رواية آصرة العزايزة الجزء الثانى الفصل الخامس عشر 15 بقلم نهال مصطفى


 رواية آصرة العزايزة الجزء الثانى الفصل الخامس عشر 


" حيـن يسقط آخر قنـاع "
سيعرف كلٌّ منا من كان صادقًا، ومن كان يختبئ خلف الخوف، ومن جعل من الحب ذريعةً للأذى،ومن أحب بصمتٍ حتى أضاعه الصمت... فليس كل ما أخفيناه نجونا منه،
 بعض الأسرار تظل تكبر وتكبر في الظلام
 حتى تصبح يومًا أكبر من أن يخفيها أي قناع .
#نهال_مصطفى 
•••••••••• 
-زاولتينـي !! كنك رايحة چاية عالشباك كييف العيال يا ليـلة !! هوه هارون ديـه عيل صغير !! 
أردفت أحلام جملتها الأخيرة بعدما شتّتت «ليلة» انتباهها، من فرط تحركها في الغرفة ذهابًا وإيابًا .. زفرت ليلة بضيقٍ كالطفلة :
-لو مقلقتش عليـه ، هقلق على مين يعني يا أحلام ؟! وبعدين هو حياته كدا على طول ؟!
ثم جلست بجوارها وأكملت همسًا من وراء أصابعها كي لا يسمعهما أحد:
-هو دلوقتي بقا راجل متجوز ، وفي واحدة في حياته !! يعني الوضع اتغير ولا ايه !!
ابتسمت أحلام بحنية أم تصغي لابنتها :
-لمـه يعاود ، فهميه وعاتبيه بالهداوة .. وقوليله قلبي مهواش متحمل بُعدك يا عزايـزي .. 

انكسرت عينيها بخجلٍ وهي تخفي ابتسامتها :
-لا طبعـاً مش هقوله كده !! ايه داا؟! 
-ليـه يابتي ؟! ماهو حلالك ووو
قاطعتها ليلة وهي تهرب من تعري قلبها أمام تلك العجـوز :
-هياخد على الدلع ده يا أحلام ، وهيتقل عليا أكتر .. وانا مش ناوية ادلع ابنك ده تاني ، خلاص كده ، شطبنا . 
حتى وصلت لباب الغُرفة وهي تردف على مسامعها بالجملة الأخيرة :
-انا هخرج استناه بره عشان أبقى اول واحدة يشوفها لما يرجع  ..... باي . 
ضربت أحلام كفًا على الأخر متعجبة من أمرها المتناقض :
-ماله بس الچيل المنيل ديـه يا ربي !! مصعبين الحياة على روحهم وعلى قلوبهـم ليـه .. كانه فين الحديت ديه !! 

خرجت ليلة من الباب الخلفي لتنتظره بالحديقة المطلة على البوابة الرئيسية، وهي تحاول إعادة الاتصال به من جديد، ولكن دون جدوى؛ فهاتفه ما زال مغلقًا .. ألقت نظرة على قمر السماء الساطع، والذي يبادلها شعاعه الفضي، ويكسوها كما يكسوها الشوق إليه، فأخذت تعاتبه بقلة حيلة :
-وديت حبيبي فين ؟! 
خطوات أفعى تقترب منها بتلصص حتى التفتت حولها وهي تتعمد عرض اساورها العريضة قبل أن تبث سُمها :
-خير يا حلوة ، شغالة تتلفتي إكده كيف الحراميـة !! مالك مش على بعضك ليه ؟!!! غرضك أيه ؟؟ 

فرغت ليلة من مكانها أثر ظهور زينـة المفاجئ وتراجعت خطوة للوراء وهي تأخذ نفسًا طويلا لتهدأ:
-أوف ؛ في حد يخض حد كده يا زينة !!
هزت راسها بمكر أنثوي :
-كِده كيف يعني ، اسمي واصلي قبل ما اكلمك يعني !! ولا مفكرة أنهُ  مفيش غيرك عايش في الدار ولا ايه !!
تحملت ليلة سخافتها عنوة وهي ترسم على محياها ضحكة مزيفة :
-لا ياستي، ربنا يجعل البيت عامر دايمًا بأهله يا زينـة .. كُنتي عايزة مني أيه بقا عشان مش فاضية ؟! 

رمقتها زينة بنظرة حاقدة :
-عايزاكي تبعدي عن حالنا ودارنا ورچالتنا ، تعرفي ياليلة قبل ما نشوفوا وشك العفش دي .. 

ثم تصنعت الاعتذار رغم كونها تعني كل كلمة قالتها وأكملت :
-كان سي هارون مايفطروشي غير من يدي ، ويقولي أحلى فطير يتاكل من يدك يا زينة ، هناك تحت الشچرة دي عشنا أحلى أيام ، من وأحنا عيال صغيرين .. كنا عايشين رايقين ومرتاحين البال ... هييه يلا هي أقدام !! 

لم تدخل معها ليلة في أي جدال واختصرت الحديث :
-ااه هي أقدام فعلا .. بعد أذنك يا زينة ..
-اسمعي يا بت انتي ، مش زينة العزايزي اللي تسمح لمخلوق ياخد منيها حاچة و 
أمسكت بمعصم ليلة رافضة رحيلها وكأنها لم تبتدي المعركة معها قط ، اتسع بؤبؤ عينيها المحتل بالكحل الذي يعكس نوايا قلبها :
-وتحذير آخير ومن غير لف ودوران وصعبانيات ، لو ممشتيش من إهنه وديني لأخلص عليكي بيدي .. وانا أهو حذرتك .. وو 

-أنت ماسكاها كِده ليه يا زينة !! كنك ادبيتي .. حوشي يدك دي .
دخلت رقية، التي لاحظتهما من وراء الزجاج، ثم تطاولت على زينة ودفعتها بقوة، ووقفت أمام ليلة كالجدار المنيع :
-اسمعي ، دي ضيفة في بيتي وبيت چوزي، وفوق كل ديه ، ديه ضيـفة الحچ خليفة العزايزي .. يعني تتشال فوق الراس يا زينة .. واللي يفكر يهين ضيوفنا نعلموه الأدب من أول وجديد.

انفجرت زينة في وجهها  :
-والله وطلع لك صوت يابت أبو الفضل .. مش كفاية سترنا عليكي وكمان چاية دارنا تعلمينا الأدب !! المفروض تتكسفي من روحك ومنسمعش حسك واصل .. 
رقية بدون ما يُحرك بداخلها ذرة من الزعل ، بل صمدت أمامها وأتبعت : 
-وأنا مش مفضوحة يا زينة ولا خاطية ، ولا رامية بلايه ومدلوقة على راچل مش معبرني من أصلو  ، شوفتي مين عاد اللي خيبتها تقيلة !! والمفروض هي اللي تتكسف لروحها وتسكت ، ديه يا شيخة كلنا مكسوفين لك ..
زينة وهي وتلقى اللوم على ليلة :
-منها لله العقربة اللي لدغت حظنا وفرقت ما بينا .. بس كله عن قريب هيتحل . 
تدخلت ليلة بالحوار لتهدأ من حدته :
-خلاص يا رقية .. تعالى ندخل جوة .. أنتِ أعقل من كده ، متاخديش على كلامها . 
سارت رقية بصحبة ليلة خطوتين نحو الداخل بعد ما ارسلت لها نظرة ساخطة إلا أن صوت زينة أوقفهما وهي تضحك بسخريةٍ مُرة :
-خشي جوَّه واتداري ورا اللي بيحمُوكي، بس خدي بالك يا رقية أنتي كمان مش كل اللي بتتحامي في ضهره أمان، ساعات الواحد بيبقى واقف جنب الخطر وهو فاكره سنده .. 

