رواية لما قلت لا الفصل الأول 1 بقلم داليا سالم

 


رواية لما قلت لا الفصل الأول بقلم داليا سالم 


كنت بحب يوم الخميس.
 
مش علشان الخميس نفسه، ولا علشان إجازة، أنا أصلًا كنت بروح شغلي يوم الخميس عادي، لكن علشان اليوم ده كان بيعدي من غير ما حد يسألني السؤال اللي بكرهه.
 
«في حد اتقدم لكِ؟»
 
يمكن السؤال بسيط جدًا، ويمكن أي بنت غيري كانت هتضحك وتقول لأ، بس أنا كنت كل مرة بسمعه بحس إن في حاجة ناقصة فيا، مع إن محدش قالها بشكل مباشر.
 
كنت راجعة من الشغل، شايلة شنطتي بإيد، وكيس العيش بالإيد التانية، وبحاول أفتح باب الشقة بالمفتاح وأنا سامعة صوت أمي من جوه.
 
— سارة؟
 
— أيوة.
 
— جيتي؟
 
— أهو.
 
دخلت، حطيت الشنطة على الكرسي، ورميت نفسي جنبه. أمي خرجت من المطبخ وهي ماسكة فوطة في إيدها.
 
— غيري هدومك وتعالي كلي.
 
بصيت لها.
 
— أكلتي؟
 
— مستنياكِ.
 
— ليه؟
 
— علشان آكل معاكي.
 
ابتسمت.
 
— طب ما كنتِ كليتي.
 
— ما بحبش آكل لوحدي.
 
كانت بتقولها عادي، بس أنا كنت عارفة إنها مستنياني من بدري. قمت أغير هدومي، ولما رجعت لقيتها حاطة الأكل على السفرة، قعدت قدامها.
 
— ماما.
 
— نعم؟
 
— هو أنا اتأخرت النهاردة؟
 
— لا.
 
— أمال مالك؟
 
رفعت عينيها ليَّ.
 
— مالي؟
 
— حاسة إنك عايزة تقولي حاجة.
 
ضحكت.
 
— هو لازم كل مرة أكون عايزة أقول حاجة؟
 
— آه.
 
— ليه؟
 
— علشان أنا عارفاكي.
 
سكتت، وأنا كمان سكت. أمي من النوع اللي لو سألتها «مالك؟» عشر مرات ممكن تفضل ساكتة، لكن لو سكتِّ أنتِ، تفتكر إنك زعلان منها، بعد شوية قالت:
 
— خالتك اتصلت.
 
وقفت المعلقة في إيدي، مشيت عيني بعيد عنها.
 
— عايزة إيه؟
 
— بتسأل عليكِ.
 
— ليه؟
 
— عادي يا سارة، خالتك.
 
— ماشي.
 
رجعت آكل، قالت بعد ثواني:
 
— وبتقول إن في عريس.
 
ضحكت... مش ضحكة فرح. ضحكة الشخص اللي سمع نفس النكتة للمرة الألف.
 
— تاني؟
 
— هو إيه اللي تاني؟
 
— ما هو كل أسبوع حد.
 
— مش كل أسبوع.
 
— كل أسبوعين؟
 
بصت لي بحدة.
 
— سارة.
 
— خلاص يا ماما، بهزر.
 
كملت أكل... كان نفسي أقول لها إن الموضوع مش مضحك بالنسبة لي، وإن كل مرة حد يسأل عني فيها، بحس إنهم بيشوفوني كأنني مشروع متأخر. بس ما قلتش يمكن علشان أمي مش السبب، يمكن علشان أنا نفسي مش عارفة أنا عايزة إيه، قالت:
 
— خالتك بتقول إن الراجل كويس.
 
— كلهم كويسين.
 
— ما تعرفيش.
 
— ما أنا كل مرة بسمع نفس الكلام.
 
— طب ما تقابليه.
 
حطيت المعلقة.
 
— ومين قال إني مش هقابله؟
 
بصت لي.
 
