رواية الفرار من العشق الفصل العاشر
وفي تاني يوم، صحيت ألحان على صوت تليفونها. فتحت عينيها بتعب وردت بصوت مبحوح:
— "أيوة يا ليلى..."
ليلى بقلق:
— "أنتِ كويسة؟"
ألحان:
— "أيوة يا حبيبتي أنا كويسة، في إيه مالك قلقانة كده ليه؟"
ليلى اتنهدت بقوة:
— "عشان حضرتك قلت لي إن أنتِ جاية إسكندرية وما جيتيش! وأنا امبارح رحت شقتك وقعدت مستنياكِ حتى نمت فيها وما رحتش سكن الجامعة."
ألحان افتكرت اللي حصل وبصت حواليها في الاوضة ما لقيتش رحيم، فقالت باعتذار:
— "أنا آسفة يا ليلى إني قلقتك، بس والله في حاجات كثيرة حصلت."
ليلى بلهفة:
— "إيه اللي حصل؟ طمنيني عليكِ!"
ألحان:
— "فاضية تسمعيني ولا لأ؟"
ليلى:
— "أنا قاعدة في الشقة عندك اهو، حتى ما نزلتش الكلية."
ألحان:
— "ماشي يا ستي، أول حاجة: أنا اتجوزت امبارح."
ليلى بصدمة كادت توقف قلبها:
— "أنتِ بتقولي إيه؟! اتجوزتِ؟! ومين وإزاي وعملتيها من ورايا؟! هانت عليكِ العشرة يا كلبه؟!"
ألحان شالت التليفون من على ودنها وقالت بضحكة خافتة:
— "أهدي بس يا مجنونة عشان أعرف أكمل لك كلامي!"
ليلى:
— "هسكت اهو، يلا!"
ألحان:
— "أنا اتجوزت رحيم."
ليلى نزل عليها سهم الصدمة وما عرفتش تنطق:
— "أنتِ... أنتِ اتجوزتِ رحيم؟ مش معقول!"
ألحان:
— "دي حاجة بسيطة من اللي حصل امبارح."
ليلى:
— "ليه، هو حصل إيه كمان؟"
حكت لها ألحان كل اللي حصل معاها ومع رحيم، وإنه هينقل لها كلية الطب اللي في البلد.
ليلى بحزن وخوف:
— "هتبعدي عني؟!"
ألحان بحنان:
— "لا طبعا، ما أنا بتصل بيكِ عشان أقول لك أنا عايزة أنقل ورقك معايا ونبقى مع بعض، وأول ما أبيع الأرض وأعرف مكان يوسف أخويا هسافر أنا وأنتِ وهو."
ليلى بتردد:
— "طب وشغلي؟ أنتِ عارفة إن شغلي ده هو اللي بيصرف عليا في الكلية، مش هينفع أسيبي ده كله وأجيلك."
ألحان بثقة:
— "ما لكيش دعوة، تعالي بس وأنا هتصرف، وننزل أنا وأنتِ نشتغل في أي مستشفى هنا، ما أنا مش هقعد لوحدي مع الوحوش ديت!"
ضحكت ليلى بقوة وقالت:
— "وحوش إيه يا ستي؟ ده أنتِ متجوزة زعيم الوحوش!"
ضحكت ألحان بقوة، وكل ده كان سامعه رحيم اللي كان واقف على الباب وشاف ضحكتها الجميلة وهي بتكمل مكالمتها. سابها وخرج ودخل أوضة العمده.
العمده:
— "تعال يا ولدي، واقف عندك ليه؟"
رحيم بجدية:
— "أنا عملت اللي أنت عايزه. المشكلة أن الدكتوره عنيدة وعايزه تعرف مكان يوسف، وبصراحة أنا كمان عايز أعرف."
العمده توتر وظهر الخوف في عينيه:
— "يا ابن السر، ده الدفن من 27 سنة! ليه عايزين نفتحه دلوقتي وتعب ناس وأولهم يوسف؟"
رحيم قرب من العمده ومن ودنه وقال له جملة واحدة. العمده اتصدم وبص له بذهول:
— "أنت عرفت ازاي؟!"
رحيم ببرود:
— "يا عمده أنا عارف من أول يوم، بس سايبك تقول لي أنت بنفسك."
العمده مسك إيديه برجاء:
— "أوعى يا رحيم تقول لحد... ولا حتى لأمك!"
رحيم:
— "ماشي يا عمده مش هقول، بس لازم أفاهم أنت بتعامل أمي كده ليه؟ وهي عملت ايه زمان خلاك مش طايقها؟"
العمده تنفس بصوت عالي:
— "عارف يا رحيم؟ الستات اللي راحوا عشان يضربوا ألحان امبارح..."
