رواية ثمن العروس الفصل السادس عشر 16 بقلم اماني سيد


 رواية ثمن العروس الفصل السادس عشر 

ثبت مختار عينيه على الهاتف، ثم قال بلهجة هادئة لكنها تحمل أمرًا واضحًا:
ـ افتحي السبيكر.
نظرت إليه باستغراب.
ـ نعم؟
ـ افتحي الاسبيكر... طالما مكالمة شغل، يبقى مفيش حاجة تمنع.
عقدت حاجبيها، وأخفضت الهاتف قليلًا.
ـ لا.
قطب جبينه.
ـ لا ليه؟
ـ لأن دي مكالمتي أنا، ودي خصوصية تخصني، ومش من حق حد يسمعها غير لما أنا أحب.
اشتدت ملامحه وهو يقول:
ـ خصوصية؟ هو إيه اللي يخلي واحد يكلمك الساعة دي بدري؟
ردت بهدوء:
ـ أكيد عشان الشغل.
ضحك بسخرية.
ـ الشغل؟
ـ أيوه... الشغل.
اقترب منها خطوة.
ـ والشغل بقى لازم يبدأ أول ما تفتحي عينك؟
نظرت إليه بثبات.
ـ إحنا عندنا مشروع كبير، ومواعيدنا مش مرتبطة بساعة معينة، ولو كريم اتصل، يبقى أكيد فيه حاجة مهمة.
ضاقت عيناه عند سماع اسمه.
ـ كريم... كريم... كريم.
قالها بنبرة ساخرة، ثم أردف:
ـ هو مفيش غيره في الشركة؟
ـ لأ، فيه غيره.
ـ أمال ليه هو اللي بيتصل بيكي كل مرة؟
تنهدت غزل بضيق.
ـ لأننا بنشتغل مع بعض بشكل مباشر.
ابتسم ابتسامة باردة.
ـ ولا عشان هو واخد على إنه يكلمك في أي وقت؟
رفعت رأسها نحوه وقالت بحزم:
ـ لا يا مختار... متحاولش تفسر الأمور على مزاجك انا مش هسمحلك بكده .
ـ وأنا بفسر إيه؟
ـ كريم إنسان محترم... وعمره فى يوم ما اتعدى حدوده معايا، ولا كلمني بطريقة تضايقني، ولا خلاني أحس بعدم ارتياح.
ما إن خرجت كلماتها حتى انعقد فك مختار بقوة.
ـ محترم؟
أومأت بثقة.
ـ أيوه... محترم جدًا.
ارتفعت نبرة صوته رغم محاولته السيطرة عليها.
ـ إنتِ بتمدحيه قدامي؟
قالت دون تردد:
ـ أنا بقول الحقيقة.
استدار مختار قليلًا ثم عاد ينظر إليها.
ـ الحقيقة إن الشخص ده مش مريحني.
ـ ودي مشكلتك إنت.
ـ لأ... دي مشكلتنا إحنا.
هزت رأسها بالرفض.
ـ لا، مش هتخليني أظلم إنسان محترم لمجرد إنك غيران.
اشتعلت عيناه.
ـ غيران؟
ـ أيوه... وغيرتك دي مخلياك تشوف حاجات مش موجودة.
اقترب منها حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوات قليلة.
ـ اسمعي كلامي يا غزل... ابعدي عن كريم.
نظرت إليه بعدم تصديق.
ـ أبعد عنه؟
ـ أيوه... ومتعامليش معاه بالشكل ده.
ابتسمت بسخرية.
ـ بالشكل ده؟ هو أنا بعمل إيه أصلًا؟
ـ اللي أنا شايفه قدامي.
ـ وإنت شايف إيه؟
أجاب وهو يثبت نظره بعينيها:
ـ شايف راجل بيحاول يقرب منك، وإنتِ فاتحاله الباب.
هزت رأسها بقوة.
ـ لأ... إنت اللي مش قادر تستوعب إن فيه راجل ممكن يحترم ست من غير ما يكون له غرض.
صمت لحظة، ثم قال بحدة:
ـ أنا بقولك الشخص ده مش كويس.
رفعت حاجبيها باستنكار.
