رواية لؤلؤة الدنجوان الفصل الثالث عشر والاخير
في جوف الليل، حيث يسكن العالم وتتوقف عجلة الحياة، كانت هناك حرب طاحنة تدور في عقل هشام
كان هشام يتقلب في فراشه بوجل، قطرات العرق البارد تكسو جبينه العريض، وعضلات فكه متصلبة بقسوة. كان سجيناً في كابوس أسود، يعيد فيه شريط ليلة الهجوم. يرى رصاصة الغدر تنطلق، لكنه هذه المرة لا يلحق بها... يراها تخترق جسد لؤلؤ النحيل بدلاً منه. يرى عينيها الواسعتين تنطفئان، ودماءها تلون فستانها الأسود.
"لؤلؤ! لاااا!"
انتفض هشام من نومه، وصرخة رعب مدوية تمزق حنجرته. جلس على حافة السرير يلهث بعنف وكأنه كان يركض لأميال، صدره العاري يعلو ويهبط بجنون، وعيناه المظلمتان تدوران في الغرفة بخوف حقيقي، يبحث عنها.
لم تكن بجواره. السرير بارد.
كاد قلبه أن يتوقف، لولا أن رأى باب الشرفة الزجاجي موارباً، وطيفها الرقيق يقف هناك، مرتدية عباءة منزلية من القطيفة الناعمة والمحتشمة باللون العنابي الداكن، تلف جسدها جيداً لتقيها من نسمات الليل الباردة.
بمجرد أن سمعت صرخته، التفتت لؤلؤ برعب، وركضت نحوه للداخل.
"هشام! مالك يا حبيبي؟ اسم الله عليك!"
جلست بجواره على السرير، وأحاطت وجهه بكفيها الصغيرتين. كان يرتجف. هشام الشافعي، الجبل الذي لا يهتز، كان يرتجف كطفل تائه.
لم ينطق بكلمة، بل جذبها بقوة وحشية، ودفن وجهه في صدرها، يلف ذراعيه الفولاذيتين حول خصرها وكأنه يختبئ من العالم بأسره داخل ضلوعها. كان يعتصرها حتى كادت أن تتألم، لكنها لم تشتكِ، بل مسحت على شعره الكثيف بحنان بالغ، وبدأت تقرأ بعض آيات القرآن بصوتها العذب والملائكي لتهدئة روعه.
"كابوس؟" همست برقة وهي تقبل قمة رأسه. "بسم الله على قلبك يا هشام. أنا هنا، أنا في حضنك أهو ومفيش حاجة وحشة هتحصل."
رفع رأسه ببطء، وعيناه محمرتان. نظر إلى ملامحها الهادئة، وتنهد تنهيدة حارة أذابت جبال الجليد في صدره.
"حلمت إني ملحقتكيش يا لؤلؤ..." صوته كان مبحوحاً ومكسوراً. "حلمت إن الرصاصة صابتك إنتي، وإني شيلتك بين إيديا وإنتي بتروحي مني. قسماً بالله حسيت إن روحي بتتسحب مني. أنا ممكن أواجه جيش بحاله، بس مقدرش أواجه فكرة إني أعيش ثانية واحدة في دنيا إنتي مش بتتنفسي فيها."
امتلأت عيناها بالدموع تأثراً بعشقه المهلك. هذه اللحظات من الضعف التي لا يظهرها لأحد سواها، كانت تجعلها تعشقه أضعافاً مضاعفة.
"بعد الشر عنك وعني يا روحي،" همست وهي تمسح حبات العرق عن جبينه. "إحنا مكتوبلنا نعيش سوا، ونكبر سوا، ونربي ابننا سوا. كابوس وراح لحاله يا هشام، طول ما إنت مغطيني بحبك أنا عمري ما هأذى."
أغمض عينيه واستند بجبينه على جبينها، يستمد الأمان من أنفاسها. "أنا بعشقك يا لؤلؤة... بعشقك لحد الجنون اللي بيخليني خايف عليكي من الهوا الطاير."
"وأنا مجنونة بيك يا قلب لؤلؤة."
ابتسم هشام أخيراً، وعادت الدماء لتسري في عروقه. سحبها بخفة لتستلقي بجواره، وجذب الغطاء عليهما. دثرها جيداً، ووضع يده الحامية فوق بطنها الذي بدأ يبرز قليلاً بحنان، وناما معاً في عناق لا يعترف بالمسافات.
في صباح اليوم التالي.
كانت أشعة الشمس تملأ القصر بالحيوية. جلست لؤلؤ في بهو القصر الداخلي، تقرأ كتاباً عن الأمومة، وتستمتع بكوب من الحليب الدافئ، بينما كان هشام في مكتبه ينهي بعض الأعمال المهمة مع عادل.
انفتح باب المكتب، وخرج هشام برفقة عادل. كان عادل يحمل حقيبة أوراق جلدية ضخمة.
"لؤلؤ، حبيبتي،" ناداها هشام وهو يقترب منها، وعلامات الجدية والفخر تكسو ملامحه. "عادل معاه ورق مهم جداً محتاج توقيعك."
عقدت لؤلؤ حاجبيها باستغراب، ووضعت الكتاب جانباً. "ورق إيه يا هشام؟ أنا مالي ومال ورق الشغل؟"
جلس هشام بجوارها، وأشار لعادل بأن يخرج الأوراق. وضع عادل رزمة ضخمة من العقود الرسمية والموثقة على الطاولة الزجاجية أمامها.
"ده مش ورق شغل عادي يا مدام لؤلؤ،" قال عادل بابتسامة واسعة ومليئة بالاحترام. "دي عقود نقل ملكية. هشام بيه نقل كل أملاك مجموعة الشافعي بالكامل، بالإضافة لكل أملاك عيلة المنشاوي والشركات والعقارات اللي استولينا عليها، وأرصدة البنوك... كلها بقت مسجلة باسم حضرتك، وباسم الطفل اللي جاي."
