رواية قلوب تلوذ بالكتمان الفصل الاول
كانت حوراء تستمع لحديث كريم بشرود وداخلها تشعر بأنها تتصرف بشكل خاطئ للغاية …
هي لا يجب أن تكون هنا … وجودها هنا خطأ … ما كان عليها سماع كلام والدتها … أبدا …
" أين ذهبت يا حور …؟!"
هتف بها كريم ممازحا وهو يحرك كفه أمام وجهها لتبتسم مجاملة ثم تقول :-
" شردت قليلا …"
هتف كريم بخفة :-
" تشردين وأنا معك …؟! كم هذا عيب في حقي …؟!"
تجاهلت حوراء سماجته المغيظة بينما وجدته يمد كفه فوق كفها فسارعت تسحب كفها برفض ليهتف ببساطة :-
" ماذا حدث …؟! ألسنا في حكم المخطوبين …؟!"
" كلا ، ما زلنا غير مخطوبين …"
قالتها بضيق ليهتف ببرود :-
" سنصبح كذلك … قريبا جدا …"
سألت بغيظ :-
" من أين لك هذه الثقة …؟!"
قال بثقة مغيظة :-
" أعرف جيدا إنني عريس لا يمكن رفضه يا عزيزتي …."
هتفت بحاجب مرفوع :-
" هذا الكلام لا ينطبق علي … أنا يمكنني رفضك أنت ومن أفضل منك كذلك … وأنت تعرف ذلك جيدا …"
تمتم بخفة :-
" يحق لك يا حور …"
هتفت من بين أسنانها :-
" اسمي حوراء …"
قال عن قصد :-
" لكنني أحب مناداتك بحور … "
سحبت حقيبتها وهي تتمتم بينما تنهض من مكانها :-
" يجب أن نذهب …تأخرنا كثيرا …"
تمتم بضيق :-
" ما زال الوقت مبكرا …"
هتفت بحنق :-
" لكنني أريد الذهاب …"
تنهد بضجر ثم نهض من مكانه دافعا الحساب مشيرا لها لتتقدمه …
في طريق عودتهما إلتزمت هي الصمت بينما شغل هو الموسيقى الصاخبة حتى وصلا إلى القصر هناك حيث همت بالنزول مباشرة لكنه أوقفها قابضا على كفها مرددا :-
" هل ستغادرين على الفور …؟!"
إستدارت نحوه تسأل بوجوم :-
" هل يجب علي فعل شيء قبل مغادرتي …؟!"
قال بجدية :-
" متى سنحدد موعد خطبتنا …؟!"
قالت بضيق :-
" لم أوافق بعد يا كريم …"
قال ببرود :-
" ومتى ستوافقين …؟! توقفي عن الدلال يا حور …"
سألت بحدة :-
" ماذا تقصد …؟!"
قال ببساطة :-
" خروجك معي اليوم دليل كافي على موافقتك يا عزيزي …"
صاحت معترضة :-
" لا أحب طريقتك هذه أبدا يا كريم …"
شعر بغضبها فهتف بنبرة ناعمة :-
" حسنا حبيبتي لا تغضبي …"
ثم مال نحوها يهتف وأنامله تلمس خصلاتها بخفة :-
" لا أريد إغضابك … أنا فقط متلهف للحصول على موافقتك …"
أضاف بحرارة :-
" متلهف كثيرا لرؤية خاتمي في إصبعك يا حور …"
رغما عنها دغدغت كلماته مشاعرها وأرضت غرورها وقبلما ترد فوجئت به يميل نحو وجهها طابعا قبلة دافئة طويلة قرب شفتيها … قبلة جمدتها تماما وعقلها لم يستوعب بعد جرئته …
**
دلف خالد بسيارته إلى كراج القصر … هبط منها وعقله ما زال منشغلا بتلك التي رأها الليلة والتي بمجرد رؤيته لها ووجودها في نفس المكان معه سيطرت على حواسه كاملة بشكل جعله عاجزا عن تجاهل مشاعره تلك …
هو لم يعد بإمكانه تجاهل حقيقة شعوره نحوها خاصة بعد ظهوره أمامها اليوم متعمدا ذلك وكأنه يخبرها بحقيقة ما يحدث بينهما وإن أنكرت هي ذلك بل وهربت منه ….
