رواية لولا الغرام الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم روز امين


 رواية لولا الغرام الفصل الواحد والعشرون 

«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.» 

«ثمة غيمةٌ لا أراها، لكنني أستشعر وحشتها في الأفقِ، كلُ ما حولي يبدو ساكنًا، إلا داخلي، حيث تعصفُ رهبةٌ صامتةٌ، لا دليلَ ملموسٌ يبرر وجلي، ولا عذرَ واضحٌ لرفضي، لكن في عمق صدري صوتٌ خفيٌ يهمس، "أغلقي هذا الباب تمامًا"، ليس خوفًا من المجهولِ، إنما هو حارس الروحِ من يدفعني بعيدًا عن الخطرِ. 
أحيانًا، يمثل القلقُ بصيرةً داخليةً لم تخلق كلماتها بعد،وتأتي الريبة كقراءةٍ غامضةٍ لفك شفرات ما يخبئهُ القدر، لذا، أستحلفك أن تنصت لإشارات قلبي، وتغلق هذا البابَ، لنكفيَ أنفسناَ عناءَ ما وراءهُ.»

" منى كامل إبراهيم" 
بقلمي «روز أمين» 

_________♕________ 

ولأن المشاعر فاضت عن حد الكتمان، وتلاشت قدرته على المواربة، ألقى بقنبلة شوقه دفعةً واحدةً دون أي مقدماتٍ تذكر: 
-انا عاوز اخطب دليلة.

وقع الخبر على رأس "صادق" كصاعقة مباغتة، فتجمدت الأفكار في رأسه لثوانٍ تاهت فيها الكلمات، والجم لسانُه عن النطق وعجز عن إبداء أي رد فعل.

أحكم القلق قبضته على "أشرف" أمام هذا الصمت المريب، فتنحنح بصوت واهن محاولاً طرد التوتر المتصاعد في صدره، وسأله بارتباك فاضح، ونبرة محتقنة يرتجف معها قلبه رعباً من الجواب المرتقب، الذي يكاد يعصف بكيانه:
-حضرتك سكت ليه يا خالي؟

تحدث الآخر أخيرًا بنبرة هادئة، لكنها مغلفة بعتب طفيف:
- والله ما عارف ارد عليك واقول لك ايه، اصل ده يا ابني لا وقته ولا معاده.

ثم لمح بطرف عينه تلك الجالسة بجواره، وهي تتطلع إليه بتركيز شديد تحاول فك طلاسم ملامحه التي تغيرت.

 نهض سريعًا ممسكًا بهاتفه، ودلف إلى غرفة المكتب مغلقًا الباب وراءه، انقبض قلبها، فوضعت كوب الكاكاو الساخن من يدها ببطء، وشخصت ببصرها نحو الباب المغلق، ثم أطلقت تنهيدة حائرة.

في الداخل، ارتمى على مقعده الجلدي وسند ظهره للخلف، ثم تابع حديثه الهاتفي:
-ما انت عارف ان دليلة خلاص داخلة على امتحانات، وما ينفعش يا ابني أكلمها في حاجة زي كده.

تسللت بادرة أمل إلى قلبه عند سماع كلمات خاله، فانتعش صوته وارتفع منسوب الحماس فيه وهو يسألهُ:
-يعني حضرتك معندكش مانع غير في موضوع التوقيت بس ؟

تملكته حالة من الارتباك والذهول، فرغم أن "أشرف" يمتلك مكانة داخل قلبه، وطالما رأه دومًا بمثابة ابنه وامتداده في هذه الدنيا، حتى في الملامح، حيث كان أشرف نسخة من أمه "فاطمة"، وشقيقها صادق يشبهها كثيرًا في بياض البشرة والعيون الملونة التي ورثتها "دليلة" عنهما، إلا أن فكرة زواجه من ابنته لم تخطر بباله يومًا.

أجابه بنبرة غلب عليها التردد:
-موضوع التوقيت هي الخطوة المهمة حاليا يا أشرف، بعد منه تيجي موافقة دليلة نفسها.

أغمض عينيه، مستنشقًا نفسًا عميقًا من هواء البحر المنعش، علّه يهدئ من روع نبضاته ويمده ببعض الثقة، ثم عاد يلح على خاله بالسؤال:
-كل ده مفهوم يا خالي، أنا بسأل حضرتك عن رأيك انت في الموضوع من حيث المبدأ؟

أطلق زفرة حارة وطويلة، فقد جاءه طلب ابن شقيقته بغتةً ودون تمهيد،فلا تزال ابنته في عينيه تلك الصغيرة التي لم تكبر بعد لتواجه أعباء الارتباط، ساد صمت مؤقت راح يزن فيه كلماته بميزان الأبوة والحكمة معًا، ثم قال بنبرة تقطر صدقاً: 
-انت ابني اللي ما خلفتوش يا أشرف، ولو هتمني لبنتي راجل يصونها ويحافظ عليها، مش هتمنى لها احسن منك.

قفز قلبه فرحًا من بين ضلوعه إثر كلمات خاله، واندفعت التساؤلات من بين شفتيه بلهفة:
- يعنى افهم من كلامك انك موافق؟

أطلق "صادق" تنهيدة ثقيلة، ثم أجابه برصانة وهدوء يحاول بهما كبح جماح اندفاع الشاب:
-لسه بدري على الكلام ده يا أشرف، اديني وقت أفكر في الموضوع، بس يا ريت الموضوع ده يفضل ما بينا احنا الاتنين وبس.

شعر بشيء من الحرج والارتباك، وغلبه الخجل من أن يعترف لخاله بأن سره بالفعل قد شاع، وأن العائلة بأكملها باتت على علم بالأمر.

تابع الآخر حديثه بنبرة غلفتها الجدية والحسم:
- ولحد ما دليلة تخلص امتحاناتها ونتيجتها تبان، هبقى اكلمها في الموضوع، وابلغك بجوابها.

لم يستطع إخفاء تلهفه، فقد ظهرت نبرة العشق جلية في نبرات صوته وهو يستجديه:
- انت أكيد هتقف معايا وتحاول تقنعها يا خالي، مش كده ولا ايه؟

انفلتت ضحكة خفيفة من "صادق" لتبدد بعضًا من حرج الموقف، وأجابه مستسلمًا:
-حاضر يا سيدي.

عادت اللهفة تشتعل في نبراته بصورة أوضح، وهو يصيغ خطته القادمة:
- ان شاء الله أكلم حضرتك تاني بعد ظهور النتيجة، واخد الرد.

رد عليه مداعبًا بلهجة حملت طابع الهزار والدعابة:
- ايه يا عم المستعجل ، حيلك حيلك يا ابني، هو سلق بيض؟

ابتسم وصمت خجلاً، بينما ضيق "صادق" عينيه وسرح بفكره لثوانٍ قبل أن يباغته بسؤال مباشر ذكي:
-انت ايه حكايتك يا اشرف باشا، تكونش بتحبها يَلا؟

اتسعت ابتسامته وعلى غير المتوقع، أجابه بجرأة عاشق وجد فرصته ليعترف:
- دليلة ست البنات يا خالي، أدب وأخلاق وتربية، وانا ابقى غبي لو ما اتمنتهاش زوجة ليا.

 اجتاح "صادق" شعورًا غريبًا ومتناقض، حيث هاجمته وخزة غيرة أبوية ضيقت صدره لفكرة أن هناك رجلاً يريد أخذ طفلته، وفي الوقت ذاته، كانت هناك فرحة دافئة تحاول اقتحام حصون تلك الغيرة لتستقر في قلبه.

