رواية لؤلؤة الدنجوان الفصل السادس
في عتمة الغرفة التي لا يكسرها سوى ضوء القمر المتسلل من النافذة الزجاجية الكبيرة، التقت عيناها الواسعتان المذعورتان بعينيه المشتعلتين بنيران غامضة.
كانت المسافة بينهما شبه معدومة، أنفاسه الساخنة تلفح وجهها، وعطره الرجولي النفاذ يقتحم حواسها ليصيبها بدوار من نوع آخر.
انتفضت لؤلؤ محاولة التراجع، فاصطدم ظهرها بلوح السرير. سحبت الغطاء الحريري إلى صدرها بقوة، وصوتها يرتجف كالوتر المشدود:
"إنت... إنت بتعمل إيه هنا؟ دخلت إزاي؟"
لم يتحرك هشام قيد أنملة، بل ظل محاصراً إياها بنظراته التي تخترق روحها. رفع يده ببطء شديد، ورغم ارتعابها وتوقعها للقسوة، إلا أن أصابعه الخشنة تلمست وجنتها السمراء برقة متناهية أربكتها تماماً.
"عرفت مين اللي عمل فينا كده يا لؤلؤ." قالها بصوت أجش، عميق، يحمل فحيحاً مرعباً لكنه لم يكن موجهاً إليها.
توقفت أنفاسها. اتسعت عيناها بذهول، وتناست خوفها منه للحظة. "عرفت؟... مين؟ مين اللي دمر حياتي وماتت أمي بسببه؟"
اعتدل هشام في جلسته على حافة السرير، ومسح وجهه بيديه بقوة وكأنه يحاول طرد كابوس بشع، ثم نظر إليها بثبات.
"ريهام... بنت عمي، وخطيبتي القديمة." قالها والكلمات تخرج من بين أسنانه كشظايا الزجاج. "هي اللي حطتلي المخدر في الشرب، وهي اللي دفعت لرجالتي عشان يقفلوا علينا الباب، وهي اللي صورت الفيديو وسربته للصحافة... كل ده عشان تنتقم لغرورها المريض لإني سيبتها زمان."
ساد صمت مميت في الغرفة. صمت ثقيل يكاد يخنق الأنفاس. استوعبت لؤلؤ الكلمات ببطء. لم تكن مجرد صدفة سيئة، لم يكن مجرد رجل ثمل اعتدى عليها... بل كانت مؤامرة حقيرة ومدروسة، استخدمتها كطعم رخيص، أداة تافهة في حرب بين وحوش المجتمع المخملي.
وفجأة، تحول الحزن الساكن في عينيها إلى نيران مشتعلة. لم تبكِ هذه المرة، لم تنهار كعادتها. بل برزت في ملامحها البسيطة قوة غريبة أدهشت هشام.
نهضت من السرير ببطء، متجاهلة قربه منها. وقفت أمامه مباشرة، رغم قصر قامتها مقارنة بطوله الفارع حتى وهو جالس، إلا أن نظرتها كانت تعتلي قمة جبل من الكبرياء.
"عايزة حقي وحق أمي يا هشام."
نطقت اسمه مجرداً لأول مرة. لم تقل "بيه". قالتها بحسم، بنبرة تقطر ألماً وتحدياً. تلك الحروف الأربعة عندما خرجت من شفتيها أحدثت زلزالاً في كيانه.
نهض هشام ليقف أمامها. كان يبتلعها بظله الضخم. وضع يديه الكبيرتين على كتفيها النحيلين، وعيناه تشتعلان بإعجاب خفي بهذه الروح المتمردة التي تولد من رحم الانكسار.
"حقك وحق أمك هيرجعلك لحد تحت رجليكي يا لؤلؤ." همس بصوت يحمل قسم الرجال الذي لا يُنتهك. "بس عشان ده يحصل، لازم تبطلي عياط، وتبطلي تستخبي في الأوضة دي. ريهام مفكرة إنها كسرتني، ومفكرة إنك مجرد حتة خدامة أنا متجوزها غصب عني وهرميها في الشارع. لازم نثبتلها العكس... لازم أضربها في مقتل."
"المطلوب مني إيه؟" سألت بشجاعة وهي ترفع ذقنها نحوه.
ابتسم هشام ابتسامة جانبية خطيرة، مرراً إبهامه على شفتيها بخفة جعلتها ترتجف رغماً عنها.
"المطلوب منك تكوني حرم هشام الشافعي... بجد."