أثناء سيره إلى الأمام إنتبه لسيارة الآخر التي دلفت إلى الكراج فتوقف مستهجنا عودة حوراء بهذا الوقت المتأخر بعد منتصف الليل …
لوهلة أراد أن يتجاهلهما ويذهب إلى الداخل لولا رؤيته لكريم وهو ينحني نحوها لامسا خصلات شعرها قبلما يراه وهو يقبل جانب شفتيها بشكل جعل الدماء تتصاعد في رأسه فهذا الوقح تجاوز كل حدوده …
تقدم نحوهما بملامح منفعلة لتشهق حوراء حالما رأته يسير نحوهما بينما لم تستوعب بعد وقاحة كريم …
صرخت بكريم الذي إنتبه بدوره لقدوم خالد :-
" ماذا تفعل أنت …؟!"
طرق خالد على النافذة بأنامله ليضغط كريم على الزر الألكتروني فتنزل للأسفل …
سأل كريم بلا مبالاة بينما سارعت حوراء تغادر السيارة :-
" نعم ، ماذا تريد …؟!"
" انزل من سيارتك أولا …"
توقفت حوراء على مسافة منهما تتابع خالد بقلب مضطرب بينما هبط كريم من سيارته لينقض خالد عليه قابضا على ياقة قميصة مرددا من بين أسنانه :-
" أيها الوغد …؟! كيف تسمح لنفسك بفعل هذا …؟! إنها ابنة خالتك يا هذا …"
دفعه كريم مرددا بضيق :-
" هي خطيبتي … "
إبتسم خالد بسخرية :-
" حقا …؟! لمَ لا أرى خاتم خطبتك في يدها إذا …؟!"
هتف كريم بتحدي :-
" ستراه قريبا ومرة ثانية لا تتدخل فيما لا يعنيك …"
أراد خالد الإنقضاض عليه مجددا لكن سارعت حوراء تصرخ باسمه وهي تركض نحوهما لتشير لخالد بلهفة :-
" اتركه يا خالد … أرجوك …"
قال خالد وهو يحرره من قبضته :-
" هذه المرة سأتغاضى عما رأيته … المرة القادمة سأخبر أخيها بكل شيء وهو سيتصرف معك …"
تمتم كريم بلا مبالاة :-
" المرة القادمة ستكون زوجتي ويحق لي أن أفعل ما أريد حينها …"
ثم تحرك راكبا سيارته وحوراء تتابعه بغيظ وتوعد حتى رحل لتسمع خالد يهدر بها:-
" مالذي كنتي تفعلينه مع كريم في هذا الوقت المتأخر يا حوراء …؟! وكيف ستمحين له بتقبيلك …؟!"
إستدارت نحوه تهتف بأنفاس ثقيلة :-
" لم أسمح له بالطبع …"
أضافت بثقة متعمدة :-
" كنت سأمنحه الرد المناسب لولا تدخلك …"
هتف بحدة :-
" الخطأ منك أساسا … كيف تبقين معه حتى هذا الوقت …؟! هذه تصرفات غير لائقة يا حوراء …"
احتقنت ملامحها بقوة وهي تخبره بتحذير :-
" أنت لا يحق لك أن تحاسبني وتتدخل في تصرفاتي …"
"لكنني ابن عمك …"
قالها بقوة لتهتف ببرود متعمد :-
" وكريم بمثابة خطيبي …"
هتف بعدم تصديق :-
" هل جننت …؟! ألم تجدي غير كريم …؟! "
أخذ نفسا عميقا ثم قالت بجدية :-
" كريم غير مناسب يا حوراء …"
" أنت بالذات لا يحق لك أن تتحدث …؟!"
