رواية لم يكن اختيارا الفصل السادس والاخير بقلم فونا
_لقيت جـسم على الأرض وغرقان في دمـــه!
وقفت مكاني بصدمة وماكنتش قادر أتحرك، المكان كان هادي بطريقة تخوف، ومافيش غير صوت أنفاسي المتسارعة.
بدأت أخطي خطوات بطيئة وقلبي بيدق جامد، صوت خطواتي كان بيرن في المخزن المهجور، قربت من الجسم وبدأت أشيل الغطى تدريجياً وأنا بجهز نفسي لأسوأ كابوس ممكن أشوفه ،ولكن ارتحت شوية لما لقيته شيء تاني مليان لون أحمر والحمدلله مكانتش مريم.
خدت نفس عميق وحاولت أهدى وأجمع شتات نفسي، وهنا سمعت صوت ضحكة مستفزة جاية من ورايا.
_ قلبك وقع يا حضرة الظابط ولا ايه؟
حاولت أتحكم في أعصابي، ورفعت رأسي ناحية مصدر الصوت، وبصيتله باحتقار وغضب شديد.
_ لعبة رخيصة وزيك بالضبط،فين مريم؟
سمعته بيضحك تاني، ضحكة مكتومة وصوت خطواته كان بيرن في المخزن كله، نزل من على السلم وهو ماسك في إيده جهاز صغير.
_ عجبني إنك لسه متماسك ومحافظ على هدوءك يا جون.
شاور بإيده، وفي لحظة اتفتحت ضلفة باب خشب قديمة في آخر المخزن، وظهرت مريم مربوطة على كرسي، بتبصلي بدموع وعينيها مليانة خوف، بس الحمدلله كانت عايشة.
_ جون! امشي من هنا.. ده كـ...
قبل ما تكمل جملتها، واحد من الرجالة حط إيده على بقها والباب اتقفل،كل عرق في جسمي اتشد، والدم غلى في عروقي، بس عرفت إن أي حركة متسرعة مني دلوقتي ممكن تنهي كل حاجة في ثانية.
_ عايز ايه أخلص.
ابتسم بخبث وهو بيرفع الجهاز اللي في إيده وبيدوس على زرار، وصوت تكّة ميكانيكية رنّت في المكان:
_ الشرط بسيط أوي يا حضرة الظابط.. يا إما تتنازل عن القضية والأوراق اللي في مكتبك وتسلمها لي حالاً.. يا إما الخروج من الباب ده هيكون لشخص واحد بس منكوا.
رجعت خطوة لورا وعيني متثبتة على مكان مريم، وبعدين نقلت نظري للراجل والجهاز اللي في إيده،اللحظة كانت محتاجة تركيز عالي، أي غلطة أو انفعال هيحسم الموضوع لصالحه.
_ الملف والأوراق اللي بتتكلم عنها مش معايا هنا، وأنت عارف ده كويس.
قلتها بصوت ثابت وأنا بحسب المسافة بيني وبينه وبين الرجالة اللي حاطين أيديهم على أسلحتهم.
ابتسم ببرود ورجع خطوة لورا:
_ عارف... عشان كده قدامك بالضبط نص ساعة، تتصل بحد ينجز الموضوع، أو يوصل الملف للمكان اللي هحددهولك، وإلا الخيار التاني هيبقى هو اللي متاح.
طلعت الموبايل من جيبي بهدوء وأنا بفكر كويس، المشهد كان محتاج خطة بديلة وسريعة، والتفكير تحت الضغط هو الحجم الحقيقي للمواجهة دي.
بصيت في الشاشة لثواني، دماغي كانت بتشتغل بسرعة ، هو فاكر إنه ماسكني من إيدي اللي بتوجعني، بس نسى إن الظابط لما بيبقى في موقف زي ده، تفكيره بيتحول للغة أرقام وحسابات ثانية خالص.
_ تمام.. هعمل الاتصال.