تجمدت لؤلؤ في مكانها. اتسعت عيناها بذهول قاتل، ونظرت إلى الأوراق، ثم إلى عادل، ثم استقر نظرها المصدوم على وجه هشام الهادئ والمبتسم.
"إنت... إنت بتقول إيه يا عادل؟" تلعثمت لؤلؤ، وصوتها يرتجف. "إمبراطورية الشافعي كلها؟ أملاك المنشاوي؟ باسمي أنا؟"
"أيوة يا حبيبتي، باسمك إنتي،" قال هشام ببساطة، وكأنه يتحدث عن إهدائها باقة ورد وليس ثروة تقدر بمليارات الدولارات.
"هشام، إنت اتجننت؟!" صرخت لؤلؤ بانفعال، ووقفت من مكانها، لينهض هشام خلفها فوراً قلقاً على انفعالها. "دي شقى عمرك وعمر أهلك! دي قوة هشام الشافعي وكيانه! إزاي تكتب كل ده باسمي؟ وليه؟ أنا مش عايزة حاجة، أنا مش محتاجة الفلوس دي كلها، أنا محتاجاك إنت!"
أشار هشام لعادل بالانصراف، فغادر عادل القاعة فوراً وأغلق الأبواب ليتركهما وحدهما.
تقدم هشام نحوها ببطء، ونظراته تفيض بعاطفة جياشة. وضع يديه على كتفيها المرتجفين، وقال بصوت عميق ورخيم يقطر عشقاً:
"اهدي يا نور عيني. اهدي واسمعيني. أنا مش مجنون... أنا لسه عاقل لأول مرة في حياتي. قوة هشام الشافعي مش في شوية ورق ولا في أرصدة بنوك، قوتي فيكي إنتي. الفلوس والسلطة دي كلها تحت رجليكي."
"يا هشام دي مسؤولية مرعبة، لو حصل حاجة إنت هتبقى خسرت كل شيء!" بكت لؤلؤ من فرط التأثر، فكيف لرجل أن يثق بامرأة لدرجة أن يضع رقبته ومصيره المالي بأكمله بين يديها؟
مسح دموعها بإبهامه برقة، وابتسم. "لو خسرت الدنيا كلها وفضلتي إنتي في حضني، يبقى أنا الكسبان. أنا عملت كده لسببين يا لؤلؤ. الأول، عشان العالم كله وكل أعدائي يعرفوا إن حرم هشام الشافعي هي الإمبراطورة الحقيقية، وإن أي حد هيفكر يمسك أو يزعلك، هيبقى بيعادي صاحبة أكبر إمبراطورية في الشرق الأوسط. مفيش مخلوق هيجرؤ يرفع عينه فيكي."
توقف للحظة، وانحنى ليطبع قبلة دافئة على جبينها.
"والسبب التاني... إني عايز أعوضك. عايز أردلك اعتبارك قدام نفسك قبل أي حد. إنتي عيشتي عمرك كله حاسة إنك ضعيفة، فقيرة، مكسورة، خايفة من بكرة. أنا بمسح كل ده بأستيكة. من النهارده، لؤلؤ الشافعي هي اللي بتأمر، وأنا أول واحد بنفذ أوامرها. امضي الورق يا ملكتي."
لم تستطع لؤلؤ الصمود أمام هذا الطوفان من العشق والحماية المطلقة. ارتمت في أحضانه، وأجهشت بالبكاء، لكنه كان بكاء فرح وعزة. لقد انتشلها من القاع، ليس ليجعلها زوجة تقف في ظله، بل ليجعلها تتوج على عرش بناه هو بدمه وعرقه.
"أنا بحبك... بحبك لدرجة بتوجع قلبي من كتر حلاوتها يا هشام،" همست وهي تعتصر قميصه بيديها.
"وأنا بعشق الوجع اللي بيجي من ناحيتك،" ضحك بصوت خفيض وعانقها بقوة. "يلا امضي الورق عشان عادل مايوقفش الشغل، عشان ورايا مشوار أهم بكتير من كل ده."
وقعت لؤلؤ الأوراق بيدين ترتجفان من المشاعر، ليعلن هشام رسمياً ولادة ملكة جديدة، ملكة توجها العشق قبل الذهب.
مرت الأسابيع والأشهر، لتصل لؤلؤ إلى منتصف شهرها الخامس. أصبح حملها ظاهراً بوضوح، مما زاد من جمالها إشراقاً وتوهجاً. سمرتها أصبحت تلمع بنعومة، ووجهها امتلأ قليلاً فزادها براءة.
كان هشام يتعامل معها وكأنها قوارير من زجاج، يمنعها من إرهاق نفسها بأي شيء، ويهتم بتغذيتها بنفسه. أصبحت علاقتهما أعمق من مجرد زوجين عاشقين، كانا صديقين، وشريكين في كل شيء.
في إحدى الأمسيات الباردة، كان المطر يهطل بغزارة خارج القصر، بينما الجناح الملكي يغرق في دفء المدفأة الحجرية.
كان هشام مستلقياً على ظهره في السرير الوثير، عاري الصدر، بينما كانت لؤلؤ تستلقي بجواره، تسند رأسها على ذراعه، وتقرأ كتاباً عن تربية الأطفال، وترتدي منامة قطنية ناعمة ومحتشمة باللون الزهري الهادئ.
"أنا قريت إن في الشهر الخامس الجنين بيبدأ يسمع الأصوات اللي بره، وخصوصاً صوت باباه لأنه بيكون أعمق،" قالت لؤلؤ بحماس وهي تغلق الكتاب وتنظر إليه.
ابتسم هشام بجاذبية، واعتدل في رقدته ليقترب منها. "بجد؟ يعني البطل بتاعنا سامعني دلوقتي؟"
"أيوة، ولازم تتكلم معاه عشان يتعود على صوتك ولما يتولد يهدى أول ما يسمعك."