رحيم باهتمام:
— "ايوه، مالهم؟"
العمده:
— "من 28 سنة راحوا برده النادية عشان يضربوها، لكن ربنا سترها وأنا رحت في الوقت المناسب ولحقتها، كان ساعتها الحمل هيتأثر ونزلت ورحت بيها المستشفى وقعدت شهرين، وبعد كده ولدت وكانت على طول خايفه وشايله يوسف على طول في حضنها، وأنا كنت حاسس أنها قربت تتجنن، عشان كده أنا حطيت يوسف في المكان ده."
رحيم بصدمة:
— "أمي تعمل كده؟!"
العمده بص له بنظرة معاتبة:
— "يعني أنت ما عرفتش من الستات امبارح أن أمك هي اللي دافعة لهم الفلوس؟"
رحيم سكت بصدمة، والعمده كمل كلامه:
— "عشان كده يا ابني أنا خايف على بنت نادية."
رحيم بتساؤل:
— "وتخاف عليها ليه وهي مش بنتك، والثانية سابتك ومشيت وأنت طلقتها وهي اتجوزت وخلفت الدكتورة؟"
العمده بنبرة يغلفها العشق القديم:
— "أنا عارف هي عملت كل ده ليه، غصب عنها وأنا مقدر ظروفها."
رحيم باستغراب:
— "للدرجة دي بتحبها؟!"
العمده ابتسم بحنين:
— "ده العشق يا ولدي، ما أقدرش أنساه، وبتمنى من ربنا إنه ياخد أمانته بعد ما أطمن على بنتها ويوسف، وأبقى معاها في الجنة ونعوض اللي فاتنا سوا."
رحيم كان بيبصله باستغراب شديد؛ بقى ده العمده اللي كانت كلمته سيف على رقبة الناس كلها، دلوقتي بيتكلم عن العشق والحب!
العمده ابتسم لما فهم ابنه بيعكر في إيه وقال له:
— "يلا خلينا نطلع نفطر."
رحيم:
— "أنت هتطلع؟"
العمده:
— "طبعا، وكل يوم هطلع."
رحيم جاب العصاية وسند العمده وطلع بيه وقعده على الكرسي بتاعه.
أما عند ألحان، كانت لسه بتكلم ليلى وأقنعتها، وليلى قالت:
— "طيب يا حبيبتي أنا هقفل معاكي عشان معاد الشغل، وابقى أكلمك تاني."
ألحان:
— "طيب يا حبيبتي."
قفلت معاها وقامت دخلت الحمام. بعد دقائق خرجت وكانت مش عارفة تلف الطرحة صح. وفجأة الباب اتفتح ودخل رحيم.
رحيم:
— "أنتِ ما نزلتيش ليه؟"
ألحان اتوترت وفجأة الطرحة وقعت وشعرها الأسود الحريري اتفرد حواليها. اتصدم رحيم من شكلها من غير الطرحة، كانت أجمل حورية شافتها عينيه! وهي توترت جداً ووطت جابت الطرحة بسرعة وحطيتها على شعرها بعشوائية.
رحيم فاق لنفسه على صوتها المتبقي وهي بتقول بارتباك:
— "يعني أعمل إيه؟ بلف الطرحة اهو ونازلة، وهدومي كمان مش عارفة أطلعها من الشنطة!"
رحيم تقدم ومسك الشنطة وقعد على السرير وفتحها:
— "اتفضلي، هدومك اهي."
ألحان بخجل وتوتر:
— "شكرا."
رحيم بجدية وهو بيتحرك عشان يخرج:
— "العفو."
وقبل ما يخطو، نطقت بصوت هادئ هز كيانه:
— "رحيم..."
وقف مكانه مصدوم من سحر الكلمه؛ دي أول مرة حد ينادي اسمه بالطريقة دي. لف وشه وقال:
— "نعم؟"
ألحان:
— "ممكن وأنت بتنقل ورقي، تنقل ورق صاحبتي معايا؟"
رحيم بنظرة ثاقبة:
— "وليه بقى؟ هي ملهاش أهل؟"
ألحان بحزن:
— "أيوة هي يتيمة وعايشة في سكن الجامعة، وبعد كده عاشت معايا وبنسيبش بعض أبدا، فممكن تنقل ورقها هنا معايا؟"
رحيم:
— "تمام، ابعتي لي اسمها كامل وأنا هعمل كده... وعلى فكرة أنا هعمل كده مش ببلاش."
ألحان بتحدي:
— "يعني قصدك إيه؟ هتاخد فلوس مني؟"
رحيم قرب منها بخطوات بطيئة ونظرة جريئة:
— "لأ، مش فلوس.. حاجة تانية."
