رواية ثمن العروس الفصل السابع عشر 17 بقلم اماني سيد


 رواية ثمن العروس الفصل السابع عشر 

وصلت سيارة مختار أمام المبنى الزجاجي الضخم الذي يضم شركة كريم قبل الموعد بدقائق. أوقف السيارة أمام المدخل الرئيسي، بينما كانت غزل تراجع بعض الملاحظات على جهازها اللوحي.
أطفأ المحرك، ثم التفت إليها.
ـ وصلنا.
رفعت عينيها إليه، ثم أغلقت الجهاز.
ـ شكرًا.
فتحت الباب ونزلت، لكنه ترجل هو الآخر.
التفتت إليه باستغراب.
ـ مش هتمشي؟
ابتسم بهدوء وهو يغلق باب السيارة.
ـ قلتلك... النهارده هكون معاكي لحد ما تخلصي.
عقدت حاجبيها.
ـ الاجتماع ده خاص بالشركة.
أخرج بطاقة صغيرة من جيب سترته، ثم نظر إليها بثقة.
ـ مش هتبقى مشكلة.
رمقته بنظرة لم تفهم معناها، لكنها لم تعلق، واتجهت إلى الداخل.
ما إن دخلت غزل الشركة، حتى استقبلها موظفو الاستقبال بابتسامات واسعة.
ـ صباح الخير يا أستاذة غزل.
ـ صباح النور.
لم تمضِ سوى لحظات حتى خرج كريم من المصعد بنفسه لاستقبالها.
ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة.
ـ أهلًا يا غزل... كنت لسه هكلمك أشوف وصلتي ولا لأ.
ابتسمت وهي تمد يدها تصافحه.
ـ وصلت أهو.
ـ تمام... المستثمرين ابتدوا يوصلوا، فقولت نستغل الدقايق دي ونراجع آخر نسخة.
أومأت برأسها.
ـ يلا.
استدار كريم ليقودها نحو قاعة الاجتماعات، لكنه توقف فجأة عندما لمح مختار يدخل من الباب الرئيسي بخطوات واثقة.
عقد حاجبيه قليلًا.
ـ المهندس مختار؟
اقترب مختار منه بابتسامة هادئة ومد يده.
ـ صباح الخير يا أستاذ كريم.
صافحه كريم باحترام.
ـ صباح النور... خير؟
قال مختار بهدوء وهو ينظر إليه مباشرة:
ـ سمعت إن عندكم اجتماع مهم النهارده... وحبيت أحضره.
نظر كريم إلى غزل باستفهام، بينما بدت هي أكثر اندهاشًا.
ـ تحضره؟
أومأ مختار.
ـ أيوه .
ابتسم كريم ابتسامة دبلوماسية.
ـ يشرفنا طبعًا... لكن الاجتماع خاص بالمشروع بين شركتنا وبين المستثمر.
أخرج مختار ملفًا أنيقًا من حقيبته الجلدية، ووضعه أمام كريم.
ـ عارف... وعشان كده أنا هنا.
فتح كريم الملف بسرعة، وما إن وقعت عيناه على أول صفحة حتى اتسعت عيناه بدهشة.
رفع بصره إلى مختار.
ـ يعني...
أكمل مختار بهدوء:
ـ شركتي دخلت كشريك استراتيجي في تمويل المرحلة التانية من المشروع.
نظرت غزل إليه بدهشة حقيقية.
ـ إمتى حصل ده؟
ابتسم دون أن يحول نظره عنها.
ـ من حوالي أسبوع... الإجراءات كانت لسه بتخلص.
قال كريم وهو يعيد الملف إليه:
ـ الحقيقة دي مفاجأة.
ـ حتى بالنسبة ليا.
قالتها غزل وهي ما زالت تنظر إلى مختار باستغراب.
ابتسم مختار بخفة.
ـ كنت مستني الإعلان الرسمي.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم ابتسم كريم باحترافية ومد يده مرة أخرى.
