رواية شلال الدم الفصل الاول
"الحق يا أبا سويلم!"
"ناجي ولد الدهشان جه، وجاي على حصانه يركد ناحية الدوار، وباين في عينيه الشر!"
لمّ الحاج سويلم عباءته ووقف على حيله:
"انت بتقول ايه يا نذير الشوم؟ احنا كنا نسينا وهو في العلام بره الكفر، ايه اللي جابه تاني؟ وقالوا إنه اتجوز في بلاد بره وبقى خواجة!"
"خواجة ايه يا أبا سويلم! ده لابس عبايته ونازل عامل فيها رفيع بيه!"العزايزي في الضوء الشارد"
أخذه الحاج سويلم تحت ذراعه وقال له في همس:
"وياترى جاي يعمل هنا ايه؟ ليكون جاي يقتل ولدي حسنين؟"
"غور يا واد من وشي، هات الغفر يحوطوا المكان!"
"حاضر يا أبا العمدة."
بالفعل جاء ناجي ونزل من على حصانه بخفة ورشاقة، كانت عيونه كعيون الصقر حادة، وكان سماره الخمري لون الجبل وشدته، وشعره المجعد يعطيه طابعاً رجولياً أخاذاً.
دخل ناجي بكل هيبة وحِدّة وصوت جهوري:
"اسمع يا عمدة.. أنا جيت، مش طالب صلح ولا طالب دم!"
فرك الحاج سويلم في ذقنه وقال باستغراب:
"أمال جاي ليه يا ولد الدهشان؟"
"جاي طالب نسب!"
تراجع الحاج سويلم للخلف وقال:
"بتقول ايه؟ نسب في مين؟"
مال عليه ناجي وهمس في أذنه:
"رحمة."
برقت عينا الحاج سويلم وقال:
"رحمة؟! لكن رحمة مش هتوافق تكون هي الضحية للعلتين! وبعدين بلغنا إنك متجوز خواجاية؟"
عدّل ناجي نفسه وشد عباءته في غرور:
"الراجل له أربعة وأنا أقدر اتجوز أربعة مش اتنين.. يا إما الجواز يتم، يا إما شلال الدم مش هيروق ولا هيتقفل!"
كانت رحمة تقف على أعلى السلالم وسمعت ما دار بينهما، نزلت تتهادى بدريس أزرق به فراشات بيضاء، وكانت ترتدي حجاباً أبيض وكان وجهها يشع نوراً وسلاماً:
"أنا سمعت اللي دار بينكم.. اسمع يا ناجي يا ولد الدهشان، إذا كنت جاي تتعاجب بعلامك ونفوذك وقوتك، فأنا كمان متعلمة مش جاهلة وعندي قوة ونفوذ.. ولكن عشان أمنع شلال الدم هوافق، بس على شرط: جوازنا حبر على ورق!"
فرك ذقنه وفكر برهة ثم قال:
"وماله.. موافق!"
كان حلم حياتها وهي طفلة تلعب معه عند السواقي القديمة أن تكون زوجته، ورغم حبها الدفين له، إلا أن غصة بحلقها كانت تمرر أيامها؛ لأنه ترك عهده لها في الصبا، وسافر وتزوج هناك ونسي كل الوعود.
...ارتمت على فراشها وانهمرت دموعها حارقةً تُطفي بها نار قسوة السنين. لم تكن تبكي خوفًا من المستقبل، بل حزنًا على حلم الصبا الذي تدنس بأغراض التار والسلطة.
كانت تتذكر كيف كان ناجي يُسابق الريح على حافة الترعة لقطف ثمار التين ويُطعمها إياها بضحكته الصافية، قبل أن تسحبه المدينة ويُغويه السفر، وقبل أن يغرس والدهما بذرة التار بين العيلتين بسبب طمع العمودية ومقاعد المجلس.
أما خارج الغرفة، فكان الحاج سويلم يقف مذهولاً، كأنما كَبُرَ عشر سنين في لحظة واحدة. ألقى عصاه جانباً وجلس على الدكة الخشبية وهو يردد بصوت مكسور:
"حقك عليا يا بنيتي.. الشيطان عمانا والعصبية أكلت عقولنا."
مرت الساعات ثقيلة كأنها دهور، حتى حلّ المساء وجاء ناجي برفقة كبار عائلة الدهشان وفي مقدمتهم الحاج عمران. دخلوا الدوار بأجواء يمتزج فيها الفخر بالترقب، وُضِعَت الشروط، وتُليت الفاتحة، وكتب المأذون الكتاب وسط صمتٍ يلفه الحذر، فلا طبلٌ يُقرع ولا زغاريد تُقال.. كأنه عقد صلح بُحبرٍ أحمر.
