رواية دكة السادة الفصل الثامن بقلم فطمة محمد علي النعيمي
الاربعاء ماكو نشر
أم حمدان
كان الهواء في أزقة القرية ثقيلاً كأنه غبار سجين منذ سنين،
ونفلة تركض.....
لم تكن تركض بقدميها الحافيتين فوق الحصى المحموم بشمس الضحى،
بل كانت تندفع بقلبٍ أتلفته هموم العمر المتعب،
واليقين الصادق أن ولديها على قيد الحياة.
وخديجة خلفها تلهث،
تمسك طرف ثوبها بأسنانها لئلا تعثر به،
لتركض بنشاط الشباب، لكن شدة اللهفة في قلب نفلة جعلتها تسبق شباب ابنتها.
كانت الأرض تتراجع تحت خطاهما كأنها تهرب، والصمت المخيم على البيوت الطينية يفرضه حرُّ الشمس الذي يزداد سعيرها كلما ارتقت درجات السماء. لمحتها إحدى الجارات وهي تطل من فوق سور بيتها المنخفض، فصاحت بها بصوتٍ رفيع، تقطع نبراته بنغمة يعرفها أهل القرى:
- خيرچ ينفلوووو؟ شصاير بالدنيا عليش تركضن؟
لم تلتفت نفلة، ولم تكن لخديجة أنفاس لتجيب. كان الركض في طرقات القرية بالنسبة للنساء يثير الخوف؛ فالمرأة لا تركض إلا لمصيبة، وفي قريةٍ تحصي على المرأة خطواتها، لا يجب أن تركض النساء. لهذا توقفت خديجة وصاحت:
- يمة... يمة!
توقفت نفلة كأن صوت ابنتها أمسكها من الخلف، وهي تحاول بلع ريقها لترطب حلقها الجاف، وتقول:
- يمة... روحي عالجامع!
وقفت نفلة لحظات، دارت الدماء في رأسها وضغطت يدها على صدرها كأنها تمسك قلبها كي لا يطير منها، وبكلمات لاهثة قالت:
-ليش للجامع؟ شكو هناك؟
أجابت خديجة وهي تحاول مسك أنفاسها:
- يمة آني وسمرا دايم نگش الجامع والدنيا هسع ضحى، ماكو أحد هناك بالجامع... أخير ما كل شوية وحدة من النسوان تشوفنا ويطش الخبر ونحنا بعد ما متوكدين، نروح عالجامع... فوتي أنتِ عالحوش، وآني أروح أجيب سمرا على أساس نگش الجامع ونظفو مثل كل مرة... هشكل أخير ما أحد يحس علينا.
ردت الأم بلهفة:
-خوش راي عفية خديجة،
روحي من هين وآني راح اروح عالجامع.
وانطلقتا تركضان من جديد، كلٌ في اتجاه؛
خديجة تسابق الريح نحو بيت أبيها، ونفلة تحث خُطاها نحو بيت الله.
وحين وصلت نفلة حائط الجامع الهادئ في مثل هذا الوقت، وعلى الناحية الشرقية قرب الجدار المنخفض، وجدت "أم حمدان" ممددة على الأرض كأنها ثوبٌ قديم رمته المقادير عند أحد الجدران الخلفية لبيت عبد الله، وكانت منكفئة على وجهها.
صرخت نفلة بخديجة أن ترجع بسرعة، ومدت يدها فقلبت جسد أم حمدان الذاوي بيدٍ ترتجف، كانت كحبة جوز يابسة خاوية بلا حراك. انحنت ووضعت أذنها على صدر المرأة المتهالك؛ كان النبض ضعيفاً ومتباعداً، كأنه قنديلٌ يوشك أن ينفد زيتُه، ورائحتها نتنة كانت خليطاً من عرق ودموع وأشياء أخرى.
كانت خديجة على وشك أن تنحرف يميناً إلى بيت أبيها حين صرخت نفلة بها:
-خديجة تعالي بساع!
تراجعت خديجة بنفس السرعة التي كانت تركض بها؛ فنبرات صوت أمها كانت مرعبة، وظنت أن أمراً قد حدث لأمها. فرجعت تركض، وحين استدارت لتصل حائط الجامع، وجدت أمها تجلس على الأرض وأم حمدان ممددة أمامها. قالت نفلة بلهفة وخوف:
-اركضي لبيت عمج حازم خلي يجي هو واي واحد موجود عدهم حتى يشيلون هالمفجوعة.
خنقت نفلة العبرات، بينما انطلقت خديجة إلى بيت عمها حازم كي تطلب المساعدة. وفي تلك اللحظة بالذات، انفتح في رأس نفلة بابٌ قديم سدّته بالخوف والسكوت؛ تذكرت طفليها المفقودين، تذكرت الفراغ الذي يتركه الراحلون في أعماق الروح، وكيف يتكور الوجع في الصدر حتى يمتص الحياة قطرة قطرة، ويصبح للوجع كيان يسكنك كغازٍ احتل بلدك ونهب خيراتك وأنت تتضور جوعاً...