تنحنح محاولاً السيطرة على مشاعره وقال:
- اصبر يا اشرف وزي ما وعدتك، بعد النتيجة هفاتحها ان شاءالله.

أنهى المكالمة مع خاله، وراح يتأمل مياه البحر أمام عينيه، لترتسم إبتسامةً واسعةً على محياه كشمس تشرق وسط عتمة الانتظار، استنشق نفسًا عميقًا من هواء البحر المنعش المحمل برائحة اليود، وفجأة، ظهر له وجه "دليلة" عائمًا فوق سطح الماء بجماله العذب، رآها تبتسم له بوجه مشرق يفيض نورًا، وكأنها إشارة كونية تزف إليه بشرى بأن حلمه أوشك على التحقيق، وعلى الرغم من أن خاله لم يمنحه وعدًا قاطعًا بالموافقة، إلا أن سعادته في تلك اللحظة تجاوزت حدود الأرض، لتعانق عنان السماء.

________♕________

#لَوْلاَ_الغَرَامُ_روز_أمين  

ألقى بالهاتف على سطح المكتب بهدوء، وراح يرخي جسده ببطء فوق مقعده،ألقى برأسه إلى الخلف، وعيناه تشخصان نحو السقف بينما كانت الأسئلة تتلاطم في عقله كأمواج بحرٍ ثائر.

 هل يعقل أن ذلك الفتى الذي رأه بالأمس طفلاً، قد نضج سراً وأصبح يحمل في أعماقه عشقاً جارفاً لابنته؟ لم يكن الأمر بحاجة إلى ذكاء خارق، ففطنته  وخبرته في قراءة البشر جعلتاه يلمح العشق يتدفق من نبرات ذاك العاشق اللاهثة، لم يكن ذلك مجرد اختيار عقلاني لشابٍ يبحث عن زوجة مناسبة، بل كان شغفاً دفيناً يطفو من بين حروفه، في غمرة هذه الحيرة، انتبه على صوت الباب وهو يُفتح بهدوء، لتطلّ منه "منى" وقد ارتسم القلق على ملامحها كلوحةٍ مرسومة، نظر إليها وتسللت الطمأنينة إلى صوته وهو يقول بنعومة:
-ادخلي يا حبيبتي.خطت بخطواتها المترددة نحو منتصف الغرفة، ثم وقفت مشدودة القامة، وسألته بنبرة يمتزج فيها الفضول بالريبة:
- قاعد لوحدك ليه طالما خلصت المكالمة؟

وعلى الرغم من الابتسامات الدافئة التي حاول غزلها على شفتيها ليخفي وراءها ثقل المفاجأة، إلا أن عينه كانت تشي بهَمٍّ خفيّ وهو يجيبها:
- سرحت مع نفسي شوية.

انفرجت أساريرها عن ابتسامة بشوشة، وراحت تمازحه محاولةً تخفيف وطأة التوتر الذي طغى على محياه، ثم قالت بنبرة غلفتها المشاكسة:
-اللي واخد عقلك يا سيدي.

تألق الحب في عينيه اللتين اتسعتا بلهفة، ورمقها بنظرة غامرة يشع منها الهيامُ،مبرهناً على أن بريق حبهما لم ينطفئ بعد، ثم قال بنبرة يقفز منها الغرام:
-محدش واخد عقلي وقلبي ومتهني بيهم غيرك يا مُنمن.

اجتاحتها موجة من خجلها المعهود، وهو الخجل ذاته الذي طالما أسر قلب حبيبها وجعله يذوب عشقاً في ملامحها، لذا لم يتمكن من منع نفسه من مواصلة الغزل قائلاً:
- تعرفي اني بعشق اشوف ملامحك لما بتنكسفي، علشان خدودك بتحمر وتبقى شبه التفاح الامريكاني.

أطلقت ضحكة خافتة بددت بهما توترهما، وتقدمت خطوة إضافية وكأنها تحاول اختراق حصونه الدفاعية، ثم قالت بإصرار لطيف:
-ما تبلفنيش بالكلام وقولي، أشرف كان عاوزك ليه؟

تنهد بقوة كأنما يجمع شتات نفسه، وأشار بيد هادئة نحو المقعد القابع أمام مكتبه، وقال في رزانة:
- تعالي الاول اقعدي.

استجابت لطلبه وجلست، لكن الشكوك كانت قد حفرت مجراها العميق على وجهها، فسألته في ريبة:
- ياه، هو الموضوع كبير للدرجة دي؟

رفع يده ليحاوط ذقنه بأصابعه، متأملاً ملامح شريكة عمره، وقال بنبرة ممتلئة بالغموض:
- اكبر مما تتخيلي.

انقبضت أساريرها، وتملك الارتباك من نبرات صوتها وهي تسأله بقلب يرتجف:
- خير يا صادق؟، قلقتني. 

أجابها محاولاً بث السكينة في روعها:
- خير ان شاءالله يا حبيبتي.

ثم وبدون تمهيد ، ألقى بكلماته الصادمة دفعةً واحدة:
-اشرف طلب ايد دليلة.

تسارعت دقات قلبها فجأة كأنها في سباق مع الزمن، لقد أصاب حدسها الأمومي كالعادة، وتأكدت مخاوفها من أن "أشرف" يطمع في نيل قلب ابنتها، وأنه يخطط لهذا الأمر منذ زمن بعيد.

 ابتلعت ريقها، وحافظت على مظهرها الهادئ بصعوبة بالغة وهي تسأله:
- وانت قولت له ايه؟

هز كتفيه بلا مبالاة مصطنعة، مديراً وجهه قليلاً وهو يقول:
- قولت له انه مش وقته.

هنا، تلاشت رقتها، واندفعت نبرتها لحادة، جادة، وصارمة كالسيف، تعلن عن غضبها العارم:
- اسمح لي يا صادق دي قلة ذوق منه، ازاي يتجرأ ويكلمك في موضوع زي ده والبنت داخلة على امتحانات.

تابعت كلماتها الحانقة، وهي تستطرد بضيق لم تستطع كبحه:
-والأهم من ده كله هو ازاي يفكر في دليلة أصلا؟

ارتسمت علامات الاستغراب والدهشة بوضوح على ملامحه من هذا الهجوم المباغت والشرس على الشاب، لكن الأهم والأكثر غرابة في حديثها كان اعتراضها المطلق على مجرد تفكيره في ابنتهما. 

ضيق ما بين عينيه، ورمقها بنظرة حائرة مستنكرة، وهو يسألها:
-وايه اللي يمنع ان ابن عمتها يفكر فيها يا منى؟!

لم تتردد لثانية واحدة، بل اندفعت إجابتها سريعة وحاسمة، كأنها تخوض معركة ضارية لحماية صغيرتها من مخالب وحش كاسر، وصاحت بنبرة لا تقبل الجدال:
-ده اكبر منها على الاقل بعشر سنين يا صادق.

هز رأسه بهدوء حاول به نسف منطقها، ورد قائلاً بتبسيط الأمر:
-وإيه يعني عشر سنين، ما معظم الفرق بين الازواج من سبع لعشرة واتناشر سنة كمان، وجوازاتهم ناجحة جداً.

لكن كلماته لم تزدها إلا تمسكًا بموقفها، فهتفت بذات الحدة والصرامة،على غير عادتها:
- السن ده واحد من ضمن الاسباب يا صادق.

