رواية تلميذ الجن الفصل الثالث والستون بقلم جمال الحفني
فضلت باصص ناحية الباب وأنا مستني أي حركة أو أي صوت يثبت إن مرهوب كان عنده حق، لكن المكان كان صامت، صامت لدرجة إن صوت أنفاسي بقى أوضح من أي حاجة حواليا، كنت خلاص هلف وأمشي زي ما قال جرموق، وقبل ما اّخد أي خطوة فجأة ظهرت قدامي ورقة, الورقة اللي بتيجي فيها المهمة اللي بيكلفوني بيها في كل مرة، أنا وجرموق ومرهوب كنا واقفين نبص عليها من غير ما حد ينطق بكلمة, مديت إيدي وفتحتها، ومكنش فيها غير سطور قليلة، لكنها كانت كفاية تخلي قلبي ينقبض!
إلى تلميذ الجن..
يُؤمر بالرجوع فورا، ويمنع استكمال الطريق، ومن تجاوز هذا الأمر فقد خرج من عهد القبائل، وسقط عنه حق الحماية والعون..
قريت الرسالة أكتر من مرة وأنا مش قادر أستوعب آخر جملة، رفعت عيني ناحية جرموق وسألته يعني إيه أخرج من عهد القبائل، فبصلي نظرة طويلة قبل ما يقول بهدوء يعني من اللحظة اللي هتقرر فيها تكمل، محدش هيبقى ملزم يحميك، ولو دخلت في مواجهة مع قبيلة، أو تعرضت للأذى، أو حتى مت، محدش هيعتبر نفسه مسؤول عنك.
مرهوب كمل كلامه وهو باصص ناحية الباب وقال والأخطر من ده إنك هتبقى تاني منفذ أحكام في تاريخ القبائل يعصي أمر مباشر صادر من المجلس، وساعتها هيعاملوك كإنك اخترت تمشي لوحدك..
فضلت ساكت، مرة أبص للرسالة ومرة أبص للباب اللي قدامي، الباب كان على بعد خطوات قليلة، ويمكن وراه كل الإجابات اللي بدور عليها من ساعة ما اشتريت الكتاب من سوق الجن، ويمكن كمان وراه سلهب نفسه بس السجّان بتاعه مثلا بيحاول يبعدنا عن الطريق ويقولنا إنه مش موجود، لكن في نفس الوقت أنا مكنتش مجرد واحد بيجري ورا مغامرة، أنا كنت تلميذ الجن، وكل اللي وصلتله في حياتي كان بسبب ثقتهم فيا، وكنت عارف إن مخالفة أمر بالشكل ده مش مجرد مخالفة عادية، دي ممكن تقلب علاقتي بعالم الجن كله في لحظة!
فضل الصراع جوايا دقايق طويلة وأنا مش قادر أحسم أمري، لحد ما أخدت نفس عميق وبصيت ناحية الباب آخر مرة، وقلت بصوت حاولت أخليه ثابت رغم إني مكنتش مقتنع بالكلمة اللي هقولها..
هنرجع..
سكت جرموق ومرهوب، محدش فيهم اعترض ولا حاول يقنعني بالعكس، وكأنهم كانوا مستنيين القرار ده من البداية، لكن وأنا بلف ضهري للباب كنت حاسس بإحساس غريب، إحساس إن الباب مكانش بيتقفل في وش سلهب كان بيتقفل في وشي أنا، وإن الحكاية دي لسه مخلصتش، وإنها هترجع تدور عليا مهما حاولت أبعد عنها..
مشينا في هدوء نفس الطريق اللي نزلناه من دقايق، لكنه كان مختلف تماما وأنا طالع، المكان نفسه بقى تقيل والهواء بقى أبرد، وكل خطوة كنت باخدها كانت بتزود إحساسي إني بسيب ورايا حاجة كان المفروض أكملها، أو يمكن حد كان مستنيني من زمان, وصلنا للدائرة الحجرية اللي نزلتنا لتحت، وأول ما وقفنا عليها بدأت تطلع بينا ببطء، مفيش ولا كلمة اتقالت طول الطريق، لا أنا سألت ولا جرموق أو مرهوب حاولوا يفتحوا كلام وكأننا احنا التلاتة كنا فاهمين إن أي كلمة هتتقال دلوقتي هتكون مجرد محاولة للهروب من الحقيقة..
أول ما خرجنا من مدخل الجبل حسيت كأني برجع للحياة من جديد، الهوا البارد خبط في وشي بقوة لدرجة إني وقفت كام ثانية أخد نفسي، الثلج الأبيض كان ممتد قدامي بلا نهاية، كأن اللي حصل تحت الجبل مكانش غير حلم طويل..
بصيت ورايا آخر مرة، الجبل كان واقف زي ما هو، صامت مفيش باب ولا أثر للممر اللي دخلناه ولا حتى الشقوق اللي كانت مالية الصخور، كأن الجبل ابتلع كل أسراره ورجع زي ما كان من آلاف السنين..