— يعني موافقة؟
 
— لا.
 
— أمال؟
 
— هقابله علشان أعرف.
 
سكتت شوية، وبعدها ابتسمت.
 
— طيب.
 
وأنا مش عارفة ليه ابتسامتها ضايقتني، يمكن علشان حسيت إنها فرحت، يمكن علشان أنا لأول مرة قلت «هقابله» من غير ما أكون عايزة أقابله أصلًا. بعد الأكل دخلت أوضتي، قفلت الباب، وفتحت الموبايل. كان عندي رسالة من رقم غريب.
 
«مساء الخير، أنا كريم. خالتك ادتني رقمك، لو مش مضايقك ممكن نتكلم شوية؟»
 
فضلت باصة للرسالة. كنت أقدر أمسحها. كنت أقدر أقول لأمي إني مش مرتاحة. كنت أقدر حتى ما أردش، لكني كتبت:
 
«مساء النور، اتفضل.»
 
وما كنتش أعرف وقتها إن الرسالة الصغيرة دي هتخليني بعد شهور أقف قدام المراية وأسأل نفسي: أنا وافقت عليه علشان عايزاه؟ ولا علشان تعبت من إني أقول لأ؟

ما اتكلمناش كتير في أول يوم. هو سألني عن شغلي، وأنا سألته بيشتغل إيه، وبعدها دخلنا في الكلام المعتاد اللي أي اتنين بيتعرفوا عليه لأول مرة.

بتحبي الخروج؟

— على حسب.

بتحبي السفر؟

— لو المكان حلو.

– بتحبي الأطفال؟

ضحكت.

— هو ده سؤال في مقابلة جواز؟

ضحك هو كمان.

— أصل لازم أعرف.

— آه، بحبهم.

— طيب.

— طيب إيه؟

— ولا حاجة.

قفلت الموبايل بعدها وحطيته جنبي. أمي دخلت عليَّ.

— اتكلمتوا؟

— آه.

— شكله إيه؟

— هو أنا هعرف شكله من الكلام؟

— عجبك؟

بصيت لها.

— لسه.

— صوته كويس؟

— ماما!

ضحكت.

— خلاص يا ستي، براحتك.

خرجت، وأنا فضلت باصة للسقف. الغريب إني ما كنتش متضايقة، وده في حد ذاته كان غريب. أنا عادةً لما حد جديد يدخل حياتي، بحس إني عايزة أهرب قبل ما يبدأ الكلام، لكن كريم كان هادي. مش بيحاول يبهرني، ومش بيقول كلام كبير. حتى لما قال لي في نص الكلام:

— أنا مش هدفي إننا نتجوز بسرعة، نتعرف الأول، ولو ما ارتحناش لبعض عادي.

حسيت براحة. يمكن علشان أول مرة حد يقول لي إن «لأ» مسموحة. تاني يوم بعت لي الصبح. «صباح الخير.» رديت:

– صباح النور.

– نمتِ كويس؟

– آه.

– أنا لأ.

ضحكت.

–ليه؟

–علشان كنت بفكر في حاجة.

–إيه؟

–إني اتكلمت معاكِ امبارح ساعتين تقريبًا، ولسه حاسس إني ما عرفتش عنكِ حاجة.

بصيت للرسالة فترة. ما كنتش عارفة أقول له إن ده طبيعي. أنا أصلًا مش بعرف أتكلم عن نفسي. ممكن أقعد مع حد سنة كاملة وأفضل بالنسبة له نفس البنت الهادية اللي بتضحك لما حد يهزر، وتسكت لما الكلام يبقى شخصي، كتبت:

–إنت عايز تعرف إيه؟

– أي حاجة.

–اسأل.

–إيه أكتر حاجة بتخوفك؟

فضلت باصة للشاشة. السؤال كان غريب. مش بتحبي إيه؟ ولا إيه هواياتك؟ ولا حتى شايفة الجواز إزاي؟ سألني عن أكتر حاجة بتخوفني. قفلت الموبايل، رجعت فتحته... قفلت تاني، وفي الآخر كتبت:

«إني أعيش حياة مش شبهي.»

