رواية قانون يونس الفصل الخاتمة بقلم نون


 رواية قانون يونس الفصل الخاتمة

"هناك رجال لا تكسرهم السجون!! بل تعيد صياغتهم.. ...وهناك نساء لا ينتظرن عودة الشياطين....بل يصنعن منهم فرسانًا يستحقون العشق."
قانون يونس 
 "قانون العشق.. 
بعد سبع سنوات..

صوت الأبواب الحديدية الضخمة وهي تنفتح 
أمام السجن  وقف رجل يرتدي قميصًا أسود بسيطًا ومعطفًا رماديًا. لم تكن في يده ساعة سويسرية باهظة، ولا يحيط به حراس مدججون بالسلاح. كانت خصلات الشيب قد غزت جانبي شعره، لتزيده وقارًا مرعبًا وجاذبية ناضجة لم تكن لديه في سنوات طيشه وغروره.

إنه "يونس العامري"
حصل على إفراج مبكر بعد سبع سنوات؛ ليس بسبب ثغرة قانونية هذه المرة، بل لحسن السير والسلوك، ولتعاونه الاستثنائي في تفكيك ما تبقى من شبكات الفساد الدولية من داخل زنزانته، مستخدمًا "قلم الحبر الأسود" الذي أعطته إياه في تلك الزيارة البعيدة.

أخذ يونس نفسًا عميقًا، ملأ رئتيه بهواء الحرية البارد. 
نظر أمامه.

على بُعد خطوات، كانت هناك سيارة سوداء أنيقة تقف بهدوء. ومستندة إليها، تقف امرأة لم يزدها الزمن إلا فتنة وصلابة.
كانت ترتدي معطفًا أسود يلتف حول جسدها، وشعرها الطويل يتطاير مع الرياح الخفيفة. 

"ورد"

لم تكن محامية تحت التدريب، ولم تعد ذئبة جريحة تبحث عن الانتقام. أصبحت اليوم واحدة من أقوى المحاميات في مصر، تدير مكتب "الرشيدي" الذي صار ملاذًا لكل مظلوم لا يملك ثمن العدالة.

مشي يونس نحوها بخطوات بطيئة، كأنه يخشى أن تكون سرابًا سيختفي إن أسرع.
توقّف أمامها مباشرة. المسافة بينهما كانت صفرًا، والعيون تحكي سنوات من الشوق والانتظار والرسائل المهربة.

ابتسم يونس تلك الابتسامة التي لا يمتلكها أحد غيره، وقال بصوته  العميق
— اتأخرت عليكي؟

رفعت ورد عينيها إليه، وابتسمت ابتسامة أضاءت المكان
— العدالة بتتأخر أحيانًا يا يونس.. بس في النهاية بتيجي.

لم ينطقا بكلمة أخرى. لم تكن هناك حاجة للكلام.
سحبها يونس من خصرها بقوة واحتضنها بشراسة وكأنه يخبئها داخل ضلوعه. دفنت ورد وجهها في عنقه، واستنشقت رائحته التي لم تنساها يومًا. في هذا العناق، ذابت كل جراح الماضي، ومات "محامي الشيطان"، ليُولد مكانه رجل لا يحب في هذه الدنيا سوى "ملاكه".

بعد ستة أشهر..

على ضفاف النيل، في حديقة فيلا صغيرة وهادئة اختارها يونس بعيدًا عن صخب الكومباوندات الفاخرة، كانت الأضواء الخافتة تتدلى من الأشجار، وموسيقى كلاسيكية هادئة تعزف في الخلفية.

لم يكن حفل زفاف أسطوريًا يحضره رجال الأعمال الفاسدون أو السياسيون.
كان الحضور لا يتعدى عشرين شخصًا. والدة ورد، التي نظرت ليونس اليوم كابن بعد أن أثبت أنه اشترى ابنتها بعمره. و"سالم"، الحارس الوفي الذي لم يترك سيده أبدًا، وبعض الأصدقاء المقربين من مكتب ورد.

وقفت ورد أمام المرآة في غرفتها.
كانت ترتدي فستان زفاف أبيض بسيطًا، لا يخلو من الفخامة، يعكس قوامها الممشوق، بلا طرحة طويلة، بل اكتفت برفع شعرها بتسريحة ناعمة. 
لم تكن تبدو كعروس تقليدية خجولة.. كانت تبدو كملكة متوجة.

انفتح الباب بهدوء، ودخل يونس.
كان يرتدي بدلة سوداء  عاد إليه بريقه القديم، لكنه بريق خالى من الغرور، مليء بالثقة. اقترب منها من الخلف، ووضع يديه على خصرها، ونظر لانعكاسهما معًا في المرآة.

— تعرفي إن اللون الأبيض بيليق عليكي أكتر من روب المحاماة الأسود؟ — همس يونس بجوار أذنها، فطبعت قبلة في الهواء.

استدارت ورد لتواجهه، ورفعت يديها لترتب ياقة قميصه بابتسامة عاشقة:
— وتعرف إن البدلة دي بتليق عليك أكتر من بدلة السجن الأزرق؟ 

ضحك يونس ضحكة صافية من قلبه، وأمسك يديها وقبّل باطنهما بعمق:
— أنا قضيت 7 سنين بين أربع حيطان بدفع تمن ذنوبي، ومكنش مصبرني غير إنك هتبقي الحيطة الخامسة اللي هسند عليها بقية عمري.

أمسك يونس يدها، وخرجا معًا إلى الحديقة.
عندما وقفا أمام المأذون، لم تكن عيونهما تفترق. كل نظرة كانت وثيقة عهد لا تحتاج لشهود.

وعندما سأل المأذون يونس توقيعه على العقد، أخرج يونس من جيب بدلته "قلم حبر أسود". نفس القلم الذي أعطته له ورد في السجن.
نظر إليها، ووقّع.

بعد انتهاء المراسم، انصرف الجميع تدريجيًا، وبقي يونس وورد وحدهما فى مكان يطل على النيل.
نسيم الليل كان يداعب فستانها، ويونس يقف خلفها، يحيطها بذراعيه، ويسند ذقنه على كتفها.

قالت ورد وهي تنظر لانعكاس القمر على سطح الماء:
— متخيل إننا وصلنا لهنا؟ بعد كل الدم، وكل الخيانة، وكل الحروب اللي خضناها؟

أدار يونس وجهها إليه ببطء. نظر في عينيها اللامعتين بحب خالص لم يعرفه يومًا، وقال بنبرة جادة ومحملة بالعشق:
— في عالم القانون يا ورد، بيقولوا إن مفيش قضية كسبانة 100%.. بس أنا، أسوأ واقذر قضية دخلتها في حياتي، كسبت منها أنضف وأغلى حاجة ممكن راجل يملكها.

ابتسمت ورد، ورفعت يدها لتمسح على خصلات الشيب في شعره:
— إنت توبت عن القانون يا يونس العامري؟

أمسك يونس خصرها، وسحبها إليه بقوة أذابت المسافة بينهما، وهمس أمام شفتيها مباشرة:
— أنا توبت عن قانونهم هما.. بس من الليلة دي، أنا خاضع لقانون واحد بس.
— قانون إيه؟ — سألته.

ابتسم يونس بلمعته الشيطانية القديمة المحببة قبل أن يختطف شفتيها في قبلة عاصفة مسحت كل أوجاع الماضي
— قانون ورد.......

تمت الرواية بحب وعدل وسلام.

تعليقات