ـ أهلًا بيك كشريك معانا.
صافحه مختار.
ـ سعيد بالتعاون.
ثم التفت كريم إلى غزل.
ـ يبقى الاجتماع هيبقى أقوى من المتوقع.
ابتسمت غزل ابتسامة صغيرة، لكنها كانت ما تزال تحاول استيعاب ما حدث.
بعد دقائق..
التقت عيناه بعينيها للحظة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة قبل أن يتجه إلى المقعد المقابل لها مباشرة.
قال كريم وهو يشير إلى غزل:
ـ وأستاذة غزل هتكون مسؤولة عن إدارة الحملة الإعلانية والهوية البصرية للمشروع بالكامل، والنهارده هتعرض علينا التصور النهائي.
حول مختار نظره إليها، وابتسم بفخر حقيقي.
ـ يبقى مستني أشوف شغلك.
بادلته نظرة هادئة، ثم قالت باحترافية:
ـ إن شاء الله يعجب الجميع.
أغلق كريم ملفه وقال:
ـ نبدأ؟
أومأ الجميع بالموافقة...
لتنهض غزل، وتتجه نحو شاشة العرض، غير مدركة أن هذا الاجتماع لن يكون مجرد عرضٍ دعائي... بل بداية شراكة عمل ستجمعها بمختار كل يوم تقريبًا، رغمًا عنها.
وقفت غزل أمام شاشة العرض بثبات، وضغطت على جهاز التحكم الصغير، لتظهر أولى الشرائح على الشاشة العملاقة.
استدارت نحو الحضور، وابتسمت ابتسامة عملية هادئة.
ـ صباح الخير جميعًا... قبل ما نتكلم عن الحملة الإعلانية، حابة أوضح إننا مش بنبيع وحدات سكنية بس... إحنا بنبيع أسلوب حياة كامل، وده اللي اعتمدنا عليه في بناء الهوية البصرية للمشروع.
ساد الصمت داخل القاعة، بينما انصبت الأنظار عليها.
تابعت بثقة أكبر:
ـ أغلب الحملات العقارية بتركز على المساحات والأسعار والخدمات، لكن إحنا اخترنا نبدأ من إحساس العميل نفسه... يخليه يشوف حياته بعد ما يسكن في المشروع، مش مجرد يشوف المباني.
انتقلت إلى الشريحة التالية.
ظهرت صور مصممة بعناية، وشعار المشروع، والألوان المعتمدة للحملة.
ـ اعتمدنا على ألوان هادئة تعكس الفخامة والراحة في نفس الوقت، مع هوية بصرية ثابتة هتظهر في كل وسائل الدعاية... سواء إعلانات الطرق أو السوشيال ميديا أو التلفزيون.
تبادل المستثمرون النظرات فيما بينهم، وأخذ بعضهم يدون الملاحظات بإعجاب.
أما مختار...
فلم يكن ينظر إلى الشاشة بقدر ما كان ينظر إليها هي.
كان يراها للمرة الأولى داخل بيئة عملها الحقيقية.
هادئة...واثقة...
تتحدث دون تردد.
ابتسم دون أن يشعر .
لاحظ كريم ذلك بطرف عينه، لكنه أعاد تركيزه إلى العرض.
واصلت غزل شرحها.
ـ قسمنا الحملة لثلاث مراحل... مرحلة التشويق، ثم مرحلة التعريف بالمشروع، وبعدها مرحلة إطلاق المبيعات، بحيث نحافظ على اهتمام الجمهور لأطول فترة ممكنة.
رفع أحد المستثمرين يده.
ـ أستاذة غزل... لو المنافسين أطلقوا حملة مشابهة في نفس التوقيت؟
ابتسمت بثقة.
ـ مستحيل يقدروا يقلدوا الفكرة بالكامل... لأننا هنربط الهوية الإعلانية بتجربة تفاعلية على المنصات الرقمية، وكل عميل هيحس إن المحتوى معمول مخصوص ليه.