تركت رقية يد ليلة وعادت إليها بنيران الحرب النسائية التي بدأتها زينة للتو :
-طول مانا ليّ راچل في الدنيا دي اسمه هلال العزايزي ومكتوبة على اسمه ، مفيش حد هيقدر يهز مني شعرة ، اللي المفروض يخاف هو أنتِ، وأنتي متشعلقة في حبال الوهم الدايبة اللي لحست عقلك . 
ردت زينة وعينيها تبرق ناحية ليلة :
-أهي حبال الوهم الدايبة دي هي اللي متشعلقة فيها البت اللي واقفة وراكي دي ، وهتجيبلنا الخراب في ديارنا عن قريب .

رفعت رقية سبابته بوجه زينة بتحذير :
-والله يا زينة لو متعدلتي وطلعتي ليلة من دماغك السم دي ، انا اللي هعدلك  .. واحدة قليلة رباية صوح ووقعتي مع اللي مابترحمش ولا عيعجبها الحال المايل .  

تلون وجه الحيـة بالمكر وهي تشد ليلة إليها وتقول:
-وهي الغندورة اللي بتدافعي عنها دي ومخدوعة فيها ، تقدر تقولنا كانت تعمل أيه في اوضة چوزي لوش الفجر وطالعة من عنده على طراطيف صوابعها !!

تسمرت ليلة بمكانها واتسعت عينيها من هول الصدمة ، لم تكُف زينة عن بخ سمها :
-ترضي بيت خليفة العزايزي اللي بيضرب بيه المثل في العزايزة تمًا ، يبقى مأوى لحاجات تغضب ربنا !! استرها علينا يارب  . 

صرخت ليلة بوجهها :
-أنتِ كذابة ، اوعي تصدقيها يا رقية ..
تأرجحت عيني رقية بشيء أقرب لفقدان الثقة ولكنها حافظت على ثباتها أمام زينـة وقالت متعمدة إثارة غضبها :
-ما أنتي لو مرّه صوح ومالية عينين چوزك ورايدك مكنتيش هجرتي فرشته لغيرك وفضلتي تراقبيه من ورا الحيطان .. ماهو ديه آخرة اللي زيك !! معندهاش حيا ولا كرامة .. هتعمل ايه غير أنها ترمي الناس بالباطل . 

بعض الأقنعة لا تسقط حين نكتشف حقيقتها... بل حين يُجبرنا الوقت على مواجهة الحقيقة التي كنا نخافها ونخفيها  منذ البداية.
•••••••••••••
-نغم عاملة أيه دِلوق يامه ؟ 
هبَّ فارس واقفًا من مقعده الملاصق لباب غرفتها، في اللحظة التي أغلقت فيها العجوز الباب خلفها بحرص، وقد ارتسم الحزن على ملامحها بسبب حالتها:
-خدت دواها ونامت يا ولدي ، وزي ما سمعت الضاكتور قالك لازمًا تتحجز في المشتشفى .. 

حرك رأسه رافضًا رفض قاطع :
-نغم مهتروحش مُطرح يامه ، شالله اراعيها أنا بيدي ، بس تفضل تحت عيني .. 

قطبت الأم حاجبيهـا بأسفِ ثم قالت معاتبة :
-وكانت فين حنيـة قلبك عليها دي إمبارح وأنت شغال رزع في الغلبانة دي .. !!

زفر فارس بضيق، وردّ بضجر:
-وبعدهالك عاد يمه !! مش أنتِ وهي والزمن عليّ . 

ربتت أمه على كتفه بحنان :
-الست مش عاوزة غير أنها تحس بحنية الراچل اللي قدامها يا ضنايا . 

اشتعلت نار الغيرة في صدره من جديد، وما إن ذُكر الأمر حتى عاد هارون يقتحم أفكاره :
-كدب .. ماهوه ولد خليفة راميها ولا شايفها يامه ولساتها رايداه .

وضعت كفها على كتفه، تحاول أن تبثّ فيه شيئًا من الحكمة :
-طول ما أنت حاطه في راسك ، هيفضل مابينكم العمر كله .. انساه يا ولدي ، وشيله من حياتك وهي البت لو غاوياه مكنتش هملت بيت خالها وچت إهنه ، اللي عيحب صوح بيفضل ملازم حبيبه زي ضله حتى ولو مفيش من الحب ديه فايدة . 

ثم شددت على كلماتها الآخيرة بنفاذ صبر :
-خليك حكيم يا ولدي ومتخليش الغضب يسوقك . 

وقبل أن يرد جاءت " غنوة " ابنته والغيرة تعلو ملامحها الصغيرة :
-جرالك أيه ياابوي .. مهملني طول اليوم وقاعد إهنه يعني ، جارها  . 

استدار إليها ومسح على رأس ابنته بحنان :
-عمتك نغم عيانة هبابة ، ابقى خُدي بالك منيها ..

ضربت الأرض بساقيها بعناد طفولي :
-مهياش عمتي ياابوي ، وانا عاوزاها تمشي من هنه ، من ساعة ما چت وهي غيرتك و 

تدخلت جدتها محذرة :
-عيب يا بت دي عمتك وعتحبك و

ردت بجزل طفولي وغيرة واضحـة : 
-وانا معحبهاش ، ومش عايزاها تقعد في بيت أبوي وأول ما تقوم انا هقولها اكده .. هقولها تمشي من بيتنا .

نهر ابنته بعنفوان وكانت من المرات النادرة التي يقسو فيها عليها :
-غنوة ؛ عاوزك تحبي عمتك نغم وتعتبريها زي أمك .
صرخت بوجه أبيها :
-مش هحبها ومهياش أمي يا بوي ، أنا أمي ماتت ومش هتتبدل .. ولازمًا تمشي من هنه .. 

تبادلت الجدة والحفيدة القلق بالنظرات، بينما ثبت فارس عينيه في وجه ابنته، ثم قال بحزمٍ جعل كلماته تُلجم الجميع :
-لازمًا تحبيها وتتقبلي وچودها  عشان دي هتكون مرتي وأم أخواتك ، فاهمة  !! 

تجمّدت غنوة في مكانها، بينما اتسعت عينا العجوز بصدمة، أما فارس فلم يلتفت لدهشتهم... كانت عيناه معلّقتين بباب الغرفة المغلق، وكأنه اتخذ قراره أخيرًا.
لم تكن نغم تعرف، وهي غارقة في نومٍ أثقله الإعياء أن هناك رجلًا يقف خلف بابها للمرة الأولى لا يعرف كيف يتركها تمضي... وأن فارس، الذي آذاها بغضبه بالأمس، كان يتعلّم اليوم متأخرًا أن بعض النساء لا يحتجن إلى كثيرٍ من الحب، بقدر ما يحتجن إلى رجلٍ لا يتركهنّ وحدهن حين يشتد المرض وبين خوفها من قلبه وقسوته وخوفه من فقدانها... وُلدت بينهما حكايةٌ جديدة، لا يعرفان إن كانت ستنتهي بالنجاة، أم بجرحٍ آخر لا يُشفى أبدًا ؟!!!!!! 
••••••••••••
فرغ رؤوف من تناول وجبة عشاءه تحت نظرات نجاة الصامتة التي يندس بداخلها الخوف والندم .. ما أن حمد ربه على النعمة مدت له كوبًا من الماء وقالت :
-أعملك شاي ؟! 
أمسك بكفها قبل أن تبتعد، ونظر إليها مليًّا :
-مكلتيش لُقمة من ساعة ما قعدتي ، ولا ناوية تتفرجي على الوكل وو 
هزت رأسها بقلة حيلة وقالت :
-كلت مع ادهم قبل ما ينام وو 
حدّق بها طويلًا، وقد أدرك أنها تخفي خلف كلماتها شيئًا أكبر من مجرد فقدان الشهية :
-نجاة !! تقدري تكدبي على الدنيا بحالها ، إلا أنا ... مالك ؟فيكي أيه ؟! 
أشاحت بعينيها عنه وهي تتمتم:
-ماليش نفس أكل والله .. 
ضم كفها بين يديه بحنان، كأنه يحاول أن يطمئن قلبها قبل أن ينطق  :
-طب ايه اللي شاغلك وسادد نفسك عن الأكل..؟
 رفعت عينيها إليه، وانفجرت قنبلتها التي ظلت تحبسها داخل صدرها :
-رؤوف ، أنا عاوزة أرجع العزايزة ، القتل عندي أهون من انتظار الموت . 
عقد حاجبيه في دهشة، ونهضت نبرته :
-يعني ايه الكلام ده يا نجاة ؟! أحنا مش خلاص رمينا الحياة دي ورا ضهرنا ، عاوزة ترجعي ليه ؟؟!
لم تعد قادرة على حبس دموعها، فانفجرت باكية :
-عشان محدش هيقدر يعيش طول عمره هربان وبعيد عن ناسه وأهله !! ولدي هيتربى كييف من غير عيلة يا رؤوف !! طب فكرك صديق هيسيبنا ؟! كل يوم بحسه قرب يوصلنا عن اليوم اللي قبله ، والله ما هيسيبنا ولا يرحمنـا يا ضي عيني و 

