رواية عندما يستيقظ الامس الفصل الثامن عشر والاخير
- ستة أشهر كامله من الصمت مرت و الحياة فقط تمضي ببطء فـ في البداية كان الأمر قاسيًا " نيللي " لم تعد إلى الفيلا.
- ظلت "نيللي" مع والدها وكان " زين " يقضي أيامًا معاها وأيامًا مع والده أما زياد فلم يحاول الضغط عليها و لم يلاحقها و لم يتوسل ولم يستخدم " زين " وسيلة للضغط لأول مرة في حياته واجه نتائج قراراته بصمت و عاد إلى العلاج النفسي و جلس ساعات طويلة يتحدث عن تَيم و عن الذنب و عن الهروب وعن ماجد وعن زياد حتى أدرك شيئًا مهمًا أنه لم يكن هناك رجلان{ بل رجل واحد ارتكب أخطاء وأحب وخاف وهرب ثم عاد}
*******************
( داخل عيادة الدكتور النفسي )
- كان المكتب هادئًا بينما تسللت أشعة الشمس عبر النافذة لتلامس أرضية الغرفة.
ظل زياد صامتًا لوقت طويل، ثم رفع رأسه نحو الطبيب النفسي، وقال بصوت خافت:
أنا حكيتلك كل حاجة ..من أول موت تَيم ، لحد العملية، ولحد ما افتكرت كل حاجة.
أومأ الطبيب بهدوء، ثم سأله:
و ايه أكتر حاجة بتوجعك دلوقتي؟
- ابتلع زياد ريقه قبل أن يجيب:
اني هربت و سيبت مراتي لوحدها وهي كانت مكسورة زيي وسايبها تواجه كل ده من غيري.
- ساد الصمت للحظات ثم قال الطبيب بهدوء:
انت فاكر إن هروبك كان هيحميك؟
- أخفض زياد رأسه و هو يخبره :
وقتها كنت فاكر اني لو اختفيت، الألم هيختفي معايا.
- ابتسم الطبيب ابتسامة حزينة وقال:
وفعلاً اختفى؟
- هز زياد رأسه ببطء وقال :
مؤقتاً
_ لأن أن الوجع عمره ما بيتدفنش بالهروب بيتأجل بس . أخبره الطبيب بذلك ثم أكمل قائلا :
بص يا زياد اللي حصل لـ تَيم كان حادثة مأساوية، وأنت بالفعل أخطأت، لكنك ما كنتش الوحيد اللي خسر.
- رفع زياد عينيه إليه فقال الطبيب:
مُني فقدت ابنها زيك بالضبط.
- فـ تدفقت دمعة من عين زياد فأكمل الطبيب:
يمكن هي غلطت لما فضلت تلومك، ويمكن جرحها خلاها قاسية لكن افتكر حاجة مهمة.
- نظر إليه زياد في صمت بينما اكمل هو :
هي ما كانتش بتحاربك هي كانت بتحارب وجعها، وأنت كنت بتحارب وجعك.
- تنهد زياد بألم وهو يردد :
بس أنا سبتها.
- هز الطبيب رأسه و هو يردف قائلا:
أيوه ودي أكبر غلطة عملتها لكن لو كنتوا فضلتوا سوا، كان ممكن تتعبوا، وتختلفوا، ويمكن حتى تنفصلوا بعد سنين لكن كان هيبقى قرار اتاخد وأنتم واعيين أما إنك تختفي وتموت بالنسبة لها وتسيبها تعيش سنين وهي فاكرة إنها فقدتك للأبد فهنا أنت حرمتها حتى من حقها في انها تختار
تودعك
- ارتجفت شفتا زياد وقال بصوت يكاد لا يُسمع:
أنا ظلمتها !!!