ـ وإنت عرفته إمتى عشان تحكم عليه؟
ـ مش محتاج أعرفه... إحساسي بيقولي كده.
ابتسمت بسخرية لاذعة.
ـ وإحساسك ده هو نفسه اللي خلاك تثق في ليلى زمان... صح؟
أصابته كلماتها في مقتل، لكنها أكملت بثبات:
ـ أنا مش هقطع علاقتي بشريك شغلي لمجرد إنك طلبت ده، خصوصًا إنه عمره ما غلط في حقي، ولا اتجاوز معايا في كلمة. ولو عايزني أسمع كلامك، يبقى لازم يكون عندك سبب حقيقي... مش مجرد غيرة.
عادت غزل للاتصال بكريم بعد أن انتهت من الحدل مع مختار ، ثم رفعت الهاتف إلى أذنها دون أن تنظر إلى مختار.واجاب عليها كريم فوراً 
ـ صباح الخير يا كريم.
جاءها صوته الهادئ كعادته.
ـ صباح النور يا غزل... آسف لو اتصلت بدري، بس قولت أفكرك بمعادنا النهارده .
ـ ولا يهمك... أنا فاكرة.
ـ برضه حبيت أكد عليكي. الساعة تلاتة هنكون في شركتي، عشان نراجع آخر الملاحظات الخاصة بالمشروع الجديد قبل الاجتماع.
ـ تمام.
ـ وفي شوية تعديلات وصلتلنا امبارح من المستثمر، وعايزين نتفق عليها سوا قبل ما نعرض النسخة النهائية.
ـ حاضر... هعدي عليك قبل المعاد بربع ساعة.
ـ ممتاز... لأن وجودك مهم، في الآخر إنتِ شريك أساسي في المشروع، ولازم نقدم الرؤية بصوت واحد.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
ـ إن شاء الله، متقلقش.
ـ خلاص... أشوفك على خير.
ـ في أمان الله.
أنهت المكالمة، ثم وضعت الهاتف داخل حقيبتها.
وما إن رفعت رأسها...
حتى اصطدمت بعيني مختار.
كان ينظر إليها في صمت، لكن ملامحه كانت كافية لتخبرها أن غيرته بلغت ذروتها.
قال أخيرًا:
ـ واضح إن بينكم تفاهم كبير.
أجابته بهدوء:
ـ لأننا بنشتغل مع بعض.
ـ ولاحظت إنه مهتم يفكرك بالمواعيد بنفسه.
ـ طبيعي... إحنا مسؤولين عن مشروع بملايين، وكل واحد فينا بيعتمد على التاني.
ابتسم بسخرية.
ـ لدرجة إنه يتصل أول ما تصحي من النوم؟
تنهدت وهي تلتقط حقيبتها.
ـ مختار... متدورش على مشكلة مش موجودة.
اقترب منها خطوة.
ـ أنا شايف المشكلة قدامي.
ـ وإيه هي؟
ـ الراجل ده.
هزت رأسها بضيق.
ـ كريم شريك شغل، وبس.
ـ وإنتِ مصدقة كده؟
رفعت رأسها بثبات.
ـ مش محتاجة أصدق... لأن ده الواقع. كريم عمره ما اتجاوز معايا، ولا مرة كلمني في غير الشغل، ولا حسسني بأي حاجة تضايقني.
اشتد فك مختار.
ـ وأنا بقولك ابعدي عنه.
ابتسمت بسخرية.
ـ وأبعد عنه ليه؟
ـ لأني مش مرتاحله.
ـ دي مشكلتك إنت... مش مشكلتتى
ـ غزل...
قاطعته بحزم.
ـ لا... اسمعني إنت المرة دي بقى . كريم طول الفترة اللي اشتغلنا فيها سوا عمره ما خرج عن حدود الاحترام، ولو فيه حد يستحق إني أثق في أخلاقه المهنية، فهو كريم.
ساد الصمت.
ثم قالت وهي تتجه نحو غرفة الملابس:
ـ عندي أقل من ساعتين، ولازم أغير هدومي.
دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها.
وقف مختار مكانه للحظات، ثم مرر يده في شعره بضيق، قبل أن يتجه هو الآخر إلى غرفته.
فتح خزانته، وبدل ملابسه بسرعة، ثم التقط مفاتيح سيارته.