لم يتردد هشام لحظة. انزلق للأسفل قليلاً، حتى أصبح وجهه في مستوى بطنها البارز. وضع يده الكبيرة الدافئة جداً برفق على بطنها، وأغمض عينيه مبتسماً.
"يا بطل..." بدأ هشام يتحدث بصوته الرخيم، العميق، والذي تعمد جعله ناعماً جداً. "أو يا أميرة... أنا لسه معرفش إنت إيه عشان ماما مصممة تخليها مفاجأة ليوم الولادة. بس عايزك تعرف إنك جيت من أعظم قصة حب في الدنيا. أنا بحب مامتك دي أكتر من روحي، وإنت حتة مننا إحنا الاتنين."
كانت لؤلؤ تنظر إليه بدموع الفرح تترقرق في عينيها. رؤية هذا الرجل القاسي والمهاب يتحول إلى أب حنون بهذا الشكل كانت تذيب قلبها كل يوم من جديد.
"عايزك تطلع قوي،" تابع هشام حديثه لبطنها، وهو يمسح عليه بإبهامه برقة متناهية. "قوي عشان تحمي ظهر أمك وسندها، وتطلع حنين عشان تعرف تكسب قلوب الناس من غير ما تأذيهم. أنا مستنيك على أحر من الجمر يا قلب أبوك، القصر ده كله وكل اللي فيه تحت رجليك أول ما تشرف."
وفي تلك اللحظة بالذات، وكأن الجنين كان يستمع لحديث والده ويستجيب له... حدثت المعجزة.
شعرت لؤلؤ بضربة مفاجئة، خفيفة لكنها واضحة جداً، من الداخل. شهقت بصوت عالٍ، واتسعت عيناها بذهول.
وتحت يد هشام الدافئة المستقرة على بطنها... شعر هو الآخر بتلك الحركة. ركلة صغيرة جداً، كنبضة حياة قوية تمردت لتعلن عن وجودها.
تجمد هشام في مكانه. سكتت الكلمات في حلقه، وفتح عينيه باتساع، ناظراً إلى بطنها، ثم إلى وجه لؤلؤ المصدوم والفرح في آن واحد.
"إنتي... إنتي حسيتي باللي أنا حسيته؟" همس هشام بصوت متقطع، يرتجف من هول المشاعر.
أومأت لؤلؤ برأسها بقوة والدموع تنهمر من عينيها كالشلال. "أيوة... بيتحرك يا هشام... ابننا خبط!"
وكأن الجنين يؤكد كلامها، ضرب ركلة أخرى، أقوى قليلاً، استقرت مباشرة في منتصف كف هشام.
في هذه اللحظة، انهار سد المشاعر العظيم داخل هشام الشافعي. الذي لم يركع لأحد، ركع أمام معجزة الحياة. وضع جبهته على بطنها، وأجهش في بكاء رجولي صامت، لكن كتفيه العريضين كانا يهتزان بعنف.
دموع الفرح، والرهبة، والامتنان للخالق، كلها تجمعت في عينيه لتغسل روحه مما تبقى من قسوة الماضي.
"يا رب... يا رب لك الحمد،" همس هشام بصوت مخنوق بالدموع وهو يقبل بطنها مراراً وتكراراً بشغف وحب لا يوصف. "أنا حسيت بيه يا لؤلؤ... حسيت بنبضه تحت إيدي. أنا حاسس إن روحي ردت فيا من تاني."
رفعت لؤلؤ نفسها بصعوبة، وانحنت لتحتضن رأسه. مررت أصابعها في شعره الكثيف، واختلطت دموعها بدموعه في مشهد يفوق كل أساطير الرومانسية.
"هو حاسس بيك عشان كده رد عليك يا حبيبي،" قالت لؤلؤ وسط دموعها. "إنت هتكون أعظم أب في الدنيا يا هشام، زي ما إنت أعظم وأحن زوج في الدنيا."
رفع هشام رأسه، ووجهه مبلل بدموع العشق والأمومة. نظر في عينيها الواسعتين اللتين تلمعان بالحب الصافي، وأحاط وجهها بكفيه.
"إنتي اللي أعظم ست في الوجود،" قال وهو يطبع قبلات متفرقة على وجهها. "إنتي اللي اديتيني فرصة أعيش الإحساس ده. أنا كنت ميت، كنت مجرد آلة بتجمع فلوس وبتحارب، إنتي اللي نفختي فيا الروح من تاني. ربنا يقدرني وأسعدك وأعوضك عن كل دمعة نزلت من عينيكي."
"أنا أسعد واحدة في الدنيا طول ما أنا في حضنك،" همست وهي تسند جبهتها على جبهته.
في تلك الليلة الممطرة، لم ينم هشام أبداً. ظل مستيقظاً، يحتضنها من الخلف، ويده لا تفارق بطنها للحظة واحدة، ينتظر ركلة جديدة، ويبتسم في الظلام كأبله عاشق. كان يستمع لأنفاس لؤلؤ المنتظمة، ويشعر بحركة طفلهما الخفيفة بين الحين والآخر، موقناً أنه امتلك كنوز الأرض والسماء بين ذراعيه.
لم تعد إمبراطورية الشافعي مجرد شركات وعقارات، بل أصبحت إمبراطورية من العشق، بناها قلبان تعاهدا على تحدي الظلام، لتشرق فيهما شمس حياة جديدة، تنبض بالحب، وتعد بغد مشرق لا يحمل سوى الفرح، لتكتمل الأسطورة التي بدأتها لؤلؤة السمراء عندما روضت دنجوان عصرها.
مرت الأيام والأسابيع، لتطوي في طريقها أشهر الحمل بسلام، وصولاً إلى منتصف الشهر الثامن. كبر بطن لؤلؤ بشكل ملحوظ، وزاد وزنها قليلاً، لكن ذلك لم يزدها في عيني هشام إلا فتنة وسحراً. سمرتها أصبحت تتوهج بلمعة الأمومة الدافئة، وملامحها الهادئة اكتست ببريق النقاء. كانت ترتدي دائماً الفساتين الواسعة والمحتشمة التي صُممت خصيصاً لها من أرقى أنواع الأقمشة الناعمة، لتمنحها الراحة وتزيد من رقتها.
