رواية ناب الافعي الفصل الواحد والعشرون 21 والاخير بقلم سمر بسطاوي


 رواية ناب الافعي الفصل الواحد والعشرون والاخير 

أخيراً دقت السعادة أبوابهم.  
غمرت الزينة المنزل بأضواء الفوانيس الذهبية المعلقة في كل ركن، واختلطت رائحة الورود البيضاء والياسمين بعبق البخور الذي ملأ الأرجاء. ارتفع صوت الدف من الخارج يختلط بضحكات العمال وهم يعلقون النور، وبصوت عمران وهو يصيح في أدهم الذي يقف على السلم:

_عمران_: مش هنا يا حمار تعالى كده الناحية التانية  

_أدهم_: ما تطلع تعملها بدل الهم دا كله  

نظر له عمران نظرات حارقة جعلته يبتلع ريقه بخوف، بينما يتنقل المشهد لسالم وأسامة وهما يضعان الورود البيضاء بتنسيق على الطاولة. ومن خلفهم العمال يزينون ديكور المنزل بأقمشة التل والدانتيل.  
وفي الأعلى كانت تجلس الفتيات يضعن الماسكات على وجوههن بعد تعليمات سيلا. اختلطت رائحة الخيار والنعناع مع صوت الموسيقى الهادئة التي خرجت من سماعة صغيرة.

_سيلا_: محدش فيكم يتحرك لأحسن الماسك يبوظ  

_مهرة بضحك_: بقالنا ساعة قاعدين زي الأصنام كده مش هنخلص انهارده ولا ايه  
_سيلا_: التزمي بتعليماتي لو سمحت من غير كلام  
_ترتيل_: ايه الملل دا أنا زهقت  

_سيلا_: خلاص هشغلك أغاني نرقص سوا يا عروسة  

_ترتيل_: أغاني لا يا سيلا حرام  

_سيلا_: عيب عليكي وهي دي تفوتني بدون موسيقى بدف بس خلينا نفرح ونسيب الناس تفرح.  
كادت أن تعترض ولكن سيلا لم تعطها فرصة وهي تشغل الأغنية بصوت عالٍ. تعجب الشباب من الصوت فصعد عمران للأعلى، ولكنه توقف على درج السلم من الصدمة. 

كانت مهرة تلف شالها على خصرها بعد أن شجعتها سيلا على الرقص، لتتمايل بدلال على الموسيقى. ضوء الفانوس الذهبي ينعكس على فستانها الأسود فيرسم ظلالاً ترقص على الحائط معها. رائحة عطرها الخفيف وصلت له حتى وهو واقف بعيداً.
تجمد في مكانه. وضع يده على قلبه الذي كاد يقفز من صدره.  
همس لنفسه بصوت لم يسمعه أحد: "يا الله"

كان شعرها الأسود الغجري يتهدل خلفها مع كل تمايلها، وكأنه يتناسق مع حروف الأغنية ويلعب على أوتار قلبه الضعيف:

"
حاسس في بقلبي لهفة
عم تدفعني إني روح
أوميلا بإيدي وإعزمها
ع الرقصة وبسري بوح
رح قوي قلبي وما خاف
منه خسارة الاعتراف
ملاك منزل ع الأرض
بيستاهل كرماله تبوح 
شو عملت فيا من لما لفت عخصرها الشال 
ترقص قدامي وتتغنى تتلف يمين شمال 
وتهز بشعرها الحرير يا الله دوخني كتير خصره الميال 
"

شعر بحرارة تصعد لوجهه. عيناه لم تستطع أن تبتعد عنها وهو يرى دلالها الذي يذبحه. 

تنحنح بحرج بصوت عالٍ وهو يتراجع إلى الوراء حين انضمت لها سيلا. فسمعته الفتيات فأغلقت الموسيقى فجأة. ساد صمت محرج قطعه صوت أنفاسه الثقيلة فقط. تقدم ناحية مهرة التي كانت تتمنى أن تنشق بها الأرض وتبتلعها من قمة الحرج. وجهها محمر وعيناها في الأرض. 

