رواية فوق جبال الهوان الفصل السادس والسبعون
السؤال الذي طرحته لم تسمع له منه أي إجابة رغم إلحاحها الفضولي لمعرفة المزيد من التفاصيل. تفاجأت "نجاح" بابنها ينهض عن المائدة فجــأة بخلاف عادته الشرهة لتناول الطعام، فقامت هي الأخرى من مقعدها تسأله في استرابةٍ، وكامل نظرتها الحائرة عليه:
-في إيه يا حبيبي؟ مكملتش أكلك ليه؟ ده إنت يدوب دوقت الأكل!
بعبوسٍ جم أخبرها وهو يرنو إليها بتلك النظرة الكئيبة القاتمة:
-ماليش نفس...
وقبل أن تنهال عليه بأسئلتها المزعجة أعلمها "راغب" بجمودٍ:
-أنا رايح أوضتي أرتاح، ولما أصحى هبقى أكل.
انطلت عليها كذبته الساذجة، ولم تمانع ذهابه من أجل نيل قسطٍ من الراحة، فابتسمت تشجعه على الاستلقاء:
-وماله يا حبيبي، تحب أصحيك في وقت معين؟
هز رأسه نافيًا وباقتضابٍ:
-لأ.
كانت على وشك مرافقته إلا أن زوجها استوقفها محذرًا:
-سيبه يا "نجاح" براحته، خليه يشم نفسه شوية، ما تبقيش كابسة عليه كده!!
زمت شفتيها معترضة:
-هو أنا عملت حاجة؟ ولا إنت بتتلكك!
زفر مرددًا في ضجرٍ:
-لا إله إلا الله، الواحد مايعرفش يقول كلمتين في البيت ده.
ثم نهض عن المائدة متجهًا إلى الحمام ليغسل يديه، فيما ولج "راغب" إلى داخل غرفته، ورأسه مشحون بعشرات الأفكار التي تتمحور جميعها حول كيفية الانتقام من زوجته الحالية وأبيها.
بمجرد أن دخل الحجرة، أوصد الباب بالمفتاح ورائه، ليسرع بعدئذ نحو خزانة ملابسه، فتش في الضلفة، وتحديدًا في الرف السفلي عن حزمة الأوراق التي يحتفظ بها خلسة، تلك التي تُدين حماه رجل الأعمال، وتزج به في السجن ليتعفن بداخله لعدة أعوام. بسطها نصب عينيه ليتأمل ما تحتويه من حقائق صادمة، كانت وسيلته للضغط عليه ومساومته، لاحت ابتسامة باهتة على ثغره حين استطرد متحدثًا إلى نفسه:
-وريني حريتك هتساوي كام يا حمايا العزيز!!
........................................................
في حنوٍ غير معتادٍ منه، مسد بيده على شعرها المسترسل على ظهرها وهي تتمدد إلى جواره على فراشهما الذي شهد ليلة حب حميمية لا تتكرر إلا لمامًا. تركت "تفيدة" إنارة الأباجورة الملاصقة لجانبها من الفراش مضاءة، والتفتت ناظرة إلى زوجها الذي حرر تنهيدة بطيئة من صدره كتعبيرٍ عن شعوره بالراحة والاسترخاء بعدما عمت كل جسده. اعترف لها بصدقٍ وهو يمنحها نظرة خاصة من حدقتيه:
-بجالي ياما مرتحتش في فرشتي إكده.
ابتسمت له في وديةٍ قبل أن تهمس بصوتٍ رقراق ناعم:
-يجبر بخاطرك ربنا يا سيدي وتاج راسي.
تعلقت عينا "محروس" بسقفية الغرفة حين أضاف في رنة ألمٍ محسوسة في نبرته الخفيضة:
-جلبي موجوع يا أم البنات!
في التو أظهرت تعاطفًا كبيرًا معه دون أن تضغط عليه لتنتزع منه ما لا يريد البوح به:
-لا عاش ولا كان اللي يوجع جلبك يا سيد الناس.
لم تفارق جملته تلك شفتيه وهو يهسهس بها:
-بعد العمر ده كله ينضحك عليا؟
نفرت دمعة غادرة من طرفة، فرأتها "تفيدة" وانتابها الجزع، لذا سألته مستفهمة بعدما اعتدلت في رقدتها المسترخية:
-مالك ياخوي؟ إنت عتبكي؟
في التو قست تعابيره مستنكرًا بخشونةٍ إظهار لمحةٍ من ضعفه:
-عتجولي إيه يا ولية؟ دي عيني اطرفت! جبر يلم العِفش.
ردت دون معاتبة، وكأنها تخشى إغضابه:
-مجصدش يا خوي أضايجك، حجك علي، أني اللي اتعميت.
بلا مقدماتٍ تمهيدية أخبرها بلهجته غير القابلة للنقاش أو المحاسبة:
-أني نويت أتجوز.
وكأن برقًا أصابها، تدلى فكها للأسفل هاتفة في ذهولٍ مصدوم:
-بـــاه! عتتجوز تاني؟
مازحها بسخافةٍ:
-جولي رابع يا ولية.
ألجمت الصدمة لسانها، ونظرت إليه في حزنٍ؛ لكنه تجاهل نظرة الانكسار الجلية في عينيها، وتقلب على جانبه مرددًا ببرودٍ، وبلا مراعاة لمشاعرها المهشمة:
-الجوازة دي لزامة لأجل ما أخد بيها حجي.