ألحان:
— "طيب.. أبقى خد اللي أنت عايزه."
رحيم بخبث:
— "متأكدة؟"
ألحان وهي بتطلع هدومها من الشنطة بغضب مصطنع:
— "أيوة متاكده!"
اخدت هدومها ودخلت الحمام، وهو ضحك على هبلها وقعد على الكنبه. وبعد دقائق خرجت وهي لابسة طقم جميل ولافّة الطرحة أي كلام عشان مش معتادة، وحاطة بندانة عشان شعرها ما يبانش.
رحيم:
— "يلا بينا عشان تفطري."
ألحان:
— "ما ليش نفس."
رحيم بإصرار وهو بيمسك إيديها:
— "لا، لازم تفطري عشان تاخدي العلاج بتاعك، يلا."
نزل بيها، وأول واحدة شافتهم كانت هدير اللي كانت متغاظة، وهانم اللي ضايقت وقالت:
— "كل ده يا رحيم عشان نفطر؟!"
رحيم وهو بيقعد وبيقعد ألحان على الكرسي اللي جنبه:
— "معلش بقى يا حاجة، عرسان."
هانم اتضايقت، والعمده قال بصوت هادي:
— "يلا افطروا."
بص للألحان لقاها مكسوفة، وقال بصوت حنون:
— "كلي يا بنتي."
ألحان بصت له بقوة، ورحيم مسك إيديها من تحت الترابيزه بحنان وملكيه:
— "كلي يا ألحان."
ألحان اتوترت، ورحيم شاف توترها وساب إيديها، وهي بدأت تاكل. هدير عينيها عليها وقالت بسخرية:
— "صحيح يا عروسة، هو أهل بابكي فين؟"
ألحان رفعت وشها وقالت بحدة:
— "بتسالي ليه؟ حاجة ما تخصكيش."
هدير اتغاظت:
— "اصل يعني أنتِ اتجوزتِ وأنتِ ما لكيش أهل! حاجة غريبة يعني، زي ما تكوني مقطوعة من شجرة!"
عينيها دمعت ألحان بس ردت بقوة:
— "مش لازم يكون ليا أهل عشان أتجوز، مدام حلال ربنا ما فيش حاجه تمنعه، وثانيا يا ستي بابا كان وحيد أهله وما لهوش اخوات، في مشكلة؟"
هدير سكتت بغيظ. كملت ألحان أكلها وقالت:
— "بس الغريبة أني عارفة أن العمده ما جابش غير رحيم ورفية، أنتِ بقى ما لكيش أهل وقاعدة هنا؟"
هدير اتعصبت وقفت:
— "إيه اللي أنتِ بتقوليه ده؟! أنا أهلي موجودين، أنا بنت أخو العمده!"
ألحان ضحكت بسخرية:
— "يعني ليكي أهل بس قاعدة عالة؟!"
هدير بصت للعمده بغضب:
— "عاجبك الكلام ده يا عمي؟!"
رحيم بص لهدير بنظرة مرعبة:
— "أنتِ اللي بدأتِ الأول يا هدير، وقلت لك ما لكيش دعوة بألحان.. دي دلوقتي مراتي، فاهمة ولا لا؟!"
هدير بخوف وغيظ:
— "حاضر يا ابن عمي."
ألحان ابتسمت وكملت أكل. هانم حطت إيديها على كتف هدير وقالت بصوت سام:
— "ما تزعليش يا حبيبتي، اصل الشحاتين دايما بيبقوا مقطوعين من شجرة."
دمعت عيون ألحان من القهر. العمده اتعصب وخبط بإيده على الترابيزه بقوة هزت المكان:
— "مين قال لك إن هي مقطوعة من شجرة يا مره؟! أنا موجود، وهي بنتي من دلوقتي، واللي هيحاول يدوس لها على طرف هيشوف مني اللي عمره ما شاف، فاهمة يا هانم؟!"
الكل سكت برعب. رحيم وقف وقال:
— "يلا يا ألحان تعالي أنا عايزك." وبص لرقية: "قولي لهم يبعتوا لنا الفطار في الجناح بتاعي."
رقية:
— "حاضر يا اخويا."
ألحان كانت قاعدة مكانها مش قادرة تقوم من العصبية، فرحيم قرب منها وشالها وطلع بيها فوق.
العمده قال بغضب وهو بيمسك عصايته:
— "قومي يا رقية قولي للناس جوه يحضروا الفطار لاخوكي." ثم بص لهدير وهانم بحذّر: "اللي حصل دلوقتي لو تعاد تاني هتتعاقبوا، فاهمين ولا لا؟!" ودخل أوضته.
