رواية قلوب لا تعرف الحب الفصل السادس والاخير
صاح صفير الشاشة الطبية بعنف، كأنه ناقوس خطر يصرخ في عتمة الليل!
تراجعت نجوى للخلف وهي تمسك رأسها برعب، بينما اتسعت عينا عامر وهو يرى شقيقه المشلول يتنفس بعمق متسارع، وجسده ينتفض كأنه يتلقى صعقات كهربائية متتالية! لم تكن هذه النوبة نوبة موت كما تمنوا، بل كانت شرارة البعث.. التفاعل الحاد بين إرادة سليم المستميتة وبقايا المادة السامة التي حاربتها دماؤه!
صرخ عامر بوهن وغضب:
"إيه اللي بيحصل يا نجوى؟! انجزي واحقنيه بالجرعة القاضية بسرعة!"
اقتربت نجوى بأصابع ترتجف، لكن قبل أن تصل المحقنة إلى المحلول، ارتفعت يد سليم اليسرى كالسهم!
قبض بكل ما أوتي من غل وقوة على ذراع عامر نفسه الذي كان يقف قريباً من السرير! كانت مسكة فولاذية هزت عامر من أعماقه، فنظر في عيني سليم ليجد جمرة نار تشتعل، وصوتاً مبحوحاً كأنه قادم من القبر يخرج من بين أسنان سليم الكازة:
"عـ...ـامـ...ـر... نهايتك... على... إيدي!"
انفزعت شاهيناز وصرخت بصوت مسموع:
"اقتله يا عامر! اوعى تسيبه يفك! اخلص منه!!"
دفع عامر أخاه بقوة ليخلص ذراعه، وسحبت نجوى الحقنة وتراجعت للخلف بانهيار تام:
"أنا مش هقدر أكمل! الجسد ده بينتفض بمركبات مضادة.. لو أخد الحقنة دي دلوقتي هيدخل في غيبوبة مفتوحة أو هيجي له توقف قلب لحظي يتحول لجريمة قتل صريحة قدام الطب الشرعي! أنا ماشية!"
هَربت نجوى تركض نحو الممر، بينما وقف عامر يلهث والرعب يتآكله، ليسمع صوت خطوات متثاقلة تقترب من الباب... إنه صالح بيه، يستند على الحارس ومجهد للغاية، لكن عينيه كانت تفيضان بالشك والريبة!
في مخزن الجبل..
في تلك الأثناء، في الظلام الدامس لمخزن مزرعة الجبل..
كانت رغد تنزف من معصميها جراء الحبال الغليظة المربوطة بإحكام. لكن صور الخيانة لم تفارق عينيها: وجه أختها "رنيا" وهي تبيعها بكل بساطة، ووجه "سليم" العاجز تحت رحمة الشياطين.
قالت رغد في سرها بنبرة تفتت الصخر:
"مش هموت هنا.. سليم محتاجني، وربنا مش هيسيب الظالمين ينصروا!"
بدأت تحك الحبل الملتف حول يديها بحافة قطعة حديدية حادة مكسورة على الأرض بجوارها. تحسست القطعة رغم الألم والدم الذي يسيل من يدها، واستمرت في الاحتكاك بصرامة لا تعرف الاستسلام.
ساعة.. ساعتان.. حتى انقطع أول خيط من الحبل!
وبجهد أخير، تفككت عقدة يديها! أسرعت بفك قدميها، ووقفت ترتجف من البرد والتعب. اقتربت من النافذة الخشبية العالية للمخزن، وبمساعدة صندوق خشبي قديم، استطاعت دفع الدلفتين المتهالكتين والتسلل إلى الخارج تحت ستار الليل!
ركضت رغد في الطرقات الترابية الوعرة للمزرعة والأشواك تجرح قدميها الحافيتين، حتى وصلت إلى الطريق الزراعي السريع. وقفت في المنتصف وتوسلت لأول سيارة نقل قادمة، والتي توقفت بذهول أمام منظر تلك الفتاة المضمخة بالدماء والغبار!
مع ساعات الفجر الأولى..
كان عامر يجلس في الصالون الكبير يرتشف القهوة بعصبية، ورنيا تجلس بجواره تطالبه بحصتها الثمنية وتأمين خروجها:
"عامر.. أنا عملت كل اللي طلبته وبعت أختي عشانك! لازم تديني الشيك اللي وعدتني بيه وتأمني سفري قبل ما رغد ترجع أو الشرطة تدخل!"