فارق مقعده وجثا على ركبتيه أمامها، كأنه يهبط إلى عرش خوفها المنهار ليبني فوق أنقاضه أمانًا لا يهتز رفع وجهها إليه وقال بثبات :
-وأنا روحت فين من كُل ديه !! أنا لو مش قادر آمن لك حياتك أنتي وولدك مكنتش هاخد الخطوة دي يابت الناس !! 
مسح دموعها بإبهامه، ثم تابع:
-انسيهم عاد ، انسي وعيشي ومن بكرة هقدملك على شغل وهقدم لادهم في أحسن مدرسة .. ولو كان على العيلة ، يكشي تخلفي عشر أخوات لأدهم ويبقى عندنا أحلى عيلة .. 

تعلقت بكفه بكلتا يديها، كأنها تستنجد به من خوف لا يستطيع هو نفسه رؤيته، وقالت برجاءٍ مرتجف :
-فكر يا رؤوف عشان خاطري ، فكر نعاود قبل ما تحصل نصيبه أحنا مش عاملين حسابها .. 
ساد الصمت بينهما لوهلة، إلا من صوت أنفاسها المرتجفة... بينما ظل رؤوف ينظر إليها، وقد بدأت كلماتها تترك في قلبه ذلك الخوف الذي ظل طوال الوقت يقاتل كي لا يصل إليه...
وقف وضمها إليه  ، وما بين خوفٍ يطاردهم من الماضي، ومصيرٍ مجهول ينتظرهم في الغد، لم يكن أمامهما سوى أن يتشبثا ببعضهما أكثر... وكأن الحب وحده قادر على تأجيل الكارثة أو ربما منعها !! 
••••••••••••
-روحي يا زينة ، ينكد عليكي يابعيدة .. 
أردفت أحلام جملتها وهي تتناول كأس الماء من يد رقية، ثم قدمته إلى ليلة بحنية أمٍّ تتضور غضبًا لأجل صغيرتها، وتحاول رغم ذلك أن تهدئ من روعها :
-طب وحياة أمك اللي ما عرفت تربيكي ، ماحد ما هيعيد تربيتك غيري .
تدخلت رقية محاولة أن تشتتها عن البكاء  :
-خلاص يا ليلة عاد ، منا عطيتها فوق راسها ومسكتلهاش .. 
أجهشت ليلة من شدة البكاء وهي تطالع أحلام بخوف جديد :
-أحلام أنتِ متخيلة الكلام ده لو قالته قدام حد أنا هيكون موقفي أيه ، بليز يا أحلام اتصرفي ، مينفعش حد يسمعها بتقول كده . 
ردت رقية، وقد بدا وكأنها وجدت أخيرًا الفرصة التي تنتظرها للانتقام من زينة :
-أنا هروح أقول لعمي الحج خليفة ويكش يقطم رقبة المقصوفة دي ..
أوقفتها أحلام  بحدة :
-خدي هنا يابت ، بطلي جنان وكِني على حيلك ، ومتنطقيش بنص كلمة اللي سمعتيهم .. 

بدت معالم الدهشة والاعتراض على وجه رقية، وهي تجلس على حافة المقعد:
-كيف يا أحلام !! البت دي لازمًا تتربى ، لازمًا يتقطع لسانها وحق ليلة يرجع ، دي بتتبلى عليها انا عارفة حركاتها زين ، عاوزة تطلع ليلة من الدار بأي شكل وميهماش أعراض الناس .. 
ثم استندت إلى كتف أحلام، وأتبعت بثرثرةٍ لم تترك لها فرصة للرد :
-سيبيني بس وانا بعرف كيف اتعامل مع الأشكال دي ، انت شايفاني غلبانة وساكتة !! بس انا والله ما غلبانة ولا ساكتة .. دانا مراة هلال العزايزي ، تعرفي هلال قايلي أيه ؟! 
م تفصل بين كلمة وأخرى حتى تبل ريقها، وأكملت بنبرةٍ لا تخلو من التفاخر :
-كسري رأس اللي مايعجبكيش ، وأنا هاجي أحط لك عليه بلاستر .. 

لقد فاض صبر أحلام منها، فلم تجد نفسها إلا وهي تسحبها من أذنها لتلقنها درسًا على طريقتها:
-طب شايفة الباب ديه ، تطلعي منه طوالي على فوق تقعدي تحت رچلين چوزك ، وإياكِ اسمع خشمك ديه ينطق بحرف واحد . 
تأوهت رقية، لكنها لم تستطع منع ضحكتها وهي تقول:
-طب اكسر راس زينة الأول .. 
-يابت عاوزة جنازة متشبعيش فيها لطم !! قومي شوفي چوزك فين ، ربنا يهديكي .... 
ثم دارت لليلة بنفاذ صبر :
-وانتِ التانية بطلي ندب .. مش واحدة زي زينة دي تخليكي تعملي في روحك إكده .. 
رمقتها ليلة بضعف، ومسحت دموعها وهي تسألها:
-يعني هتتصرفي يا أحلام !!
-هتصرف ، اسكتي عاد واعقلي ... 
شدت رقية حجابها، ووثبت من مكانها متأهبة للذهاب :
-وعيها يا أحلام ، وانا هطلع فوق ولو العقربة دي حاولت تزعلها تاني ابعتولي بس.. 
ثم أضافت وهي تغادر وقد بدت النار مشتعلة في عينيها:
-بس أنا لسه مغلولة منها ومش هرتاح غير لما ارنها العلقة اللي في نفسي فيها . 
احلام بعد ما أصابها الصداع من ثرثرة رقية :
-يلا يا بت من هنا ، كان الله في عون چوزك عليكي ! 
أغلقت رقية الباب خلفها، وما إن اختفى صوت خطواتها حتى تنفست أحلام بعمق، ثم التفتت إلى ليلة التي ما زالت تضم كفيها إلى صدرها كأنها تحاول أن تحمي نفسها من الكلمات التي سمعتها..اقتربت منها أحلام وربتت على رأسها بحنانٍ، وقالت بنبرةٍ هادئة على غير عادتها:
-حبك أنتِ وهارون لازمًا يطفيه حلال ربنا ، أصلها يانار قايدة يا بتي ومهما حاولتوا تداروها دخان الشوق هيفضحكم وساعتها محدش هيقدر يحل حاچة .