أما هشام، فقد تحول من الدنجوان الذي لا يُقهر، إلى عاشق مجنون وممرض شخصي لزوجته. ألغى جميع رحلاته الخارجية، ونقل معظم اجتماعاته إلى القصر، ليكون بجوارها في كل لحظة. أصبح يراقب أنفاسها، خطواتها، وحتى تقلباتها في النوم.
في أحد أيام الشتاء القارسة، حيث كانت الأمطار تضرب زجاج النوافذ الضخمة للقصر بقوة، والرياح تعوي في الخارج، كان الجناح الملكي يسبح في دفء ساحر ينبعث من المدفأة الحجرية.
كانت لؤلؤ تجلس على الأريكة المخملية الوثيرة، ترتدي فستاناً منزلياً واسعاً ومحتشماً من القطيفة الناعمة بلون الكرز الداكن، ينسدل بنعومة على جسدها الممتلئ بحياة جديدة، وقد رفعت خصلات شعرها الفاحم في عقدة بسيطة، بينما تركت بعض الخصلات المتمردة تداعب عنقها.
أمامها، كان يجلس هشام الشافعي، الرجل الذي ترتعد منه فرائص أقوى الرجال، جاثياً على إحدى ركبتيه على السجادة الوثيرة، يمسك بقدميها الصغيرتين المتورمتين قليلاً بسبب الحمل، ويدلكهما بزيوت عطرية دافئة برقة متناهية، متجاهلاً كبرياءه وغروره تماماً.
"يا هشام، عشان خاطري كفاية، إنت بتتعب نفسك أوي كده،" قالت لؤلؤ بخجل حقيقي وهي تحاول سحب قدميها بضعف. "وبعدين عيب إنت مقامك أكبر من إنك تعمل كده!"
رفع هشام عينيه المظلمتين اللتين تفيضان بعاطفة جياشة، وأحكم قبضته الحنونة على قدميها، ثم انحنى وطبع قبلة رقيقة على باطن قدمها جعلتها تشهق بخجل.
"عيب إيه ومقام إيه يا روح هشام؟" قال بصوته الأجش العميق الذي يذيب كيانها. "مقامي بيكبر لما بكون تحت رجليكي. إنتي شايلة حتة مني وتعبانة ليل ونهار، لو شيلتك من على الأرض شيل مش هوفيكي حقك. وبعدين أنا مابستمتعش بحاجة في دنيتي قد ما بستمتع وأنا بدلعك."
ابتسمت لؤلؤ وعيناها تلمعان بدموع العشق. "إنت غيرت فكرتي عن الرجالة كلها يا هشام. أنا كنت خايفة من الجواز، كنت فاكرة إنه قيد ووجع، بس إنت خليته جنة."
نهض هشام بمرونة، وجلس بجوارها على الأريكة. أحاط خصرها الممتلئ بذراعه القوية، وسحبها لتستند برأسها على صدره العريض. مرر يده الأخرى على بطنها البارز يداعب الجنين بخفة.
"إنتي اللي غيرتي فكرتي عن الدنيا بحالها،" همس وهو يقبل قمة رأسها ويستنشق عطر الياسمين الذي يفوح منها. "أنا كنت فاكر إن الستات كلهم زي بعض، مجرد تسلية أو صفقة. لحد ما شوفتك إنتي. عنادك، برائتك، كسفتك اللي بتحمر خدودك... كل ده عمل فيا اللي مفيش جيش قدر يعمله. إنتي روضتي الوحش يا لؤلؤة."
رفعت رأسها لتنظر إليه بشغف، ومررت أناملها الرقيقة على لحيته المهذبة. "الوحش ده طلع أحن وأعظم راجل في الدنيا."
انحنى هشام ليلتقط شفتيها في قبلة دافئة، عميقة، وممتلئة بالاحتواء. قبلة تنقل لها كل ما تعجز الكلمات عن وصفه من أمان وعشق مطلق. ذابت لؤلؤ بين ذراعيه، وبادلته الشغف بشغف أشد، متناسية ثقل حملها وكل مخاوفها.
بعد قليل، أبعدها هشام برفق وهو يلهث بخفة، وابتسم ابتسامة جذابة أضاءت ملامحه الحادة. "قومي معايا، محضرلك مفاجأة."
"مفاجأة إيه تاني يا هشام؟ إنت مابتبطلش مفاجآت!" قالت بفضول محبب.
"هتعرفي دلوقتي. بس هاتي إيدك واسندي عليا."
ساعدها على النهوض بحذر شديد، وأحاط خصرها بيده ليدعمها، وسار بها خارج الجناح نحو الممر الغربي للقصر، وهو الجناح الذي كان هشام قد أمر بإغلاقه لعدة أشهر وإجراء تعديلات سرية عليه.
توقفا أمام باب خشبي أبيض أنيق، مزين بنقوش رقيقة من أوراق الشجر الذهبية.
"افتحي الباب،" همس في أذنها.
مدت لؤلؤ يدها المرتجفة قليلاً وفتحت الباب. بمجرد أن أضاء هشام الغرفة، شهقت لؤلؤ بصدمة وانبهار، ووضعت يديها على فمها لتكتم صرخة فرح طفولية.
كانت الغرفة عبارة عن غرفة نوم أطفال، لكنها لم تكن كأي غرفة عادية؛ كانت أشبه بقطعة من الجنة. طُليت الجدران بلون كريمي هادئ يبعث على السلام، وتزينت السقوف برسمة سماء صافية وغيوم بيضاء مضيئة. في المنتصف، كان هناك سرير أطفال دائري فخم مصنوع من الخشب الأبيض ومغطى بستائر حريرية بيضاء، وبجواره مقعد هزاز وثير للأم.