صمتت فجأة، وأطبقت شفتيها وهي تنظر إليه بغموض وإبهام غريب، مما أثار حيرته،لكنها سرعان ما  استنكرت موقفه الدفاعي وهدوءه المريب تجاه الفكرة، فسألته بنبرة متشككة:
- افهم من كلامك ده انك وافقت؟!

تغيرت نبرته لتصبح أكثر رزانة وعقلانية، ورد قائلًا:
- وهل انا أملك الموافقة أو الرفض يا منى؟

أرادت أن تقطع الشك باليقين، فسألته بإلحاح:
- طب هترد عليه باية؟

أطلق تنهيدة حارة ومثقلة بالهموم، ثم نهض من خلف مكتبه مستجمعًا هدوءه، وتحرك بخطوات واثقة ومتمهلة حتى وصل إليها، مد يده نحوها ليمسك بكفها في حنان، وقال مسترضيًا:
- لسه بدري على الرد يا حبيبتي، أنا قولت له الموضوع هيتقفل لحد ما نتيجة دليلة تظهر.

تجاوبت مع لمسته الدافئة، فقبضت على يده ووقفت قبالته مباشرة، وتطلعت في عمق عينيه بنظرات تشع بالريبة والقلق، ثم سألته هامسة:
- طمني وقولي هترد عليه باية يا حبيبي؟

 شعر برغبة ملحة في إغلاق هذا الملف تمامًا، فقد استشعر بذكائه حجم التوتر والاضطراب الذي أصابها، وأدرك أن الاسترسال في هذا الحديث الآن لن يجلب سوى الخلافات والنقاشات الحادة التي قد تعكر صفو حياتهما.

 أراد أن يعيد الدفء والسكينة إلى قلبها، فابتسم برقة وقال محاولاً إنهاء الجدال:
- يا حبيبتي انت شاغلة دماغك من الوقت ليه، اصبري لما إمتحانات بنتك تخلص، وساعتها يبقى ربنا يدبرها من عنده.

وبحركة رقيقة ودودة، سحبها من يدها ممسكًا بخصرها برفق، واتجه بها نحو باب المكتب وهو يحاول تلطيف الأجواء قائلاً:
- تعالي نكمل قعدتنا، وأنا هدخل المطبخ أعمل لنا كبايتين شاي بالقرنفل يظبطوا الدماغ.

أطلقت تنهيدة استسلام طويلة، وكأنها تزيح عن كاهلها ثقل الهواجس مؤقتًا، سايرت خطواته متجهة معه إلى الخارج برضا وسكونٍ،و"لكن" بشكلٍ مؤقت.

             ______♕______

في غرفتهما، انكبت داليا على السرير تُلبس طفلتها ثيابها بعجالة تُسابق بها الزمن، بينما يقف "علي" أمام المرآة يُهندم رابطة عنقه بعناية.

 نظر إلى انعكاسه بإعجاب راضٍ، قبل أن يلتقط زجاجة عطر فاخرة ويرش منها رذاذًا خفيفًا ملأ الأجواء.

كانت تراقب حركاته من خلال المرآة،لتقول بنبرة جادة لا تخلو من الاستعجال:
-خلص يا علي وتعالى خد البنت علشان ألحق ألبس أنا كمان.

التفت إليها مبتسمًا وطمأنها باهتمام:
-حاضر يا حبيبتي، بس البسي بسرعة علشان نلحق ميعادنا.

اقترب منها وحمل ابنتهما بين ذراعيه، فضمها إلى صدره بحنان وبدأ يلاعبها ضاحكًا:
-يا دولي يا حبيب بابي، أنت ازاي قمر كده يا واد أنت؟

شرعت في تبدل ثيابها، ولم تستطع منع نفسها من الابتسام بسعادة وهي تراقب تفاعلهما، إذ راحت الصغيرة تقفز فرحًا وتناغي والدها بكلمات متلعثمة مبهجة:
-بابي، حبيبي. 

التفتت نحوهما، وقالت بغيرة مصطنعة:
-شوف البنت البكاشة، أفضل أحمي وألبس وأأكل، وحضرتها مركبة لي الوش الكشر، وأول ما ياخدها أبوها، من مجرد ما تبص في وشه هات يا ضحك ولعب وتنطيط

رفع حاجبه بغرور رقيق يداعبها به، وقال:
-أنت اتجننتي يا داليا؟ انتِ عاوزة تساوي نفسك بيا؟!

انفجرت ضاحكة، وعقبت بسخرية عذبة وهي تهز رأسها:
-لا إزاي! ما حضرتك اللي حملت فيها تسع شهور وكنت هتموت من آلام الولادة، وتعبت وسهرت وياما غيرت كوافيل وعملت كمادات. 

ثم رمقته بنظرة ذات مغزى وأضافت:
-كفتك لازم تربح طبعًا. 

قهقه بصوت عالٍ وهو يعود لمداعبة ابنته، ثم قال لزوجته ممازحًا:
-هنبتدي نحقد وننفسن بقى؟

ثم نظر إلى ساعته وأردف بنبرة حانية يحثها على الاستعجال:
-بسرعة شوية يا داليا، عاوزين نلحق المعرض قبل الشمس ما تغيب علشان نعرف نختار العربيات كويس.

ضحكت بخفة وهي تضع اللمسات الأخيرة على مظهرها، وقالت بنبرة عابثة:
-ليه، هما هيغشونا بالليل ولا إيه يا علي؟

أجابها بثقة مطلقة وهو ينظر إلى طفلتهما:
-الأمر ما يسلمش يا دولي، لما العربية تبقى قدامك والدنيا نهار، درجة اللون نفسها بتبقى ظاهرة وواضحة.
- وبعدين محدش ضامن، مش يمكن العربية مخبوطة من هنا ولا فيها حكة هنا ومش ظاهرة؟

رمقته بنظرة متهكمة، وصاحت بابتسامة يشوبها عدم الاقتناع:
-خبطة وحكة في عربية على الزيرو يا علي؟!، يا راجل اعقل الكلام. 

التفت إليها بملامح جادة، وقال بنبرة حملت الكثير من الخبرة:
-كل شيء جايز في الزمن ده يا حبيبتي، يعني لو العربية اتخبطت لأي سبب أثناء نقلها، وتاجر معندوش ضمير، هيحاول يلبسها لأي زبون وخلاص.

ردت بواقعيتها المعهودة، محاولةً تحكيم المنطق:
-ويلبسها لزبون ليه ويفقد مصداقيته وسمعته في السوق؟ لما ممكن بكل بساطة يرجعها المصنع تاني. 

تنهد بضيق طفيف ظهر على ملامحه، فبرغم الحب الكبير والروابط القوية التي تجمعهما، إلا أن جدالها المستمر ونقاشاتها العقلانية كانت ترهقه أحيانًا وتشتت تركيزه.

لذا قال محاولاً إنهاء هذا الحوار السقيم:
-يلا يا ماما اتأخرنا. 

أخذت نفسًا عميقًا وتحركت لتقف أمام المرآة، بدأت بلف حجابها بعناية وأناقة شديدة، ثم قالت بريبة لم تستطع إخفاءها:
-أنا مش مقتنعة بموضوع العربيتين دول يا علي.