أثناء توقيع الأوراق، رفعت رحمة عينيها لتلتقي بعيني ناجي؛ كانت نظرته نارية مزيجاً من التحدي والغرور، بينما كانت نظرتها كصخرة صلبة تثبت له أنها لن تكون مجرد "ضحية" أو زينة في داره.
مال عليها ناجي وهو يُسلمها قلم التوقيع، وقال بصوت خافت لم يسمعه غيرها:
"وافقنا على شرطك يا بنت سويلم.. حبر على ورق، بس افتكري كويس.. الورق ده أنا اللي كاتبه، وأنا اللي بحدد امتى يتقطع"
ردت عليه بثبات وثقة هزت كبرياءه:
"والورق ده يا ولد الدهشان هو السد اللي حايش بينك وبين شلال الدم.. ولو اتقطع، هتخسر كل حاجة!"
انتهت مراسم العقد، وخرجت رحمة من بيت والدها تحمل شنطة صغيرة إلى بيت رجل تحبه وتكرهه في آنٍ واحد، لتبدأ أولى خطواتها في معقل عائلة "الدهشان".. حيث لا مكان للضعفاء.
انقبض صدر رحمة حين لامست قدمها العتبة الحجرية لبيت "الدهشان". كان البيت يتوسط الكفر كأنه قلعة من الطين العتيق، تجثم على أنفاس كل من يدخلها. تفوح من جدرانها رائحة الهيبة القاسية وخشب الأبنوس المعتق. خلفها، أُغلق الباب الخشبي الضخم بصرير ممتد، صريرٍ بدا لرحمة وكأنه سكينٌ يُقطع آخر حبل يربطها بدوار والدها وبحياتها الهادئة القديمة.
وقفت في منتصف الصالة الفسيحة تحمل حقيبتها الصغيرة بلمسة من الأصابع المرتجفة. لم ينطلق صوت زغروتة واحدة، ولم تُلقَ على رأسها حفنة من الملح أو الأرز كما جرت العادات لترحاب بالعروس. فقط صمت ثقيل، ونظرات تتطلع إليها من خلف المشربيات الخشبية العالية.
فجأة، انشق الصمت على صوت خطوات ثقيلة ومتقاربة. نزلت الحاجة "آمنة" -أم ناجي- من على السلم العريض. كانت امرأة تسعينية الهيبة رغم أنها لم تتجاوز الستين، ملفوفة في شالها الأسود الخشن، وعلى وجهها ارتسمت خطوط قسوة السنين والتار القديم. وُقفت أمام رحمة على بعد خطوات، ورمقتها بنظرة تفحصية حادة تتفحص الثوب الأزرق والمنديل الأبيض، دون أن تُلقي عليها سلاماً أو تعاطفاً.
وقفت الحاجة آمنة واتكأت على عصاها الأبنوسية، وقالت بصوت جاف كالصحراء:
"دخلتِ دار الدهشان يا بنت سويلم.. دخلتِ بجسمك، لكن مقامك هُنا معلوم. مش معنى إنك لبستِ التوب الأبيض وأخدتِ ولدنا إنك بقيتِ ست الدار.. إحنا وافقنا على الصلح عشان ولدنا طلبت معاه، لكن الدم اللي بيننا وبين ناسك ما بيمحوهوش ورق مأذون."ولا كلمه رجال"
رفعت رحمة رأسها بثبات، وصوبت عينيها بثقة في عيني الحاجة آمنة دون أن يرف لها جفن، وقالت بنبرة هادئة ورزينة هزت صمت القاعة:
"أنا ما جيتش هُنا أدور على مقام ولا عشان أكون ست دار يا خالة.. أنا جيت هُنا عشان أحقن الدم اللي كان هيروي أراضي الكفر كلها. والورق اللي كتبه ولدك، كتبه عشان يحمي داره وناسه قبل ما يحميني. وأنا بنت سويلم.. كرامتي وعزتي معايا أينما تحط قدمي."
ارتفعت حواجب الحاجة آمنة استنكاراً لهذه الجرأة، لكن قبل أن تنطق بكلمة، تدحرج صوت ناجي من أعلى السلم، نادها بعزيمة وصوت رخيم هز جدران الدوار:
"يا أمة! بنت سويلم في حمايتي وتحت كلمتي.. ودورها ومقامها هُنا أنا اللي بحدده، مش حد تاني!"