_ ظلمت نفسك قبلها لأنك كنت فاكر إن النسيان علاج لكن الحقيقة إن الشفا عمره ما بيبدأ غير لما الإنسان يبطل يهرب، ويبص لجرحه وهو مفتوح، ويقرر يعالجه بدل ما يدفنه. أخبره الطبيب بنبرة ثبات فـ ساد الصمت طويلًا ثم مسح زياد دموعه ببطء وقال:
يعني أنا لسه أقدر أعيش؟
- ابتسم الطبيب لأول مرة و قال:
طول ما عندك شجاعة تواجه أخطاءك يبقى عندك فرصة تبدأ من جديد لكن المرة دي .. مش بهوية جديدة ولا بذاكرة جديدة إنما بقلب اتعلم من ألمه.
- خفض زياد رأسه، وشعر لأول مرة منذ سنوات أن الاعتراف لم يُخفف عنه الذنب فحسب ..
*************
- أما " مُنى " فكانت أول من غادر الماضي و أغلقت المرسم القديم وأقامت معرضًا صغيرًا للوحاتها وللمرة الأولى منذ سنوات لم تكن أي لوحة عن تَيم
ولا عن ماجد ولا عن الفقد بل كانت عن البحر والضوء والمدن
والبدايات الجديدة وحين سألها أحد البلوجر في الافتتاح: مين الشخص اللي ألهم معظم لوحاتك القديمة؟
ابتسمت ابتسامة هادئة، ثم قالت له :
شخصٌ كان مهم جدا في حياتي.
- واكتفت بذلك ثم اعتذرت بلطف، وغادرت عدسات الكاميرات متجهة إلى شرفة المرسم المطلة على النيل و كان الهواء المسائي عليلًا، يحمل شيئًا من السكينة التي افتقدتها طويلًا ووقفت تتأمل الأفق، حتى سمعت صوت خطوات يقترب منها فاستدارت ببطء و توقفت ملامحها لثوانٍ فوجدت زياد وكان يرتدي قميصًا أبيض بسيطًا، ويحمل باقة صغيرة من زهور الليليوم البيضاء.
- ابتسم لها ابتسامة هادئة، ثم مد الباقة إليها وهو يقول :
ألف مبروك.
- أخذتها وهي لا تزال تنظر إليه بدهشة ثم قالت وهي تبتسم: انت .. عرفت مكان المرسم إزاي؟
- ابتسم زياد وهو يخبرها : شوفت إعلان المعرض على الانستا ولما عرفت انه أول معرض ليكِ بعد السنين دي، حسيت إني لازم أجي.
-اخفضت رأسها وهي تنظر إلى الزهور ثم قالت بصوت خافت: شكرًا.
- ساد بينهما صمت قصير، لكنه لم يكن صمتًا ثقيلًا كما كان في الماضي بل كان صمت شخصين انتهت بينهما كل المعارك فقال زياد وهو يتأمل إحدى اللوحات:
لوحاتك اتغيرت.
-ابتسمت و قالت :
أيوه اخيرًا بطلت أرسم وجعي.
- نظر إليها بإعجاب وهو يقول :
واضح.
ثم أكمل بعد لحظة و قال :
انا فرحت إنك عرفتي تكملي.
- ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تخبره :
و انت كمان.
- رفع عينيه إليها فأكملت قائلة :
أول مرة أشوفك مرتاح بالشكل ده.
- تنهد زياد بهدوء وهو يقول :
أخدت وقت طويل بس الحمد لله.
- صمت قليلًا، ثم قال:
عارفة يا مُني احنا فضلنا سنين فاكرين إن كل واحد فينا هو سبب عذاب التاني لكن الحقيقة إن اللي حصل كان قضاء ربنا لانها حادثة عمرها ما كان حد فينا يتمنى إنها تحصل.
- أومأت مُنى برأسها وقد امتلأت عيناها بالدموع، لكنها لم تبكِ و قالت بهدوء:
يمكن عمرنا ما هنبطل نفتكر تيم بس بطلنا نلوم نفسنا كل يوم.
- ابتسم زياد ابتسامة امتنان و قال لها :
وده أكبر انتصار.