هز الرجل رأسه بإعجاب.
ـ ممتاز.
وأضاف آخر:
ـ واضح إن في دراسة كبيرة اتعملت قبل التنفيذ.
أجابته بهدوء.
ـ فعلًا... اشتغلنا على دراسة السوق لأكتر من شهرين قبل ما نستقر على الخطة.
ابتسم كريم بفخر.
كان يعلم حجم المجهود الذي بذلته خلال الفترة الماضية.
انتهى العرض وسط تصفيق الحاضرين.
قال أحد المستثمرين :

ـ بصراحة... دي من أفضل الخطط التسويقية اللي شفتها الفترة الأخيرة.
وأضاف آخر:
ـ لو التنفيذ بنفس مستوى العرض... المشروع هيحقق نجاح كبير.
التفت كريم نحو غزل.
ـ شكرًا يا غزل.
بادلته ابتسامة صغيرة، ثم جلست في مكانها.
في تلك اللحظة...
تكلم مختار لأول مرة منذ بداية الاجتماع.
ـ عندي اقتراح.
التفتت إليه جميع الأنظار.
فتح الملف الذي أمامه، ثم قال بهدوء رجل الأعمال الواثق:
ـ الخطة ممتازة... لكن شايف إننا محتاجين نضيف مرحلة رابعة بعد الإطلاق.
نظر إليه كريم باهتمام.
ـ تقصد إيه؟
ـ حملة موجهة لعملاء المرحلة الأولى بعد استلام الوحدات... نخليهم هم بنفسهم سفراء للمشروع.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم ابتسمت غزل.كانت الفكرة ذكية.
رفعت يدها قليلًا وقالت:
ـ في الحقيقة... الاقتراح ده هيزود مصداقية الحملة بشكل كبير، لأن العملاء هيبقوا بيتكلموا عن تجربتهم الحقيقية.
نظر إليها مختار، فالتقت عيناهما.
لأول مرة...لم يكن بينهما خلاف.بل اتفاق.
ابتسم كريم وهو يغلق الملف.
ـ يبقى نتفق على إضافة المرحلة الرابعة للخطة.
وافق الجميع.
وبينما بدأ الاجتماع يقترب من نهايته...
دخل سكرتير كريم على استحياء، واتجه نحوه وهمس في أذنه ببضع كلمات.
تبدلت ملامح كريم قليلًا، ثم رفع رأسه وقال للحضور:
ـ أعتذر من حضراتكم... في ضيف مهم وصل دلوقتي، ووجوده هيضيف للمشروع قيمة كبيرة.
التفت الجميع نحو باب القاعة...
وفي اللحظة التالية...
ـ أعتذر يا فندم... الأستاذ فريد الهلالي وصل.
ابتسم كريم ونهض من مقعده.
ـ أخيرًا.
وما هي إلا لحظات حتى انفتح الباب مرة أخرى.
دخل رجل في منتصف الخمسينات من عمره، مهاب الطلعة، يكسو الشيب جانبي شعره، ويرتدي بدلة داكنة أنيقة، وخلفه مباشرة كانت تسير ليلى بكامل أناقتها، تحمل مجموعة من الملفات بين يديها.
وقف كريم لاستقبالهما.
ـ أهلًا وسهلًا يا أستاذ فريد... نورت الاجتماع.
صافحه فريد بحرارة، ثم قال بابتسامة اعتذارية:
ـ حقكم عليا يا جماعة... كنت جاي مباشرة من السفارة، وكان عندي شوية إجراءات خاصة بسفر الأسبوع الجاي، واتعطلت أكتر مما توقعت.
ابتسم كريم بتفهم.
ـ ولا يهمك... لسه خلصنا الجزء الخاص بالخطة التسويقية.
تقدم فريد بخطوات هادئة، ثم صافح الحضور واحدًا تلو الآخر، حتى توقف أمام مختار.
ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة.