نزل ناجي بخطوات واثقة، كان قد خلع عباءته الخارجية وظهر بقفطانه المخطط الداكن، وشعره المجعد ما زال يحمل أثر هواء الطريق. وقف بين أمه ورحمة، فارضاً حضوره الصارم على المكان. رمق أمه بنظرة حاسمة جعلتها تتراجع خطوة للخلف وتكتفي بضرب عصاها في الأرض بقلة حيلة، قبل أن تستدير وتنسحب نحو المضيفة وهي تتأفأف بكلمات مبهمة.
التفت ناجي إلى رحمة، وكانت عيناه البنيتين تطالعانها بتفحص؛ فيها مزيج من الإعجاب الدفين بكبريائها، والغرور الذي يأبى الاعتراف بذلك. أشار لها بيده نحو الدرج:
"اتفضلي معايا يا بنت سويلم.. جناحك فوق."
مشيت خلفه على السلالم الرخامية الباردة، كان صمت السرايا يتبعهما كظلهما. حركتهما المتناسقة صعدت بهما إلى الدور الثاني حيث الجناح الخاص بناجي؛ جناح واسع يمتزج فيه الأثاث الصعيدي الثقيل بلمسات أوروبية حديثة جلبها معه من سفره.
بمجرد أن أُغلق الباب الخشبي للجناح، التفت إليها ناجي ووقف يستند بظهره إلى المكتب الخشبي العريض، وكتفاه عريضان يغطيان جزءاً كبيراً من الضوء الصادر من المصباح الزيتي القديم المعلق على الحائط.
قال ناجي وهو يفرك ذقنه ويثبت عينيه عليها: "دلوقتي بقينا لوحدينا يا رحمة.. الباب ده مقفول علينا، ومن اللحظة دي لازم نعرف رأسنا من رجلينا. اتفقنا قدام أهلك إنه جواز 'حبر على ورق'.. وأنا راجل بمسك كلمتي. بس افتكري.. قدام العيلة، قدام الغفر، وقدام ناس الكفر كلهم، إنتِ زوجة ناجي الدهشان.. كلمتك من كلمتي، وحرمتك من كرامتي. محدش هيقدر يمس طرفك، ولا يقلل من قيمتك.. بس بالمقابل، الشرط ده هيفضل محبوس جوة الأوضة دي، مفهوم؟"
وضعت رحمة حقيبتها على الطاولة المجاورة، واقتربت منه بضع خطوات، ينبعث منها هدوء مهيب يُربك كبرياءه: "مفهوم يا ولد الدهشان.. وأنا ما بطلبش منك حماية، ولا بطلب منك مشاعر ماتت من زمان عند عند الساقيه القديمه. أنا بطلب بس إن كل واحد فينا يحترم عهده. كرامتي هصونها بنفسي، وأنت صون عهدك وشرطك."
اقترب ناجي منها خطوة واحدة، حتى أصبحت تفصلهما شبر واحد، ومال بحدقيتيه اللامعتين نحوها، وهمس بنبرة تحدٍّ مشوبة بغيرة مكتومة:
"تفتكري ذكريات الساقية ماتت يا رحمة؟ ولا لسه محفورة جوة قلبك وبتهربي منها كأنك بتهربي من الخوف؟"
قبل أن تنطق رحمة بكلمة، وقبل أن تجيبه بكلماتها القاسية، دوت في أسفل الدوار صرخة غفير بصوت متقطع ومرعوب هزت أركان البيت كله:
— "الحق يا ناجي بيه! فيه عربية ملاكي وقفَت قُدام الدوار.. وفي خواجاية نازلة منها ومعاها شناطها، وبتزعق وبتقول إنها حرم ناجي بيه الدهشان!"
تجمدت الحركة في الغرفة.
سقط الصمت كالصاعقة بينهما.
سحبت رحمة أنفاسها ببطء شديد، ورفعت عينيها نحو ناجي بنظرة كبرياء جارة، بينما تحولت عينان ناجي الصقريتان إلى جمرتين من النار، وانعقد حاجباه في ذهول وصدمة لم يستطع إخفاءهما.
ارتبكت لهجة ناجي لأول مرة، بينما ابتسمت رحمة ابتسامة ساحرة ولكنها باردة كالثلج، وقالت له بصوت خافت لم يتعدَّ الهمس:
"الظاهر إن الورق بتاعك مش بس حبر يا ولد الدهشان.. الظاهر إنه هيرتوي بالدم والشرار أسرع مما كنت تتوقع.. اتفضل انزل لزوجتك الخواجاية!"