وتابعت وهي تلتفت إليه: 
-ما نجيب عربية واحدة كفاية، لازمتها إيه المصاريف دي كلها؟

اقترب منها خطوة، وراح يفسر لها بأسلوب عملي ومنطقي:
-يا حبيبتي افهمي، إحنا اللهم بارك شغلنا كبر ومناصبنا مبقتش قليلة في الشركة، العربيات دي هتفيدنا في شغلنا، إحنا بنحتاج نتحرك كتير ونتنقل ما بين المستشفيات وعيادات الدكاترة لعرض الأدوية الجديدة عليهم، وبناخد كوميشن حلو أوي على كده.

مرر يده الحانية على كتفها مكملًا بإقناع:
-وجود عربية لكل واحد فينا هيسهل علينا الحركة أكتر، ونقدر نتواصل مع أماكن أكتر، وبالمقابل فلوس ومكسب أكتر وأكتر. 

وتابع مفسرًا بشرحٍ وافي: 
-إنما لو استعملنا نفس العربية، يبقى بنعجز نفسنا وبنقلص دخلنا للنص يا داليا.

هزت رأسها ببطء علامة على الموافقة والاقتناع، والتفتت لتكمل ارتداء ملابسها مستسلمة لمنطقه السديد.

        ______♕______

بعد فترة وجيزة، كانا يستقلان حافلة الركاب "الميكروباص" معًا حتى وصلا إلى منزل والدتها، أودعت ابنتها بين يدي والدتها قائلة باستعجال:
-مش هنتأخر عليكِ يا ماما، أول ما نختار العربيات ونكتب العقود هنيجي على طول.

رمقت "نعمة" زوج ابنتها بنظرات ممتعضة، وارتسمت على وجهها علامات الاعتراض والضيق، ثم قالت بنبرة حادة تُعقب فيها على قراره الذي لم يرق لها:
-أنا مش عارفة إيه حكاية العربيتين دي كمان! ما كنت جبت لك شقة تمليك أحسن ما تروح ترمي فلوسك في عربيتين مرة واحدة؟!

ثم لوت شفتيها بتهكم، وأصدرت صوتًا من فمها يعبر عن شدة اعتراضها وتابعت:
-هو في حد لسه بيبدأ حياته ولما ربنا يبدأ يرزقه، أول حاجة يعملها يروح يشتري عربيتين؟!يا ابني أنت عاوز الناس تضربكم عين تجيبكم الأرض. 

لقد بلغ ذروة غيظه منها، فلم يعد يطيق تدخلها المستمر في أدق تفاصيل حياتهما، ورغم أنه يكن لها المعزة، ويعلم يقينًا أنها تحبه وتخشى على مصلحته ومصلحة ابنتها، إلا أن أسلوبها بات يخنقه ويقيد حريتهما. 

نظر إليها، واستدعى هدوءه بصعوبة بالغة وهو يقول:
-أنا قولت لحضرتك قبل كده إن العربيات دي جايبها للشغل مش للمنظرة.

قاطعته باعتراض فوري:
-طب يا أخويا ما كفاية عربية واحدة تقضي الغرض، وبثمن التانية كملوا عليها واشتروا لكم حتة شقة تمليك بدل الإيجار. 

أجابها بنبرة جافة محاولاً كبح جماحه:
-نجيب عربية واحدة إزاي وكل واحد مننا شغله لوحده وفي أماكن مختلفة عن التاني؟

ثم نظر إليها بضيق واضح ليضع حدًا لهذا الجدال العقيم: 
-وبعدين يا طنط أنا عارف أنا بعمل إيه كويس، وأخدت قراري خلاص.

ثم التفت إلى زوجته وقال بنبرة آمرة حازمة:
-يلا يا داليا علشان مأنتأخرش.

أعادت تقبيل ابنتها قبل أن تهمس لها والدتها قبل أن تغادر:
-ابقي هاتي العربية بتاعتك لونها أحمر

هزت رأسها بطاعة صامتة، وأسرعت بخطواتها لتهبط الدرج خلف زوجها وتلحق به، كانت تنظر إلى ملامحه المتجهمة، تائهة بين مشاعر متضاربة، إذ تملكها الحنق من أسلوبه الحاد الذي بات يعامل به والدتها مؤخرًا، لكنها في الوقت ذاته كانت تعذره وتعلم تمامًا أنه على حق، فوالدتها تصر على فرض رأيها والاعتراض على كل قراراته. 

وتفاديًا لأي صدام قد يشعل الموقف، التزمت الصمت ولم تنبس ببنت شفة. 

انقشعت تلك السحابة الكئيبة بمجرد وصولهما إلى معرض السيارات، حيث غمرتهما بهجة عارمة وهما يتجولان بين السيارات، اختارا السيارتين بعناية وكتب كل منهما عقده المستقل باسمه، ليتملكهما شعور بالفخر والنجاح.

 وبعد إنهاء الإجراءات، مرّا على منزل والدتها، واستعادا صغيرتهما، ليعودوا جميعًا إلى منزلهم والابتسامة تغمر وجوههم، متطلعين إلى غدٍ أفضل بإذن الله.

       ________♕_______

داخل أحد المقاهي الفخمة المطلة على النيل، حيث كانت نسمات الهواء الباردة تداعب الماء لتعكس جمال القاهرة الساحرة،يجلس رشيد بصحبة سامر، أشار رشيد بيده للعامل"الويتر" ليطلب فنجان قهوته المعتاد، قبل أن يخرج سيجارة من علبتها الأنيقة، احتضنها بين أصابعه ببراعة، ثم أشعلها وبدأ يسحب منها أنفاسًا عميقة باستمتاعٍ بدا واضحًا على تقاطيع وجهه.

تابع سامر حركات صديقه بقلق لم يستطع أن يخفيه، وقال بصوت خفيض حمل خوفًا حقيقيًا على صحة رفيق دربه:
-وبعدين معاك يا رشيد؟ أنت مش ناوي تبطل موضوع السجاير ده؟ الموضوع كده بقى سخيف.

التفت إليه وارتسمت على وجهه ابتسامة جذابة أضفت نورًا على ملامحه، وقال مداعبًا صديقه بنبرة متهكمة:
-مالك يَلاَ بقيت لتات زي الحريم كده ليه؟

ثم أخرج ابتسامة طفيفة وتابع:
-هو إحنا كل ما هنقعد مع بعض هتقعد تقول لي السجاير السجاير؟

صمت لبرهة من الوقت، أطلق خلاله زفرة محملة بدخان السيجارة، ليتصاعد ويتلوى في الهواء، قبل أن يكسر الصمت مكملاً بأسلوب غلب عليه المزاح: 
-ده أنت لو مراتي مش هتعمل كده. 

عقد سامر حاجبيه ورمقه بنظرة حادة، وصاح به بجدية مصطنعة:
-مراتك ده إيه يا عم الحلو؟ ما تتلم وتظبط الكلام كده يا هندسة. 

ابتسم رشيد واكمل دعابته:
-انتَ تطول.

ابتسم سامر في حين تابع الآخر حديثه:
-أعمل لك إيه يعني؟ ما إحنا كل ما نقعد مع بعض وتلاقيني مولع سيجاره تقعد تقول لي نفس الكلمتين هم هم بتوع كل مرة، زهقتني يا سامر.

تلاشت الابتسامة عن وجه سامر، واكتست ملامحه بحدية مفاجئة وهو يقول:
-الموضوع طول معاك يا رشيد، أنا افتكرتك شربتها من بعد الموضوع إياه عشان تنسى اللي حصل وقتها وتنفث عن غضبك، وعلشان كده سبتك براحتك. 

