رواية لست قاسية الفصل السادس
بعد مرور ستة أشهر على زواج غادة وخالد
يجلس خالد في مكتبه بالشركة شاردًا، مستندًا برأسه إلى يديه.
يتذكر عدة مواقف جمعته بغادة، ويأتي إلى ذهنه حوارهما منذ أيام قليلة.
غادة:
- خالد، أنا لقيت فرصة شغل كويسة أوي في شركة عقارات.
نظر إليها خالد في ضيق، وقال:
- تاني يا غادة موضوع الشغل؟ وفين الشركة دي؟
غادة:
- شركة الأسيوطي للعقارات.
خالد:
- وإنتِ ملقتيش غير الشركة دي اللي تشتغلي معاها؟
غادة:
- مالها الشركة دي يا خالد؟ ده هيدوني مرتب كويس أوي.
خالد:
- مش مسألة مرتب. الشركة دي صاحبها سمعته زي الزفت في السوق، غير إنه معروف إن مشيه مش كويس.
غادة:
- وأنا مالي وماله؟ أنا تعاملي مش هيبقى معاه، أنا هتعامل مع مدير التسويق.
خالد:
- طب وليه مترجعيش تشتغلي معايا في نفس شركتي؟
غادة:
- ما إحنا اتكلمنا قبل كده، وقلنا إن شغلي معاك ممكن يعمل مشاكل بينا. خلينا بعيد كده أحسن.
خالد:
- يعني مفيش فايدة؟
غادة:
- خالد، ده شغلي، وأنا مش صغيرة، وعارفة أنا بعمل إيه كويس.
---
عاد خالد إلى الواقع، وزفر بشدة، محاولًا إخراج ما بداخله من غضب.
دخل عليه عادل، صديقه وزميله في العمل، فوجده على هذه الحال.
عادل:
- مساء الخير يا خالد.
حاول خالد أن يعود إلى طبيعته، وقال:
- مساء النور يا عادل.
عادل:
- ها، خلصت رسومات مشروع السخنة؟
خالد:
- آه، أهو... اتفضل.
أخذها عادل، ونظر إليها، ثم قال في تعجب:
- إيه ده يا خالد؟ أنا بقولك مشروع السخنة، مش مشروع مستشفى أكتوبر.
قال خالد في ارتباك:
- معلش يا عادل، اتلخبطت... اتفضل، الرسومات أهي.
نظر إليه عادل باهتمام، وقال:
- مالك يا خالد؟ بقالك فترة مش مظبوط، على طول سرحان، وشكلك مهموم.
تنهد خالد وقال:
- أقولك إيه بس يا صاحبي... شكلي غلطت لما اتجوزت.
ابتسم عادل في دهشة:
- ليه يا ابني كده؟ أنت لحقت؟
قال خالد:
- هقولك يا عادل... لأني محتاج أتكلم.
---
ومن جهة أخرى...
استقبلت غادة صديقتها رحمة في منزلها، وأدخلتها غرفة الصالون.
غادة:
- وحشتيني يا رحمة أوي.
رحمة:
- إنتِ كمان وحشتيني أوي يا غادة، من يوم فرحك مشوفتكيش.
غادة:
- إنتِ اللي ندلة، مزورتنيش ولا مرة من ساعة ما اتجوزت.
رحمة:
- بصراحة اتكسفت، قلت أسيبك تتهني مع خالد شوية.
قالت غادة في تهكم:
- أتهنى؟!
نظرت إليها رحمة باستغراب:
- مالك يا غادة؟ ليه حساكي مش مبسوطة؟ خالد مزعلك في حاجة؟
قالت غادة:
- هحكيلك يا رحمة.
---
نعود إلى حوار خالد مع عادل.
قال خالد:
- بقالي ست شهور متجوز يا عادل، لكن حاسس إنهم ست سنين. مكنتش متخيل إن الجواز تقيل كده. أنا وغادة على طول في خلافات، كأنها بتتعمد تضايقني وتعصي أوامري. أقولها يمين، تقوللي شمال، وشمال تقوللي يمين. وعلى أقل حاجة تقوللي: "جيت على كرامتي." لحد ما خلاص تعبت.
قال عادل:
- طب ما يمكن عشان إنتوا لسه في الأول، ومش متعودين لسه على طباع بعض.
هز خالد رأسه، وقال:
- لا يا عادل... في حاجة غريبة في علاقتي بغادة.
---
قالت رحمة:
- غريبة؟
غادة:
- إيه الغريب في اللي بقوله؟
رحمة:
- منين بتقولي إنه بيعاملك كويس أوي، ومنين بتقولي إنك مش مبسوطة معاه؟
تنهدت غادة، وقالت:
- معرفش يا رحمة... دايمًا عندي إحساس إنه بيمثل عليا، وإنه هيستنى الوقت المناسب اللي يظهر فيه على حقيقته ويضربني في ضهري.
رحمة:
- وليه افترضتي إنه هيعمل كده، طالما هو معاملته كويسة، ومظهرش ليكي أي حاجة وحشة؟
غادة:
- عشان هما كلهم كده. بيبقوا في الأول ملايكة، وبيمثلوا الحب الأفلاطوني، وبعدين بيظهروا على حقيقتهم. ما أحمد كان بيعاملني كويس، وبيحبني... قصدي كان فاكر إنه بيحبني. وإيه اللي حصل؟ باعني مع أول بالطو أبيض عدى عليه... دكتورة زيه. ونفس الحكاية سيف، كان متهيألي إن قصة حبنا هتكمل قصص الحب التاريخية، روميو وجولييت، وقيس وليلى... وفي الآخر محصلش أي حاجة.