_ عارف يمكن أنا آخر واحدة صدقت إن الحكاية بينا لسه مخلصتش لكنها كانت خلصت من يوم ما صدر حكم باعتبارك متوفى وفي يومها حياتك بقت ملكك يا ماجد حتى لو قلبي احتاج وقت أطول علشان يقتنع و يمكن ده كان أرحم لينا كلنا.
- أومأ موافقًا ثم مد يده إليها فصافحته بابتسامة صادقة فقال وهو يبتسم: أتمنى أشوف اسمك في أكبر معارض الفن يا مُنى
- ابتسمت وهي تشد على يده برفق و قالت :
وأنا اتمني لك كل الخير
- تركت يده فاقترب منها محاوطاً ذراعيها وهو يخبرها
بصوت هادئ: استحقي الحياة اللي جاية لأنها جاية بعد وجع كبير يا مُنى
- ابتسمت له ابتسامه بسيطة و اردفت له : و انت كمان حافظ على اللي ربنا رزقك بيه.
- هز رأسه ثم استدار وغادر بينما وقفت مُنى تتابعه بعينيها حتى اختفى بين الحضور ثم نظرت إلى باقة الزهور بين يديها وأدركت أنها لم تعد تحمل ذكرى رجل فقدته بل ذكرى إنسان سامحته أما الحب فقد بقي في مكانه الجميل وهو الماضي حيث يستحق أن يُترك بسلام.
*******
أما " نيللي " فلم يكن طريقها سهلًا كانت تحب " زياد "
وذلك لم يتغير لكن الثقة لا تعود بنفس سرعة الحب ، ولهذا ظلت تراقبه من بعيد و ترى كيف يتعامل مع " زين "
و كيف يلتزم بمواعيده و كيف لم يعد يختبئ خلف الأعذار و كيف أصبح أكثر هدوءًا وأكثر صدقًا وأقل خوفًا.
(وفي أحد الأيام )
- كان " زين " في المدرسة وأقيمت فعالية صغيرة للأهالي وصل " زياد " أولًا ثم وصلت " نيللي " بعده بدقائق و تبادلا التحية بهدوء وبلا توتر ثم جلسا بجوار بعضهما يشاهدان عرض الأطفال وفجأة ظهر " زين " على المسرح يرتدي زي طاهٍ صغير تمامًا مثل والده ، فضحك الحضور بينما شعر " زياد " بأن قلبه يكاد يخرج من صدره.
(وبعد انتهاء العرض ركض " زين " نحوهما ثم أمسك يد " زياد " بيد ويد " نيللي " باليد الأخرى وقال بفخر: شوفتوا
- ضحكا معًا و في اللحظة نفسها نظرا إلى بعضهما وسرعان ما أشاح كل منهما ببصره لكن شيئًا صغيرًا دافئًا تحرك بينهما من جديد.
( وفي تلك الليلة وصلت رسالة من " نيللي "إلى " زياد " بعد شهور طويلة
[مبروك على نجاح زين النهارده]
- ظل "زياد " ينظر إلى الشاشة طويلًا ثم ابتسم وأجاب:
طالع لأمه
- وللمرة الأولى منذ شهور ضحكت " نيللي " وهي تقرأ الرد
***
- مر شهر آخر ثم شهر ثم آخر حتى أصبح الفراق بينهما أقل حدة وأصبح الحديث أسهل وأصبح الصمت أقل وجعًا.
- وفي مساء شتوي هادئ كان " زياد " يغلق مطعمه بعد يوم عمل طويل.
- رفع رأسه نحو الباب الزجاجي فتوقف عندما رأي " نيللي " و كانت تقف هناك ترتدي معطفًا داكنًا وشعرها الاحمر يتحرك مع الهواء.
- تجمد مكانه. لثانية واحدة فقط ثم ابتسم ابتسامته القديمة.
- دخلت.
وجلسا معًا في المطعم الخالي المكان الذي شهد بداية نجاح زياد وبداية سقوطه وبداية تعافيه.