هدير بصت لهانم بشر:
— "يلا يا مرات عمي، قومي حطي لها البرشامه في الأكل ولا العصير عشان ما يحصلش حمل!"
هانم قامت بسرعة:
— "ماشي يا بنت إسكندرية، أنا إنتِ!"
وفي أوضة رحيم، دخل وحطها على السرير بهدوء. ألحان رفعت راسها بغضب وعناد يشتعل في عينيها:
— "أنا عايزة أعرف مكان يوسف! احنا اتجوزنا خلاص اهو!"
رحيم قرب منها بخطوات واثقة ونظرات مليئة بالرغبة والسيطرة:
— "مش بالسهولة دي.. في حاجات لازم تعمليها عشان تعرفي مكان يوسف."
ألحان اتعصبت وارتجف صوتها:
— "حاجات إيه؟! قصدك الأرض هتنزل لك عنها؟!"
رحيم ابتسم بسخرية هادئة وهو بيقرب أكتر:
— "الأرض دي خلاص بقت مهرك.. أنا بتكلم على حاجة تانية."
ألحان بصت له بتحدي وهي بتجز على أسنانيها:
— "أنت هتكلمني بالألغاز؟! ما تقول عايز إيه وخلصني من أم الحوار ده، أنا عايزة أرجع لحياتي!"
رحيم قرب منها لحد ما حس بحرارة أنفاسها وهمس بصوت عميق مليان رغبة وتحدي:
— "أنا عايز ولد.. وبعد كده لو عايزه تطلقي براحتك."
ألحان اتصدمت وانتقلت ملامحها للجنون:
— "لا ده أنت اتجننت بجد! عايزني أخلف وأسيب لك ابني وأمشي بسهولة كده ليه؟! شايفني ببيع عيال ولا في أم بترمي ضناها؟!"
رحيم ثبت عينيه في عينيها بثبات مستفز:
— "خلاص، عيشي معانا.. بس المهم تجيبي لي الولد، وأنا يا ستي مش هتكلم في حاجة بعدها."
ألحان نطقت بقهر وهي بتنفض إيديها:
— "تصدق أنا من الأول عارفة إنك أناني وبتاع مصلحتك! بس أنا مش هنفذ الكلام ده، وريني هتعمله إزاي!"
رحيم وقف فجأة، وبحركة سريعة وقوية رماها على السرير وبقى فوقيها مباشرة، وجهه قريب جداً من وجهها لدرجة إنها بقت متجمدة مكانها من شدة القرب والتوتر. خدودها احمرت بعنف وحست بأنفاسه بتلسع بشرتها:
— "بتعمل إيه؟! ابعد عني!"
رد بصوت هادي ودافي لكنه مليان وعيد:
— "لو كنت عايز أخدك، كنت خدتك دلوقتي حالا.. ومش هتعملي حاجة، بس أنا بفهم في الأصول."
ألحان اتغاظت من طريقته وضحكت بسخرية لاذعة:
— "لا، هو واضح أوي إنك بتفهم في الأصول! المهم، ابعد عني، أنا مش هعمل كده!"
رحيم تحدى نظرات الغضب اللي في عينيها وقال بصوت أعمق:
— "بلاش تتحديني.. عشان أنا لما بعوز حاجة باخدها من قلب السبع، وأنتِ مهما كبرتِ، فروجة صغيرة بالنسبة لي."
الغضب أكل قلبها، فميلت بسرعة وبحركة مباغتة قربت من كتفه وعضته بقوة. رحيم ألم بحدة وبعد عنها لثوانٍ مصدوماً، وهي اتعدلت ووقفت بتلهث ونظراتها كلها شراسة وتحدي:
— "الفرخة دي طلعت بتعرف تعض وتخربش!"
رحيم مسك كتفه وابتسم بابتسامة جانبية فيها رغبة ووعيد شرس:
— "طب كويس قوي.. أنتِ كدة مش فرخة، أنتِ قطة برية، وأنا بقى ليا مزاج طويل أوي في ترويضك!"
وسابها وخرج.
وبعد لحظات، فتحت الخادمة الباب ودخلت وهي شايلة صينية الفطار بتوتر وخوف واضح من رد فعلهم، وقالت بصوت هادئ:
— "رحيم بيه قال أدخل لك الفطار جوه."
ألحان بصت لها ببرود:
— "شكراً."
الخادمة ابتسمت بخوف وخرجت وقفلتي الباب وراها. قعدت ألحان عشان تاكل، وعينيها وقعت على كوباية اللبن.. حست بقشعريرة وقرف مفاجئ منها، فبعدتها عنها وكملت أكلها وهي حاسة إن اللي جاي هيكون أصعب بكتير.