قالتها بحدة وهي تضيف بقهر مكتوم :-
" وكريم ليس سيئا .. انه ابن خالتي … يريدني ويحبني …"
قال بسخرية :-
" كريم يحب كل الإناث يا عزيزتي …"
هتفت بحنق :-
" على الأقل هو يعرف كيف يحب … يحب ويهتم ويراعي …"
لوى ثغره مرددا بتهكم :-
" وكريم يجيد الحب جيدا …"
هزت كتفيها ببرود :-
" لم لا …؟!"
" لا تجني يا حوراء … كريم ليس مناسبا لك وأنت تعلمين …"
قالت عن قصد :-
" لنفترض إنه كذلك … ما شأنك أنت …؟! لماذا تهتم …؟!"
قال بجدية :-
" لأنك ابنة عمّي وتهميني …"
" مثل لميس … أليس كذلك …؟!"
سألته بسخرية مريرة ليجيب ببساطة :-
" نعم يا حوراء … مثل لميس وسوزان والبقية …"
هدرت بعصبية :-
" لكنني لا أريد إهتمامك هذا يا خالد … لذا لا تتدخل بي … أبدا …"
أكملت بتهكم مقصود :-
" ونصائحك هذه وفرها لنفسك … لأنك آخر من يتحدث عن إختيار الشخص المناسب يا خالد …"
لم يغب عنها الجمود الذي كسا ملامحه في هذه اللحظة ولكن ما آلمها حقا إنه لم يعترض على ما قالته ولم يحاول نفيه …
ثواني ووجدته يهتف ببرود :-
" أنت حرة يا حوراء … وأعدك إنني لن أتدخل بعد الآن فيما يخصك مهما حدث …"
تابعت رحيله بقلب متألم تكبت عبرات ملأت عينيها رغما عنها فسارعت تمسحهما بقوة وهي تعد نفسها بأنها لن تبكي لأجله مجددا مهما حدث …
**
فتحت تارا عينيها بصعوبة بينما تستمع لنداء كارلا عليها لتهمس بصوت متحشرج :-
" صباح الخير …"
" صباح النور …"
تمتمت بها كارلا وهي تضيف بجدية :-
" سنتأخر على مواعيدنا …. "
قفزت تارا من سريرها وسارعت تجهز نفسها للمغادرة بينما تجهز كارلا أغراضها قبلما تهبطان سويا إلى الطابق السفلي حيث تتناول تارا فطورها بينما ترتشف كارلا قهوتها معها …
غادرتا سويا متجهتان أولا إلى شركة الإعلانات التي تعاقدت معها مؤخرا قبلما يأخذان طريقهما إلى شركة آل عمران ليتم توقيع العقد الجديد معهما ….
جلست تارا أمام قيصر وأخذت تقرأ العقد باهتمام ليخبرها قيصر بجدية :-
" نفس البنود السابقة بإستثناء زيادة الأجر الذي أصريتِ عليه …"
إبتسمت بإيماءة قبلما تسحب قلمها وتضع توقيعها على العقد ليخبرها مضيفا :-
" بعد الغد يجب أن تكوني في لندن وسيكون هناك وفد من شركتنا لإستقبالك أنت وطاقم عملك …"
أكمل بجدية :-
" أنا لن أستطيع التواجد هذه المرة فلدي سفرة عائلية في نفس التوقيت …. "
" لا بأس …هذا ليس أول تعاون بيننا يا قيصر ولن يكون الأخير … لقد تجاوزنا هذه الشكليات منذ سنوات …"
ابتسم لها بهدوء قبلما تنهض من مكانها وهي تتمتم :-
" يجب أن أغادر …"
" لم تشربِ قهوتك حتى …"
قالها وهو ينهض بدوره لتخبره وهي تسحب حقيبتها :-
" ما زال لدي الكثير من المواعيد عليّ إتمامها …"
أومأ بتفهم ليتحرك معها يودعها قبلما يعود إلى مكتبه …
هما بالتحرك نحو المصعد عندما فوجئت به أمامها يتحدث مع إحدى الموظفات فتوقفت مكانها للحظة تطالعه بوجوم قبلما تهم بالتحرك لكن تقدمه نحوها مجددا كالبارحة جعلها تتسمر مكانها بدهشة …
" مساء الخير …."