هبطت الكلمات كالصاعقة، فبمجرد أن نطق سامر بعبارة "الموضوع إياه"، تبدلت ملامحه تمامًا، واختفت راحته ليحل محلها ضيق دفين تجسد في تشنج طفيف بفكه. 

لم يلحظ سامر هذا التغير، فاستطرد قائلاً:
-أنا قلت إنك هتقعد شهر ولا شهرين، ولا حتى سنة يا سيدي، وبعدين ترجع لعقلك، بس أنا شايفك استحليت الموضوع ومستهبل فيها على الآخر.

 ثم أشار بعينيه إلى علبة السجائر المستقرة على الطاولة وتابع بسخرية:
-لا وبقيت تجيب مستورد كمان. 

حاول تخبأة أثر الذكرى عليه، فضحك بنبرة غلفها بغرور مصطنع وهو يقول:
-مش مهندس يا ابني، يعني عاوزني أشرب كيلوباترا زي بقية البشر كده عادي. 
اطلق سامر ضحكاته المرتفعة، ليتابع رشيد بجدية: 
-أديني بعمل حاجة أطلع فيها غضبي من ضغط الشغل وصداع البريمة.

ابتسم سامر وعلق بامتنان:
-ربنا يديم البريمة وصداعها نعمة علينا يا باشا.

أمن على دعوته، كانت هناك طاولة مقابلة تجلس إليها فتاتان، لم تتوقفا عن النظر باتجاه رشيد، راحتا تتبادلان الهمس وعيونهما تفيضان بإعجاب صريح. 

غمز سامر لصديقه بخبث، وقال ساخرًا بممازحة:
-طب قابل اللي قدامك دول وحن شوية يا عم الهندسة.

ألقى رشيد نظرة جانبية باردة لا تتعدى اللمح، ثم عاد لصديقه قائلاً بلا مبالاة:
-سيبك منهم، أنا واخد بالي من أول ما قعدنا، بس طنشت.

عقب الأخر ممازحًا:
-متبقاش قاسي كده يا باشمهندس، بص لهم وخليهم ييجوا نتسلى معاهم شوية.

سحب نفسًا هادئًا من سيجارته، وبدت طريقته الواثقة في الإمساك بها وأسلوب طرده المتمهل للدخان من فمه، كفيلة بزيادة انبهار الفتاتين له، ثبت نظراته في عيني سامر، وتحدث بجدية صارمة تنبثق من مبادئ راسخة في روحه:
-عيب يا باشمهندس، إحنا عندنا أخوات بنات، واللي ما نرضاهوش على بناتنا، مانرضاهوش لبنات الناس.

 ثم رفع سبابته ووجهها نحو جبهة سامر مكملاً بحزم: 
-خلي الجملة دي دايماً قدام عنيك، وحط أخواتك البنات دايماً مكان أي بنت قدامك.

لوح سامر بيده معتذرًا أمام شهامة صديقه:
-خلاص يا سيدي، مكنتش كلمة قولناها.

ثم التفت بطرف عينه نحو الفتاتين اللتين استمرتا في مراقبة رشيد بكل جرأة دون أدنى خجل أو خوف من الله، فتمتم سامر بأسفٍ مصطنع: 
-طب والله خسارة. 

ابتسم رشيد بهدوء، ثم أطفأ سيجارته في المنفضة وبدأ يجمع أشيائه قائلاً:
-يلا خلينا نمشي، ماما مستنياني علشان أوديها لخالتي.

نظر إليه سامر بشك وتساءل:
-هي إيه حكاية أمك يا رشيد؟ كل إجازة تخليك توديها لخالتك، لا وتروح تجيبها كمان.

أجابه ببرود تام وهو ينهض:
-عوزاني أتجوز نسرين بنت خالتي، من ساعة ما اشتغلت وهي كل شوية تفاتحني في الخطوبة، أقول لها يا ستي مش لما نجوز كريم الأول؟ تقول لي ما هو خاطب، وأنت اخطبها بس واحجزها قبل غيرك.

 ثم تنهد بسخرية لاذعة وأردف: 
-أوضة سفرة هي، هحجزها قبل ما تعجب حد غيري ويشتريها. 

سأله باهتمام وجدية هذه المرة:
-طب وإيه المانع؟ ما تتجوزها، دي زي القمر، وفي صيدلة، يعني مناسبة جداً ليك.

تغيرت ملامحه تمامًا في تلك اللحظة، وانطفأ البريق في عينيه ليحل محله حزن دفين غلف نبرته وهو يجيب بصوت خفيض:
-أنا مبفكرش في الجواز يا سامر، الخطوة دي أنا شيلتها من حساباتي نهائي، أو على الأقل الفترة دي.

ساد صمت مرير، نقل فيه رشيد بصره إلى مياه النيل الراكدة، وكأنه يستمد منها القوة، ثم تابع حديثه بجدية وصرامة لا تقبل النقاش:
-أنا مبقتش شايف غير مستقبلي اللي لازم أفحر في الصخر علشان أبنيه على أساسات متينة، والسفر للخليخ اللي بقى حلمي.

تنهد صديقه بعمق، وعيناه تراقبان صديق عمره بأسى جارف، إذ أدرك أن جروح الماضي ما زالت غائرة في أعماق روحه، ولم تندمل بعد رغم مرور كل هذا الوقت.

أراد رشيد أن يتلاشى هذا الثقل الذي خيّم على المكان، فالتفت من حوله، ثم أشار للعامل وطلب منه الفاتورة. 

لم تمر دقائق حتى أقبل العامل يحمل الشيك، فأخرج رشيد ماله ودفع الحساب، ثم نهض مستعدًا للمغادرة.

وبينما كانا يهمان بالخروج، مر سامر بجوار طاولة الفتاتين، والتفت نحوهما متمتمًا بصوت مسموع غلفه الإعجاب والمداعبة:
-حد يرفض النعمة ويسيبها ويمشي كده يا مفتري؟!. 

انطلقت ضحكة رشيد لتبدد غيوم حزنه المؤقت، ومد يده يضعها على كتف صديقه محتضنًا إياه، ثم جذبه برفق ليحثه على التحرك أمامه ومغادرة المكان.

       _______♕________

مساءًا، حيث كان صادق يجلس مستسلمًا لأفكاره، قبل أن يقطع هدوء المكان رنين الهاتف الارضي،رفع السماعة ليجد المتصل والدته ، فارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة بددت بعضًا من إرهاق يومه، لم يكد يسترسل معها في السؤال عن الحال، حتى فاجأته بنبرة جادة ألقت بها الكلمات دون تمهيد:
-أشرف عاوز يتجوز دليلة يا صادق.

انعقد حاجباه بذهولٍ باغته، فقد كانت كلماته الحازمة لأشرف بالصمت لا تزال ترن في أذنيه، لذا سألها وعلامات الاستنكار تفرض نفسها على نبرته:
-وإنتِ عرفتي منين يا ماما؟!

جاءها صوته الواثق عبر الهاتف ليزيد من حيرته:
-ما هو قايل للحاج عزام وفاطمة من زمان، وكانوا مستنيين لما دليلة تخلص الثانوية، وكمان أماني عارفة.

اجتاحت الصدمة تفكيره، وعاد يكرر وراءها بغير تصديق:
-وأماني كمان عارفة؟!

راحت تنقل إليه تفاصيل ما جرى في الحرم الشريف، حكت له عن دموع أشرف المنهمرة ودعائه الساخن وتضرعه للمولى، كانت الكلمات تقع على قلب صادق كالمطر على أرض قاحلة، فبدأت قسوته تتلاشى وحصونه تلين.