تمتم لنفسه بإصرار:
ـ سواء عجبها أو لأ... النهارده أنا اللي هوصلها.

فتحت  غزل باب الغرفه مره تانيه، ثم اتجهت إلى السرير، والتقطت البدلة العاجية التي خلعتها الليلة الماضية قبل أن ترتدي البيجامة التي وجدتها داخل الخزانة.
تأملتها للحظة، ثم تنهدت بخفة.
ـ واضح إن مفيش قدامي غيرها.
خلعت البيجامة، وارتدت البدلة مرة أخرى، ثم أعادت لف حجابها بعناية، وعدلت من مظهرها أمام المرآة، قبل أن تمرر كفها على القماش في محاولة لإزالة أي تجاعيد علقت به.
التقطت حقيبتها، وألقت نظرة أخيرة على الغرفة، ثم فتحت الباب.
تفاجأت بمختار يقف في الممر، وقد بدل هو الآخر ملابسه، مرتديًا بدلة رمادية داكنة، وكأنه كان ينتظر خروجها.
رفع رأسه إليها، فتوقفت عيناه عليها لثوانٍ.
ـ خلصتي؟
أومأت برأسها.
ـ أيوه.
ثم أشارت إلى ملابسها بابتسامة باهتة.
ـ متبصليش كده... ده اللبس الوحيد اللي معايا.
ابتسم بخفة.
ـ عارف.
ثم رفع مفاتيح سيارته.
ـ يلا.
عقدت حاجبيها.
ـ يلا على فين؟
ـ أوصلك البيت تغيري هدومك، وبعدها أوصلك الفندق تجيبي عربيتك، أو على الشركة لو الوقت ضيق.
تنهدت بضيق.
ـ مختار... قولتلك مش محتاجة.
ـ وأنا قولتلك إنك مش هتلفي لوحدك النهارده.
ـ أقدر أتصرف.
ـ وأنا عارف... لكن النهارده أنا اللي هوصلك.
رمقته بنظرة مستاءة، ثم قالت وهي تتجاوزه نحو السلم:
ـ إنت عنيد بطريقة مستفزة.
ابتسم وهو يسير خلفها.
ـ دي أول حاجة اتفقنا عليها النهارده.
هبطت غزل درجات السلم بخطوات هادئة، بينما كان مختار يسير خلفها، محافظًا على مسافة صغيرة بينهما.
وما إن وصلا إلى الطابق الأرضي، حتى خرجت صفية من غرفة الطعام وهي تحمل صينية الشاي، لكنها توقفت فجأة ما إن وقعت عيناها على غزل.
اتسعت ابتسامتها، وكادت الصينية تسقط من يدها من شدة المفاجأة.
ـ غزل!
التفتت غزل إليها، وابتسمت بأدب.
ـ صباح الخير يا طنط.
وضعت صفية الصينية على أقرب طاولة، ثم أسرعت إليها واحتضنتها بحنان.
ـ يا صباح الفل يا حبيبتي... إيه المفاجأة الحلوة دي؟
في تلك اللحظة خرجت سارة من غرفة الجلوس، وما إن رأت غزل حتى شهقت بسعادة.
ـ غزل!
ركضت نحوها واحتضنتها بقوة.
ـ وحشتيني أوي... بجد وحشتيني.
بادلتها غزل العناق بابتسامة دافئة.
ـ وإنتِ كمان يا سارة.
خرج والد مختار من مكتبه على صوتهم، فتوقف مكانه وهو ينظر إلى غزل بدهشة، قبل أن ترتسم على وجهه ابتسامة واسعة.
ـ أهلًا يا بنتي... نورتِ بيتك.
صافحته غزل باحترام.
ـ صباح الخير يا عمي.
ـ صباح النور يا بنتي.
تبادلت صفية وسارة نظرة مليئة بالفرحة، ثم التفتت صفية إلى مختار، وعادت تنظر إلى غزل، وقالت وهي تبتسم بخبث لطيف:
ـ هو إحنا هنفضل واقفين كده؟ ولا حد هيفهمنا إيه المفاجأة الحلوة دي؟
صمتت غزل، بينما انتقلت أنظار الجميع بينها وبين مختار.