ارتمت ليلة في حضنها ورعشة قلبها لم تهدأ بعد :
-مفيش حاجة هتتحل يا أحلام ، كل الطرق متقفلة .. ومحدش حاسس باللي في قلبي . 
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب ؛ ودخل هارون بكامل هيبته المعتادة، إلا أن التعب والإجهاد كانا يخيمان فوق ملامحه، وكأن اليوم قد مرّ عليه بأثقاله كلها.. ألقى تحيته أولًا، ثم وقعت عيناه على ليلة المستندة إلى أحلام، فتوقفت خطواته لوهلة :
-مسهرة أحلام معاكي ليـه يا ليـلة !! 
ثم قفل الباب خلفه وأتبع :
-مصدقتش رقية لما قالتلي أنك لسه هنه.
لم يكن هارون مجرد رجلٍ منتظرة قدومه قد دخل الغرفة في تلك اللحظة، بل كان كل الطرق المغلقة التي حدثت أحلام عنها قبل دقائق وكأنه رد من سلطان الحب الذي لا يقبل بالهزيمة أبداً.. يقف الآن أمامها، بعينين متعبتين، وقلبٍ لا تعرف إن كان قد أضاع الطريق إليها مثلها، أم أنه ظل طوال الوقت يبحث عنها ويبذل قصارى جهده كي يبقى الطريق إليها سهلًا . 
••••••••••
بالمطبخ..
-وكتاب ربنا يا عمتي، شايفاها بعيني دي طالعة الفجر من أوضته! طب أنا هكدب ليه؟!
أردفت زينة، وهي تتعمد أن تخفض صوتها تارةً وترفعه تارةً أخرى، كمن يؤلمه أن يُكذب في حقيقةٍ رآها بعينيه:
-أنا عارفاكي مش هتصدقيني.. ولو اتكلمت، الكل هيكدبني ويقول إني حاطاها فوق راسي وزاعقة عليها، لكن وديني وما أعبد، هفضل وراها لغاية ما أطلعها من البيت ديه بفضيحة!
كانت تسلّط كلماتها المسمومة داخل أذن عمتها، تلقي بكل كلمة في موضعها بدقة، محاولةً أن تشعل غيرتها شرارةً شرارة، في قلبٍ لم يحتج إلا إلى القليل ليصبح حقلًا من البنزين على وشك الاشتعال.. ثم أتبعت بحرقةٍ مصطنعة، وهي تضرب كفًا بكف:
-طب بالعقل يا عمتي! أنا مش قولتلك إني شفتها وهي داخلة من عشية؟ ودي طلعت من عنده الفجر.. وكانت مِداريّة فوق زي ما بقولك اكده .. 
اقتربت منها أكثر، وخفضت صوتها وكأنها على وشك كشف سرٍ عظيم:
-راجل وست لوحديهم كل الوقت ده.. وعايزاني أصدق إن مفيش حاجة حصلت؟! ده كان بيعلمها إيه يعني؟! حوار صحفي من بتوعها !! 
أخذت صفية تلطم على خديها في هلع، وتستغفر ربها بصوتٍ متقطع، بينما راحت عيناها تتحركان في أرجاء المكان كأنها تخشى أن يكون للجدران آذان تسمع ما دار بينهما.
-استغفر الله العظيم... استغفر الله العظيم من كل ذنب يا رب!
ثم التفتت إلى زينة، وقد احتدت نظراتها فجأة، وأشارت بإصبعها في وجهها تحذرها:
-إياكي يا بت! إياكي تجيبي سيرة الكلام ده على لسانك  سمعاني؟! عاوزاكي تكتمي الحكاية دي! هارون لو سمع كلمة واحدة منك، وديني ما هيرحمك... هيدفنك حيه يا حزينة.
اتسعت عينا زينة من شدة الغيرة فأتبعت صفية وهي تخفض صوتها، كأن مجرد ذكر اسم هارون قد ألقى الرعب في قلبها:
-اسكتي لحد ما نشوفلنا داهية نغور بيها البت دي من هِنه... نخلص من المصيبة دي قبل ما تكبر وتبقى فضيحة فوق دماغنا كلنا... 
ثم أخذت تولول جهرًا:
-مش كفاية نصيبة واحدة هيبقوا اتنين يارب، عيالي بيضيعوا مني .
••••••••••••
جلس هارون يترقب حالة الذعر التي خيّمت على وجهيهما، وقد عقدت الدهشة حاجبيه، ثم قال وهو ينظر بين ليلة وأحلام :
-ياساتر يا رب !! 
ما إن وقعت عيناه على ليلة حتى تبدلت ملامحه في لحظة، فمد ذراعيه وجذبها برفق من حضن أحلام، يتفحص وجهها بلهفةٍ لم يستطع إخفاءها :
-مالك ، باكية إياك .. حد زعلك !!
راقبت ملامحه المشتاقة إليها، ذلك القلق الذي ظهر في عينيه لمجرد رؤيته لدموعها، فما استطاعت الصمود أكثر، ارتمت داخل حضنه كطفلةٍ وجدت طريقها أخيرًا إلى ملجأها، وتشبتت به بكل ما أوتيت من خوف، كأنها تخشى أن يُنتزع منها في اللحظة ، ازداد القلق بقلبه، فرفع عينيه نحو أحلام بحدة:
-مالها يا أحلام، حد داس لها على طرف في غيابي!!
أسرعت أحلام تتدخل قبل أن تنطق ليلة بكلمة :
-غيابك يا ضنايا هو اللي مزعلها وواجع قلبها ، طول غيبتك كانت زي المجنونـة مستنياك ، مش صوح يا ليلة . 
ابتعدت ليلة عن صدره قليلًا، بينما ظلت ذراعاها ملتفتين حول خصره، فأومأت برأسها بالإيجاب. رفع هارون كفه وأمسك بذقنها برفق، يجبرها أن تنظر إلى عينيه :
-اللي عتقوله أحلام ديه صوح !! 
تقطرت دمعة جديدة من عينها قبل أن تتمتم بصوتٍ مرتجف:
-خايفة يا هارون...
تبدلت ملامحه، وربت على وجنتها بإبهامه:
-خايفة من إيه يا ليلة؟؟!
ابتلعت غصتها، وكأن الكلمات التي أخفتها طويلًا وجدت طريقها للخروج دفعة واحدة:
-خايفة النهاية متبقاش سعيدة... خايفة نفترق، خايفة أرجع لوحدتي وأدويتي تاني... خايفة الزمن يجبرنا نبعد عن بعض، عشان بس نعرف نعيش حتى ولو مش مع بعض. 
توقفت قليلًا ثم رفعت إليه عينيها الغارقتين بالدموع، وبنبرة طفولية موجوعة قالت:
-بس أنا وقتها مش هقدر أعيش من غيرك . 
ظل يحدق بها وكأنه يحاول أن يستوعب حجم الخوف الذي كانت تخبئه خلف ابتسامتها طوال الوقت، ثم جذبها إليه أكثر، وطبع قبلةً حانية فوق جبينها، وكأنه يحاول أن يُسرب إليها شيئًا من الطمأنينة التي يفتقدها هو الآخر :
-شايلة هموم الدنيا ليه وأنا چارك ، غاوية نكد أنتِ يابت الناس !! طب أعملك أيه عشّان تطمني وتثقي فيّ ! ولا كل مرة أوحشك فيها هتبكي إكده زي العيال الصغيرة ؟! 
انتفضت مبتعدة عنه كأنها لُدغت :
-يانهار أبيض أحلام موجودة .
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تنطلق ضحكة مكتومة من العجوز، وهي تضع وجنتها فوق كفها :
-وانتو عاملين احترام لأحلام !! 
ابتعد هارون عنها على مهل، و حك مؤخرة عنقه بحرجٍ مصطنع:
-حقك عليّ يا أحلام ، عندي دي .. 
وأشار إلى ليلة بعينيه، بينما اتسعت ابتسامة أحلام، أما ليلة فكانت تتمنى في تلك اللحظة لو انشقت الأرض وابتلعتها.. اقترب هارون منها مجددًا، ثم أرسل لها غمزةً عابثة:
-لينا مكان يتاوينا .. 
شهقت ليلة بخوف :
-انت بتقول ايه !! لالا انسى انت مش هتقرب لي خالص ولا لينا كلام ولا قعاد مع بعض خلاص ، انت فاكرنا عايشين لوحدنا هنا !! هارون لو سمحت اعقل .. 
اقترب منها ببطء، خطوة تلو الأخرى، حتى أصبحت محاصرة بين ذراعه وجسدها الصغير، ثم فتح طرف عباءته الصعيدية وكأنه يصنع لها عالمًا خاصًا لا يتسع لأحدٍ سواهما.. انخفض صوته وهو يميل نحوها :
-وأنت خليتي فيّ عقل !! 
اتسعت عيناها، فتابع بابتسامةٍ أذابت ما تبقى من غضبها:
-ما خلاص بقيت ماشي وراكي من غير عقل  .. وبعدين تعالى هنه ، الحديت ديه من قلبك يعني عاوزاني صوح أبعد .. قولي هاه سامعك .. ابعد! 
مال برأسه قليلًا، ينتظر إجابتها، ثم قال وهو يشير إلى أذنه:
-قولي هاه... سامعك..كد كلمتك دي انتي ؟! 
وقبل أن تتمكن من الهرب أو الرد، انفتح الباب فجأة شهقت ليلة وقفزت مبتعدة عنه وهي تشد ملابسها بينما التفت هارون بسرعةٍ نحو الباب، ليجد الحج خليفة واقفًا عند العتبة، يتأمل المشهد أمامه بعينين ضيقتين ونظرةٍ ثاقبة .. ساد صمتٌ ثقيل توارت ليلة خلف هارون ونظرت إلى الأرض ، أما أحلام، فعضت على شفتها بكل قوتها كي لا تنفجر ضاحكة رفع خليفة حاجبًا واحدًا، ثم قال ببطء:
-عنديكي ضيوف يعني يا أحلام !!
لم تجد أحلام سوى أن تأخذ عصاه الخشبية من يده وتجلسه بجوارها وهي تقول ممازحة :
-دانا اللي بقيت ضيفة وحياتك يا حج في اوضتي ..
جلس خليفة وهو لا يزال يرمق هارون بنظراتٍ جعلت الأخير يحاول التماسك.
اقتربت ليلة من هارون وهمست وهي تشد طرف جلبابه:
-هارون...
التفت إليها بطرف عينه:
-شافنا؟!
كتم ضحكته، ثم أرسل لها غمزة خاطفة :
-مايشوفنا ؟!
ثم تحمحم وقال :
-معلش يا أبوي هنعملوا أيه !! أحلام حبايبها كتير .. عموما أنا هاخد ضيفتي اوديها مطرحها واسيبك تريح ضهرك .. 