في صباح اليوم التالي، استيقظ القصر على إعصار من نوع آخر. لم يعد هشام ذلك الزوج القاسي أو الغاضب، بل تحول إلى مايسترو يقود أوركسترا ضخمة. توافد أشهر مصممي الأزياء، وخبراء التجميل، وتجار المجوهرات إلى القصر بأمر مباشر منه.
جلست لؤلؤ في منتصف جناحها، محاطة بجيش من الخبراء، لكنها كانت تشعر بالغربة. لم تكن تحب هذا العالم المصطنع.
دخل هشام الغرفة بخطواته الواثقة المعتادة، يرتدي حلة كلاسيكية سوداء قاتمة، مفصلة بدقة لتبرز عرض منكبيه وقوته البدنية، مع قميص أسود مفتوح الزرين العلويين، مما أضفى عليه هيبة طاغية وجاذبية تخطف الأنفاس.
أشار للجميع بالتوقف والابتعاد. اقترب منها، وتأمل الخيارات المطروحة من الفساتين والمجوهرات المبهرجة. عقد حاجبيه بانزعاج.
"إيه كل الألوان والزحمة دي؟" صرخ في المصممة الرئيسية التي ارتعدت أوصالها. "أنا مراتي مش فاترينة عرض! لموا كل الكراكيب دي."
اتجه بنفسه نحو خزانة الملابس التي جلبوها، وبدأ يتصفح الفساتين بتركيز شديد. توقف عند فستان معين، وسحبه. كان فستاناً من الحرير الخالص باللون الزمردي الداكن (الأخضر الغامق)، تصميمه في غاية البساطة ولكنه يقطر فخامة؛ طويل، ضيق من الخصر لينسدل بنعومة تامة، بفتحة عنق مربعة تبرز عظام الترقوة برقة.
التفت نحو لؤلؤ، التي كانت تراقبه بذهول. "اللون ده... هو الوحيد اللي هيليق على لون بشرتها." قالها بصوت هادئ، موجهاً حديثه للخبراء، لكن عينيه لم تفارقا عيني لؤلؤ. "مفيش ميكياج تقيل، مش عايز ألوان تسد النفس. عايزها طبيعية، بس تبرزوا عينيها كويس. والشعر يترفع بطريقة بسيطة. مفهوم؟"
"أوامرك يا فندم!" أجابوا في صوت واحد.
بعد ساعتين، وقف هشام أسفل الدرج الرخامي العريض، ينتظر نزولها. كان ينظر في ساعته ببعض نفاد الصبر، حتى سمع وقع حذاء ذي كعب عالٍ يطرق الرخام بخجل.
رفع عينيه... وتوقف قلبه عن النبض لثانية كاملة.
كانت تهبط الدرج ببطء. الفستان الزمردي عانق قوامها النحيل بشكل سحري، مبرزاً أنوثة هادئة ورقيقة لم يكن يلاحظها. اللون الداكن جعل بشرتها السمراء تتوهج كحبة لؤلؤ نادرة وسط المحار.
شعرها الفاحم رُفع برقة ليبرز طول عنقها، ولمسات التجميل البسيطة جداً جعلت عينيها الواسعتين تبدوان كبحر من الأسرار. لم تكن ترتدي سوى قلادة ماسية رفيعة جداً اختارها لها لتزين عنقها.
لم تكن ملكة جمال بالمعايير الرخيصة والمستهلكة، بل كانت تحفة فنية نادرة، لا يفهم قيمتها سوى خبير متمرس... وهشام كان أكبر الخبراء.
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يراقبها تقترب منه. عيناها كانتا مليئتين بالتوتر والخجل.
عندما وصلت إلى الدرجة الأخيرة، أمد يده لها. نظرت إلى يده الكبيرة الممتدة، ثم رفعت عينيها إليه. وضعت يدها المرتجفة في يده، فشعر ببرودتها. قبض على يدها بحنان وقوة في آن واحد، وسحبها نحوه حتى التصقت بصدره.
"إنتي طالعة... تخطفي العقل." همس بصوت منخفض، أجش، لم يكن تمثيلاً هذه المرة، بل كان اعترافاً صادقاً خرج من أعماق صدره.
احمرت وجنتاها السمراوتان بخجل حقيقي، وأخفضت بصرها.
"جاهزة ؟" سألها وهو يضع يدها حول ذراعه بقوة.