ابتسمت سارة بحماس وهي تمسك ذراع غزل.
ـ متقوليش... إنتِ رجعتي البيت؟
ظل الصمت سيد الموقف.
لم تنطق غزل بحرف، واكتفت بابتسامة خافتة لم تحمل إجابة.
أما صفية، فلم تنتظر أكثر، وقالت بفرحة غلبتها:
ـ الحمد لله... كنت عارفة إن ربنا هيجمعكم تانى، كنت متأكدة إنكم هترجعوا لبعض.
ألقت غزل نظرة سريعة على مختار، ثم أعادت بصرها إلى الأرض دون أن تعلق.
فهم مختار سبب صمتها، فلم يشأ أن يضعها في موقف محرج، فقال بهدوء:
ـ غزل عندها اجتماع مهم بعد شوية... ونزلت عشان نفطر قبل ما أوصلها.
ابتسم والده وهو يشير إلى غرفة الطعام.
ـ يبقى مفيش خروج قبل الفطار.
هزت غزل رأسها باعتراض خفيف.
ـ معلش يا عمي، الوقت...
قاطعها بابتسامة أبوية.
ـ خمس دقايق مش هيضيعوا اجتماع، وبعدين بقالنا كتير مقعدناش نفطر سوا.
أضافت صفية بسرعة:
ـ الفطار جاهز أصلًا... ومش هسيبك تمشي غير لما تاكلي لقمة.
نظرت غزل إلى الساعة في معصمها، ثم ابتسمت مجاملة.
ـ حاضر
جلست غزل إلى المائدة، بينما جلست صفية إلى جوارها، وسارة أمامها، أما مختار فاختار المقعد المقابل لها، في حين جلس حسن على رأس المائدة.
كانت صفية تضع الطعام في طبق غزل بنفسها.
ـ كلي يا حبيبتي... إنتِ وشك اصفر كده ليه؟ واضح إنك مبتاكليش كويس.
ابتسمت غزل بخجل.
ـ باكل والله.
تدخلت سارة ضاحكة.
ـ لا يا ماما، دى من ساعة ما سابت البيت وهى ناسية إن عندها ناس كانت بتدلعها
ابتسمت غزل، بينما اختلس مختار النظر إليها، ولاحظ أنها تأكل على استحياء كما كانت تفعل دائمًا.
دون أن يتكلم، مد يده، وأخذ قطعة من الجبن ووضعها في طبقها.
رفعت غزل عينيها إليه باستغراب.
فاكتفى قائلًا بهدوء:
ـ إنتِ بتحبيها
لم ترد، لكنها شعرت أن الجميع لاحظ تلك الحركة.
ابتسمت صفية في صمت، بينما تبادل والده ووالدته  وسارة نظرة فهمت منها سارة أن والدها بدأ يستعيد الأمل.
انتهى الفطور بعد دقائق، فنهضت غزل وهي تحمل حقيبتها.
ـ عن إذنكم.
اقتربت صفية منها، وربتت على كتفها بحنان.
ـ خلي بالك من نفسك يا بنتي... ومتغيبيش عننا.
ابتسمت غزل ابتسامة هادئة.
ـ إن شاء الله.
ثم صافحت والده، وعانقت سارة مرة أخرى، قبل أن تتجه نحو الباب.
فتح مختار الباب لها، ثم خرجا معًا.
ركبت غزل السيارة، وانطلق مختار بها في اتجاه فيلا والدها.
لم يتبادل أيٌّ منهما الحديث طوال الطريق، لكن الصمت هذه المرة لم يكن ثقيلًا كما كان في السابق.
وبعد نحو نصف ساعة، توقفت السيارة أمام بوابة الفيلا.
ترجل مختار أولًا، ثم دار حول السيارة وفتح لها الباب.
نظرت إليه لحظة، ثم نزلت دون اعتراض.
ـ شكرًا.
أغلق الباب خلفها، لكنه لم يتحرك نحو سيارته.
سألته باستغراب:
ـ في حاجة؟
أجاب بهدوء:
ـ هطلع أسلم على باباكى ومامتك.
نظرت إليه لثوانٍ، ثم أومأت برأسها دون تعليق.