فضلت الرسالة قدامي بعد ما بعتها. كنت مستنية يسألني: يعني إيه؟ لكنه كتب:

«وأنا أكتر حاجة بخاف منها إني أكون السبب.»

ما عرفتيش أرد، ومن يومها بدأ الكلام. مش حب، ولا حتى إعجاب واضح. بس وجود، كل يوم رسالة، كل يوم سؤال، كل يوم حكاية صغيرة. مرة يحكي لي عن شغله. مرة عن والدته، مرة يشتكي من مديره، ومرة يرسل لي صورة القهوة اللي بيشربها ويقول:

«دي القهوة الوحيدة اللي بتخليني أستحمل الصبح.»

وبدأت، من غير ما آخد بالي، أستنى رسالته، وفي يوم اتأخر. الساعة بقت عشرة، وبعدين عشرة ونص، وبعدين حداشر. لقيت نفسي بفتح المحادثة كل شوية، أدخل، أخرج، أقفل الموبايل، أفتحه تاني.

أمي كانت قاعدة جنبي بتتفرج على التلفزيون، بصت لي وقالت:

— مستنية حد؟

رفعت عيني بسرعة.

— لأ.

— أمال بتفتحي الموبايل كل دقيقتين ليه؟

— هو موبايلي ممنوع؟

ضحكت.

— لا، بس واضح إن في حد مهم.

— مفيش حد مهم.

قالتها وهي بتبص للشاشة:

— ربنا يطمن قلبك يا بنتي.

بصيت لها. ما فهمتش هي بتدعي لي ولا بتلمح لحاجة. لكني في الليلة دي فهمت حاجة واحدة. أنا مش كنت مستنية رسالة. أنا كنت مستنية إحساس. الإحساس إن في حد افتكرني وسط يومه، ولأول مرة من وقت طويل، حسيت إن ده شيء جميل. لكن الجمال أحيانًا بيخلينا نوافق على حاجات قبل ما نسأل نفسنا إذا كانت مناسبة لينا أصلًا. لعد يومين قابلته. أول مقابلة حقيقية. قعدنا في مكان هادي، وأمي كانت قاعدة بعيد مع خالتي. هو كان متوتر أكتر مني، قال أول ما قعد:

— أنا آسف، حاسس إني مش عارف أقول إيه.

ضحكت.

— كويس، علشان أنا كمان.

ضحك، وبعد شوية بدأنا نتكلم، عن الشغل، البيت، المستقبل،  الجواز، قال:

— أنا عايز بيت هادي.

قلت:

— وأنا كمان.

— ومش عايز مراتي تبقى مضطرة تشتغل لو مش عايزة.

— وأنا بحب شغلي.

— خلاص، يبقى تشتغلي.

بصيت له.

— بالسهولة دي؟

— ليه لأ؟

سكت، قال:

— هو في حاجة؟

— لأ.

لكن كان في حاجة. حاجة صغيرة جدًا. مش فيه، فيا أنا. كنت كل ما أسمع منه حاجة كويسة، أحس براحة، وفي نفس الوقت أحس بخوف. لأني كنت أعرف نفسي. أنا لما بتعب من حاجة، أحيانًا باختار أول باب مفتوح. مش لأنه أفضل باب لكن لأنه باب، وفي طريق رجوعنا، خالتي سألتني:

— إيه رأيك؟

قلت:

— كويس.

— بس؟

— أيوة.

أمي بصت لي.

— يعني نكمل؟

سكت شوية، وبعدين قلت:

— نكمل.

ما كنتش أعرف وقتها إن كلمة «نكمل» ممكن تكون بداية لحاجة جميلة، وممكن تكون بداية لأكبر سؤال هسأله لنفسي بعد كده: أنا كنت باختاره فعلًا... ولا كنت باختار النجاة من الوحدة


تعليقات