تمتم بها خالد وهو يقف قبالها لتهتف بإضطراب سيطر عليها للحظة :-
" أهلا خالد بك …"
سألها بإهتمام فاجئها :-
" كيف أصبحت اليوم …؟! أتمنى أن تكوني بحال أفضل …"
رسمت بسمة هادئة واثقة على شفتيها وهي تخبره ببساطة :-
" كما ترى … بأفضل حال …"
شملها بنظرة خاصة أربكتها …
اللعنة عليه ما باله يتصرف بهذه الطريقة …؟! مالذي تغير به فجأة …؟!
هتف وهو يرسم بسمة هادئة على شفتيه ولم تكن تعلم إنه من النادر أن يبتسم في وجه أحدهم خاصة في وقت عمله :-
" هذا واضح …"
أضاف بذات النبرة المهتمة :-
" مع هذا قومي بالفحوصات المطلوبة للإطمئنان على صحتك …"
تنهدت ثم قالت بجدية :-
" أنا بخير .. مجرد ضغوطات عمل وقلة نوم …"
" بالمناسبة مبارك على تجديد العقد …"
قالها بجدية وقد لمحت في عينيه نظرة غامضة بينما يسألها :-
" سمعت إن التصوير سيكون بعد يومين في لندن …"
تمتمت بهدوء :-
" نعم ، هو كذلك …"
صدح صوت كارلا من خلفها تهتف :-
" يجب أن نذهب يا تارا كي لا نتأخر على موعدنا …"
سارعت تارا ترسم إبتسامة مصطنعة على ثغرها وهي
تخبره بنبرة دبلوماسية :-
" يجب أن أذهب الآن … عن إذنك .."
" تفضلي …"
قالها وهو يفسح لها المجال لتتحرك نحو المصعد يتابعها هو بعينيه بينما سارعت هي تدلف إلى المصعد بقلب خافق وعقلها يتسائل بتوتر عما يحدث معه فهو يتعمد أن يظهر إهتمامه بها وهي ليست غبية كي لا تدرك ذلك ….
**
فتح عينيه بإنزعاج على صوت والدته وهي تنادي عليه برفق قبلما يعتدل في جلسته وهو يتمتم بضيق :-
" ماذا حدث يا أمي …؟! لمَ الإزعاج …؟!"
هتفت والدته بسرعة :-
" جدك سأل عنك يا ثائر … سيغضب كثيرا لو لم تذهب إلى عملك اليوم أيضا …"
تأفف بضيق وهو يزيح الغطاء عنه ثم ينهض بجسده متجها إلى دورة المياه تتابعه والدته بتعب تتمنى داخلها لو ينصلح حاله قليلا ويلتزم بعمله بدلا من إهماله الدائم ولا مبالاته …
هبطت بعدها إلى الطابق السفلي حيث يجلس عمها الذي سأل بغلظة :-
" أين الباشا خاصتك يا وداد …؟! هل سيبقى نائما طوال اليوم …؟!"