دلفا معًا إلى داخل الفيلا، وما إن دخلا بهو المنزل، حتى رفعت نوال رأسها من غرفة المعيشة.
تجمدت في مكانها للحظة وهي ترى غزل... وإلى جوارها مختار.
ابتسمت نوال ما إن وقع بصرها على مختار، ونهضت من مكانها بسرعة، تتقدم نحوه بترحاب صادق.
ـ أهلًا يا مختار... نورت البيت يا ابني.
ابتسم مختار باحترام، وانحنى يقبل رأسها.
ـ صباح الخير يا مدام نوال
ربتت نوال على كتفه بحنان.
ـ صباح النور... عامل إيه؟
ـ الحمد لله. 
ألقت نظرة سريعة على غزل، ثم عادت تنظر إليه بابتسامة لم تستطع إخفاءها.
ـ والله فرحت لما شوفتكم داخلين سوا.
التفتت غزل إلى والدتها وقالت بهدوء:
ـ يا ماما... أنا هطلع أغير هدومي عشان ألحق الاجتماع.
أومأت نوال برأسها.
ـ اطلعي يا حبيبتي، وأنا هخليهم يحضرولك قهوة.
ـ شكرًا يا ماما.
صعدت غزل الدرج بخطوات سريعة، بينما بقي مختار في غرفة الجلوس.
أشارت له نوال بالجلوس.
ـ اقعد يا مختار.
جلس في هدوء، بينما جلست أمامه تتأمله لثوانٍ قبل أن تبتسم.
ـ وصلت لايه مع غزل ؟؟ لو عايز تكلقها طلقها وانسى الاتفاق اللى بينا انت كده كده خلاص شركتك رجعت تانى 
ابتسم ابتسامة خافتة.
ـ كويس انك عارفه انى مش راجعلها عشان شركه أنا المره دى بقرب منها عشان نفسها عشان هى غزل 
هزت رأسها بتفهم.
ـ وغزل؟
تنهد وهو ينظر إلى الأرض.
ـ لسه زعلانة... ومن حقها.
ابتسمت نوال بحنان.
ـ زعلها كبير يا ابني... بس قلبها أبيض، المهم متستعجلهاش.
رفع رأسه إليها.
ـ وعدتها إني مش هضغط عليها في أي قرار.
ـ ودي أول حاجة صح عملتها.
ابتسم مختار، بينما دخلت إحدى العاملات وقدمت لهما القهوة.
أخذ فنجانه، لكن عينيه كانتا تتجهان كل لحظة نحو الدرج.
لاحظت نوال ذلك، فضحكت بخفة.
ـ مستنيها؟
ابتسم في شيء من الخجل.
ـ واضح أوي؟
ـ جدًا.
صمت لحظة، ثم قال بتردد:
ـ ينفع... أطلع أسلم عليها قبل ما نمشي؟
ابتسمت نوال وهي تشير إلى الدرج.
ـ دي أوضتها... اطلع.
شكرها بنظرة ممتنة، ثم نهض وصعد السلم.
توقف أمام باب غرفة غزل، وطرق عليه طرقات خفيفة.

وقف مختار أمام باب الغرفة، ونبضات قلبه تتسارع بريتم غير منتظم كأنه شاب يخوض تجربة الحب لأول مرة. أخذ نفسًا عميقًا، يهدئ به التوتر الذي اجتاحه، ثم دفع الباب الهادئ بهدوء ولطف.
كانت الغرفة تعكس روح غزل بأكملها؛ ألوان دافئة، ترتيب ممتع يبعث على السكون، ورائحة خفيفة من عطرها المفضل تملأ الأرجاء، كأن هذا المكان قطعة منها ترفض تصنع العالم الخارجي.
كانت واقفه أمام المرآة، تضبط ياقة قميصها بعد أن أبدلت بدلتها، ولم تنتبه في اللحظة الأولى لدخوله. عبر مختار العتبة بخطوات بطيئة، وعيناه تتجولان في أركان عالمها الخاص؛ الصور المعلقة، الكتب المترتبة بشغف على الرف، والتفاصيل الصغيرة التي تشبهها تمامًا. 
التفتت غزل فجأة بعد أن سمعت وقع خطواته، فتسمرت في مكانها.