 تراجع بجسده إلى الخلف وهو يفكر بتأثر عميق: أإلى هذا الحد تغلغل حب ابنته في قلب ابن شقيقته؟ حتى يخصها بأغلى دعواته في أطهر بقاع الأرض، راجيًا أن يجمع الله شتاته بها؟

أحس برقة تجتاح روحه، فسألها مستسلمًا لخبرتها:
-طب إنتِ إيه رأيك في الموضوع يا حاجة رقية؟

أجابته بنبرة تتدفق حنانًا وفخرًا:
-وهي دي محتاجة رأي يا حبيبي؟ الولد إنت اللي مربيه على إديك، مؤدب ومحترم وأبوه راجل ونعم الناس، واللهم صلي على حضرة النبي، بيجيب نهر فلوس كل سنة.

وراحت تقص عليه مميزاته: 
-ده بعت لأبوه فلوس عمل له الدور التالت ولا القصر، ومهني أختك ومغرقها في الدهب، ومعاه فلوس هيعيش بنتك بيها ملكة.

أطلق تنهيدة محملة بثقل المسؤولية، وقال معقبًا :
-وهو أنا لما أجي أختار لبنتي عريس، هفكر في الفلوس برضوا يا ماما؟ دليلة بريئة وغلبانة، محتاجة واحد يصونها ويحطها جوة عنيه.

على الجانب الآخر في المطبخ، كانت منى تشرف على إعداد وجبة العشاء، لكن حواسها كلها كانت معلقة بتلك المكالمة التي وصلت إليها بوضوح لقرب المكان، زفرت بأنفاس حارة غاضبة، وعقدت العزم داخلها على مواجهة زوجها وإعادة فتح هذا الملف فور إغلاقه الهاتف، فقد فضلت التريث حتى ينتهي.

أما رقية، فقد تابعت نسج خيوط إقناعها قائلة بنبرة خبيرة:
-الواد بيحب البت ومتعلق بيها، وإنت عارف لما الراجل يحب بيعمل إيه، بكرة يغرقها في الدلع ويوريها الهنا كله.

وتابعت وهي تلوي فاهها باستنكار: 
-ما هو طالع لك، يعني هيجيبه من برة

تنهد صادق وغرق في بحر من الحيرة، ساد الصمت لثوانٍ، فقد كان يعيش صراعًا حقيقيًا بين حيرته وعاطفته، في واقع الأمر هو يحب أشرف كثيرًا، ويرى فيه امتدادًا لشبابه وقيمه، فقد نشأ الصبي تحت ناظريه ويثق في معدنه وأخلاقه ثقة عمياء، حتى ذلك الغضب العارم الذي تملكه جراء "موقف السطوح" القديم، لم يكن نابعًا أبدًا من قلة ثقة في أخلاق أشرف، بل كان مجرد ثورة خوف فطري من أبٍ يغار على عرض ابنته ويخشى عليها من نسمة الهواء.

بعد قليل خرج صوته واهنًا، يحمل بين طياته كل ما يمر به من تردد وحيرة:
-أيوا يا ماما بس البنت لسه صغيرة.

انتفضت في مكانها، وجاء صوتها المعترض حادًا عبر الهاتف:
-هي مين دي اللي صغيرة يا صادق؟! بنتك اللهم بارك بقت شابة أطول منك، وبعدين هو حد قالك إنه هيتجوزها أول ما يتخطبوا؟ وافق إنت بس وبعدها يحلها الحلال.

تنهد بعمق، محاولاً التمسك بآخر حصون المنطقية:
-في النهاية الرأي رأي البنت يا ماما، إن شاء الله تخلص امتحاناتها، وأفاتحها في الموضوع.

ردت بنبرة واثقة هادئة:
-بنتك محترمة ومؤدبة، ومش هتني لك كلمة، وهتوافق إن شاء الله

أجابها بجدية رحل يدرك حجم المسؤولية:
-ده جواز يا ماما، يعني البنت لازم توافق وتكون مرتاحة للإنسان اللي هتعيش معاه.

أنهى المكالمة ووضع الهاتف جانبًا، ليلتفت ليجد زوجته قد خرجت من المطبخ بخطوات متمهلة، ثم جلست إلى جواره تسأله بنبرة فضولية حذرة:
-هي طنط عرفت منين موضوع أشرف يا صادق؟

قص عليها ما أخبرته به والدته باختصار، فالتوت شفتيها بضيق ومن ثم علقت بتهكم:
-يعني هو بلغ الكل قبل حتى ما يبلغك ولا يعرف رأيك؟! 

التمع بريق الاعتراض في عيني صادق وهو يجيبها بحدة:
-وهو أنا هحاسبه على إحساسه وتصرفاته يا منى؟!

ردت بحدة وصوت مرتفع نسبيًا:
-مش حكاية تحاسبه يا صادق، بس فيه أصول، المفروض مكنش يتعداها. 

شعر بأن زوجته تترصد للشاب الأخطاء ومتحاملة عليه بشكل مبالغ فيه، فقال بنبرة عتاب حاسمة:
-فيه إيه يا منى؟ أنا ملاحظ إنك مش طايقة الولد ولا متقبلة أي حاجة بيعملها. 

زفرت بقوة، وارتسمت الصرامة على ملامحها وهي تقترب منه قائلة بلهجة آمرة لا تقبل النقاش:
-صادق من فضلك، اتصل بيه وبلغه بأن البنت رفضت، واقفل الموضوع ده خالص قبل ما يكبر ويتسبب في مشكلة بينك وبين أختك. 

خرج صوته قويًا، يملأه استغراب شديد وهو يواجه نظراتها الغاصبة:
-وأنا إيه اللي يخليني أكذب وأقول كلام محصلش يا منى؟!

رمقته بدهشة عارمة لجمت لسانها لثوانٍ، قبل أن تسأله بغير استيعاب:
-إنت بتفكر تجوز بنتك لـ أشرف يا صادق؟!

نظر في عينيها مباشرة، وقال بملامح حائرة مستغربة:
-وليه لأ يا منى؟

هزت رأسها برفضٍ قاطع وصاحت بمرارة:
-ما ينفعش يا صادق.

 وتابعت وهي تحاول إيقاظ المنطق في عقله:
- بنتك وأشرف مش شبه بعض في أي حاجة، تقدر تقولي واحدة عايشة طول عمرها ما بين السعودية والقاهرة، هتقدر تعيش في الارياف وتستقر هناك ازاي؟! 

واسترسلت بـ إيضاحٍ أكثر:
-أختك صعبة وإنت عارف الكلام ده كويس أوي، دي مامة داليا ما استحملتش فكرة إن بنتها تعيش معاها في بيت واحد، وخافت عليها وخدتها جنبها وهي ما تعرفهاش ولا عاشرتها. 

اقتربت منه أكثر، وتجمعت في عينيها دموع اللوم والعتب وهي تستطرد:
-نقوم إحنا اللي عارفين طبع أختك وعنادها، نرمي لها بنتنا البريئة علشان تذوق على إيديها كل أنواع المرار؟!

 ثم شددت على كلماتها بنبرة حادة وحاسمة:
- أنا لا يمكن أوافق على كده أبدًا يا صادق، وخلي بالك لو بنتك اتجوزت أشرف، مش بس فاطمة اللي هتبقى حماتها، مامتك وأخواتك كمان هيبقوا حماة بنتي، وهيتدخلوا في كل صغيرة وكبيرة في حياتها. 