تمتمت بخفوت وهي تجلس قباله :-
" سينزل الآن يا عمي … فقط يستحم ويغير ملابسه …"
قال العم بحدة :-
" أنا لن أصبر عليه كثيرا يا وداد … إما أن ينصلح حاله ويلتزم بعمله أو سيكون لي تصرف آخر معه …"
إلتزمت وداد الصمت بينما تقابلت عيناها بعيني رجاء التي دخلت لتوها المكان فرأت السخرية واضحة في عينيها لتشيح بوجهها نحو الجانب الآخر متجاهلة نظراتها…
أكثر من نصف ساعة مرت وولدها لم ينزل بعد وهي تكاد تتآكل من الغضب حتى وجدته يطل عليهم بكامل أناقته المعتادة ملقيا التحية عليهم مشيرا لها :-
" أخبريهم أن يعدوا الفطور بسرعة يا أمي …"
هدر الجد به :-
" لا يوجد فطور في هذا الوقت يا باشا …"
تنهد بضجر ثم قال ببرود :-
" سأتناول فطوري خارجا إذا …"
هتف الجد به بنبرة حازمة :-
" هذا تحذيري الأخير لك يا ثائر … إما أن تلتزم بعملك وتعدل من تصرفاتك أو سيكون لي تصرف مختلف معك …"
تقابلت عينيه بعيني والدته التي منحته نظرة متوسلة كي لا يعاند جده او يغضبه فهتف مرغما :-
" حسنا يا جدي …."
سأل الجد بحدة :-
" ماذا يعني حسنا …؟!"
تنهد بسأم ثم قال :-
" يعني أمرك يا جدي …"
أضاف وهو يهم بالتحرك :-
" عن إذنكم علي الذهاب …."
ثم تحرك مندفعا بسرعة خارج المكان هاربا من جده وأوامره التي لا تنتهي …
ذهب إلى شركة العائلة في البداية وقضي هناك بعض الوقت قبلما يقرر الذهاب لصديقه في شركة الإعلانات خاصته هناك حيث وجده في قمة توتره يخبره عن مصور إعلاناته الأخير والذي إعتذر عن القيام بعمله في آخر لحظة ….
" على مهلك يا رجل … كل شيء له حل …"
هتف صديقه بضيق :-
" ماذا سأفعل الآن يا ثائر …؟!! لقد رتبت كل شيء … أحتاج مصورا حالا … يجب تسليم صور الإعلان خلال يومين لا غير …"
هتف ثائر بعد لحظات من التفكير :-
" سأساعدك أنا …"
هتف صديقه بعدم تصديق :-
" حقا يا ثائر …؟! ستصور أنت الإعلان …؟! أليس كذلك …؟!"
قال ثائر بجدية :-
" سأفعل مع إنني تركت التصوير منذ مدة طويلة …"
قال صديقه بحماس :-
" أنت فنان يا هذا … دائما ما كنت مبدعا …"
هتف ثائر بخفة :-
" ربما نسيت التصوير قليلا …"
نهض صديقه يجري اتصالاته وهو يخبره :-
" أنا واثق إنك ستبدع هذه المرة أيضا …"
نهض ثائر وقد دبّ الحماس داخله لا إراديا :-
" سنرى …"
أنهى صديقه مكالمته ثم تحركا سويا مغادرين مكتبه عندما وجداها تطل عليهما وهي تسأله بسرعة ولهفة :-
" هل حقا وجدنا من يصور الإعلان …؟!"
" نعم يا لميس … وجدناه بالفعل …"
قالها بحماس وهو يشير نحو ثائر الواقف جواره :-
" صديقي ثائر … سيكون المصور الخاص بحملتنا الإعلانية …."
أخذ ثائر يتأملها بتمعن بدئا من خصلاتها الناعمة الطويلة مرورا بجسدها النحيل وملابسها المكونة من بنطال ضيق من الجينز وقميص أنيق ذو لون زيتوني غامق يتماشى مع لون عينيها الجذابين …
تمتمت لميس وهي تطالعه بإهتمام :-
" أهلا …"
أضافت وهي تسأله بحذر :-
" هل أخبرك سليم عن أهمية الإعلان بالنسبة لشركتنا …؟!"
رفع ثائر حاجبه يسأل بخفة :-
" عفوا ، لا أفهم …"
تنهدت ثم قالت بجدية :-
" هذا الإعلان يعتبر نقلة نوعية لشركتنا التي تخطو أولى خطواتها في مجال الإعلانات والدعايا … يعني أتمنى أن تستطيع تقديم شيء مناسب ولائق بتجربتنا الأولى المهمة للغاية …"
سأل ثائر بذات الخفة :-
" ما سبب هذا الكلام …؟! هل تشكين بقدراتي يا آنسة …؟!"