الألعاب الفاخرة، والدمى المحشوة، والملابس الصغيرة جداً ذات الألوان المحايدة بين الأبيض والأصفر الفاتح (لأنهما لا يزالان يجهلان جنس الجنين بناءً على رغبتها)، كانت تملأ المكان برقة متناهية.
"هشام... إيه الجمال ده؟" همست لؤلؤ والدموع تنهمر من عينيها. "إنت عملت كل ده إمتى؟"
وقف هشام خلفها، وأحاط بطنها بكلتا يديه، وأسند ذقنه على كتفها. "بقالي شهرين بجهز فيها. جبت أحسن مصممين في العالم، وقولتلهم عايز أوضة تليق بحتة من لؤلؤة الشافعي. عايز أول ما عينه تفتح على الدنيا، يشوف السلام والنور اللي أمه جابته لحياتي."
استدارت لؤلؤ وارتمت في أحضانه، تبكي من فرط سعادتها. كان يحتويها بكل قوته، يمسح على ظهرها ويهدئ من روعها.
"أنا بحبك أوي... أنا حاسة إني بحلم ومش عايزة أصحى،" بكت في صدره.
"ششش، إنتي في علم مش في حلم يا نور عيني. وكل يوم جاي أحلى من اللي قبله."
في مساء ذلك اليوم، وبعد أن تناولا عشاءً رومانسياً هادئاً في جناحهما على ضوء الشموع، استلقت لؤلؤ على السرير لتستريح. كان الإرهاق بادياً على وجهها، وثقل الحمل يجعل تنفسها سريعاً بعض الشيء.
جلس هشام بجوارها، يقرأ لها كتاباً بصوته الرخيم والمهدئ كما اعتاد أن يفعل كل ليلة ليساعدها على الاسترخاء.
وفجأة... توقفت لؤلؤ عن الاستماع.
شعرت بانقباضة حادة ومفاجئة أسفل بطنها، تشنج ألمها بشدة لدرجة أنها أطلقت أنة خافتة، وأمسكت بملاءة السرير تعتصرها بقوة، وتقلصت ملامح وجهها ألماً.
رمى هشام الكتاب من يده فوراً، وانتفض بخوف روع كيانه.
"لؤلؤ! فيكي إيه؟ بتوجعك إيه؟" صرخ بلهفة ورعب وهو يمسك بوجهها الذي شحب في ثانية واحدة.
"مش عارفة يا هشام... وجع غريب... ضهري وبطني بيتقطعوا!" نطقت الكلمات بصعوبة، وأنفاسها تتسارع، وتصبب العرق من جبينها.
فقد هشام عقله تماماً. الإمبراطور الذي يخطط للإطاحة بدول، وقف عاجزاً ومرتعباً أمام تأوه حبيبته.
"استحملي يا روحي، استحملي عشان خاطري!" صرخ هشام، واندفع نحو هاتفه كالمجنون. اتصل بعادل وزأر فيه بصوت أرجف زجاج النوافذ: "دكتورة النسا تكون عندي في ثانية! لؤلؤ بتتألم! لو الدكتورة مجتش في خمس دقايق هحرق المستشفى كلها يا عادل!"
ألقى الهاتف، وعاد إليها مسرعاً. جلس على حافة السرير، وأخذها بين أحضانه. كان جسدها النحيل يرتجف، وانقباضة أخرى ضربت بطنها فجعلتها تصرخ وتدفن وجهها في صدره.
"آآآه يا هشام... تعبانة أوي!" بكت لؤلؤ وهي تتشبث بقميصه كغريق.
"أنا فداكي يا نور عيني... فدا كل وجع بتحسيه. خدي نفسي، أنا معاكي، مستحيل أسيبك،" كان هشام يهمس لها بكلمات مختلطة بدموع الخوف التي تجمعت في عينيه المظلمتين. كان يمسح العرق عن جبينها، ويقبل رأسها بجنون، ويتحدث مع الجنين برجاء: "بالراحة على مامتك يا بطل... بالراحة عشان خاطر أبوك اللي هيموت من الخوف عليها."
كانت الدقائق العشر التي استغرقتها الطبيبة للوصول هي أطول وأقسى دقائق مرت في حياة هشام الشافعي. كان يرى حبيبته تتألم ولا يملك قوة لإيقاف هذا الألم.
اقتحمت الطبيبة الجناح تلهث من الركض، ومعها حقيبتها الطبية.
"ابعد لو سمحت يا هشام بيه خليني أكشف!" قالت الطبيبة بسرعة.
تراجع هشام للخلف قليلاً، لكنه رفض ترك يد لؤلؤ. ظل ممسكاً بها بقوة، وعيناه معلقتان بوجه الطبيبة، يتصيد أي تعبير يطمئنه.
قامت الطبيبة بفحص لؤلؤ بدقة، وقياس نبض الجنين، وفحص تقلصات الرحم. وبعد دقائق حبس فيها هشام أنفاسه حتى كاد يختنق، ابتسمت الطبيبة بارتياح ومسحت العرق عن جبينها.
"اطمن يا هشام بيه. مفيش ولادة مبكرة ولا حاجة، الخطر بعيد الحمد لله."
"أومال الصريخ والوجع ده كله إيه؟ إنتي دكتورة مبتفهميش؟" زأر هشام بانفعال وغضب نابع من رعبه.
"يا فندم ده طبيعي جداً في الشهر التامن،" أجابت الطبيبة بهدوء وتفهم لحالته. "دي حاجة اسمها 'تقلصات ، أو طلق كاذب. الرحم بيمرن نفسه للولادة. الوجع بيكون شديد شوية لكنه بيروح مع الراحة. المدام بس محتاجة مهدئ بسيط وترتاح في السرير، ومفيش أي مجهود خالص."