ثم نظر لليلة بحذر وسحبها من كفها الصغير :
-يلا عاد يا ست الاعلامية نخلو ابوي ينام في مطرحه .. يلا !! 
ألقى خليفة نظرةً سريعة على كفيهما المتشابكين وقال:
-ضيفتك؟!
ارتبك هارون للحظة فسحبت ليلة كفها منه  ثم تمتم:
-يعني... ضيفة أحلام وضيفتك يا أبوي، ما تدققش قوي عاد !! 
انصرف الثنائي بصمت هاربين من نظرات خليفة التي رأت كل شيء ، ما خرجا فألتفت العجوز إلى زوجته وقال ممازحًا :
-تملك مجمعة الحبايب يا أحلام !! والواد مش مستحي على عينه واخدها قصادك إكده ولا عامل اعتبار لوجودك حتى !! 
-وهو الحب لو حضر هيشوف حد قصاده يا أبو هارون !! قلوبهم دايبة يا حبة عيني .. كل واخد فيهم لقى في التاني اللي كان ناقصه . 
ثم تنهدت بتمنى:
-ربنا يمد في عمري وأشوفهم متجمعين يارب ومش عاوزة حاجة تانية .. 
ابتسم خليفة رغمًا عنه، بينما ظلت أحلام تنظر نحو الباب الذي خرج منه الاثنان بعينين تملؤهما الدعاء... فبعض القلوب لا تطلب من العمر الكثير، يكفيها فقط أن ترى أحبتها وقد وصلوا أخيرًا إلى بعضهم، قبل أن يأتي القدر بما لا تشتهيه القلوب.. 
•••••••••••••
-بص أنا مش فتانـة أهي الأخبار بقت تيجي لحد عندي لوحديها، وأنا مالي عاد!عشان متقولش غاوية تلميع أوكر .. 
تربعت رقية فوق الفراش إلى جوار زوجها، بينما كان هلال مستلقيًا ويداه خلف رأسه، يصغي إليها بنصف اهتمام، وقد بدا على وجهه الإرهاق من يومٍ طويل.. أما هي، فلم تتوقف عن الثرثرة منذ دخولها الغرفة؛ راحت تقص عليه ما حدث، بدءًا من حديث زينة، مرورًا بحالة ليلة، وصولًا إلى كل تفصيلة التقطتها أذناها خلال اليوم، حتى انتهت وهي تعقد حاجبيها في حيرة:
-بس دي مش غريبة بردو؟! يعني أنا عارفة إن زينة غالة من ليلة، ومش طايقاها من ساعة ما دخلت البيت... بس أنا قبل إكده شوفت...
توقفت فجأة، ثم ضربت كفًا بكف وهي تزفر بضيق:
-أوف! بص يا هلال، أنا مش عايزة أظلمها، وأخلاق هارون كلنا عارفينها ومحدش يقدر يقول عليه كلمة، بس إيه اللي يخلي زينة تقول الكلام ديه! أصل مفيش دخان من غير نار!! ولا أنت شايف أيه ؟! 