"طول ما إنت معايا... مش خايفة." انزلقت الكلمات من شفتيها دون وعي، لكنها كانت كفيلة بجعل غرور هشام يصل إلى عنان السماء. ابتسم ابتسامة واثقة، وانطلق بها نحو حفل العشاء الخيري الأضخم في العاصمة، حيث تنتظرهم ذئاب المجتمع، وعلى رأسهم ريهام.
كانت القاعة الكبرى بفندق "الريتز" تعج بأصحاب الملايين، رجال الأعمال، وزوجاتهم اللاتي يتنافسن في استعراض الثروة والمجوهرات.
الموسيقى الكلاسيكية الهادئة تعزف في الخلفية، والأحاديث الجانبية تدور حول شيء واحد فقط: فضيحة هشام الشافعي وزواجه المفاجئ.
كانت ريهام تقف في وسط القاعة، ترتدي فستاناً أحمر صارخاً، تمسك بكأس من الشمبانيا، وتتحدث بثقة وغرور مع بعض السيدات، توزع ابتسامات النصر الشامتة، متأكدة من أن هشام الشافعي قد دُمر، وأن هذه الفتاة الجاهلة التي ورطه فيها لن تجرؤ على الظهور في مجتمع كهذا.
وفجأة... توقفت الموسيقى لثوانٍ وتزامن ذلك مع فتح الأبواب الرئيسية للقاعة المزدوجة بضخامة.
دخل هشام الشافعي.
كعادته، كان حضوره طاغياً يفرض الصمت والانتباه على الجميع. لكن هذه المرة، لم يكن وحيداً.
كانت تتأبط ذراعه لؤلؤ. خطواتها رغم توترها الداخلي كانت ثابتة بفضل قبضته الفولاذية على خصرها التي تدعمها وتمدها بالقوة.
التفتت الرؤوس كلها نحوهما. ساد همس كفحيح الأفاعي في القاعة. الجميع كان يتوقع فتاة رثة، ساذجة، لا تعرف كيف تقف، لكنهم صدموا بمدى الرقي والبساطة والغموض الذي يحيط بها.
تناسقها المذهل مع هيبة هشام جعلهم يبدون كزوجين من عائلة ملكية عريقة.
تسمرت ريهام في مكانها، واتسعت عيناها بصدمة وحقد وهي ترى هشام يقبل يد لؤلؤ أمام الجميع بابتسامة عاشقة لم ترها منه يوماً طوال فترة خطوبتهما.
اقترب هشام ولؤلؤ من وسط القاعة. كان هشام يحيي كبار رجال الأعمال بثقة مدمرة، ويقدم لؤلؤ بكل فخر: "أقدملكم حرمي.. السيدة لؤلؤ الشافعي."
شعرت لؤلؤ بمدى التوتر، لكن وجوده بجانبها كان كدرع حصين. لملمت ريهام شتات نفسها، واصطنعت ابتسامة صفراء ملأت وجهها، وتقدمت بخطوات بطيئة نحوهما، ترافقها همهمات الحضور المترقبين لصدام العمالقة.
"هشام! مش معقول!" قالت ريهام بصوت مرتفع قليلاً لتلفت الانتباه، وتوقفت أمامهما. "ألف مبروك! فاجئتنا كلنا بجوازك السريع ده... من..." نظرت إلى لؤلؤ من الأعلى إلى الأسفل باحتقار متعمد. "من المدام."
ابتسم هشام ابتسامة باردة كالثلج، وضم لؤلؤ إلى صدره أكثر. "الله يبارك فيكي يا ريهام. عقبالك... آخ نسيت، إنتي اتجوزتي وطلقتي في نفس السنة باين؟"
كانت ضربة قاسية تحت الحزام، أحمر لها وجه ريهام بغضب، لكنها تماسكت وقالت بخبث وهي تنظر للؤلؤ: "أصلي بحب أختار صح يا هشام. بس بصراحة، إنت فاجئتني بـ 'ذوقك' الجديد. الآنسة... أقصد المدام... شكلها من عالم تاني خالص غير عالمنا."
كانت الكلمات تقطر سماً وإهانة لطبقة لؤلؤ الاجتماعية. انكمشت لؤلؤ قليلاً، لكن قبل أن تفكر في الرد، أمسك هشام بذقن لؤلؤ برقة، وأدار وجهها إليه، وطبع قبلة حنونة جداً على جبينها أمام عيني ريهام والحاضرين، ثم التفت لريهام ونظراته كسيوف مسلطة على رقبتها.