أمالت رأسها تبتلع غصتها، وراحت تستجدي تعاطفه الأبوي قائلة بضعفٍ وانكسار:
-حرام عليك يا صادق، إنت ازاي هانت عليك بنتك بالطريقة دي؟

لم يحتمل رؤية ضعفها، فامتدت يده الكبيرة لتمسك كفيها، وطبطب عليهما بقوة وثقة حانية، نظر في عمق عينيها ليدثر مخاوفها وقال بنبرة دافئة:
-ممكن تهدي؟

 ثم انطلقت منه ضحكة خفيفة يحاول بها تخفيف حدة الأجواء وأردف: 
-وشكرًا يا ستي،إنك عرفتيني إن أمي وأخواتي عصابة ريا وسكينة. 

نظرت إليه باعتذار صادق نابع من قلبها وقالت:
-أنا آسفة أنا ما أقصدش وإنت عارف كده كويس، أنا بحب مامتك وأخواتك وبحترمهم جداً، بس ده ما يمنعش إن مامتك وأخواتك طبعهم شديد، والبنت بريئة ومش قدهم ولا قد تحكماتهم.

تنهدت بعمق والتفتت تتابع كلامها:
-ده غير إن بيوت الفلاحين كلها تعب وشغل البيوت عندهم ما بيخلصش، وبنتك زي ما إنت عارف، لا ليها في شغل البيت ولا في الكلام ده كله.

ابتسم بهدوء، وطمأنها بنبرة حملت حلًا منطقيًا:
-يا حبيبتي إنتي ناسيه إن أشرف عايش في السعودية؟ يعني لو حصل جواز البنت هتسافر معاه.

لم تقتنع بحديثه، وعقبت بحيرة وقلق من المستقبل:
-وهو هيفضل عايش في السعودية على طول يا صادق؟ ما هو مسيره ينزل البلد ويعيش فيها.

رد عليها بيقين وتفكيرًا رتيب:
-يا ستي هخليه يقعد هنا في القاهرة.

صمت لبرهة يستجمع أفكاره ثم تابع:
-إنتِ ناسية إن أنا باني لبنتي دور كامل فوقينا؟ يعني بيتها موجود واللي عايزها يقبلها زي ما هي كده.

سألته بنبرة يملأها الشك والريبة من رد فعل عائلته:
-وتفتكر أختك هتوافق على حاجة زي كده؟!

هز كتفيه ببرود حاسم أظهر قوته وقوامته، وقال:
-والله العقد شريعة المتعاقدين، الكلام ده أنا هقوله للولد، ولو وافق وأقنع مامته والحاج عزام، يبقى يا مرحب بهم، ما وافقوش إن ابنهم يعيش هنا يبقى خلاص، هما أحرار في قرارهم.

ثبت نظراته في عمق عينيها بتأثر بالغ زلزل ثباتها، وتابع كلماته بصوت هادئ يحمل حكمة الأيام وثقل المسؤولية:
-يا منى افهميني، أنا مش ضامن عمري ولا ضامن إني هعيش لكم العمر كله.

انقبض قلبها وانزعجت بشدة من نبرته التي تشبه الوداع، ففتحت فمها لتقاطعه، لكنه كمل بجدية غلبت عليها العاطفة:
-دليلة ملهاش حد غير أخوها، وأخوها لسه صغير، أشرف أنا مربيه على إيدي يا منى وواثق في رجولته وفي أخلاقه، إن شاء الله هيبقى أخوها وأبوها هي وأحمد من بعدي.

أسرعت بالقبض على يده، وكأنها تتمسك بوجوده معها، وقالت بنبرة معترضة:
-بعد الشر عليك يا صادق، انتَ ليه بتقول كده؟!

نظر إليها بابتسامة هادئة، وقال بسلام داخلي:
-الموت مش شر يا منى، ده قدرنا كلنا، الأعمار بإيد ربنا ومحدش عارف ساعته هتيجي إمتى.

 صمت لبرهة يتأمل ملامحها الهلعة، ثم تابع والرجاء يلمع في مقلتيه: 
-أشرف بيحب دليلة، وأنا بصراحة مش هضمن أمانها ولا هطمن عليها مع حد غيره.

راحت تحدق في وجهه بحيرة وتوجس، مستغربة من إصراره وحديثه الذي يفيض بالزهد والشفقة على مستقبل أولادهما، في أعماقها، هي لا تنكر أبدًا أن أشرف شابًا مهذبًا وعلى خلق، وطوال سنوات نشأته لم ترا منه ما يعيب خلقه أو يمس نزاهته، بل على العكس تمامًا.

لكن كل مخاوفها كانت تتمحور حول فكرة "بيت العائلة"، وسطوة فاطمة وعنادها، وشخصية رقية القوية، وإلى جانب كل تلك الأسباب المنطقية، كان هناك شعور خفي مبهم يلوح في أفق عقلها، نذيرٌ غامض يهمس لها دائمًا بالابتعاد ويحذرها من ارتباط ابنتها بأشرف، ما هو منبع هذا الشعور؟ ولماذا يطاردها كظلها؟ فذلك ما عجزت عن فك طلاسمه أو العثور له على تفسيرًا بداخلها. 
_______♕______

مرت الأيام سريعًا، وانتهت دليلة من الاختبارات، لتشرق نتيجتها مُعلنة عن بداية مرحلة جديدة، لم يُضع أشرف ثانية واحدة، إذ كان ينتظر الأيام على أحر من الجمر، ما أن علم بظهور النتيحة، حتى سارع بالاتصال بخاله ، ليسبقه صوته المرتجف من فرط العجلة والشوق، طالبًا منه أن يفي بوعده ويُفاتحها في الأمر.

أمسك صادق بزمام الحديث، وبنبرة أبٍ يضع حصونًا حول زهرته، أفرغ كل شروطه على مسامع الشاب، ونقل إليه مخاوفه ومخاوف منى بمنتهى الوضوح.

لم يكن أشرف بحاجة للتفكير، فلم تمر الكلمات بعقله بل استقرت في قلبه مباشرة، ليرد بنبرة عاشق لم يعد يرى في الدنيا سوى غايته، والعشق يغزل كل حرف من حروفه وهو يقول:
-أنا موافق على كل طلباتك يا خالي، أي حاجة هتريحك إنت ودليلة ومرات خالي أنا هنفذها بدون نقاش، أهم حاجة دليلة تكون من نصيبي.

تسارعت دقات قلبه، وتابع بلهفة ونبرات تقفز عشقًا:
-وأنا والله العظيم هخليها أسعد إنسانة في الدنيا دي كلها

وتابع بوعيدٍ:
- مش هخلي حاجة في نفسها غير وهعملها لها، هتبقى تاج فوق راسي، والله هحطها تاج فوق راسي، بس إنت ريح قلبي ووافق. 

ساد صمت قصير من طرف صادق، كان يستمع فيه لصدق نبضات الآخر، ليتأكد في أعماقه مع كل كلمة تنطق بها شفتا أشرف، أن "دليلة" لم تعد مجرد رغبة لديه، بل غدت أمنية حياته الكبرى والدعوة الساكنة في عمق روحه.

 شعر براحة غامرة واقتناع تام بأن هذا هو الدرع الذي سيحمي ابنته من غدر الأيام.

لذا رد عليه بصوت حانٍ:
-حاضر يا أشرف، أنا هكلمها بكرة.

انتفض من مكانه كمن قُدمت له طوق النجاة، وصاح بلهفة وتوسل:
-النهارده يا خالي، خليها النهارده علشان خاطري. 