أغمض هلال عينيه فورًا وسحب الغطاء فوق رأسه:
-يا ساتر يا رب... ربنا يصبرني على الوكالة الرسمية للأخبار اللي نايمة في سريري.. رقية ؛ امتى سيزورك ملك العقل ؟؟ 
جذبت الغطاء من فوقه :
-هلال! أنا بكلمك جد!
خرج صوته متأففًا:
-يا رقية، لو كل واحدة قالت شافت حاجة بعينيها وصدقناها، كان زماننا عايشين في غابة مش في دنيا! سيبي الموضوع لأهله ولو في حاجة هتظهر لوحدها.
سكتت رقية قليلًا، وظلت كلمات هلال تدور برأسها، حتى تنهدت وهي تقول:
-طب  بردو منا خايفة تكون بتقول الصدق وإحنا نغمض عنينا عن الحقيقة..
أزاح هلال الغطاء عن جسده ثم التفت إليها بجدية:
-والخوف من إنك تظلمي حد .. مش خايفة منه يا رقية؟
ارتبكت قليلًا، فتابع:
-ربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾... يعني مش كل حاجة نسمعها نصدقها، ومش كل منظر نشوفه نحكم منه على الناس.. 
خفضت رقية عينيها وقالت:
-أنا والله ما كنت عايزة أتكلم في حق حد.. بس الموضوع يقلق ! تحس كِده في حاجة مستخبية عاوزة تظهر للنور ! 
هلال بحكمة :
-عارف، بس ساعات يا رقية الإنسان بيقع في الغلط وهو فاكر نفسه بيحذر من الغلط... والستر أولى، خصوصًا لو إحنا مش متأكدين من حاجة، وبعدين أخوي هارون كبير مش صغير ، عارف وواعي الغلط فين ..
تنهدت بخجل من نفسها :
-ربنا يبعد عننا سوء الظن يا هلال.
ابتسم ابتسامة هادئة وهو يداعب ارنبة أنفها :
-ويبعد عننا اللسان اللي يسبق العقل .
رمقته بحدة:
-بس هلال!
تبسم سريعًا وهو يغمض عينيه:
-خلاص يا ستي، استغفري ربك ونامي.. ولا أقوم أنومك بطريقتي ؟ 
تمتمت رقية وهي تستلقي إلى جواره وتختبئ بالغطاء :
-أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، نام يا مولانا .. خلاص
ثم أضافت بعد لحظة:
-بس لو طلعت زينة بتكدب...
فتح هلال عينيه ببطء وقال:
-رقية...!! 
أسرعت تغطي وجهها بالغطاء:
-خلاص خلاص... استغفر الله... 
عاد هلال يغمض عينيه، وابتسامة خفيفة ترتسم فوق شفتيه، بينما ظلت رقية تردد الاستغفار بصوتٍ خافت ، ثم اندست سريعًا بحضنه وهي تترجاه :
-خلاص ادعي ربنا يسامحني ، أنا عايزة ادخل الجنة معاك ، مش عايزة حاجة تفرقنـا .. 
أنزل عينيه إليها، فوجدها متشبثة به كأنها تخشى حتى أن يسرقها النوم من بين ذراعيه، فابتسم بحنان ومد يده يزيح خصلة شعرٍ تسللت فوق وجنتها وقال :
-أول مرة تطلبي مني حاجة مقدرش عليها ! 
-يعني أيه يا نور عيني ؟! 
 تنهد، ثم ضمها إليه أكثر:
-عشان الجنة دي بتاعة ربنا... وأنا مهما حبيتك، ومهما نفسي أفضل معاكي، مقدرش أوعدك بحاجة مش بإيدي!
ابتعدت عنه فأبى بعدها :
-بس اوعدك بحاجة أقدر أعملها .. 
-أيه هي ؟! 
-إني طول ما أنا عايش، هفضل أدعي ربنا ما يحرمنيش منك ، وأفضل أحاول أخدك معايا لكل طريق فيه خير.
اتسعت ابتسامتها رغم دموعها، فقال وهو يتأملها:
-حتى لو سبقتيني للجنة...
شهقت:"هلال!"
ضحك، ثم تابع بمكر:
-هقعد على بابها وأقولهم؛ أنا ماليش غير دي، هاتوها..
ضربته في صدره وهي تضحك:
-يا شيخ حرام عليك، وقعت قلبي !! 
أمسك يدها قبل أن تضربه مجددًا، وشبك أصابعه بأصابعها، ثم رفع كفها إلى شفتيه وطبع قبلةً طويلة فوقه.. ارتبكت ملامحها، فابتسم عندما شعر بتوترها:
-مالك؟!
-مفيش...
-لا، فيه.
أخفضت رأسها وهي تهمس:
-بحب لما تبقى حنين معاي ! 
رفع ذقنها بطرف إصبعه وقال:
-وأنا بحب إنك تفضلي كِده . 
-كِده كيف يعني؟! 
-عارفة مكانك ، جاية تحضنيني من نفسك... ومستخبية في صدري، ومش عايزة تبعدي عني و 
تمتمت بحرج:
-خلاص عاد يا هلال!
-خلاص أيه يابت الناس !! دانتي مرتي ؟ 
رفعت رأسها إثر سؤال مفاجئ احتلها: 
-هلال..
-هااه!!
ابتسمت :
-لو دخلنا الجنة... هتحبني زي دلوقتي؟
فتح نصف عينيه وضحك:
-لا.
رفعت رأسها مصدومة:
-نعم؟!
ابتسم وهو يضمها بقوة:
-أكتر... علشان هناك بقى مفيش زعل، ولا خوف، ولا حد ينام وهو شايل في قلبه من التاني حاجة.
سكنت داخل حضنه، بينما مرر أنامله فوق شعرها وقال:
-هناك هبقى مطمن إنك مش هتسيبيني، وإنتِ هتبقي مطمنة إني مش هسيبك.
رفعت عينيها إليه، فأضاف بابتسامة هادئة:
-بس لحد ما ربنا يكرمنا بالجنة...خلينا نخلي الدنيا دي جنتنا الصغيرة... طول ما إيدك في إيدي. 
فضحكت رقية وأغمضت عينيها، بينما ضمها هلال إليه أكثر... وكأن الحب الحقيقي لم يكن أن يخاف أحدهما يومًا من الفراق، بل أن يتمنى، بكل ما أوتي من يقين، أن يكون اللقاء القادم أبديًا... في مكانٍ لا يعرف الوداع ابدا .
•••••••••••••
-هارون بجد سيب إيدي ، حد هيشوفنـا ، مش كفاية باباك شك فينا . 
كان يسحبها خلفه كالطفلة المشاكسة حتى وصلا الثنائي لمكان نائي بالحديقـة الخليفة بعيدًا عن الأعين .. افترش عباءته بالأرض لتجلس عليها وقال :
-هنه عاد مفيش مخلوق هيوعالنا .. 
رمقته بشيء من الخوف بدأ يتلاشى تدريجيًا :
-ليـه ؟! 
-هو أيه اللي ليه ؟! عاوز اقعد معاكِ ، واتونس بحكاويكي وقربك يا ليلـة .. 
ابتسمت رغمًا عنها، ثم جلست فوق عباءته وهي تضم قدميها أسفلها بحذر، بينما جلس قبالتها وظل يتأملها كأن الحديقة كلها قد اختفت ولم يبقَ أمامه سواها:
-أنا معاك أهو . 
مال برأسه قليلًا وقال، وعيناه لا تفارقان وجهها:
 -لأ، إنتِ لسه مش معاي يا ليلة... جسمك قاعد هنا، إنما قلبك واقف عند باب الدار خايف حد يشوفنا.. 
-بس من حقي أخاف لحد يشوفنا . 
اقترب منها قليلًا، حتى انخفض صوته:
 -وأنا مش فارق معاي ، أنا اللي فارق بس إنك من ساعة ما قربتي مني وأنا مش عارف أبعد عنك.
رفعت عينيها إليه سريعًا، فابتسم ابتسامة أربكتها أكثر:
 -متبصليش كده.
-عاوزاني أبص لك كيف ؟! 
عاد الخوف يطاردها :
-هارون بس !! 
-قلت مش عايز نكد الليلة دي!
استند على مرفقه وأتبع :
-ده لو مش هتقل على النكد ، أبوس يده يحل عننا ويسيبني الليلادي في حالي . 
رأى الخوف في عينيها وكادت أن تشكو :
- بس يعني.... 
قاطعها :
-ليلة ، بس أنتِ ، أنا هربان من زحمـة الدنيا كلها وچاي لعندك .. خليكي المكان الحنين عاد ، مش أنت وهي عليّ . 
وضعت أناملها فوق شفته :
-عمري ، عمري ما هكون مكان قاسي ليك يا هارون .. بس نعمل أيه في الخوف اللي مش عايز يسيبنا ؟! 
نظر إلى أناملها المستقرة فوق شفتيه، فابتسم وأمسك كفها برفق، يُنزلها بين يديه، ثم قال وهو يمرر إبهامه فوقهما :
-الخوف يا ليلة عمره ما هيروح طول ما إحنا بنديله أكبر من حجمه... بس عارفة إيه اللي يهون؟!
قبل أناملها وقال :
-إننا منسيبش بعض وإحنا خايفين.
سكنت عيناها فوق وجهه، واستطرد بصوتٍ أكثر هدوءًا:
-أنا مش طالب منك تحاربي الدنيا عشاني، عاوزك بس تثقي فيّ إني مش هسيبك تضيعي بعد ما لقيتك .. 
ابتلعت غصتها، بينما راحت أصابعه تعبث بأناملها فسألته :
-ولو الدنيا وقفت بينا؟!
ابتسم ابتسامة خفيفة لكنها كانت ممتلئة بذلك العناد الذي تعرفه فيه:
-أقف قصادها
-ولو مقدرتش؟!
-أقع وأقوم تاني... المهم أفضل واقف في صفك.
ارتجف شيء داخلها، فشاحت بوجهها تخفي ابتسامتها، لكنه مد يده برفق وأعاد وجهها إليه:
-بصيلي.
رفعت عينيها ببطء، فوجدته ينظر إليها وكأن كل ما أراد قوله اختصرته عيناه قبل أن ينطق:
-أنا مش عاوز من الليلة دي غير إنك تنسي هبابة،  تنسي ابوي وتنسى الناس، وتنسى إن فـ دنيا معقدة ومقفلة في وشنا.
خفض صوته أكثر، هامسًا:
-عاوزك تفتكري بس إن فيه واحد هرب من كل اللي حواليه وجالكِ... عشان هو مرتاح جنبك إنتِ.
أطرقت برأسها، وقد بدأت ابتسامتها الخجولة تتسلل إلى شفتيها:
-طب ما أنا كمان هربت لك .
رفع حاجبه متظاهرًا بالدهشة:
-لا ياختي، إنتِ كنتِ بتقولي سيب إيدي أحسن حد هيشوفنا!
ضحكت رغمًا عنها، فابتسم هو بانتصار:
-أهو... الضحكة دي عاد عاوز أقعد العمر كله أسرقها منك . 
نظرت إليه بدلالٍ مشوب بالخجل:
-ومين قالك إنها بتتسرق أصلًا؟!
مال نحوها قليلًا، وقد اتسعت ابتسامته:
-أمال بتتاخد إزاي يا ست الحلوين !
رفعت ذقنها بعنادٍ مصطنع:
-لازم تستأذن الأول.
ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم رفع يدها التي ما زالت بين كفيه إلى شفتيه، وقبل ظاهرها برقة جعلت أنفاسها تتعثر، وقال:
-حلاوة الحب يتاخد خطف ، الأذن هيضيع حلاوته ؟!
لم تجبه، فقط اقتربت منه أكثر حتى استندت برأسها فوق كتفه، فزفر هارون ببطء، وكأن كل ضجيج الدنيا الذي هرب منه قد انطفأ دفعةً واحدة.. أحاط كتفيها بذراعه، وأسند وجنته فوق رأسها هامسًا:
-أهو اكده الخوف ييجي براحته نشوف هيعرف يوصلنا وإحنا جنب بعض ولا لأ.
فابتسمت ليلـة وأغمضت عينيها، بينما تسلل إلى قلبها ذلك الشعور الغريب بالأمان... ربما لم يكن الخوف قد رحل فعلًا، وربما كانت الغدود تخبئ لهما ألف معركة، لكن تلك اللحظة الصغيرة بين ذراعيه كانت كافية لتجعلها تؤمن أن بعض الأشخاص لا يمنحوننا وعدًا بأن الدنيا ستكون بخير .. نظرت لعينه وقالت :
-تعالى نسمع بهاء سلطان ، في أغنية حابة نسمعها سوا ، هات موبايلك .. 
أخذت تبحث عن الأغنيـة وبدأ صوت بهاء يصف حالتهم :
-أنا من غيرك بتوه توهان ...... 
دقائق مسروقة من الزمن مرت على لحن الكلمات بشعور لا يوصف ، حتى انتهت الأغنية مختومة بصوتها وهي تلتفت إلي ذلك العاشق الغارق بكل إنشًا بها :
-تعرف ليه بحب القمر  ......؟! 
-ليه  ؟!
استدارت قليلا بداخل يده الملتفة حولها :
-عشان عمره ما يأس واستسلم ، فـ أسطورة قديمـة بتقول ، القمر عمره ما كان وحيد زي دلوقتي كان عنده حبيبه جميلة أوي بين النجوم ، وبعد نشأة الأرض اتفرقوا .. 
كان يصغى إليها باهتمام :
-كملي وحشتني أساطيرك  ؟!!!! 
أكملت بصوت ساحر : 
-كان بيفضل يدور عليها كل ليلة ، وكل ما خلاص هيقرب منها ، تختفي مع ضوء الفجر .. ولما يكتمل ويبقى بدر ، يبقى خلاص كده قرب منها أكتر من أي مرة تانية .. وبيعيش أحلى لحظات حياته بقربها ..