أغمض هشام عينيه بقوة، وأطلق تنهيدة حارة وطويلة أفرغت كل الهواء المحبوس في رئتيه. انهار على ركبتيه بجوار السرير، وسند جبهته على يد لؤلؤ المرتجفة.
"الحمد لله... الحمد لله يا رب،" همس بصوت متعب، وكأن جبلاً أُزيح عن صدره.
أعطت الطبيبة لؤلؤ حقنة مهدئة، وأوصت بالراحة التامة، ثم غادرت الجناح تاركة العاشقين وحدهما.
بدأ مفعول المهدئ يعمل، فارتخى جسد لؤلؤ، وهدأ تنفسها، واختفى الألم تدريجياً. فتحت عينيها المتعبتين، لتجد هشام لا يزال راكعاً بجوارها، يمسد على شعرها وعيناه محمرتان من الخوف الذي عاشه.
"أنا أسفة إني خضيتك يا هشام..." همست بصوت ناعس.
"تتأسفي على إيه يا مجنونة؟ إنتي لو تطلبي عمري أديهولك عشان أشيل عنك الوجع ده،" قالها وهو ينهض ليجلس بجوارها، ويسحبها برفق شديد إلى حضنه. "أنا كنت هموت. قسماً بالله روحي كانت بتطلع مع كل آهه بتطلعيها. أنا اكتشفت إني جبان أوي يا لؤلؤ... جبان أوي في أي حاجة تخصك."
"إنت أشجع وأحن راجل في الدنيا،" رفعت يدها بضعف ومسحت على خده. "طول ما إنت ماسك إيدي، أنا مش خايفة من حاجة. حتى الولادة مش هخاف منها طول ما عينيك في عيني."
أحكم ذراعيه حولها، ودفن وجهه في عنقها. "أنا مش هسيبك ثانية واحدة. هفضل ماسك إيدك لحد ما تقومي بالسلامة إنتي وحتة مني اللي جواكي. إنتي كل عيلتي وكل دنيتي يا لؤلؤة."
مرت الساعات، وغرقت لؤلؤ في نوم عميق ومريح بفضل المهدئ ودفء أحضان هشام. أما هو، فلم يذق طعم النوم. ظل مستيقظاً، يراقب ملامحها الهادئة، يستمع لانتظام أنفاسها، ويده الكبيرة تستقر بحنان على بطنها البارز، يحرسها كجندي لا يغفل عن حماية ملكته.
وفي سكون الليل، همس هشام للجنين بكلمات صادقة، نابعة من أعمق نقطة في قلبه المحب:
"يلا شد حيلك واخرج بقى... أنا عايز أشوفك، وعايز أطمن على مامتك. إنتوا الاتنين بقيتوا نقطة ضعفي اللي مقدرش أعيش من غيرها. بس قسماً بالله... لو طلعت بنت شبه أمك، لأخلي العالم كله يركع تحت رجليها."
طبع قبلة أخيرة على جبين لؤلؤ، وأغمض عينيه أخيراً، مستسلماً لنوم هادئ بعد ليلة عاصفة أثبتت له، ولها، أن العشق الحقيقي ليس في الكلمات المعسولة فقط، بل في ذلك الرعب الذي يجتاح القلب عندما يتألم النصف الآخر، وفي ذلك الاحتواء المطلق الذي يداوي كل الجراح.
مرت الأسابيع ثقيلة ومحملة بالترقب، حتى أطل الشهر التاسع من الحمل برأسه، معلناً اقتراب اللحظة الحاسمة التي ستغير مجرى حياة الإمبراطور وملكتة للأبد.
أصبحت لؤلؤ في أيامها الأخيرة من الحمل تعاني من إرهاق مضاعف، فبطنها كبر بشكل ملحوظ، وحركتها أصبحت بطيئة ومحسوبة. لكن هذا التعب الجسدي كان يتلاشى تماماً أمام طوفان الحنان والاهتمام الذي يغدقها به هشام. لقد حول الجناح الملكي إلى واحة من الراحة، ومنع عنها أي مجهود مهما كان بسيطاً، بل إنه كان يحملها بنفسه إذا أرادت الانتقال من غرفة إلى أخرى، متجاهلاً تذمرها الخجول.
في ليلة ربيعية هادئة، حيث النسيم العليل يداعب أشجار حديقة القصر، أعد هشام مفاجأة رومانسية لزوجته. أمر الخدم بتجهيز عشاء خاص في شرفة الجناح الملكي الواسعة التي تطل على المسبح والحديقة، وأضاء المكان بعشرات الشموع العطرية التي تفوح منها رائحة الياسمين، زهرتها المفضلة.
خرجت لؤلؤ من غرفة الملابس تستند على إطار الباب، ترتدي فستاناً فضفاضاً ومحتشماً من الحرير بلون السوسن الفاتح (اللافندر)، ينسدل بنعومة ليحتضن قوامها الممتلئ، وقد تركت شعرها الفاحم حراً يتهادى على ظهرها.
تقدم هشام نحوها بخطواته الواثقة الجذابة، يرتدي قميصاً أبيض بسيطاً ترك أزراره العلوية مفتوحة، وبنطالاً أسود. اتسعت ابتسامته وهو يتأملها بشغف لم تطفئه الأيام، بل زاده الحمل عمقاً.
"إيه الجمال اللي بيخطف الروح ده؟" همس وهو يحيط خصرها بيده، ويسندها برفق لتسير معه. "أنا كل يوم بتأكد إن مفيش ست في الدنيا دي كلها تملى عيني غيرك."
ابتسمت لؤلؤ بكسل محبب، وأسندت رأسها على كتفه. "إنت بتشوفني حلوة عشان عينيك فيها حب يا هشام. أنا حاسة إني بقيت فيل صغير، ومش قادرة حتى أتنفس براحتي."
أطلق هشام ضحكة رجولية دافئة، وأجلسها بحذر على المقعد الوثير المبطن خصيصاً لها. "يا ستي إنتي أحلى فيل شفته في حياتي. وبعدين التعب ده كله هيهون أول ما تشيلي حتة مننا بين إيديكي."
