رواية رماد الانتقام الفصل السادس بقلم هاجر سلامه
بناءً على أمر صارم من الجدة فاطمة، حزم الجميع أمتعتهم للانتقال فوراً إلى قصر عائلة الجبالي الأصلي، ذلك القصر العتيق الشاسع الذي شهد طفولة جسار المعذبة قبل خمسة عشر عاماً.
كان الانتقال بالنسبة لجسار خطوة رمزية لإعلان انتصاره وعودته إلى عرشه، أما بالنسبة لبيري، فقد كان الانتقال بمثابة النزول إلى درك أعمق من العزلة والخوف.
لم يكد يمر يومهم الأول في القصر الجديد، حتى وصلت "شاهيناز" بنت خالة جسار بناءً على استدعاء سري من الجدة. كانت شاهيناز شابة ممشوقة القوام، حادة الملامح، ترتدي ملابس عصرية مبالغ في جرأتها، وتحمل في عينيها نظرات الثعلب.
كانت تحب جسار بهوس منذ صغرها، وترى أن ثروته واسمه حق أصيل لها، ولما علمت بزواجه من ابنة عاصم السلحدار، اشتعلت نيران الحقد في صدرها، وجاءت لتسترد ما تظنه ملكها بمباركة الجدة.
في المساء، كانت بيري تقف في المطبخ الكبير بإيعاز من الجدة لتحضير القهوة لجسار الذي عاد لتوّه من مكتبه منهكاً.
دخلت شاهيناز بخطوات متبخترة، ووقفت تتأمل بيري باحتقار شديد وسخرية لا تخفى.
شاهيناز بلوّي بوز وسخرية: "يا عيني.. هي دي بقى ست بيري بنت عاصم السلحدار؟ الدلوعة اللي باباها كان منيمها في الحرير؟ واقفه تعمل قهوة بنفسها زي الخدامين؟"
بيري بضيق محبوس وهي بتحاول تتجاهلها: "أنا بعمل قهوة لجوزي.. وأظن ده مش عيب ولا حاجة تخصك يا شاهيناز، يا ريت تسيبي المطبخ لو سمحتي".
شاهيناز قربت منها وبصت لها بشر: "جوزك؟ ده كان زمان يا حبيبتي.. جسار اتجوزك عشان يكسر عين أبوكي وبس، والكل هنا عارف كده.. مكانك الحقي مش هنا، وإنتي يدوبك فترة وهتعدي، وأنا اللي هفضل معاه".
شعرت بيري بصفعة على وجهها من كلمات شاهيناز النابية، واهتزت يدها وهي تمسك بوعاء القهوة الساخن، لتسكب قطرات منه على يدها وتصرخ بألم خفيف.
في تلك اللحظة، دخل جسار المطبخ بعد أن سمع صوتها بمجرد أن رأى يد بيري حمراء وتتألم، تحركت غريزته وظهرت على وجهه أمارات لهفة وغيرة مبهمة، فمسك يدها بسرعة وفتح صنبور الماء البارد عليها، ونظر لشاهيناز بغضب.
جسار بعصبية وهو باصص لشاهيناز: "في إيه هنا يا شاهيناز؟ إيه اللي مدخلك المطبخ ولي الصراخ ده ليه؟"
شاهيناز بتمثيل الرقة والمسكنة: "والله يا جسار أنا ماليش ذنب.. أنا دخلت أتكلم معاها عادي لقيتها اتعصبت عليا ودلقت القهوة على إيدها، دي بنت مش مظبوطة وشكلها بتدلع عليك".
جسار بص لبيري وعيونه ضاقت بغيرة وقسوة متناقضة: "إنتي مش عارفة تمسكي كنكة قهوة؟ عيلتك معلمتكيش غير الخيبة؟ اطلعي على أوضتك اخلصي!".
بيري بدموع وقهر: "أنا مكنتش بدلع! هي اللي دخلت وغلطت فيا وفي بابا.. أنت ليه دايماً بتصدق أي حد ضدي؟"
خرجت بيري تركض صاعدة إلى غرفتها وهي تبكي بحرقة.
وفي الردهة الكبرى، استدعت الجدة فاطمة جسار وشاهيناز. كانت الجدة تراقب لهفة جسار الخفية على بيري في المطبخ، وضاق صدرها العجوز صرامةً. نظرت إلى حفيدها بعيون ممتلئة بعقد الماضي القاسي وطالبت بمعاقبة بيري.
الجدة بنبرة صارمة وهي بتخبط بعصايتها على الأرض: "جسار.. أنا شوفت اللي حصل.. البنت دي لسانها طول وطريقتها مفيهاش أدب مع شاهيناز ومعانا في البيت.. البنت دي لازم تتربى وتعرف حجمها هنا، والسكوت عليها هينسينا إحنا بنعمل إيه".
جسار بملامح جامدة ويحاول يداري صراعه: "عايزة إيه يا جدتي؟ أنا علمتها حدودها خلاص".
الجدة بقسوة شديدة: "لا مأعلمتهاش.. بيري من الليلة دي هتتعاقب أشد عقاب.. تليفونها يتاخد منها نهائي، وهتتنقل من الأوضة الكبيرة لأوضة الخدم الصغيرة اللي تحت السلم، ومفيش أكل يدخلها غير عيش وجبنة لمدة تلات أيام.. وتقوم من النجمة تخدم في القصر زيها زي أي شغالة عشان تعرف إن الله حق، وإن دم أمك وأختك غالي!".
شاهيناز ابتسمت بخبث وانتصار وهي بتبص لجسار مستنية رده.
جسار سكت لثواني، وقلبه كان بيتقطع من الغيرة عليها ومن فكرة إذلالها بالشكل ده، بس كبريائه ورغبته في الانتقام اللي اتزرعت فيه من صغره انتصروا.. بص لجدته وقال بنبرة جافة: "اللي تشوفيه يا جدتي.. نفذي اللي أنتي عايزاه".
وفي نفس الليلة، نُفذ العقاب القاسي بحق بيري. أُجبرت بدموع ونحيب على ترك غرفتها الدافئة، ونُقلت إلى الغرفة الصغيرة المظلمة أسفل السلم، التي تخلو من أي وسائل راحة. جلست في زاوية الغرفة تضم ركبتيها إلى صدرها، تبكي بحرقة لا تنتهي، وتتساءل بمرارة ما الذي اقترفته لتعامَل كجارية مهانة في قصر رجل أنقذ حياتها ذات يوم ليحولها إلى جحيم.
أما في الخارج، وتحديداً في سيارة آسر التي تقف بعيداً عن بوابات القصر المظلم، كان آسر يتلقى اتصالاً من أميرة في وقت متأخر من الليل.
أميرة بهمس وشماتة: "اسمع يا آسر.. بيري انطردت من أوضتها الليلة ونزلوها أوضة الخدم وعليها عقاب قاسي من جدة جسار.. البنت بتتدمر جوه القصر ده".
آسر وعيونه احمرت وجن جنونه من الهوس والغيرة: "بينزلوها أوضة الخدم؟ جسار الجبالي بيذل بيري؟ وحياة ربي ما هسيبه.. أنا لازم أدخل القصر ده وأهربهالك يا أميرة، حتى لو هقــتل جسار بإيدي.. بيري لازم ترجعلي!".