"عندك حق يا ريهام." قال هشام بصوت هادئ ولكنه يزلزل القاعة. "لؤلؤ من عالم تاني خالص... عالم نضيف، مفيهوش كدب، مفيهوش غدر، ومفيهوش ناس رخيصة بتلعب في الضلمة عشان تنتقم. لؤلؤ هي الجوهرة اللي دورت عليها عمري كله، ومهما حاولوا الحاقدين يوسخوا صورتنا، هي هتفضل التاج اللي محطوط على راس هشام الشافعي. أتمنى تكون الإجابة واضحة؟"
شهق بعض الحضور الملتفين حولهم، بينما اشتعلت عينا ريهام بالجنون. لقد دمر كبرياءها أمام الجميع، وأعلن حبه لهذه الخادمة بكل قوة.
التفتت ريهام وغادرت المكان بخطوات سريعة وغاضبة، تجر أذيال خيبتها.
أخذت لؤلؤ نفساً عميقاً، ونظرت إلى هشام بامتنان حقيقي. لأول مرة تشعر أن هناك من يحميها ويدافع عن كرامتها بشراسة.
بدأت فرقة الموسيقى في عزف لحن رومانسي هادئ جداً . مال هشام على أذنها، وهمس بصوته الذي يذيب الجليد: "تسمحيلي بالرقصة دي؟"
اتسعت عيناها بخوف. "أنا... أنا مبعرفش أرقص."
"أنا هعلمك... سيبي نفسك خالص."
سحبها بلطف نحو حلبة الرقص التي كانت شبه خالية. وضع يده العريضة خلف خصرها، وسحبها بقوة حتى التصق جسدها النحيل بجسده الصلب تماماً. تشابكت أصابع يده الأخرى بأصابعها الصغيرة.
بدأ يتحرك بها ببطء، بخطوات متناغمة مع الموسيقى. كانت لؤلؤ تتخبط في البداية، لكن حرارة جسده، وقوة قبضته، وعطره الذي يخدر حواسها، جعلها تغمض عينيها وتستسلم لقيادته.
كانت تتحرك معه كأنها خصلة حرير تتلاعب بها الرياح.
أحنى هشام رأسه حتى لامس أنفه خصلات شعرها، همس بجوار أذنها، بصوت لم يسمعه أحد سواها، صوت تخلى عن كل قسوة الدنيا ليحتفظ بعاطفة مجنونة تتفجر بداخله:
"كنتي خايفة منها؟"
"لا..." همست لؤلؤ وعيناها مغمضتان، تستمتع بالدفء الذي يسري في عروقها. "عشان إنت كنت واخد حقي."
شدد من قبضته على خصرها، ورفع وجهها إليه لتلتقي عيناهما. كانت المسافة بين شفتيهما لا تتعدى المليمترات.
"حقك هيفضل يرجعلك لحد آخر يوم في عمري يا لؤلؤ." قالها وعيناه تتفحصان ملامحها بشغف.
"إنتي تخصيني... فاهمة يعني إيه تخصيني؟ يعني محرمة على الدنيا كلها إلا هشام الشافعي. محدش هيقدر يبصلك، محدش هيجرؤ يكسرك طول ما أنا بتنفس."
الكلمات القوية، الممتزجة بالغيرة والتملك، جعلت قلب لؤلؤ يدق بعنف كاد أن يمزق أضلعها. هل هذا تمثيل؟ هل من الممكن أن يكون تمثيلاً؟ النظرة في عينيه كانت حقيقية، نيران الشوق والتملك التي تحرق حدقتيه المظلمتين كانت أصدق من أي حقيقة.
نسيت لؤلؤ المكان، ونسيت الناس، ونسيت العذاب... لم تعد ترى في الكون سوى هاتين العينين المظلمتين. رفعت يدها بغير وعي، ووضعتها على صدره، حيث ينبض قلبه بقوة تعادل قوة قلبها.
كاد هشام أن يفقد السيطرة، كاد أن يقبلها أمام الجميع بصدق هذه المرة وليس تمثيلاً، لولا أن انتهت المقطوعة الموسيقية وعلا تصفيق الحضور الحار لهذه اللوحة الفنية التي رسموها للتو.
انسحبا من الحلبة بهدوء، ورغم أن نظرات الحضور تغيرت من السخرية إلى الإعجاب والحسد، إلا أن هشام شعر بالاكتفاء. لقد وجه رسالته لريهام وللجميع.