جلس أمامها، وبدأ يطعمها بنفسه كما اعتاد مؤخراً. كانت الأجواء مشحونة بالرومانسية والسكينة. تذكرت لؤلؤ رحلتهما معاً، من تلك الغرفة الباردة في الفندق، إلى هذا العرش الدافئ.
"عارف يا هشام؟" قالت لؤلؤ وعيناها تلمعان بدموع التأثر. "لو حد كان قالي من سنة إن حياتي هتبقى كده، وإني هبقى متجوزة هشام الشافعي وبحبه لدرجة الجنون، كنت هقول عليه مجنون."
ترك هشام الشوكة، وأمسك بيديها كلتيهما وقبلهما بعمق. "وأنا لو حد كان قالي إن في ست هتقدر تكسر غروري، وتخليني أعيش عشان بس أشوف ضحكتها، كنت هنسفه. إنتي معجزتي يا لؤلؤ... إنتي النور اللي ربنا بعتهولي عشان ينقذني من العتمة اللي كنت عايش فيها."
أخرج من جيبه علبة مخملية صغيرة وفتحها. كان بداخلها سوار ماسي رقيق جداً، تتدلى منه حبة لؤلؤ سوداء نادرة، مطابقة تماماً للقلادة التي أهداها إياها يوم زفافهما الحقيقي.
"عشان تكملي الطقم،" قال وهو يلبسها السوار برقة. "كل ما تبصي فيه، تفتكري إنك لؤلؤة الشافعي اللي مفيش تمن في الدنيا يقدر يوفيها حقها."
لمست السوار بسعادة، وانحنت لتطبع قبلة رقيقة على خده. "ربنا ما يحرمني منك يا نبض قلبي."
بعد منتصف تلك الليلة، انقلب السكون إلى عاصفة.
كان هشام غارقاً في نومه، يحتضن لؤلؤ من الخلف كما اعتاد. فجأة، شعر بانتفاضة جسدها، وتبعها صرخة مكتومة ومؤلمة مزقت سكون الغرفة.
انتفض هشام مرعوباً، وأضاء المصباح بسرعة. كانت لؤلؤ تعتصر الملاءة بيديها، ووجهها شاحب يتصبب عرقاً، وتتنفس بصعوبة بالغة.
"لؤلؤ! في إيه؟ الطلق الكداب رجع تاني؟" سأل بلهفة وهو يمسح العرق عن جبينها.
هزت لؤلؤ رأسها نفياً بقوة، والدموع تنهمر من عينيها. "لأ يا هشام... المرة دي بجد... الماية نزلت... بولد!"
تجمد الدم في عروق هشام لثانية واحدة، قبل أن يتحول إلى حالة من الطوارئ القصوى. الإمبراطور الذي يتحكم في أعصابه أمام أكبر الأزمات المالية، كان يداه ترتجفان وهو يرتدي ملابسه بسرعة جنونية.
"استحملي يا روحي، استحملي أنا معاكي!"
أخرج هاتفه واتصل بعادل وهو يركض لإحضار عباءة لؤلؤ وحقيبة المستشفى التي جهزوها مسبقاً. "عادل! العربية تكون على الباب حالا! كلم مستشفى (فاطمة الزهراء) يجهزوا أوضة العمليات وأحسن طاقم طبي فوراً! لؤلؤ بتولد!"
عاد إليها، ولف العباءة حول جسدها المرتجف بعناية. انحنى وحملها بين ذراعيه بكل قوته، متجاهلاً ألمها الذي كان يمزق قلبه.
"آآآه يا هشام... مش قادرة!" صرخت لؤلؤ عندما ضربتها انقباضة أخرى أشد قسوة.
"أنا فداكي... فدا كل وجع فيكي. امسكي فيا جامد، خمس دقايق وهنكون في المستشفى."
ركض بها عبر أروقة القصر الطويلة، حتى وصل إلى السيارة التي كان عادل ينتظر بداخلها والمحرك يعمل. وضعها هشام في المقعد الخلفي بحذر، وجلس بجوارها، ساحباً إياها لتستند على صدره.
طوال الطريق، كانت لؤلؤ تتلوى من الألم، وكانت يداها تعتصران قميص هشام. أما هو، فكان يهمس لها بكلمات العشق والدعاء، يمسح على رأسها، ويشجعها بصوت يرتجف من الخوف عليها.
"أسرع يا عادل! طير بالعربية!" زأر هشام.
بمجرد وصولهما إلى مستشفى "فاطمة الزهراء"، كان الطاقم الطبي بأكمله في انتظارهما عند المدخل. وضعوها على السرير النقال، وركضوا بها نحو قسم الولادة.
كان هشام يركض بجوار السرير، ممسكاً بيدها بقوة يرفض إفلاتها. وعندما وصلوا إلى باب غرفة العمليات، حاول أحد الممرضين إيقافه.
"لو سمحت يا هشام بيه، ممنوع الدخول."
رمقه هشام بنظرة أرعبت الممرض، ودفعه جانباً بعنف. "ممنوع على مين؟ أنا هدخل معاها، ومفيش مخلوق هنا هيقدر يمنعني. مراتي مش هتبقى لوحدها!"
استسلم الأطباء لأمره، وعقموا ملابسه بسرعة ليسمحوا له بالدخول.
داخل الغرفة المعقمة، كانت الأجواء مشحونة بالألم والتوتر. لؤلؤ تتألم بشدة، وتبكي بهيستيريا. وقف هشام بجوار رأسها، يمسك يدها بكلتا يديه، وينحني ليقبل جبينها المبلل بالعرق بين كل انقباضة وأخرى.
"إنتي أقوى ست في الدنيا يا لؤلؤ... يلا يا حبيبتي، عشان خاطري." كان يبكي بصمت، دموعه تتساقط على وجنتيها. رؤيتها تتألم بهذا الشكل كان كسكاكين تقطع لحمه.