ثم تنهدت بمرارة وأتبعت:
-وبعدين يبدأ ينقص ويرجع وحيد تاني بعد ما فشل إنه يوصل لها ... ومن يومها بقا يا سيدي بقى العشاق يبصوا للقمر في الليالي المكتملة ويتمنوا أمنية واحدة.

ثم أطالت النظر بعينه وهي تلامس وجنته كأنها تدعو بقلب عشاق الأرض جميعًا : 
-أن  يكتب الله لهم طريقًا لا ينتهي قبل أن يصلوا إلى من يحبون.. 

-بس أنا مش هبقى زي القمر ، واسمح لقوة على وش الأرض تاخدك من يدي .. 

وهناك وعلى بُعد عشر خطوات منهما كانت زينة تراقبهما وتصورهما بعدسة هاتفها وتتوعد لها بحرقة وغيرة تكاد تنهش بقلبها كالذئب المسعور :
-وديني يابت الـ*** ما هرحمك ... 

دارت ليلة لهارون متوسلة بحب  :
-أنت آكيد عارف أن نفسي العمر كله أقضيه معاك هنا وجمبك ، بس معلش ، يلا بينا نمشي ، عايزة أنام في سريري .. كده هكون مطمنة أكتر ..... 
••••••••••••
-رغد ، أنا اتحدتت مع أبوي ، وقولتلو هاخدك ونمشوا ونهملوا العزايزة.

قال هاشم جملته الأخيرة وهو يحاول مسايسَتها بعد حديثٍ طويل استمر لساعات، حتى أوشك الليل على الانتهاء، لكنها تلقّت كلماته بسخريةٍ مُرّة :
-ااه كالعادة عايز تهرب ، متواجهش .. هربت من عاداتكم ، وهربت مني ، ودلوقتي عايزني أنا وابنك نهرب زيك ؟! تفتكر ده حل ؟

وقف أمام النافذة، وأدار لها ظهره محاولًا تمالك غضبه، قبل أن يلتفت إليها فجأة :
-ايه الحل ؟! قولي أنتي ؟! 
رفعت ذقنها، والعتاب المتراكم في صدرها يسبق كلماتها:
-مش أنت راجل ؟! المفروض بتعرف تتصرف وتجمع الحل ؟! 
زفر بنفاذ صبر ومسح وجهه بكفيه :
-رغد مش وقت عناد وعصبية !! افهمي بقا .
اقتربت منه، ووقفت أمامه مباشرة، متجردة من آخر ذرة ثقة كانت تحاول الاحتفاظ بها :
-وانت عايزني أثق فيك تاني ازاي !! قول لي؟! اضمن منين إنك مش هتاخدني من هنا وتقتلني مثلا، ولا تسيبني وتهرب زي ما أنت متعود ؟ 
ثم وقفت بمنتصف الغرفة :
-هاشم انت شخص مؤذي، مش جاي الدنيا دي غير عشان تأذينا كلنا .. 
احمرّ وجهه من قسوة اتهامها، واتسعت عيناه بصدمةٍ سرعان ما تحولت إلى غضب :
-ومادام انا وحش قوي إكده في نظرك عاوزة تخلفي مني ليه ؟! ولا غاوية تجيبي عيل في الدنيا ديه يلومك كل شوية أنك اختارتي له اب مش مسئول ...
فنظر إليها لحظاتٍ طويلة، كأن الصمت بينهما صار أوجع من كل ما قيل، ثم تحرك صوب الباب، لكنه توقف قبل أن يفتحه، ورفع سبابته مردفًا :
-اسمعي يا رغد انا اتكلمت بما فيه الكفاية ، معاكي لبكرة الصبح وعايز اسمع قرارك .. ياما تحطي أيدك في أيدي ونمشوا من هنه، ياما انا اللي همشي .. 
شهقت بسخريةٍ باكية:
-أهو ده اللي تعرفه كويس... تمشي!
ثبتت كلمتها في صدره، فتوقف للحظة دون أن يلتفت، قبل أن يقول بصوتٍ خافت:
-المرة دي لو مشيت... مش هكون بهرب يا رغد، هكون بريحك مني ، ومن الأذى بتاعي .
•••••••••••
مع اقتراب أذان الفجر، وبينما كانت الأغلبية غارقةً في نومها، جلس هلال بغرفته يتأهب لأداء فرضه، ترافقه رقية في ترتيل بعض آيات القرآن الكريم بصوتٍ خافت، ملأ سكون المكان طمأنينةً وسلامًا...
وبغرفة أحلام، نهض الحج خليفة هو الآخر ليستعد للصلاة، تلك العادة التي لازمته لسنوات طويلة؛ يرافق ابنه هلال إلى المسجد، جنبًا إلى جنب، قبل أن تستيقظ القرية على ضوء يومٍ جديد.
وفي حين كانت قلوب أهل الخير تستيقظ على ذكر الله، كانت هناك عيون أخرى لا تعرف من اليقظة سوى الشر...عيون تتوارى خلف الحيطان، وتتسلل في الظلام، وتترقب اللحظة المناسبة لتنقضّ على فريستها.
وصلت زينة إلى شرفة الغرفة التي ترقد بداخلها ليلة، ووقفت للحظات تتفحص المكان من حولها، قبل أن تفتحها بحذرٍ شديد.
دلفت إلى الداخل على أطراف أصابعها، تتلفت يمينًا ويسارًا كأنها لصّةٌ تخشى أن يفضحها صوت أنفاسها، لكن شيئًا واحدًا كان يدفعها للأمام وهو انانيتها ، فلم تعد ترى في ليلة فتاةً بريئة، ولا ضيفةً نائمة بين جدران البيت، بل عدوًا يجب أن يختفي من حياتها كي يعود لها حبيبها. 
اقتربت من فراشها ببطء، حتى وقفت فوق رأس تلك الحورية الغارقة في نومٍ هادئ، لا تعلم أن الموت قد وقف للحظاتٍ يتأمل وجهها.. اشتعلت عينا زينة بالحقد، واختلط داخلها الغضب بالغيرة والانتقام، وكأن كل الأصوات التي حاولت يومًا أن تردعها قد اختفت دفعةً واحدة.. وبدون تفكير مدت يدها إلى الوسادة.
ثم توقفت للحظة، وكأن عقلها يمنحها فرصةً أخيرة للتراجع...لكن الشيطان كان قد سبق كل شيء، اختطفتها، ثم وضعتها فوق وجه ليلة فجأةً، وضغطت عليها بكل ما أوتيت من قوة!
انتفض جسد ليلة من نومها، وارتفعت يداها في محاولةٍ مذعورة لإبعاد الوسادة، لكن زينة أحكمت قبضتها فوقها أكثر، وأسنانها تطبق على بعضها بقسوة.
-موتي بقى... موتي وريحيني منك!
كانت ليلة تتخبط أسفلها في ضعفٍ وهلع، تحاول التقاط أنفاسها، وتحاول الصراخ، لكن صوتها اختنق خلف الوسادة، بينما كانت زينة تزداد جنونًا مع كل حركةٍ منها ..