قلتها ببرود يناقض البركان اللي جوايا، طلعت الموبايل دوست على رقم معين، بس مكانش رقم المكتب كان كود طوارئ متفق عليه مع زميلي "حازم"، مجرد ما يفتح الخط ويرن ثلاث رنات بدون صوت، السيرفر في القطاع بيحدد موقع الموبايل فوراً وبيبعت قوة تدخل سريع بدون ما يظهر أي صوت أو نغمة.
حطيت الموبايل على ودني وأنا ببصله بثبات:
_ أيوة يا حازم.. افتح الخزنة اللي في مكتبي.. طلع الملف الخاص بقضية المنطقة الصناعية.. جهزه عشان في حد هيستلمه منك.
الطرف التاني فهم الشفرة فوراً، وسكت ثانية قبل ما يرد بنفس النبرة الرسمية عشان يساير التمثيلية،قفلت الخط وبصيت لساعتي، وبعدين رفعت عيني للراجل اللي واقف بثقة مزيفة.
_ الملف هيتجهز.. بس أنا مش هتحرك من هنا ولا مريم هتمشي من غيري."
ضحك بصوت عالي وهو بيهز رأسه.
_ أنت فاكر أن ليك حق تتشرط؟ أنت هنا تحت رحمتي يا حضرة الظابط.
في اللحظة دي، بدأت ألاحظ التفاصيل الصغيرة حوليا:
الباب الخشبي اللي مريم وراه مقفول بقفل قديم يسهل كسره برجل واحدة لو اتقفل ،الرجالة الأربعة توزيعتهم غلط؛ اثنين مركزين معايا، واثنين واقفين جنب الباب الجانبي بيتكلموا بصوت واطي، يعني رد فعلهم هيبطأ ثواني.
التردد في صوت الراجل لما اتكلمت عن الملف بيبين إنه مرعوب من المحتوى، وده معناه إنه مش هينفذ أي تهديد فوري قبل ما يضمن الأوراق في إيده.
بدأت أتحرك خطوات بطيئة ومحسوبة ناحية عمود خرساني في نص المخزن، كأني بسند عليه من التعب، بس في الحقيقة كنت بظبط الزاوية اللي هتخليني أحمي نفسي ومريم في حال انطلاق أي رصاصة.
اتكلمت وأنا ببتسم ابتسامة ثقة استفزته.
_ أنت عارف كويس إن الملف ده فيه أسماء الناس اللي بعتوك.. يعني لو مريم اتأذت، الملف ده هيتنشر لايف على كل منصات الأخبار قبل ما تحلم بالوصول ليه."
ملامحه اتغيرت فوراً، والابتسامة المستفزة اللي كانت على وشه اختفت واتبدلت بنظرة شك وتوتر.
مسك الجهاز اللي في إيده بقوة أكبر وخطى خطوة لقُدام وهو بيزعق:
_ الملف ده لو ما وصلش في الوقت المحدد، مش هتلحق تتفرج على اللايف ده أساساً!
رديت ببرود تام وأنا باخد خطوة كمان للجنب، بالظبط ورا العمود الخرساني اللي حسبت زاويته:
_ جرب وشوف بس افتكر إنك وقتها مش بس هتخسر الأوراق، انت هتكون خططت لنهايتك ونهاية الكبار اللي ممشينك.
وفي اللحظة دي بالظبط، قبل ما يلحق يفتح بقه أو يدي أمر للرجالة، رنّ صوت انفجار مكتوم من الباب الخلفي للمخزن، وزجاج الشبابيك العالية اتكسر كله في ثانية واحدة مع نزول قنابل دخان حاصرت المكان تماماً!
الرؤية انعدمت في لحظات، والرجالة بدأوا يضربوا نار بعشوائية في كل اتجاه من الصدمة واللخبطة.
استغليت الثانية دي، وبسرعة اتحركت من ورا العمود، وفي ثانية كنت عند الراجل صاحب الجهاز، ضربت إيده بقوة وقعته على الأرض، وقبل ما يلحق يستوعب، كنت خطفت السلاح من حزامه ووجهته للرجالة القريبين منه وأنا بصرخ بصوت يهز المكان.