ـ المهندس مختار... أخيرًا بقينا شركا في مشروع واحد.
نهض مختار وصافحه باحترام.
ـ الشرف ليا يا أستاذ فريد.
في تلك اللحظة..رفعت ليلى عينيها نحو مختار.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تقول:
ـ إزيك يا مختار ؟
بادلها نظرة هادئة، ثم أجاب باقتضاب:
ـ الحمد لله.
لم يزد حرفًا آخر.
أما هي...فلم يبدُ عليها الانزعاج، بل حولت نظرها بهدوء نحو غزل.
كانت غزل ما تزال جالسة في مكانها، ترتب أوراقها بعد انتهاء العرض.
ابتسمت ليلى ابتسامة يصعب تفسيرها، ثم قالت وهي تتجه نحو الطاولة:
ـ واضح إننا فاتنا أهم جزء في الاجتماع.
ابتسم كريم.
ـ للأسف فعلًا... أستاذة غزل كانت لسه منتهية من عرض الحملة الإعلانية.
التفتت ليلى إلى غزل، وقالت بابتسامة بدت مهذبة، لكنها حملت بين كلماتها نبرة اختبار واضحة:
ـ خسارة... كنت أتمنى أشوف العرض بنفسي، خصوصًا إن المشروع بالحجم ده محتاج خبرة كبيرة في التسويق.
رفعت غزل رأسها إليها، وأجابتها بابتسامة هادئة لا تقل رقيًا:
ـ ولا يهمك... العرض كله متسجل، وأقدر أعرضه مرة تانية في أي وقت لو حضرتك حبيتي تطلعي على كل التفاصيل.
ابتسمت ليلى ابتسامة جانبية.
ـ أكيد... لأن التفاصيل الصغيرة هي اللي بتفرق في المشاريع الكبيرة.
أجابتها غزل بنفس الهدوء:
ـ عشان كده اهتمينا بكل تفصيلة قبل ما نوصل للنسخة النهائية.
ساد صمت قصير...
لاحظ خلاله كريم أن الحديث بدأ يأخذ منحنى شخصيًا، فابتسم قائلًا:
ـ الحمد لله إنكم هتشتغلوا مع بعض، لأن أستاذة ليلى هتمثل مجموعة الهلالي في المشروع، وهيكون بينكم تنسيق مستمر.
التقت عينا غزل بليلى مرة أخرى.
هذه المرة...
لم تكن النظرات مجرد تعارف.
بل كانت أول مواجهة صامتة بين امرأتين، كل واحدة منهما تخفي خلف ابتسامتها ما لا تقوله الكلمات.
أما مختار...
فكان يتابع المشهد في صمت، وقد أدرك منذ اللحظة الأولى أن وجود ليلى في المشروع لن يكون مجرد إضافة استثمارية... بل بداية معركة جديدة، ستدور هذه المرة داخل قاعات الاجتماعات، لا خارجها.
جلس الجميع في أماكنهم من جديد، بينما فتح كريم الملف الخاص بالملاحظات النهائية.
ابتسم وهو ينظر إلى فريد.
ـ بما إن حضرتك وصلت، أحب أسمع رأيك في الخطة قبل ما نعتمدها بشكل نهائي.
نظر فريد إلى ابنته، ثم قال بهدوء:
ـ ليلى كانت مطلعة على الدراسة الأولية من البداية... خليها هي تتكلم.
أومأ كريم موافقًا.
ـ اتفضلي.
اعتدلت ليلى في جلستها، وفتحت الملف أمامها، ثم نظرت أولًا إلى غزل قبل أن تنقل بصرها إلى بقية الحضور.
ـ في البداية... أحب أقول إن العرض اللي اتقدم النهارده مميز فعلًا، وواضح إن فيه مجهود كبير اتبذل فيه.
التفتت إلى غزل بابتسامة رقيقة.
ـ برافو يا أستاذة غزل.
بادلتها غزل ابتسامة هادئة.