لم يتمكن من كبت ابتسامته، وانطلقت ضحكته الدافئة لتعبر عن حبه لهذا الشاب، فقال يمازحه:
-ما تسترجل يلا! في إيه مالك، إنت للدرجة دي واقع؟!

أطلق أشرف ضحكة محب غلبه الشوق، وأجاب بصدق لم يخجل منه:
-عايز أخد وعد منك وقلبي يرتاح بقى يا خالي.

استشعر صدق حديثه، فهز رأسه بالموافقة وكأن أشرف يراه، ثم قال بهدوء طمأن قلبه: 
-حاضر يا أشرف، هبلغها النهارده.

_______♕_______

بنفس التوقيت 
بعد أن انقضت ساعات العمل الطويلة، كان "علي" قد مر في طريق عودته على منزل السيد "عبدالله" ليصطحب طفلته، وما إن خطى بساقيه المنزل حتى وجد "داليا" قد سبقته وتولت إعداد وجبة الغداء،مر الوقت سريعًا حتى أرخى الليل ستائره.

انسحبت داليا في هدوء لتُهدهد الصغيرة في غرفتها وتعينها على النوم، بينما انزوى "علي" في غرفة نومهما.

استند بظهره إلى الوراء وهو يستلقي على فراشه، مجهداً، وعيناه تتمركزان إلى السقف بوجوم تام، شعر بضيق شديد في صدره، كاختناق بات عاجزاً عن تجاهله أو احتماله. 

لقد أصبحت تدخلات والدة زوحته قيداً يطوق خصوصيتهما الزوجية، فباتت لا تدع صغيرةً ولا كبيرة إلا وأخضعتها لنقدها اللاذع، حتى تلك الأمور العفوية التي يصنعها لطفلته، كقطع ثياب بسيطة يبتاعها للصغيرة ، لم تسلم هي الأخرى من تدقيقها وانتقاده عليها.

 أخذ يغوص في أفكاره، يبحث عن مخرج ذكي يُبعدها به عن تفاصيل حياتهما دون أن يشعل حرباً عائلية، لمعت في عقله فكرة بدت مثالية، فانفرجت أساريره عن ابتسامة ارتياح خفيفة

في تلك اللحظة، دلفت داليا إلى الغرفة والجهد يظهر على ملامحها، نظر إليها وسألها بنبرة هادئة ورخيمة:
-البنت نامت؟

زفرت وهي تزيح خصلة شعر عن وجهها وقالت بأرقٍ:
-أخيراً.

اتسعت نظراته بحنان، وبسط يده يشير إلى جانبه على الفراش، قائلاً بحميمية آسرة:
-تعالي يا حبيبتي اقعدي جنبي، عاوز اتكلم معاكِ في موضوع مهم.

اقتربت وجلست بجواره، باحثة في ملامحه عن تفسير وهي تسأله:
-خير يا حبيبي؟

تحدث بنبرة هادئة حملت الكثير من الحذر والترقب:
-احنا دلوقتي الحمد لله ظروفنا اتحسنت كتير، والحظ بدأ يبتسم لنا.

أومأت برأسها هامسة بامتنان:
-الحمد لله يا علي.

التقط خيط الحديث ممهداً لما يريد قوله بحرص شديد:
-الحقيقة يا داليا احنا تعبنا طنط معانا كتير جداً، وأنا شايف إن لحد كده وكتر ألف خيرها.

تجمدت ملامحها فجأة، واختفت علامات الإرهاق لتحل محلها دهشة عارمة، ونظرت إليه مستنكرة وهي تسأله:
-يعني إيه كلامك ده يا علي؟ أنا مش فاهمة حاجة!

ثبت عينه بخاصتيها، ممسكاً بزمام هدوئه، وقال لها.......
           _______♕_______

أنزل صادق الهاتف عن أذنه والابتسامة ما زالت ترتسم على ثغره، التفت سريعًا ونادى بصوته على دليلة.

 في الطابق العلوي، كانت غارقة في عتمة غرفتها وأفكارها، تعتصر قلبها خيبة أمل مريرة، فرغم أن أنها قد حصلت على 93%، إلا أن هذا الرقم وقف عاجزًا أمام عتبات حلمها الأكبر، ذلك الحلم الذي تسرب من بين أصابعها العام الماضي، وما زال شبح الإخفاق فيه يطاردها حتى اللحظة.

أقبلت تهبط الدرج بخطوات متثاقلة، ودلفت إلى الصالة برأس منكسة، وعينين مطفأتين، وملامح حزينة غاب عنها الفرح، تحدثت بنبرة واهنة:
-نعم يا بابا؟

شعر بغصة وهو يرى ذبول زهرته، فربت إلى جواره وقال بنبرة دافئة كحضن دافئ:
-تعالي اقعدي يا حبيبتي.

جلست بجانبه بقلب محطم، بينما خطت منى نحوهم في صمت، وجلست على المقعد المقابل لهما، راحت ترقب ملامح ابنتها بعينين حذرتين، أمسك صادق كفيها الصغيرتين بين يديه، وضغط عليهما بحنو بالغ وهو يثبّت نظراته في عينيها قائلاً:
-أنا مش عايز أشوف الحزن ده تاني في عينيكِ يا دليلة، تخطي الموضوع يا بنتي وارضي واحمدي ربنا.

ثم تابع حديثه بنبرة يملؤها الرضا واليقين، واضعًا كفه فوق كتفها بحنو:
-عايزك تعرفي إن الثانوية العامة عمرها ما كانت نهاية المطاف، ومجموعك ده مش هو اللي هيحدد قيمتك. 

وتابع حديثه بيقين: 
-سيبك من وهم كليات القمة والكلام الفاضي ده، مفيش كلية عالية وكلية متدنية، في طالب مجتهد بيصنع قمة لنفسه في أي مجال يدخله، البني آدم يا بنتي هو اللي بإيده يخلي مكانه قمة، وهو اللي بيثبت نفسه وقدراته بمجهوده وشغفه.

واستطرد بأملٍ وصوتٍ حماسي رغم ألمه عليها وعلى ضياع حلمهما:
- ادخلي كليتك الجديدة اللي ربنا هيكتبها لك حسب التنسيق وانتِ راسك مرفوعة، ذاكري واتميزي فيها، وخليكِ دايماً إنتِ القمة في أي مكان تتواجدي فيه.

أشاحت ببصرها قليلاً،برغم حديث والدها المليء بالأمل،إلا ان أي حديث لا يمكن محو شعورها بالانكسار وضياع حلمها،هزت رأسها بأسى مستسلمة، وتمتمت بصوت خفيض:
-حاضر يا بابا.

ابتسم لها مشجعًا، وأراد أن ينفض عن روحها غبار هذا الإحباط ويفتح لها طاقة أمل جديدة، فقال بنبرة تملأها الحماسة:
-أنا عايزك ترمي اللي حصل ده كله ورا ظهرك وتبدأي صفحة جديدة.
- وكمان في خبر حلو أوي عاوزه أفرحك بيه.

تحركت ملامحها بنوع من الفضول، ورفعت عينيها المستغربة نحو والدها تسأله:
-خبر إيه يا بابا؟

ارتبكت منى، بينما لمعت عينا صادق بسعادة عارمة، وتهلل وجهه ببريق راقص وهو يزف إليها النبأ الذي طال انتظاره:
-أشرف ابن عمتك طلب إيدك مني.


تعليقات