نبرة الإستهزاء في صوته لم تعجبها فهتفت عن قصد :-
" أنا لا أعرف ولا أعتقد إنك خبير في عملك …. لذا من واجبي التنويه …"
هتف ببرود :-
" أنت لا تعرفيني لكن سليم يعرفني جيدا ويعرف قدراتي …"
أضاف بثقة بدت لها مغيظة :-
" عامة سترين بنفسك قدراتي بعد الإنتهاء من تصوير جميع اللقطات وأؤكد لكِ إنك ستحرصين على المزيد من التعاونات بيننا لكنني سأرفض بالطبع حينها …"
ثم أشار لها بنبرة مترفعة مقصودة:-
" والآن دعينا نذهب إلى مكان تصوير الإعلان لنبدأ عملنا في حال …"
كزت على أسنانها بقوة بينما سليم يرسل لها بسمة مضطربة تجاهلتها وهي تشمخ برأسها بينما تشير له ليسير معها :-
" تفضل …."
**
جلس حارث قبال والدته مشغولا بالتحدث مع صديقته الجديدة بحماس بينما والدته تتابعه بعدم رضا بسبب حاله الذي لا يعجبها إطلاقا …
صدح صوت والدته تسأله :-
" إلى متى تنوي البقاء عازبا يا عزيزي …؟!"
لم ينتبه لها حيث كان منهمكا في حديثه عندما صدح صوتها بنبرة أعلى :-
" أنا أتحدث معك يا حارث …"
سارع حارث يغلق هاتفه ثم يسأل بجدية :-
" نعم يا أمي … تفضلي …"
سألته بضيق :-
" مع من تتحدث …؟!"
" عمل … لدي عمل يا أمي …"
قالها بجدية لتهتف بسخرية متعمدة :-
" قلت عمل إذا …؟!"
هتف حارث ببسمة هادئة :-
" قولي يا حبيبتي … ماذا تريدين …؟! كلي آذان صاغية لك …"
صدح سؤالها المباشر :-
" متى ستتزوج …؟!"
وجمت ملامحه لا إراديا حالما سمع ما نطقت به ليهتف بضيق :-
" مالذي جلب سيرة الزواج الآن …؟!"
هدرت بعصبية :-
" لن تهرب من هذا الحديث مجددا يا حارث … أنت ستتزوج … شئت أم أبيت …"
هتف بعصبية تمكنت منه هو الآخر :-
" أخبرتك إنني لا أريد … لمَ لا تفهمين …"
انتفضت من مكانها تهدر بعصبية :-
" ماذا يعني لا تريد …؟! هل تنوي البقاء عازبا ما تبقى من عمرك …؟!"
هتف ببرود :-
" نعم ، هذا ما أنوي عليه …"
صاحت بغضب :-
" لا تجعلني أجّن يا حارث … ماذا يعني تبقى عازبا …هذا مرفوض …"
حاول احتواء الموقف فهتف بنبرة لينة :-
" أمي من فضلك …"
هدرت به :-
" اخرس … لن أسمح لك بشيء كهذا … هل فهمت …؟!"
أكملت وهي تعاود الجلوس فوق الكنبة بنبرة شبه باكية :-
" ماذا فعلت أنا ليحدث بي هذا …؟! ولدي الكبير يرفض الزواج … يريد أن يبقى عازبا … يستكثر علي أن أفرح به وأرى أولاده …"
ثم صاحت به بحدة :-
" هل تريدني أن أموت بسبب قهري منك … هل تريدني أن أغضب عليك …؟!"