ـ شكرًا.
أغلقت ليلى الملف قليلًا، ثم قالت بنبرة عملية تمامًا:
ـ لكن عندي ملاحظة صغيرة.
نظر إليها كريم باهتمام.
ـ اتفضلي.
ـ إحنا بنتكلم عن مشروع موجه لفئة من العملاء مستعدة تدفع أرقام كبيرة، والفئة دي مش بتشتري إعلان... هي بتشتري إحساس بالتميز والانفراد.
أومأ أكثر من مستثمر موافقًا.
تابعت بثقة:
ـ علشان كده... أنا شايفة إننا نقلل شوية من المحتوى الجماهيري على منصات التواصل، ونركز أكتر على حملات خاصة ومغلقة، ودعوات حصرية لكبار العملاء، وتجارب شخصية قبل الطرح الرسمي.
تبادل الحضور النظرات.
كانت الفكرة جيدة...بل ذكية 
ابتسم كريم.
ـ اقتراح محترم.
نظر إلى غزل.
ـ إيه رأيك؟
أخذت غزل ثانيتين قبل أن تجيب.
ـ الحقيقة... أنا متفقة مع جزء من كلام أستاذة ليلى.
التفتت إليها ليلى باهتمام.
أكملت غزل بهدوئها المعتاد:
ـ فعلًا العميل المستهدف لازم يحس إنه مميز... لكن لو اعتمدنا على الحملات المغلقة بس، هنخسر جزء كبير من حالة الفضول اللي إحنا بنبنيها من أول يوم.
ثم أشارت إلى الشاشة.
ـ عشان كده أنا قسمت الحملة لمرحلتين... الأولى تصنع الضجة، والثانية تصنع الإحساس بالتميز.
أضافت وهي تنظر إلى المستثمرين:
ـ يعني العميل لما توصله الدعوة الخاصة... هيكون أصلًا سمع عن المشروع، وده هيخليه أكثر استعدادًا إنه يحضر ويهتم.
ساد الصمت لثوانٍ.
ابتسم أحد المستثمرين.
ـ الحقيقة... دمج الفكرتين هيبقى أفضل.
هز فريد الهلالي رأسه مؤيدًا.
ـ وأنا مع الرأي ده.
ثم التفت إلى كريم.
ـ نخلي الحملة الجماهيرية موجودة، لكن بنسبة أقل، ونركز بعد كده على الدعوات الخاصة لكبار العملاء.
ابتسم كريم.
ـ ممتاز.
نظر إلى غزل 
ـ تقدري تعملي التعديل ده؟
ابتسمت بثقة.
ـ أكيد... وهيضيف قوة للحملة.
كانت ليلى تراقبها في صمت.
لم تنزعج...بل ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت:
ـ واضح إنك مرنة في الشغل، ودي ميزة كويسة.
أجابتها غزل بنفس الهدوء:
ـ لأن الهدف في النهاية نجاح المشروع، مش إثبات إن رأي حد صح ورأي حد غلط.
ارتفعت زاوية فم مختار بابتسامة صغيرة.
أعجبه ردها.
أما ليلى..فلاحظت تلك الابتسامة.للحظة قصيرة...
ضاقت عيناها، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها، وقالت وهي تغلق ملفها:
ـ يبقى كده متفقين.
لكنها في داخلها...
أدركت أن غزل ليست سهلة كما توقعت.
وأن إسقاطها أمام الجميع لن يكون بهذه البساطة.
أما غزل...
ففهمت من أول مواجهة أن ليلى لا تبحث عن خلاف شخصي، بل عن إثبات أنها الأذكى في القاعة.
لذلك... قررت أن تتعامل معها بالطريقة نفسها.
بعقلها... لا بمشاعرها.
خرج الحضور من قاعة الاجتماعات في مجموعات صغيرة، بينما انشغل كريم في توديع المستثمرين ومرافقة والد ليلى للحديث مع بعض الشركاء.