"يلا بينا." قال هشام وهو يضع معطفه الأسود الطويل على كتفيها ليحميها من برودة الجو الخارجي. "المسرحية خلصت النهارده."
خرجا من الفندق الفاخر، واتجها نحو الموقف المخصص للسيارات الشخصية لكبار الزوار. كان المكان شبه مظلم، يعتمد على إضاءة أعمدة الإنارة الخافتة. السكون يلف المكان عكس الصخب بالداخل.
كان هشام يحيط خصرها بيده، وهي تستند عليه، كلاهما غارق في بحر من المشاعر المتناقضة بعد تلك الرقصة.
"لؤلؤ..." بدأ هشام الحديث بصوت هادئ ومتردد، وهو شيء نادر الحدوث. "أنا عايز أتأسفلك عن..."
لم يكمل جملته.
فجأة، من بين السيارات المتوقفة، انطلقت سيارة دفع رباعي سوداء ضخمة بسرعة جنونية، بدون أضواء، تتجه نحوهما مباشرة كقذيفة مميتة.
صرير العجلات على الإسفلت شق سكون الليل المرعب.
لم يكن هناك وقت للتفكير. الكشافات الأمامية للسيارة أُضيئت فجأة لتصيبهما بالعمى المؤقت.
اتسعت عينا لؤلؤ برعب، وتسمرت في مكانها غير قادرة على الحركة. وفي جزء من الثانية، وبسرعة غريزية فتاكة، صرخ هشام زأرة مرعبة، وجذب لؤلؤ بقوة هائلة، دافعاً إياها بعيداً عن مسار السيارة بكل قوته لتقع على الأرض بعيداً.
لكن الثمن كان باهظاً.
لم ينجح هشام في تفادي الضربة بالكامل. ارتطمت مقدمة السيارة بجسد هشام الصلب، لتلقي به في الهواء لعدة أمتار، قبل أن يسقط على الإسفلت البارد والدماء تنز*ف من رأسه بغزارة، بينما فرت السيارة المجهولة في عتمة الليل تاركة خلفها سحابة من الدخان الكثيف.
ارتطم جسد لؤلؤ بالأرض الرخامية القاسية، مسبباً لها ألماً حاداً، لكن هذا الألم كان لا شيء مقارنة بالمشهد الذي رأته عندما التفتت.
"هشام!!!!"
صرخة شقت السماء، صرخة خرجت من أعمق نقطة في روحها الممزقة. ركضت نحوه بجنون، تتعثر في فستانها الزمردي الذي تلطخ بالغبار والد*م.
سقطت على ركبتيها بجواره. كان ممدداً على الأرض بلا حراك، الدماء تغطي الجانب الأيسر من وجهه الوسيم، وعيناه مغلقتان.
"هشام! هشام قوم عشان خاطري! لااااا!" صرخت وهي تضع رأسه المدمى في حجرها، ويداها المرتجفتان تمسحان الد*م عن وجهه بدموعها التي تنهمر كشلالات من نار.
"متسبنيش إنت كمان! إنت قولتلي إنك هتحميني! هشام رد عليا!"
وبينما هي تحتضنه وتبكي بهيستيريا، سمعت وقع خطوات هادئة تقترب منها في الظلام. رفعت رأسها المليء بالدموع والرعب، لتجد شخصاً يقف أمامها، ينظر إليهما بابتسامة شيطانية باردة في العتمة.
كانت ريهام.
نظرت ريهام إلى لؤلؤ المنهارة، وإلى جسد هشام المدمى، وقالت بصوت يقطر سماً وحقداً:
"مفكرين إن اللعبة خلصت برقصة ومشهدين رومانسية؟ إنتي متعرفيش أنا مين يا حتة خدامة. هشام بيه جوزك اللي دافع عنك من شوية...كمان ميعرفش ان المستشفى اللي أمك ماتت فيها... جوزي الحالي اكبر مساهم فيها؟ وإني أنا اللي أمرت الدكاترة يوقفوا أجهزة الإنعاش عنها عشان أحرق قلبك وأدمره؟"
اتسعت عينا لؤلؤ حتى كادتا تخرجان من محجريهما، وتجمد الدم في عروقها، والكلمات ترتد في رأسها كصواعق مدمرة... أمها... ماتت مقتولة! وهشام... يلفظ أنفاسه الأخيرة بين يديها!