" أنت حقا تبالغين يا أمي …"
قالها وهو ينهض من مكانه مضيفا بجدية :-
" ولعلمك تصرفاتك هذه لن تجدي نفعا معي … أنا لن أتزوج … هذا قراري وإنتهى …"
اندفع مغادرا المكان تاركا إياها تتابع رحيله بغيظ ووعيد قبلما تحسم أمرها وتجري مكالمة خططت لها منذ مدة ليأتيها صوت الأخرى مرحبة بها فتخبرها بعد تبادل التحية والسؤال الأحوال :-
"سمعتك إنك عدتِ مع سوزان وصالح بك إلى البلاد يا رانيا … حسنا إذا سنمر عليكما بعد عودة قيصر وزوجته من سفرتهما … أخبري العائلة أن تجتمع بالكامل يومها وسآتي أنا بالعائلة كذلك .. لدي طلب مهم منك سنتحدث عنه حينها يا رانيا …."
أنهت مكالمتها وهي تشعر بالإنتصار فهي نفذت ما تريد وولدها مجبر أن يطيعها وينفذ رغبتها بدوره …
**
في لندن …
يجلس في بهو الفندق ينتظر قدومها بلهفة غير مسبوقة …لا يصدق حتى الآن ما فعله لكنه كان مجبرا …
كانت هذه الطريقة الوحيدة ليأخذ فرصته في التقرب منها … لم يعد الأمر بحاجة إلى المزيد من التفكير … ولا حتى الهرب …
هو رجل لا يحب الهرب ولا يليق به …
رجل يجرب العشق لأول مرة … العشق الذي سمع عنه كثيرا بل وشاهده في قصص من حوله ورغم ذلك لم يطرق بابه حتى اليوم …
هي وحدها من نجحت في زلزلة مشاعره وجعلت قلبه ينبض لها وهو الذي ظنّ نفسه سدا منيعا أمام العشق وتبعاته ليجد نفسه يسقط من النظرة الأولى في غرامها …
نعم أحبها منذ أول لقاء ربما …
هو بات مدركا لمشاعره معترفا راضيا بها …
وهي رغم كل شيء يراها تستحق هذا الحب ولا يستكثره عليها أبدا …
هي مميزة …
مختلفة …
أنثى فريدة من نوعها …
قد تكون حلم لكثير من الرجال حوله لكنه لا يراها كالبقية ولا يحبها بذات الطريقة التي يفعلها البقية …
نبض قلبه بعنف حالما رآها تطل إلى الداخل لينهض بلهفة من مكانه يتأملها وهي تتقدم نحوهم بإبتسامتها اللبقة المعتادة … يتفحصها من رأسها حتى أخمص قدميها بنظرة خاصة …
خصلاتها الناعمة الطويلة … عيناها الساحرتان … ملامحها الناعمة التي تحمل فتنة خاصة لا تشبه غيرها … ملامح لم تغادر خياله طوال الفترة السابقة بل وزارته في حلمه مرارا …
ترتدي فستانا أنيقا ذو لون بني فاتح مع حذاء جلدي أنيق من نفس مشتقات اللون …
لمحته أخيرا فرأى الدهشة تظهر بوضوح على ملامحها قبلما يحل محلها شيء يشبه الجمود المشوب بالغضب ….
لقد ترك عمله وكل شيء خلفه وجاء إلى هنا … جاء إليها ليعلن بوضوح عن أولى خطواته نحوها ….
وعلى عكس ما توقعت منحها بسمة خاصة جدا وعيناه تخبرانها بوضوح :-
" نعم ، أنا هنا لأجلك …. أتيت لأجلك …"
بينما أدركت هي صعوبة ما هو قادم مع رجل يتوق قلبها له بينما يرفض واقعها هذا القرب بكل ما فيه …
تقدمت نحوه مرغمة بقلب خافق وداخلها شعور بأن هذه الرحلة ستغير الكثير لها ولم تكن تعلم إنها بالفعل ستكون رحلة مختلفة ستبقى في ذاكرة كلا منهما …. رحلة ستشكل فارقا في حياة كليهما ومنها سيدخل كلاهما في دوامة صعبة قد يصعب خروجهما منها بسلام ….