_ ازيك؟
= كويس
ثم أكمل مبتسمًا قائلا :
دلوقتي كويس جدا
-اخفضت عينيها وابتسمت هي الأخرى ، ولم تقل شئ ساد الصمت بينهما لكنه لم يكن مزعجًا هذه المرة بل مريحًا مثل شخصين يعرفان بعضهما جيدًا ولا يحتاجان للكثير من الكلام.
— فاكر من شهور لما كنت عند بابا في الفيلا و قولت هتستني .
- أومأ لها بإيجاب وقال :
ولسه عند كلامي.
- رفعت عينيها إليه وكان فيهما شيء لم يره منذ زمن طويل الأمان.
_ ولو قولتلك إني مش ناسية؟ أخبرته فأجاب : متنسيش.
-بدت الدهشة على وجهها فأكمل: أنا نفسي مش ناسي لا تَيم ولا مُنى ولا كل حاجة ولا عايز أنساها ، بس ممكن نكمل رغم ده.. انا محتاج أننا نكمل يا نيللي صدقيني انا محتاجك و محتاج حُبك
-امتلأت عيناها بالدموع و هبطت عندما قَبل يديها وهو يتوسل إليها
- تركت يديه التي تحاوط يديها واتجهت نحو الباب فتبعها بعينيه التي كانت تمتلأ بالدموع وقبل أن تخرج التفتت إليه وقالت: لسه عند وعدك؟
- ابتسم وقال : طول عمري.
- ابتسمت ابتسامة صغيرة لكنها كانت كافية لتقول كل شيء.
***
- بعد عام كانت الفيلا مليئة بالضحك من جديد.
- زين يركض في الحديقة و " نيللي " تضحك عليه من الشرفة
- وبعد مرور بعض الوقت كان " زياد " في المطبخ يحضر العشاء، ووجد " نيللي " تأتي بعد قليل وهي تأخذ قطعة تفاح احمر من طبق الفاكهه الذي أعده و لكن لم تأكلها فقط وضعتها بجانب شفتي زياد وقطمتها أثناء همسها له : التفاح ده حلو اوي .
- نظر لها نظرة مرحة ثم ترك ما بيده و مسح يديه في تلك المنشفة القطنية الصغيرة ، و جذبها من خصرها و قال لها بنبرة رومانسية : الغريبة إنك كل مرة بتقولي الحاجة حلوة بـ اكتشف انك انتِ الأحلى منها ثم اخذ قطعة من التفاح الاحمر وضعها عند العرق النابض في رقبتها و قطمها بتلذذ بينما هي تضحك بدلال افقده عقله .
- ابتعد عنها ثم حاوط وجهها و قال : نيللي ، أنا كل يوم بصحى وأقول الحمد لله إني ما ضيعتكيش للأبد.
- ابتسمت ابتسامة صغيرة ثم أخبرته :
الغريب إنك فاكر إني أنا اللي كنت هتضيع.
- نظر إليها باستفهام فأكملت وهي تلمس وجنته برفق:
الحقيقة إنك كنت أنت اللي تايه و احنا كنا مستنيينك ترجع.
*****
لم ينتصر " زياد " على ماضيه لأنه نسيه، بل لأنه واجهه أخيرًا و أدرك أن حبّه لـ " مُنى " كان جزءًا من حياته، وأن فقدان " تَيم " سيظل ندبة لا تزول، لكنه تعلّم أن الذكريات المؤلمة لا يجب أن تحكم ما تبقى من العمر ،
أما " نيللي " فلم تسامح لأنها تجاهلت الحقيقة بل لأنها رأت رجلًا تحمّل أخيرًا مسؤولية أوجاعه ولم يَعُد يهرب منها.
وفي النهاية، لم يعد " زياد " إلى الماضي، بل اختار الحاضر فـ اختار "نيللي" ، و "زين" ، والحياة التي صنعها بقلبه لا بذاكرته فـ بعض الجروح لا تلتئم، لكنها تتوقف عن النزف.
تمت بحمد الله
