكتب"

مرهوب قرب أكتر، وحط صباعه فوق الجزيرة، وقال "بص هنا كدا" 
ولما بصيت لقيت مكتوب بخط أصغر (أرض سفالبارد)

قولت لنفسي, سفالبارد! 

ابتسم جرموق وقال "واضح إن الكتاب بيحدث معلوماته على قد اللي تستحق تعرفه, الاسم القديم ظهر الأول، ولما عرف إنك مش هتفهمه، كتب الاسم اللي البشر بينادوا بيه دلوقتي"

رجعت أبص للخريطة، لكن اللي شد انتباهي مكانش اسم الجزيرة, كان الجبل نفسه!

كان مرسوم بلون أسود، وسط اللون الأبيض، وتحته عبارة قصيرة خلت الدم يجري في عروقي والأدرينالين يرتفع لأقصى درجاته 
"الجبل الذي لا تشرق عليه الشمس وما تحته ليس للأحياء"

بصيت ناحيتهم وأنا لسه ماسك الكتاب وسألتهم يعني هنسافر لسفالبارد إزاي دلوقتي؟ إحنا في قلب الصحرا وشدام مش موجود, كان بينقلني لأي مكان في لحظة..

ابتسم مرهوب ابتسامة خفيفة وقال وهو بيقفل باب الخيمة وبيبعد شوية لحد ما وقف في منتصفها تماما, هو أنت فاكر إن شدّام بس اللي عنده القدرة دي؟ 

بصيتله باستغراب وقلت أمال مين تاني عنده القدرة دي؟

رفع عينه ناحيتي وقال بهدوء "أنا, بس قدرتي هي طي الأرض مش الانتقال الاّني" 

ضيّقت عيني وأنا بفكر في كلامه, راح جرموق قال "دي قدرة قديمة اتمنعت عن أغلب قبائل الجن من مئات السنين ومبقاش يقدر يستخدمها غير عدد قليل جدا لأنها بتستهلك قوة مهولة وكل ما كانت المسافة أبعد كان الثمن أكبر"

مرهوب مد إيده ناحيتي وقال "امسك فيا كويس ومتسيبنيش لأي سبب مهما حصل"

وقفت وراه وأنا لسه مش مستوعب اللي هيحصل وبعدها لفيت دراعاتي حوالين كتفه ورقبته زي ما طلب مني, فابتسم وقال "لا كده هتقع امسك فيا بكل قوتك ولو حسيت إن جسمك بيتشد متقاومش"

نفذت كلامه وبعدها الاتنين بصوا لبعض, وفي اللحظة اللي جرموق حط كفه على ضهر مرهوب الدنيا كلها سكتت مرة واحدة, لا صوت هوا ولا صوت حشرات ولا حتى صوت نفسي, وكل اللي حوالينا بدأ يتشوه كأن المكان بيدوب قدام عينينا, الرمال اتلّمت حوالينا في دوامة ضخمة لحد ما مبقاش ظاهر غير لون دهبي بيلف بسرعة مرعبة!

حسيت إن الأرض حد شدّها من تحت رجلي, وإن جسمي بقى أخف من الهوا, وبعدها بدأت أشوف لمحات سريعة قدام عيني, صحاري وبحار ومدن وأنهار وجبال كلها بتعدي في أقل من طرفة عين, كأن العالم كله بيتقلب قدامي صفحة ورا صفحة, ومكنتش قادر أميز أي حاجة غير إن السرعة كانت أكبر من أي حاجة ممكن يتخيلها عقل بني آدم, وفجأة كل حاجة وقفت!

 
الهدوء رجع تاني لكن المرة دي كان هدوء مختلف!

حسيت بهوا بارد بيخبط في وشي كأنه شفرات تلج, وريحة البحر مالية المكان, واللون الأصفر اللي متعود أشوفه في الصحرا اختفى تماما وحل مكانه لون أبيض ممتد لحد آخر الأفق..

فتحت عيني بالكامل وبصيت حوالي وأنا مش مصدق اللي بشوفه, جبال مغطية بالثلج وضباب بيتحرك بين القمم وبحر أسود بعيد كأنه ملوش نهاية!