"مش قادرة يا هشام... بموت!" صرخت بألم وهي تشد على يده حتى ابيضت مفاصلها.
"ماتقوليش كده! إنتي بتجيبي حياة لدنيتنا. أنا جمبك، عمري ما هسيبك. شدي حيلك يا نور عيني."
كانت الطبيبة توجه لؤلؤ بكلمات تشجيعية. "كمان مرة يا مدام لؤلؤ... نفس عميق... يلا!"
اختلطت صرخات لؤلؤ بدموع هشام ودعواته، في مشهد يجسد أسمى معاني العشق والترابط. كان يعاني معها كل ثانية، يمدها بقوته، ويسحب منها ألمها بنظراته.
وبعد لحظات بدت كأنها قرن من الزمان، وفي لحظة بلغت فيها القلوب الحناجر...
شق سكون الغرفة صوتٌ ملائكي. صرخة قوية، نقية، تعلن عن قدوم حياة جديدة.
توقفت أنفاس هشام ولؤلؤ معاً. نظرا إلى الطبيبة التي كانت تحمل بين يديها كائناً صغيراً جداً، يبكي بقوة، وملفوفاً بمنشفة بيضاء.
"ألف مبروك يا هشام بيه... ألف مبروك يا مدام لؤلؤ... بنوتة زي القمر!" قالت الطبيبة بابتسامة واسعة.
بنت!
انهار هشام بالبكاء. بكاء رجولي، مرتفع، لا يخجل منه. انحنى على لؤلؤ، وقبل شفتيها وجبينها وكل إنش في وجهها بشغف وجنون وامتنان لا يوصف.
"جابتلنا بنت يا لؤلؤ... بنت!" همس وسط دموعه.
كانت لؤلؤ تبكي من الفرح والإرهاق معاً، وتنظر إلى طفلتها التي يقوم طاقم التمريض بتنظيفها. "الحمد لله يا رب... الحمد لله."
بعد دقائق، اقتربت الممرضة، ووضعت الطفلة الصغيرة في أحضان لؤلؤ.
نظر هشام إلى تلك المعجزة الصغيرة. كانت تمتلك بشرة خمرية ناعمة كوالدتها، وشعراً أسود كثيفاً، وعندما فتحت عينيها بصعوبة، كانت عيناها واسعتين ومظلمتين كعيني أبيها. مزيج مثالي بين عشق الإمبراطور ورقة لؤلؤته.
مد هشام إصبعه الكبير المرتجف، لتلامسه أنامل الطفلة الصغيرة وتتشبث به بقوة فطرية. أحس وكأن تياراً كهربائياً من الحب المطلق صعق قلبه.
"بسم الله ما شاء الله..." همس هشام بخشوع، وقبل رأس طفلته برقة متناهية، ثم نظر إلى لؤلؤ بعشق أبدي. "دي حتة من الجنة يا لؤلؤ. دي تتويج لقصتنا كلها."
"هتسميها إيه يا هشام؟" سألت لؤلؤ بصوت متعب لكنه يفيض بالسعادة.
صمت هشام للحظة، ونظر إلى عيني زوجته، ثم إلى ابنته، وقال بصوت دافئ وحاسم:
"هسميها (فاطمة)... على اسم الست العظيمة اللي ربتك وحمتك وخلتك تبقي ليا. عشان يفضل اسمها عايش معانا، وعشان كل ما أنده عليها، أفتكر إن الخير دايماً بينتصر."
بكت لؤلؤ من جديد، لكنها دموع الشكر والامتنان. لقد أعاد هذا الرجل لها كل ما سُلب منها، وكرم ذكرى والدتها بأجمل طريقة ممكنة.
في صباح اليوم التالي، كان الجناح المخصص للؤلؤ في المستشفى يبدو كحديقة غناء من كثرة الزهور التي أرسلها رجال الأعمال والمهنئين فور سماعهم بخبر ولادة وريثة إمبراطورية الشافعي.
لكن هشام لم يكن يهتم لأحد. كان يجلس على حافة سرير لؤلؤ، يحمل "فاطمة" الصغيرة بين ذراعيه القويتين بحذر شديد وكأنها مصنوعة من زجاج، ويغني لها بصوت خفيض ليهدهدها.
كانت لؤلؤ تستند على الوسائد، تراقب المشهد بقلب يرفرف من السعادة. الدنجوان القاسي، يترنم بأغاني الأطفال لابنته!
"هتدلعها أوي يا هشام وتفسد أخلاقها،" ضحكت لؤلؤ برقة.
وضع هشام الطفلة في سريرها الصغير المجاور، وعاد ليحتضن لؤلؤ ويقبل جبينها. "أنا هدلعها وأخليها أميرة، بس الملكة المتوجة على عرش قلبي وعرش الإمبراطورية دي كلها هتفضل إنتي. إنتي اللي خطفتي قلبي من أول نظرة في الفندق، وإنتي اللي روضتي الوحش اللي جوايا بحنيتك."
"وأنا هفضل لؤلؤتك اللي بتستخبى في حضنك من الدنيا كلها."
تشابكت أيديهما، ونظرا معاً إلى ابنتهما النائمة بسلام. لم يعد هناك ماضٍ مؤلم، ولا ثأر دماء، ولا أعداء. انتهت رحلة العذاب والانكسار، وبدأت رحلة جديدة عنوانها الأمان المطلق.
لقد أثبتت لؤلؤة السمراء أن الجمال ليس في القوالب المصطنعة، بل في نقاء الروح وقوة التحمل. وأثبت هشام الشافعي أن الحب الحقيقي قادر على إذابة أقوى جبال الغرور، وتحويل الجليد إلى دفء يحتضن العالم بأسره.
وهكذا، استمرت نبضات العشق تدق في قصر الشافعي، تروي قصة أسطورية سيتناقلها الجميع... قصة الدنجوان الذي ركع أمام سحر لؤلؤته
تمت بحمد الله