_ ولا حركة! على الأرض كلكم!
صوت خطوات القوات والدعم اقتحم المخزن، وحازم كان في المقدمة بيأمن،و في أقل من دقيقة كان الأربع رجالة والمجرم الكبير مربوطين ومستسلمين على الأرض تحت سيطرة القوة.
ما استنيتش ثانية واحدة، جريت ناحية الباب الخشبي اللي مريم وراه، وبضربة واحدة بكل قوتي برجلي، القفل القديم اتكسر والباب اتفتح.
قطعت الحبال اللي عليها بسرعة وأنا باخدها في حضني.
_ مريم! انتِ كويسة؟ عملولك حاجة؟
كانت بتترعش ودموعها نازلة مغرقة وشها، مسكت في الجاكيت بتاعي بقوة وقالت بصوت مش واضح.
_ كنت عارفة إنك مش هتسيبني.
طمنتها بابتسامة هادية وأنا بمسح دموعها وبقومها معايا.
_ قلتلك قبل كده... محدش يقدر يلمسك طول ما أنا عايش.
خرجت بيها من المخزن وخطواتنا بطيئة، النور بره والمكان حولين المخزن مليان بعربيات الشرطة ،وهي كانت ماسكة في إيدي بقوة وهي لسه بتترعش من الخوف والصدمة، بس عينيها كانت مليانة أسئلة شاردة بتدور في دماغها.
ركبنا العربية ورجعنا البيت وأول ما دخلنا الشقة، قعدت على الكنبة بتعب واضح، جبتلها كوباية مية وقعدت قصادها،مسكت الكوباية وشربت بق صغير وبعدين رفعت عينها ليا النظرة المرة دي ما كانتش خوف ولا غضب، كانت حيرة.
بصتلي وقالت بصوت خافت جداً:
_ أنت ظابط من أمتى؟ وإزاي أنا ما عرفتش كل ده؟
سكت لحظة، أخدت نفس عميق وبصيت للأرض قبل ما أرفع عيني ليها بثبات:
_ من زمان يا مريم.. طبيعة شغلي في قطاع العمليات الخاصة كانت بتفرض عليا السرية التامة.. حتى على أقرب الناس ليا. شغلي كان يحتم عليا أعيش بشخصية متخفية ومحايدة تماماً عشان القضية اللي شغال عليها.
مسحت دمعة هربت من عينها وقالت بابتسامة مريرة بس هادية:
_ يعني كل الخناقات دي... كانت عشان تبعدني عن الخطر؟
قربت إيدي منها بهدوء وضغطت على إيدها بالراحة:
_ وجودك في حياتي كان أكبر نقطة ضعف ممكن يستغلها أعدائي.. كان لازم أحميكي بأي تمن، حتى لو التمن ده إنك تكرهيني أو تشوفيني شخص قاسي، لحد ما أتأكد أنك في أمان.
سكتت مريم لثواني طويلة، عينيها راحت للباب وبعدين رجعتلي. ملامحها بدأت تلين، والخوف اللي كان متملك منها طوال الأسابيع اللي فاتت بدأ يختفي ويحل محله شعور دافي.
قربت من إيدي ومسكتها بإيديها الاثنين، وقالت ونبرة صوتها اتغيرت تماماً وبقت ناعمة.
_ أنا كنت فاكرة إنك أناني... بس أكتشفت إنك كنت شايل حمل كبير لوحدك طوال الوقت ده. أنا آسفة يا جون إن شكيت فيك أو ظلمتك.
ابتسمت ابتسامة طالعة من قلبي، وحسيت إن حمل جبال اتشال من على صدري.
_ ما تعتذريش يا مريم.. المهم عندي إنك هنا، وفي أمان، ورجعتيلي بخير.
مرت الأيام وابتدا البيت ياخد شكل تاني خالص، شكل هادي ومبني على الود والصراحة لأول مرة.
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