وحقاً، لا يشعر بلوعة الثكل إلا من اكتوى بجمره.
جلست نفلة في ظل الجامع، رفعت رأس أم حمدان المجهدة ووضعته في حضنها. كانت تبكي بدموعٍ جارية لا صوت لها، تمسح وجه المرأة المترب بكفها وطرف صايتها، حتى غص المكان بأصوات الرجال القادمين ركضاً.
بعد لحظات، كان حازم يخلع عباءته ويفردها على الأرض، وتعاون اثنان من أولاده وحملوا أم حمدان بهدوء ووضعوها فوق العباءة، وحملها الرجال الثلاثة ونفلة وخديجة لينقلوها إلى بيت زيد.
حين دخلوا بيت زيد....
خرج زيد من غرفة الضيوف على جلبة اصواتهم،
وسالهم بوجل:
-منو هذا؟
اجابه حازم لاهثا
ويمشي في الفناء وهو يمسك طرف العباءة
قائلا:
-هاذي أم حمدان
سأل زيد :
- اش بيها؟
ضل سؤاله معلقا
ادخلوها للغرفة وخرج الرجال
وقال حازم لزيد
-نفلة وخديجة لكوها واگعة يم الجامع
وفزعونا عليها ونفلة جابتها عدها
حتى اداريها بس يمچن فاقدة بنوبة
چنها جثة
اروح اجيبلها ابو عاصي.
استدعوا حكيم القرية، فجاء راكضاً يحمل جرابه الفواح برائحة الأعشاب البرية. جثا الحكيم قربها، يقيس نبضها ويتفحص عينيها الغائمتين، وأخرج علبة معدنية من جرابه فتحها وقربها من أنف أم حمدان، حتى تنفست الصرخات الأولى للوعي في عقلها وتنهدت بألم.
التفت الحكيم إلى نفلة وقال بأسى:
-سويلها شوية شوربة دافية ينفلة...
ترى بطنها فارغة فرد مرة. الظاهر ما فايت الزاد لبطنها من ثلت ايام، من يوم راح ابنها من غير شر.
وانطيها شوية شوية كل مشوار وشربيها مي
جلدها يابس يمچن ماضايگة المي أبد
عجيب أمرچن يالنسوان والله فلا اكو رجل يگدر
يفهم عگولچن،
ر
دت نفلة بقولها:
-لو عدكم گلوبنا چان حسيتو بنارنا
آني مدري اشلون ضليت طيبة لي هسع.
كانت أم حمدان مغمضة العينين، تئن بوجعٍ يقطع القلوب وتهذي باسم ابنها الغائب.
ورغم لهفة نفلة الخانقة للجلوس مع سمرا واستجوابها عن الشابين اللذين رأتهما، إلا أن الرحمة والواجب غلبتها؛
فجلست تعتني بأم حمدان هي وخديجة، تطعمانها بالملعقة رغم رفضها الطعام
وتدثران أطرافها الباردة رغم حرارة الجو.
عند الظهر، دخل أبوها "زيد" لغرفة العائلة. كانت رائحة شوربة الجريش مع الحليب تعبئ المكان بلذة تستدر اللعاب. رأى نفلة تضع الوسادة تحت رأس أم حمدان، فسألها بنبرةٍ متوجسة:
-اشلونها هسع؟
أجابت نفلة بقلبٍ كسير وكلمات مخنوقة:
-اشلونها؟ الله يعينها على هالمصيبة وعسى الله يرجعلها ابنها، آني بس الي تعرف ضيمها.
احط الخاشوگة يم أثمها تصم أثمها وادير وجهها وهي مغمضة بالزور قنعتها تشرب جم خاشوكة.
سمع الاثنان صوت أم حمدان تردد وهي مغمضة العينين بصوت خافت:
-ياربي اني بوجهك ترجعلي ولدي...
يارب مالي غيرك گلبي اشتعل بناااار
أشار زيد لنفلة بيده إشارة بمعنى اتبعيني، وخرج ولحقت به نفلة. وقف عند الباب وسألها:
-شفتي سمرا؟
ردت نفلة وهي تمسح يديها بطرف ثوبها:
-لا والله يابا... گبل ما أصل زگاگتهم شفت أم حمدان واگعة يم الجامع، بس هسع أروح أحچي مع سمرا.