وأثناء محاولة ليلة الأخيرة للنجاة، أخذت تتخبط بعشوائية أسفل جسد زينة، تبحث يدها المرتجفة عن أي شيءٍ يمكن أن ينقذها...حتى اصطدمت أصابعها بأبريق الماء الزجاجي الموضوع فوق الكومود.
دفعته بكل ما تبقى لديها من قوة، ليسقط مرتطمًا بالأرض، ويتحطم إلى شظايا متناثرة، مُصدرًا صوتًا مدويًا شقّ سكون الفجر... صوتُ استغاثةٍ لم تستطع هي إطلاقه.
ارتعد جسد زينة من هول الصوت، واتسعت عيناها في ذعر، فالتفتت نحو الباب للحظة، وقد أدركت أن أمرها ربما انكشف، وأن أحدًا قد يكون سمع ما حدث.. وفي تلك اللحظة...كان هارون يقف بشرفته، يختلس الدقائق الأخيرة قبل الصلاة، يتناول سيجارته بينما عيناه شارِدتان في ظلام الحديقة.
انتفض فجأةً على صوت تحطم الزجاج الذي دوّى من الداخل.. قطّب حاجبيه، وأدار رأسه نحو مصدر الصوت، قبل أن يختفي الشرود تمامًا من ملامحه.
وفي الغرفة المجاورة، وثبت أحلام من فراشها مذعورة، وقد أفزعها الصوت المنبعث من غرفة ليلة، أعقبه إحساس غريب تسلل إلى صدرها، وكأن الكابوس الذي أيقظها منذ لحظات لم يكن مجرد حلمٍ عابر.. حدّقت نحو الحائط الفاصل بين الغرفتين، وقلبها يخفق بعنف... ثم جاء الصوت القاطع ، صرخةٌ أنثوية حادة اخترقت أرجاء البيت.
صرخة لم يعرف أحد في البداية صاحبها، لكنها كانت كافيةً لتجعل الجميع يقفز من فراشه مذعورًا.. ركض هارون أولًا، وألحق به صوت خطوات أحلام وهي تفتح باب غرفتها في فزع، بينما انطلقت الأبواب من حولهما تباعًا، وبدأ البيت الذي كان غارقًا في سكون الفجر يستيقظ على وقع الفوضى.
لحظاتٌ معدودة... وكان الجميع يركض نحو الغرفة.. حتى أولئك الذين لم يستيقظوا على أذان الفجر. . أما بالداخل، فكانت ليلة ما تزال تقاوم بكل ما تبقى لها من أنفاس، بينما أدركت زينة، وسط اقتراب الخطوات وارتفاع الأصوات خلف الباب، أن ثواني قليلة فقط...تفصلها عن انكشاف جريمةٍ كانت على وشك أن ترتكبها.. هربت بسرعة من نفس المكان الذي دخلت منه قبل وصولهم بلحظة فاصلة.

اندفع هارون نحوها فكان أول شخص دلته بوصلة قلبه عليها ، احتواها ، ضمها ، قبل جبهتها ، انبعثت منه دفعات من كلمات الطمأنينة ، أخذت تسعل وترتعش ، حتى الكلمات هربتها منها .. لم يتوقف للحظة على شعورها بوجوده ، حاول أن يهدئها :
-اهدي اهدي انا جارك .
احتواها بين ذراعيه، وضمّ جسدها المرتعش إلى صدره، ثم أخذ يقبّل جبينها بأنفاسٍ لاهثة، وكأن قلبه هو الآخر كان بحاجةٍ إلى الاطمئنان بأنها ما زالت بين يديه:
-اهدي... اهدي يا ليلة، أنا جارك... أنا هنا، مفيش حاجة هتحصلك قولت  .
هنا ثارت دماء الغيرة والغضب من وجه هلال وخوفه عليه أخيه ، فصرخ به قائلًا :
-هاروون !!
فهم للفور مغزى أخيه من نبرته المهينة ، وبصرخة عالية أعلنها معترفًا ليخرسه  :
-مرتي  يا هلال ... 
صمت ثقيل، لم يقطعه سوى أنفاس ليلة المتلاحقة وخوفها الجاري ، ثبتت عينا هلال عليه بذهول، بينما تجمّدت هاجر في مكانها، وارتفعت يد صفية تلقائيًا إلى فمها وأطلقت صرخة مدوية :
-يامرك يا صفية !! 
أما هارون، فلم يتوقف بل ضم ليلة إليه أكثر، وكأنه للمرة الأولى لا يعترف بزواجه منها فقط...بل يعترف أمام الجميع بأنها أصبحت مسؤوليته، وأمانه، وحربه القادمة أيضًا.
........
وبعيدًا عن صوت الصخب الذي بدأ يتصاعد من أسفل، وقفت رغد وحيدةً خلف باب غرفتها، كأن كل ما يحدث في ذلك البيت أصبح بعيدًا عنها فجأة...حتى صرخات الجميع لم تعد تصل إليها بوضوح..كان عالمها كله مختصرًا في كفٍّ صغيرة أغلقتها بقوة، تخفي بداخلها حبوب الإجهاض.
حدقت رغد في يدها طويلًا...تلك الحبوب التي حاربت نفسها مرارًا حتى لا تأخذها، قاومت ضعفها، وخوفها، وغضبها من هاشم، وكل الأفكار السوداء التي كانت تهمس لها بأن تتخلص من الطفل قبل أن يولد ويجد نفسه أسيرًا لحياةٍ لم تخترها.. لكنها كانت دائمًا تتراجع.
في كل مرة كانت تتذكر أن بين يديها روحًا لا ذنب لها.. روحًا لم تطلب أن تأتي إلى الدنيا وسط كل هذا الخراب.. وضعت كفها فوق بطنها، وارتجفت شفتاها بينما انسابت دمعة ساخنة فوق وجنتها: 
-سامحني يا ابني.....


تعليقات