مرهوب سابني بهدوء وقال وهو بياخد نفس طويل من شدة التعب "وصلنا" 
بصيتله وقلت وأنا لسه مذهول, دي سفالبارد! 

جرموق هز راسه وقال "لأ, دي بداية سفالبارد, أما الجبل الذي لا تشرق عليه الشمس فلسه مستنينا"
 

وقفت مكاني وأنا ببص حوالي كأني أول مرة أشوف الأرض بعيني، مكنش فيه أي حاجة من اللي اتعودت عليه في الصحرا، لا رملة ولا صخرة سخنة ولا حتى ريحة التراب اللي كنت حافظها، كل اللي حواليا كان أبيض بشكل يخوف، جبال مغطية بطبقات تلج سميكة، وسحب منخفضة ماشية بين القمم لدرجة إنها كانت بتخفي جبل وتظهر التاني كل شوية، والهوا كان بارد بطريقة عمري ما حسيت بيها قبل كده، كل نفس كنت باخده كان بيحرق صدري بدل ما يدفيني..

 مديت إيدي ألمس الأرض تحت رجلي، فكانت متجمدة كأنها حجر، سحبت إيدي بسرعة وأنا ببص لمرهوب وقلتله أنا مش مصدق إننا قطعنا المسافة دي كلها في أقل من دقيقة، ابتسم وهو بيبص للجبال وقال "المسافات دي كبيرة على البشر لكن الأرض نفسها مبتفرقش معاها إذا كنت هتمشي عليها خطوة ولا عشرة آلاف كيلو"

طلعت الكتاب من صدري وبصيت جوه الخريطة وأنا بحاول أقارن اللي قدامي باللي مرسوم عليها، وكل ما ألف ناحية جبل ألاقي جبل شبهه، لحد ما جرموق قرب مني وأخد الكتاب من إيدي، وقف يلف بيه ببطء مع اتجاه الريح، وبعدها ثبت فجأة وهو بيبص لقدامه من غير ما ينطق ولا كلمة، بصيت ناحية المكان اللي باصص فيه، لكن كل اللي كنت شايفه سلسلة جبال طويلة بيضا مفيهاش أي حاجة مختلفة!

 سألته أنت شايف إيه بالظبط؟

 رفع صباعه ناحية جبل بعيد وقال "شوف القمة دي كويس"

 ركزت فيها شوية، وفي الأول ملاحظتش أي حاجة، لكن بعد ثواني بدأت أستوعب إن الجبل ده مختلف عن باقي الجبال، قمته كانت سودا بالكامل، لا عليها تلج ولا حتى طبقة جليد رفيعة، زي ما يكون التلج نفسه بيرفض يقرب منه!
فضلت باصص عليه وأنا حاسس بقشعريرة غريبة، ومع كل ثانية كانت السحب تتحرك حواليه لكنها مبتغطيهوش أبدا!

 بالعكس، كانت تلف حواليه في دواير وتسيبه ظاهر كأنه مركز العالم كله، مرهوب خد الكتاب من جرموق وحطه صفحة الخريطة قصاد الجبل وهو واقف، وبعدها قال بهدوء

 "هو ده مفيش غيره نفس ميل القمة ونفس الكسر اللي في الناحية الشرقية، حتى الصخور اللي حواليه مرسومة زي ما هي، الكتاب مكانش بيبالغ ولا بيحكي أسطورة, اللي رسم الخريطة شاف الجبل بعينه وواضح إنه رسام ماهر" 

كنت لسه هتحرك في اتجاه الجبل، لكن جرموق حط إيده على صدري ووقفني، بصيتله باستغراب، فقال وهو مركز في الأفق "استنى, فيه حاجة غلط!"

 بصيت حواليا ومفهمتش يقصد إيه! قلتله إيه اللي غلط؟

 رد من غير ما يبصلي "حوالينا"
أنا سكت شوية وأنا بحاول أفهم، وبعدها استوعبت اللي يقصده، المكان كله كان ساكت بشكل مرعب، مفيش صوت هوا رغم إن الضباب بيتحرك، مفيش صوت طيور ولا حيوان ولا حتى صوت تلج بيتكسر تحت رجلينا، كأن المنطقة دي متشالة من الزمن!


تعليقات