الاعتراض عليه أو إظهار استيائها من قراراته أحادية الجانب لن تغير من الواقع شيئًا، لذا ارتأت ألا تعقد الأمور، وتقبل بمصيرها البائس. اختنق صوتها وهي تهنئه بقهرٍ متعاظم:
-مبروك يا سي "محروس"، ربنا يجعلها جوازة الهنا عليك.
لم تهتم بمعرفة تفاصيل هذه الزيجة الجديدة، فالمسألة سيان بالنسبة لها؛ لكنها ستكون كهبوب عاصفة رعدية جارفة لدى ضرتها "وجدان". سرعان ما كفكفت دمعها المسال بظهر كفها، وانسحبت من الفراش مغادرة الغرفة، ليستلقي "محروس" مرة ثانية على ظهره هامسًا:
-يحصل المُراد وعطلق التنين.
................................................
التهى بمتابعة الأعمال اليومية في التكية إلى جانب التأكد من إتمام ما يخصه ببلدته، لئلا تظل شئونه عالقة. وصل إليه خبر تعرض ابنة عمه للتسمم، فأوصى والدته خلال مكالمته الهاتفية معها بزيارتها، وإرسال أمانيه هو وزوجته لها بالشفاء العاجل، وشدد على كلمته الأخيرة لتصل رسالته الضمنية إليها، بأن ما كان بينهما من خلافات ومشاحنات مضت إلى حال سبيلها، وعلاقتهما الآن في وضعٍ أفضل.
أوشكت الشمس على المغيب، و"غيث" لم يعد لديه ما يشغله، فاستعد للانصراف والعودة إلى المنزل، خاصة وسيل عواطفه المتدفقة تستحثه على إعادة الوصــال مع من تختبر صبره وجَلده. راح يفكر فيما يجب عليه أن يفعل ليستميل رأسها العنيد ويستعطف قلبها الرقيق.
اشترى في طريقه الفاكهة الطاظجة وحلوى البسبوسة الشهية. كانت لديه نسخة احتياطية من المفتاح، لذلك لم يكن بحاجة للطرق على الباب، ففتحه في هدوءٍ، وولج إلى الداخل باحثًا بعينيه عمن سرقت قلبه. وجدها تقف على الكرسي بجوار نافذة الشرفة، تبذل كامل جهدها لتعلق الستائر التي أخذتها من منزل "فارس".
ما زال صدره يتغضن ويوغره عندما يستحضر كلمات "إيمان" عن اهتمامه الواضح بتلبية ما تحب وتحقيق أحلام طفولتها. صرف عن ذهنه ما يزعجه مكتفيًا بتأملها وهي تتصرف بأريحيةٍ، فزاد عليه الشوق وراح يُعـــذبه باشتهاء قربها.
سمعها تهتف في تذمرٍ شبه حانق:
-"إيمان" تعالي كملي تعليق الستارة دي، أنا مش طايلة العليقة بتاعتها، وزهقت بصراحة.
ليرد عليها باسمًا ومن تلقاء نفسه:
-ما ينفعش أني أعلجها بدل ما نتعب خيتك؟
صوته الرجولي باغتها، فقفزت في مكانها صائحة في جزعٍ لا يخلو من الاستعتاب:
-خضتني حرام عليك.
للحظةٍ كادت تفقد توازنها على الكرسي، فهرع ناحيتها معتقدًا أنها على وشك السقوط. مد ذراعه، وأحاط بها من خصرها ليطوقها مستشعرة قوته عليها، فشهقت من لمسته المحكمة والمفاجئة، ليقوم بعدها بحملها وإنزالها أرضًا.
وقفت "دليلة" على قدميها، إلا أنه لم يحررها، تلاحقت دقات قلبها في توترٍ مرتبك من تصرفه الجريء، وسألته في صوتٍ خفيض وقد تضرج وجهها بحمرة وردية مُغــرية:
-إنت بتعمل إيه؟
ما ضير أن تظل هكذا في أحضانه مستمتعًا بدفئها وقربها؟ سرعان ما دفعته "دليلة" من صدره بقوةٍ طفيفة لتبتعد عنه معنفة إياه في حرجٍ:
-مايصحش كده!!!
لكنه لم يرخِ ذراعه القابض عليها، ورد بنبرة المشتاق الذي يأبى أن يستسلم مطلقًا دون الظفر بما يصبو إليه:
-اتوحشتني جوي.
اعترضت في ارتباكٍ متزايد:
-عيب اللي بتعمله ده! ماما تقول عنك إيه؟
أسبل عينيه مرددًا ببسمة صافية:
-عجولها لساتك مَرَتي، وأني مجادرش أبعد عنك واصل.
اشتعل وجهها بالمزيد من الحمرة الدافئة النضرة، فشحذت كامل قواها لتتمكن من تخليص نفسها من حصاره متمتمة في تذمرٍ شبه عابس:
-دي اسمها قلة أدب!
حك طرف ذقنه معلقًا في عبثية:
-جِلة الأدب جاية بعدين، وجت ما يتجفلوا علينا باب واحد!!
كتمت شهقة مذهولة من جراءته التي تخطت الحدود، وأظهرت ارتباكها بوضوح. رمته بهذه النظرة المحذرة قبل أن تنطلق متجاوزة إياه وهي تهتف في تحدٍ:
-مش هيحصل.
-عنشوف!
قالها بنبرته الواثقة وهي يتبعها بنظرته الوالهة إلى أن اختفت بالداخل، فتنهد مجددًا مؤكدًا عن يقين:
-إن شاء الله عتكوني في حضني اجريب .............................................. !!!