قالت رحمة بهدوء:
- افهمي بقى يا غادة... خالد مش أحمد، ولا سيف. خالد ده جوزك، واللي لما حبك بجد طلبك للجواز، لا لف ولا دار.
قالت غادة:
- ما يمكن عشان أنا ساعتها اتعاملت معاه صح، وصديته، وتجاهلت إعجابه بيا. مش يمكن لو كنت استسلمت لمشاعره، كان عمل معايا زي ما غيره عمل؟
قالت رحمة:
- طب ودلوقتي، بعد ما اتجوزك، العلاقة بينكم عاملة إزاي؟
---
قال خالد:
- العلاقة بيني وبين غادة غريبة أوي، مش زي أي زوجين. ساعات أحسها حنينة أوي، ومسلمالي مشاعرها وقلبها، وفجأة ألاقيها اتحولت لإنسانة قاسية، أنانية، كل اللي يهمها نفسها وبس.
قال عادل:
- طب إيه اللي بيخليها تبقى قاسية مرة واحدة كده؟ أكيد في سبب.
---
قالت غادة:
- في اللحظة اللي ببقى فيها قاسية، بتبقى اللحظة اللي ببقى خلاص بضعف فيها قدامه، وبتنهار كل حصوني. ساعتها بحاول أحاوط قلبي بسور من القسوة، يحميه من إنه يقع في نفس الغلطة تاني.
---
قال عادل:
- وإيه اللي يخليك مستحمل كل ده؟ ما تسيبها وتشوف اللي يريحك.
ابتسم خالد ابتسامة هادئة، وقال:
- مش سهلة كده يا عادل. أولًا، لأني راجل، وبحافظ على كلمتي. ثانيًا، مش أنا اللي أخرب بيتي. ثالثًا، لأن غادة فعلًا طيبة، وبنت أصول، ومعدنها أصيل... بس في حاجة جواها أنا معرفهاش.
ابتسم عادل، وقال:
- دول بس الأسباب؟
هز خالد رأسه، وقال:
- لا طبعًا... في أهم سبب، وأقوى سبب...
إني بحبها.
واللي بيحب حد، بيستحمله بعيوبه، ويفضل وراه لحد ما يتغير.
---
قالت رحمة:
- وإنتِ خايفة تحبيه يا غادة؟
خفضت غادة رأسها، وقالت بصوت خافت:
- أنا خايفة أكون فعلًا حبيته.
ابتسمت رحمة، وقالت:
- طب وإيه المشكلة؟ ده جوزك.
قالت غادة، وعيناها ممتلئتان بالخوف:
- عايزاني أحب تاني يا رحمة؟ عايزاني أستسلم لمشاعري تاني وأضعف؟ وبعد ما يبقى كل حياتي، وأكتفي بيه عن كل الدنيا، يرجع يقوللي: "معلش... أصل كنتِ فاهمة غلط."
قالت رحمة:
- عشان كده مش عايزة تخلفي منه، وبتاخدي حبوب منع الحمل؟
قالت غادة:
- عشان أخلف وأجيب عيال للدنيا، لازم أبقى حاسة بالأمان. مش عايزة عيالي يشوفوا اللي أنا شوفته، لما أبويا سابني وأنا عيلة صغيرة.
تنهدت رحمة، وقالت:
- بس إنتِ كده بتظلمي خالد يا غادة.
قالت غادة:
- لو ما ظلمتش خالد... هكرهه. وأنا مش عايزة أكرهه. أنا بقيت بتوقع في كل ثانية إنه يغدر بيا. مش ضروري يخوني... بس يسيبني. ممكن قناع الأخلاق اللي لابسه ده يقع، ويظهر على حقيقته... معرفش.
---
وفي تلك اللحظة...
دخل خالد منزله، باحثًا عن غادة.
انتبه إلى وجودها مع رحمة، فقرر ألا يزعجهما، وأن يتجه إلى غرفته مباشرة.
لكن حديث غادة استوقفه...
فتوقف في مكانه، يستمع.
رحمة:
- يعني إنتِ بتعترفي إنك بدأتي تحبي خالد؟
أغمضت غادة عينيها، وقالت:
- للأسف... أنا فعلًا حبيته، وده اللي بيزود ردود فعلي العنيفة معاه. إني خايفة الحب ده يخليني أضعف قدامه.
رحمة:
- وهتفضلي صامدة لحد إمتى؟
قالت غادة:
- معرفش يا رحمة... كل اللي عارفاه إني محتاجة أطمن، محتاجة أحس إن الحب ده أمان، وعمره ما هيغدر بيا.
---
ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتي خالد.
ثم اتجه إلى غرفته في هدوء، وهو يحدث نفسه:
"بقى بتحبيني يا ست غادة... وبتحاولي تهربي من حبي بقسوتك؟
بقى أنا حبي ضعف؟
طب أما أخليكي تنطقي، وتخرجي من سكوتك ده... مبقاش خالد."