أغلقت غزل حاسوبها المحمول، وجمعت أوراقها داخل الحقيبة بهدوء، قبل أن تنهض من مكانها.
كانت على وشك الخروج...
حين سمعت صوتًا ناعمًا خلفها.
ـ أستاذة غزل...
استدارت، فوجدت ليلى تقف على بعد خطوات منها، تبتسم ابتسامة هادئة يصعب تفسيرها.
بادلتها غزل ابتسامة مجاملة.
ـ اتفضلي.
اقتربت ليلى بخطوات واثقة، ثم قالت بنبرة يغلفها الهدوء:
ـ كنت حابة أتكلم معاكي دقيقتين... لو عندك وقت.
أومأت غزل.
ـ أكيد
ألقت ليلى نظرة سريعة حولها، ثم أشارت إلى ركن هادئ يطل على المدينة من خلف الواجهة الزجاجية.
ـ ممكن؟
سارت غزل معها دون اعتراض.
وقفتا متقابلتين، بينما كان صخب الموظفين يصل إليهما خافتًا من الخارج.
قطعت ليلى الصمت أولًا.
ـ حابة أقولك إن عرضك النهارده كان كويس فعلًا.
ابتسمت غزل ابتسامة بسيطة.
ـ شكرًا.
تنهدت ليلى بخفة، ثم شبكت أصابعها أمامها.
ـ وأنا بصراحة بتمنى إن شغلنا مع بعض يكون مريح... لأن المشروع ده مكسبه للكل، وأعتقد آخر حاجة إحنا محتاجينها هي أي خلافات شخصية.
تأملتها غزل للحظات قبل أن تقول بهدوء:
ـ وأنا كمان شايفة إن الشغل لازم يفضل شغل.
ابتسمت ليلى وكأنها كانت تنتظر تلك الإجابة.
ـ كويس... يبقى إحنا متفقين.
سكتت لحظة، ثم أضافت بنبرة بدت عفوية أكثر من اللازم:
ـ أصل أنا ومختار... خلاص اقتنعنا بعد آخر مرة اتقابلنا فيها إن اللي كان بينا انتهى تمامًا، وإننا مننفعش لبعض.
لم يتغير تعبير وجه غزل.
لكنها فهمت الرسالة.
لم تكن ليلى تخبرها بشيء...
بل كانت تريد أن تؤكد لها أن بينهما لقاءً أخيرًا... وحديثًا خاصًا... ونهاية اتفقا عليها معًا.
تابعت ليلى بابتسامة هادئة:
ـ ساعات الإنسان بيحتاج يقفل باب بنفسه، علشان يعرف يبدأ حياة جديدة... وده اللي حصل بيني وبينه.ظلت غزل تنظر إليها بصمت.
ثم قالت في هدوء محسوب:
ـ كويس.
ارتفع حاجبا ليلى قليلًا.
ـ كويس؟
ابتسمت غزل ابتسامة رقيقة.
ـ أيوه... لأن الماضي مكانه الماضي.
تأملتها ليلى في صمت، بينما أكملت غزل بنفس النبرة الهادئة:
ـ وبصراحة... أنا مش من النوع اللي بيفتش في حياة حد قبل ما يعرفه، ولا يشغل نفسه بعلاقات انتهت.
ابتسمت ليلى ابتسامة خفيفة.
ـ واضح إنك واثقة من نفسك.
ـ الحمد لله.
اقتربت ليلى خطوة صغيرة، ثم قالت وكأنها تنصحها:
ـ مختار شخص عنيد جدًا... ولما بيحب حاجة بيتمسك بيها للنهاية.
رفعت غزل عينيها إليها.
ـ يمكن.
ـ لأ... مش يمكن... أنا أعرفه كويس.
ابتسمت غزل دون أن تهتز.
ـ أكيد... حضرتك تعرفيه من فترة طويلة.
قالتها بهدوء شديد...
لكنها حملت معنى جعل ليلى تدرك أن غزل فهمت مقصدها بالكامل.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ.