مرهوب بصلي وهو بيعدل هدومه وقال بابتسامة خفيفة
"يمكن دي أول مرة تبقى زعلان إنك سمعت الكلام"
ضحكت غصب عني وأنا بهز راسي وقلتله يمكن, لكنه رد بسرعة وقال "افتكر الإحساس ده كويس، لأن أكتر القرارات الصح في حياتك هتكون أكترها وجعا"
وقبل ما أسأله يقصد إيه، لفت انتباهي شيء صغير واقع فوق الثلج على بعد خطوات مننا، في الأول افتكرته حجر لونه فاتح، لكن لما قربت منه لقيته كتيب صغير جدا، حجمه أصغر من أي كتاب شوفته قبل كده، غلافه أبيض باهت، ومفيش عليه عنوان ولا حتى زخرفة واحدة، الغريب إنه كان فوق التلج مباشرة, يعني واضح إنه اتحط من ثواني لإنه لو كان موجود من فترة كبيرة كان زمانه اتردم وسط التلج!
انحنيت أخده، لكن قبل ما ألمسه جرموق قال لأول مرة من ساعة خرجنا كلمة واحدة بس
"خده"
بصيتله باستغراب وانا بمسك الكتاب وقلتله هو إيه ده؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال "واضح إن الجبل رضي عن قرارك"
مسكت الكتيب بإيدي، كان دافي بشكل غريب، عكس كل حاجة حواليا، وأول ما فتحته لقيت أول صفحة مكتوب فيها بخط عربي قديم، لكنه واضح بشكل يخليني أقراه كأني حافظه من زمان
في معرفة الحد بين عالمي الإنس والجان
وقفت مكاني وبصيت لمرهوب، لكنه هز كتفه وقال "متبصليش أنا عمري ما شفته"
استغربت أكتر وقلتله يعني إيه عمرك ما شفته؟
رد وهو بيبص للكتيب في إيدي
"لأن النوعية دي من الكتب مش بتتكتب للجن"
وساعتها لأول مرة حسيت إن رجوعي من المقبرة مكانش نهاية مغامرة, كان بداية باب جديد، باب محدش فتحهولي قبل كده، ومحدش حتى هيقدر يشرحهولي..
فتحت الكتاب اللي كان عبارة عن صفحتين بس!
وبدأت أقرأ
"ليس كل من رأى قد دخل، وليس كل من سمع قد اقترب"
هناك موضع لا هو من عالم الإنس ولا هو من عالم الجن، يسمّى عند القدماء الحد
هو ليس مكانا يُمشى إليه بالقدم، ولا بابا يُفتح بالمفتاح، بل حالة تمر بها بعض النفوس عندما تضعف المسافة بين الحواس والعوالم الخفية..
في الحد، لا يصبح الإنسان جنيا ولا يترك جسده لكنه يصبح قادرا على إدراك أشياء كانت خلف ستار الحواس
وتظهر علامات الحد بثلاث صور:
الأولى: السمع
أحيانا الإنسان صوتا لا يسمعه غيره
قد يكون همسا يأتي من مكان مجهول، أو نداء باسمه، أو كلمات غير مكتملة كأن أحدا يحاول الوصول إليه من خلف جدار لا يُرى..
لكن احذر, فليس كل صوت من عالم الجن، فالحد يختبر العقل قبل الأذن
ومن يصدق كل صوت يسمعه يضيع، ومن ينكر كل شيء لا يتعلم
الثانية: الرؤية
في بعض لحظات الحد، قد ترى العين ظلالا أو أشكالا لا تثبت
قد يظهر شيء في طرف النظر ثم يختفي، أو يرى الإنسان هيئة تمر خلفه دون أن يجد أحدا
لذلك قال الحكماء:
"العين في الحد لا ترى الحقيقة كاملة، بل ترى ما تسمح به القوة بين العالمين"
الصفحة الثانية: رفع الحجاب
"الحجاب ليس بابا مغلقا بل طبقة من الإدراك"
بين عالم الإنس وعالم الجن حجاب لا يُرفع بالقوة، وإنما يحدث أحيانا بسبب ظروف نادرة
ومن يدخل الحد قد يمر بإحدى الحالات التالية:
حالة السكون العميق
عندما يهدأ الجسد ويصبح العقل بين النوم واليقظة، قد يسمع الإنسان أصواتا أو يشعر بوجود شيء قريب منه.
هذه اللحظة يسمّيها أهل المعرفة عتبة الحد، لأنها أقرب نقطة يقترب فيها الإدراك من العالم الآخر.
حالة الخوف الشديد أو الصدمة
الخوف القوي قد يجعل الإنسان يرى ويسمع أشياء لا تظهر في الظروف العادية
ولهذا كان القدماء يقولون إن الخوف "يفتح شقوقًا صغيرة في الحجاب"
حالة العابر
وهي أخطر حالات الحد
فيها لا يبحث الإنسان عن العالم الآخر، بل يجد العالم الآخر طريقا إليه
يظهر ذلك أحيانًا في صورة:
-حلم يتكرر بنفس المكان.
-صوت يعرف اسم الشخص ويناديه.
-علامة أو رمز على الجسد يظهر أكثر من مرة.
-شعور بأن هناك من يراقبه دون أن يرى أحدا.
لكن الكتيّب يحذّر:
"لا تطلب الحد فالذي يبحث عن الباب قد يجد بابا لا يعرف كيف يغلقه "