ـ مختار؟
ابتسم ابتسامة هادئة تحمل الكثير من الرجاء والرقة، واقترب منها بخطوات متريثة حتى وقف على بعد مسافة قصيرة جدًا منها، لينحبس الهواء في صدرها من نظراته الشديدة التركيز.
قال بنبرة خفيضة تميل إلى الهمس:
ـ كان لازم أشوف المكان اللي كبرتِ فيه... المكان اللي بيشبهك.
رفعت رأسها لتلتقي عيناها بعينيه، وقالت بوجوم تحاول به درء تأثير وجوده القريب:
ـ ومين قالك إنه من حقك تطلع هنا؟
اخترقت عيناه ملامحها برفق، ومد يده ببطء شديد، متحاشيًا أن يلامس بشرتها إن كانت تتضايق، واكتفى بأن يُعدل خصلة صغيرة من حجابها كانت قد أفلتت قليلًا، بلمسة لم تكد تمسها لكنها أرسلت قشعريرة دافئة في أرجائها.
ـ والدتك هي اللي سمحتلي... بس أنا طلعت عشان محتاج أعرف غزل الحقيقية، غزل اللي مش في الشركة، ولا اللي شايلة من ناحيتي، ولا اللي بتحارب عشان تثبت وجودها... غزل اللي هنا.
تراجعت خطوة صغيرة للخلف لتربك هذا الحصار العاطفي، لكنه لم يتراجع، بل أبقى عينيه معلقتين بوجهها.
ـ غزل مش محتاجة تعريف يا مختار... أنا نفس الشخص.
هز رأسه بنفي رقيق، ونظر نحو طاولتها الصغيرة حيث توجد بعض مقتنياتها الشخصية وكتبها المحببة وكانت مكتبتها مليئه بكتب الكاتبه " أمانى سيد "، ثم عاد ينظر إليها وقال بصوت مليء بالصدق:
ـ لأ، إنتِ أعمق بكثير من كل اللي كنت فاكره. أنا زمان كنت عمى... كنت بشوف الأمور من منظور ضيق، بس لما دخلت عالمك وشوفت التفاصيل دي، فهمت قد إيه أنا خسرت وقت كان المفروض أكون فيه أقرب ليكي من أي حد.
صمتت غزل، وشعرت بحصونها تتداعى أمام هذه النبرة التي لم تعتدها منه؛ نبرة تجردت تمامًا من الغرور، ولم يتبقَ منها سوى الرجاء والصدق.
اقترب هذه المرة خطوة إضافية، وجعل المسافة بينهما شبه معدومة، ثم رفعت عيناه لتستقر في عينيها بثبات، وقال بلغة لم تخلُ من الغيرة الهادئة لكن بأطياف من الحنان:
ـ أنا مش غرضي أضايقك... ولا بحاول فرض سيطرة. بس أنا مجرد راجل بينقذ حاله من فكرة إنك ممكن تبعدي، أو إن حد تاني ياخد مكان كان المفروض يبقى بتاعي... أنا عايز فرصة أعرفك صح يا غزل، من جديد، وعلى نظافة.
شعرت بدقات قلبها تتصاعد، وحاولت استعادة جمودها المعتاد، فقالت بلهجة تحاول إبقاءها جادة:
ـ المواعيد مش هبتستنى يا مختار... والاجتماع فاضل عليه أقل من ساعة.
ابتسم بخفة، ونظر إلى شفتيها لبرهة قبل أن يعود لعينيك، وأومأ برأسه بتفهم:
ـ حاضر... مش هعطلك. بس افتكري إن كل خطوة بتمشيها، أنا ماشي وراكي فيها، ومش هملّ.
استدار ببطء نحو الباب، ثم التفت إليها قبل أن يخرج ورمز لها بابتسامة دافئة جعلت وجهها يشتعل خجلًا:
ـ يلا... أنا مستنيكي تحت عشان أوصلك.
خرج وأغلق الباب خلفه بهدوء، مستندًا لثوانٍ على الحائط في الممر وهو يتنفس الصعداء، بينما بقيت غزل مكانها أمام المرآة، تضع يدها على قلبها الذي يخفق بشدة، غير قادرة على إنكار أن مختار اليوم... ليس مختار الذي عرفته من قبل. 