ثم ابتسمت غزل ابتسامة مهذبة وقالت:
ـ على العموم... أتمنى فعلًا إن شغلنا يكون ناجح، لأن ده اللي يهمني.
أومأت ليلى برأسها.
ـ وأنا كمان.
وفي اللحظة نفسها...
خرج مختار من قاعة الاجتماعات بعدما أنهى حديثًا سريعًا مع كريم، فتوقفت عيناه فورًا عند غزل وليلى وهما تقفان معًا.
انعقد حاجباه دون أن يشعر.
أما ليلى...فما إن لمحته، حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفية.كانت تعلم...
أن مجرد رؤيته لهما تتحدثان وحدهما...كفيل بأن يثير فضوله.
تأملهما لثوانٍ من بعيد.
كانت ليلى تبتسم بهدوء، بينما وقفت غزل بثباتها المعتاد، لا تبدو منفعلة، لكن مختار كان يعرفها جيدًا...
يعرف أنها كلما ازداد هدوؤها، كانت تخفي وراءه عشرات الأسئلة.
اعتذر من كريم بإشارة خفيفة، ثم اتجه نحوهما مباشرة.
لاحظت ليلى اقترابه قبل غزل، فابتسمت في هدوء.
أما غزل، فلم تنتبه إلا عندما سمعت صوته.
ـ خلصتوا كلام؟
التفتت إليه.
ـ أيوه .
وقف إلى جوارها، ولم ينظر إلى ليلى إلا للحظة قصيرة.
ـ كويس.
ثم التفت إلى غزل وحدها.
ـ يلا... نمشي؟
ـ لسه هراجع مع كريم شوية تعديلات.
أومأ برأسه.
ـ تمام... هستناكي.
وقبل أن ترد...
مد يده بهدوء، وأخذ حقيبتها من فوق كتفها.
نظرت إليه بدهشة.
ـ مختار... سيبها.
ابتسم ابتسامة هادئة.
ـ تقيلة... هشلها أنا.
ـ أقدر أشيلها.
ـ عارف... بس أنا اللي عايز أشيلها.
ساد صمت قصير.
كانت الحركة بسيطة...
لكنها لفتت انتباه ليلى.
لم يكن مختار يستعرض شيئًا.
بل تصرف بعفوية، وكأن حمل حقيبة غزل أمر طبيعي بالنسبة إليه.
قالت ليلى بابتسامة هادئة:
ـ واضح إنك اتغيرت يا مختار.
التفت إليها أخيرًا.
ـ الحمد لله.
ـ زمان مكنتش بتشيل حتى ملف بإيدك.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
ـ الإنسان بيتعلم.
ثم عاد ينظر إلى غزل.
ـ هنخلص إمتى؟
أجابت بهدوء:
ـ عشر دقايق بالكتير.
ـ تمام.
هز رأسه، ثم قال:
ـ هستناكي في مكتبة الاستقبال.
استدار ليغادر، لكنه توقف بعد خطوتين فقط.
عاد إليها مرة أخرى، ثم قال وكأنه تذكر شيئًا.
ـ بالمناسبة...
رفع طرف وشاحها الذي انزلق قليلًا عن كتفها أثناء وقوفها، وعدله برفق شديد، دون مبالغة أو جرأة، ثم ابتعد في هدوء.
ـ كده أحسن.
تجمدت غزل مكانها للحظة.
أما ليلى...
فاختفت ابتسامتها لثانية واحدة قبل أن تعود من جديد.كانت تلك الحركة كافية.
لم يكن فيها استعراض...ولا محاولة لإثارة الغيرة.
بل كانت تحمل اهتمامًا صادقًا، خرج منه بعفوية.
قال مختار وهو ينظر إلى غزل فقط:
ـ مستنيكي.
ثم انصرف.
ظل بصر غزل معلقًا به حتى ابتعد.
قطعت ليلى الصمت بابتسامة خفيفة.