ضحك عامر ضحكة مجنونة ساخرة:
"شيك إيه يا رخيصة؟! أنتِ بعتي أختك بدم بارد، فاكرة إني هأمن واحدة خاينة زيك؟! ماليش كلام معاكي.. اقفلي بؤك خالص بدل ما أرميكي جنب أختك في الجبل!"
اتسعت عينا رنيا بالصدمة، وشعرت انها كانت المغفلة التي تلاعبو بها !
وفجأة.. انفتح باب القصر الحديدي بصوت كالرعد!
دُفع الباب ليطل منه دكتور سامح، ورفقته ضابط شرطة ورجلان من النيابة العامة، وخلفهم تقف رغد بشموخ وجراح تروي قصة صمودها!
صدم عامر وقفز من مكانه:
"إيه المهزلة دي؟! إزاي تدتخلوا بيتي كده؟!"
تقدم الضابط بحسم ووجه كلامه لعامر:
"عندنا أمر من النيابة العامة بتفتيش القصر، وفحص الحالة الصحية لـ "سليم الألفي" بناءً على بلاغ رسمي مقدم من حرمه المدام رغد والدكتور سامح، مع التحفظ على زجاجات العقاقير الموجودة بالجناح!"
صرخت شاهيناز وهي تنزل على السلم:
"كذب! دي بنت طماعة ومطرودة من البيت، والولد مريض تحت إشراف طبيبة مسجلة!"
في هذه اللحظة بالذات.. سمع الجميع صوت خطوات متثاقلة، ولكنها منتظمة.. قادمة من الممر الداخلي!
التفتت الأعناق جميعها في ذهول أليم..
كان سليم الألفي يسير بقدميه! يمسك بيد عماري الذي خلصه من الحبس يستند بكل ثقله على إرادته الشامخة، وعيناه ترسلان شهب الغضب! كان يتنفس بصعوبة، لكنه كان واقفاً على قدميه لأول مرة منذ سنين
شهقت شاهيناز وسقط الفنجان من يد عامر ليتهشم على الأرض!
سقط صالح بيه على ركبتيه بدموع تتساقط كالمطر:
"سليم!.. ابني؟! أنت واقف على حيلك يا ابني?!"
نظر سليم إلى والده، ثم التفت ونظر إلى عامر وشاهيناز بصلابة هزت أركان القصر، ثم رفع يده وبصوت جهوري متقطع ولكن واضح كالشمس:
"عامر... وشاهيناز... حاولوا يقتلموني بالسم! والدكتورة نجوى كانت أصل الجريمة!"
ثم استدارت حدقتا عينيه لنحو أخت رغد "رنيا"، وقال بقسوة:
"والأخت الخاينة دي.. كانت شريكتهم عشان الفلوس!"
انهارت رنيا على الأرض تبكي بحرقة وندم، بينما تراجع عامر للخلف محاولاً الركض نحو الباب الخلفي، لكن رجال الشرطة حاصروه في ثوانٍ وأطبقوا الكلبشات الحديدية على معصميه هو وأمه!
النهاية والنور
تجهجت العيون بالدموع، وتقدم سليم بخطوات بطيئة ولكن ثابتة نحو رغد..
نظر إلى يديها الملتفتين بالدماء والجراح، وإلى عينيها اللتين لم تستسلما لحظة واحدة لأجله. رفعت رغد رأسها ونظرت إليه بابتسامة نصر صادقة وسط دموعها.
مسك سليم يدها المكتوية بآلام الحبال، وضمها بين كفيه بقوة، ثم قال أمام الجميع بنبرة يملؤها الحب والامتنان:
"أنتِ مش بس رديتي لي روحي.. أنتِ ثبتي إن فيه قلوب حقيقية بتعرف تحب وتصون، وسط قلوب اتعمت بالغل والمال."
نظر صالح بيه لرغد بشرخ في قلبه وندم لا ينتهي، وقال وهو ينحني احتراماً لها:
"سامحيني يا بنتي.. كنت ظالم، وأنتِ كنتِ الملاك اللي أنقذ عيلتي من الشياطين."
قبل سليم يدها وقال انتي مش بس زوجتي
انتي ملكه حياتي وساحره قلبي اللي انقذتني ❤
تطوقت الأيدي، وانقشت عتمة القصر الشرير، لتبدأ صفحة جديدة تُكتب بالعدل والمحبة، وتثبت أن الظلم مهما طال.. فإن للحق صولة لا تُقهر!
تمت بحمد الله