دنَا الأب منها، ورفع عصاه قليلاً ليحظر عليها الحركة، وقال بصوتٍ هادئ لكنه ثقيل كالجبل:
-ينفلة لا تروحين... ولا تهيضين عبدالله وحرمتو عليچ. أنتِ تدرين أشگد سورية تكرهچ وادورلج على زلة، ويا بنيتي لا تسوين مشاكل ابيت عبدالله. ترى عبدالله لسعو يحبچ... وبس يشوفچ راح ينجن على حرمتو وتسممين عيشتو مع حرمتو، لا تكسبين خطاهم. وسالفة واليدچ انسيها... الأطفال ماتوا، بس أنتِ ما تگبلين تقنعين وتچذبين على روحچ.
أرادت نفلة أن تصرخ، أن تقول له إن قلوب الأمهات لا تكذب وإن ولديها أحياء، لكن الأب رفع يده قاطعاً كل كلام، واستدار يجر خطواته المتعبة نحو حجرة الضيوف.
تطلعت نفلة إلى ابنتها خديجة باستغرابٍ مرير وقالت:
-عبدالله يحبني؟!!!!! عبدالله عشت معاه أربع سنين ما سمعت منو كلمة حلوة ولا شفت حنية... غير كلمة "أم الحسنين"! وهم چنت طايرة من الفرح بهل كلمة.
قالت خديجة باستغرابٍ وهي تقترب من أمها:
-ليش يمة أنتِ ما تعرفين هالشي؟
ردت نفلة وهي تنقل الماء من البرميل في وسط الفناء إلى الحمام وخديجة تساعدها، والعمر يمر أمام عينيها كشريطٍ من الخسارات المتتالية:
-لو يحبني چان ما طلگني وأني بذيچ الحالة الي تكسر گلب الكافر،
لو يحبني چان حضني وطفى النار الي شبت بگلبي على فراگ واليدي. انتي ماتعرفين شنو يعني ضناچ يضيع، والله موتهم اهون. اني لمن مات محمد ما سويت شي ولا حجيت شي، طفل والله رادو طير من طيور الجنة، عسى الله يشفعلي يوم القيامة.
بس ضناچ يروح من جدامچ وانتي ماتعرفين اشلون حالهم هاذي المصيبة أمر من الموت. أبوچ ما چان يريدني، تزوجني غصباً عنو ميت نوبة گالها بوجهي، حتى بليلة عرسنا گال: آني ما أريدچ!
جلست خديجة قرب أمها ونفلة مشغولة بتسخين الماء، وهمست بأسى:
-تدرين يمة... لمن كبرت وعمامي جو أخذوني گبل ثمن سنين، جدتي وضحى چانت طيبة الله يرحمها. شافتني أبچي عليچ وأريدچ، گلتلي: يمة يخديجة، ما يصير بنية تكبر وتصير شابة وهي بعيدة عن بيت أبوها، وأنتِ هيان كبرتي وصرتي شابة حلوة ولازم تعيشين أبيت أبوچ. وأمچ مو بعيدة هذيانها، إذا گضبتي أنفسچ وركضتي تصلينها گبل لا ينگطع أنفسچ. ويا بنيتي... أبوچ يحب أمچ چثير وانحرم منها، يريدچ ترجعين حتى يشوف أمچ بيچ. وأيمت ما تريدين تروحين عليها روحي، بس گولي لأبوچ ولا تطولين هناك. يمة الأب الي مايحب مرا حت ضناها مايحبهم، والله أبوية يحبني اكثر من روحو.
كانت نفلة تسمع كلام ابنتها وتتحسر على شبابها الذي تسرب من بين يديها وهي حبيسة بين الهم والجدران. وكم تقدم لها رجال من أهل القرية بعد طلاقها، لكنها رفضت الارتباط بأي رجل رفضاً قاطعاً؛ ليس لأنها كانت تهيم بعبد الله حبّاً، بل لأنها لم تكن ترى نظرة عبد الله في وجوه من تقدموا لها... تلك النظرة الخجولة المحترمة، نظرة رجلٍ يستحي أن يقترب من امرأةٍ بغير حق حتى في خياله. كانت تحترم عبد الله أكثر بكثير من أن تحبه، تحترمه لدرجة أنها حفظت مواضع يديه على جسدها ومنعت أن يمسها أحدٌ بعده.
والاحترام أعظم من الحب!
وفي حقيقة الأمر، كان عبد الله أيضاً يراقب طليقته طوال تلك السنوات وهي ترد الخطاب، فازداد احتراماً لها وثباتاً على ذكراها، لكنه نزعها من عقله حين أفتى له عمه "الملا" بأنها لم تعد تحل له مطلقاً؛ إذ إنه حرمها على نفسه في لحظة غضب. وقد كان الملا خاطئاً جداً في فتواه الجهولة هذه، لكن أهل القرى لم يكونوا يراجعون في فتاواهم مفتياً حقيقياً في المدن، ناهيك عن أن أقارب سيد نمر الذين كانوا رافضين ذلك الزواج من أساسه... والله أعلم بالقصد والنوايا.
***************