ـ شكله فعلًا اتغير.
أجابت غزل وهي تحول نظرها عنها:
ـ يمكن.
تنهدت ليلى، ثم قالت بنبرة حاولت أن تبدو طبيعية:
ـ بصراحة... أول مرة أشوفه بالشكل ده.
رفعت غزل حقيبتها من يد مختار التي كان قد أعادها إليها قبل أن يبتعد، ثم قالت بهدوء:
ـ الناس بتتغير.
ابتسمت ليلى، لكن هذه المرة كانت ابتسامتها أقل ثباتًا.
لأنها أدركت أن مختار...
لم يحاول فقط أن يطمئن غزل بكلام.
بل اختار أن يفعل ذلك بأفعاله، دون أن يمنح ليلى فرصة واحدة لتستغل الماضي أو تزرع الشك بينهما.
أنهت غزل مراجعة التعديلات الأخيرة مع كريم، وبعد أن اتفقا على موعد تنفيذ المرحلة الأولى من الحملة، أغلقت حاسوبها المحمول.
ابتسم كريم وهو يصافحها.
ـ كالعادة... شغل ممتاز يا غزل.
ابتسمت باقتضاب.
ـ شكرًا.
ـ خلي فريقك يبدأ يشتغل من بكرة، وأنا هبعتلك كل الملفات المطلوبة.
ـ تمام.
ودعته بهدوء، ثم خرجت من قاعة الاجتماعات.
ما إن وصلت إلى بهو الشركة...
حتى وجدته.
كان يجلس في أحد المقاعد القريبة من الواجهة الزجاجية، يحمل هاتفه بين يديه، لكنه لم يكن منشغلًا به بقدر انشغاله بباب المصعد.
وما إن لمحها تخرج...حتى نهض في الحال.
ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة.
ـ خلصتي؟
أومأت برأسها.
ـ أيوه... استنيت كتير؟
هز رأسه نافيًا.
ـ ولا دقيقة تضيع لو هستناكي.
لم تعلق، لكنها أشاحت بعينيها عنه حتى لا يرى أثر تلك الكلمات عليها.
اقترب منها وأخذ حقيبتها كأنه يفعل ذلك بشكل تلقائي.
ـ هاتها.
حاولت أن تسحبها منه.
ـ مختار... أنا هشيلها.
ابتسم وهو يتمسك بها.
ـ وأنا عارف... بس سيبيني أعمل أي حاجة ليكي.
نظرت إليه لحظة، ثم تركت الحقيبة دون مقاومة.
خرجا معًا من الشركة.
فتح لها باب السيارة، وانتظر حتى جلست، ثم أغلق الباب بهدوء، واستدار إلى مقعد القيادة.
انطلقت السيارة وسط زحام القاهرة، ولم يتبادل أيٌّ منهما الحديث في البداية.
كان كل منهما غارقًا في أفكاره.
غزل تستعيد كلمات ليلى...
ومختار يراقب الطريق في صمت.
مرّت عدة دقائق، قبل أن تكسر غزل السكون أخيرًا.
ـ مختار...
التفت إليها سريعًا.
ـ نعم؟
ترددت للحظة، ثم زفرت بهدوء.
ـ ممكن أسألك سؤال؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
ـ طبعًا.
نظرت إليه مباشرة، ثم قالت بصوت هادئ، لكنه حمل فضولًا لم تستطع إخفاءه:
ـ ليلى قالتلي إن آخر مرة اتقابلتوا فيها... اتفقتوا إن علاقتكم انتهت، وإن كل واحد فيكم اقتنع إن التاني مش مناسب ليه...
سكتت لحظة، قبل أن تضيف وهي تبحث عن الحقيقة في عينيه:
ـ إيه اللي حصل بينكم فعلًا؟

ياترى ايه اللى وصل ليلى تقول الكلام ده وياترى اللى جاى هيبقى عامل ازاى؟؟؟؟


تعليقات