انتهى مختار من تعديل هندامه أمام باب الغرفة، بينما نزلت غزل بعد لحظات بخطوات متأنية، وقد ارتدا ثوبًا أخيرًا يناسب يومها الشاق، وتوشحت بحجابها بثبات يكسوه وقار هادئ.
نزلا معًا إلى الطابق الأرضي، ودعت والدتها نوال لهما بالتوفيق والدعوات الصالحة، لينطلقا نحو السيارة. خيم السكون على المقصورة في البداية، لكنه لم يكن سكونًا مشحونًا بالتوتر كما كان في الصباح، بل كان أشبه بهدنة هادئة يحاول كل منهما فيها استكشاف الآخر من جديد.
التفت مختار إليها أثناء قيادته السيارة بخفة، ورغب في فتح باب للحديث يقرّبه من تفاصيل حياتها التي جهلها طويلًا، فقال بابتسامة دافئة:
ـ لاحظت في أوضتك رف كامل كتب وروايات... إنتِ بتحبي القراءة؟
التفتت إليه غزل، وتألقت عينان هادئتان ببريق شغف حقيقي لم يره فيها من قبل عندما يُفتح موضوع يلمس روحها، وقالت:
ـ جدًا... القراءة بالنسبة لي مش مجرد تضيع وقت، دي المساحة الخاصة اللي بعيد فيها ترتيب أفكاري، وخصوصًا الروايات.
ابتسم مختار من ردها وشعر بالسعادة لأنه استطاع تحريك شغفها، فسألها باهتمام صادق وهو يركز بين الطريق وبين لمحات من وجهها:
ـ روايات؟ جمييل... وطالما بتحبي الروايات، أكيد في كتاب مفضلين بالنسبة ليكي؟ مين أكثر كاتبة بتحبي تقرأيلها وتتابعي أعمالها؟
لم تتردد غزل لحظة واحدة، بل ابتسمت بوضوح وأجابت بثقة ونبرة تقدير عالية:
ـ أماني السيد... دي بالذات ليها مكانة خاصة جدًا عندي.
عقد مختار حاجبيه باهتمام وهو يسمع الاسم:
ـ أماني السيد؟
أومأت غزل برأسها بحماس، وكأنها تتحدث عن صديقة مقربة أو ملهمة شخصية:
ـ أيوه... بحسها واقعية لأقصى درجة. قلمها مش مجرد كلام مرصوف ولا أحلام وردية مش موجودة، هي بتغوص في أعماق القضايا التي تخص المرأة، بتعبر عن مشاعرنا، أوجاعنا، وقوتنا في نفس الوقت من غير تجميل ولا تزييف.
واسترسلت بنبرة مليئة بالدفء والامتنان:
ـ لما بقرالها بحس إنها فاهماني، بتناقش قضايا حقيقية بنشوفها كل يوم في مجتمعنا. طريقة طرحها للصراعات النفسية ولشخصية الست القوية اللي بتعافر عشان تاخد حقها وتحافظ على كرامتها بتديني دائمًا حافز وأمل كبير. كلماتها قادرة تلمس القلب وفي نفس الوقت تخلي العقل يفكر... بجد كتاباتها ملهمة، وبحس إن كل كلمة بتكتبها طالعة من صدق مشاعر واهتمام حقيقي بالمرأة وقضاياها.
استمع إليها مختار بإصغاء تام، تأمله لنبرة صوتها الشغوفة وطريقة دفاعها وإعجابها بالكاتبة جعلت ابتسامة أعجاب تتشكل على شفتيه، وقال بهدوء:
ـ جميل جدًا إن الإنسان يلاقي قلم يعبّر عنه بالدقّة دي وبالمشاعر دي كلها... واضح إنها قدر تلهمك بشكل كبير.
ردت بابتسامة خفيفة وهي تنظر من شباك السيارة:
ـ هي فعلاً ملهمة مش ليا أنا بس، لكل ست بتدور على صوت يعبر عنها بصدق.
أومأ مختار برأسه، واحتفظ باسم الكاتبة في ذهنه، وهو يشعر أنه اليوم لا يكتشف فقط تفاصيل جديدة عن غزل، بل يكتشف روحًا أعمق وأجمل مما كان يتخيل.


تعليقات