أشار عمران بيديه للفتيات فغمزت له سيلا بمشاكسة وهي تسحب ترتيل:

_سيلا_: طب بالسلامة احنا بقى  

وما أن غادرا حتى اقترب عمران من مهرة. الصمت بينهم كان أثقل من ألف كلمة. كان يسمع دقات قلبه ودقات قلبها. 

رفع إصبعه تحت ذقنها ورفع وجهها له ببطء. تعلقت عيناه بعينيها الخضراوين الغارقتين ارتباكاً وخجلاً. 
ابتسم ابتسامته الوسيمة تلك التي بالنسبة لها أقوى من ألف سيف، وبدأ يكمل باقي الأغنية بصوته الرجولي الخفيض وهو يضمها له ببطء:

_عمران_: براكين بقلبي خليتي  
يخرب بيتك، شو سويتي  
من السهرة دغري ع بيتي  
جهزيلي حالك عليكي عيون مدري كيف صوتك حنانه مخيف 

غمز لها حين لمح ارتباكها وهو يقول:  
_عمران_: صفي نيتك، قصدي شريف  
لا تشغلي بالك  

ثم أخذ يلفها بيده ويتراقص معها على أنغام صوته الجميل الذي ملأ الغرفة الفارغة:  
"
أحلى صبية بشوفها
بعشق خجلها وخوفها
عطيني ضلوعك إغمرها
وحط النقط ع حروفها
هزي براسك وافقي
واتركي عليي اللي بقي
سموني بالحب الشقي
والدنيا عندي ظروفها
"

وما أن انتهى حتى اشتعلت وجنتاها أكثر. نبضها كان مسموعاً. همست بخجل وهي تهرب من بين يديه:  
_مهرة_: عمران بس... 

لم تكمل. هرولت سريعاً إلى غرفتها تحت أنظاره وهو يضحك بصوته الرجولي كله. ضحكة رجل انتصر أخيراً.

*_**_**_**_**_**_**_*_

في المساء أشرقت ترتيل بفستانها البسيط وهي تخطو خطوات الدرج برشاقة وبجانبها الفتيات. سيلا التي كانت ترتدي فستاناً من اللون الأزرق مع طرحة من نفس اللون برشاقة، ومهرة التي ترتدي البني ليتناسب مع بدلة عمران الأوفيت. أما في الأسفل كان يقف هؤلاء العشاق ينظرون لهم بهيام يتقدمهم أسامة الذي ينظر إلى ترتيل بحب. نزلت من على الدرج حتى باتت قبالته فقال بهيام:  
 
_أسامة_: إني عشقتك واتخذت قراري.. فلمن أقدم يا ترى أعذاري. لا سلطة في الحب تعلو سلطتي.. فالرأي رأي والخيار خياري
 
ابتسمت بحجل وهي تستمع كلماته ولمعت عيناه لدرجة أهلكت فؤاده ببندقيتها تلك، لدرجة جعلته يعشق نزار قباني ويدعو له من صميم قلبه. انحنى على ركبتيه أمامها قائلاً بحب:  
 
_أسامة_: "سيدتي بل حبيبة قلبي ومؤنستي. دائي ودوائي يا شفائي. عن أياماً عشتها بدونك. رفقاً بقلبي الذي تحمليه بين يديكِ. فوالله إن فؤادي قد سُلب. اليوم جئتُكِ طالباً يدكِ في الحلالِ. فهل توافقين أن تكوني الدهر لي؟"  

أومأت بسعادة ودموع الفرحة تملأ عيناها. اعتدل في وقفته ليجاورها. اتجه إليهم عمران يطبع قبلة على رأس طفلته الصغيرة. لمعت الدموع في عيناه فها هي تلك الصغيرة التي كان يلعب معها بالأمس. الآن يسلمها بيده لعريسها. نظر لأسامة بحب وهو يضمه لصدره بسعادة:  
 
_عمران_: خد بالك منها دي عمري كله يا أسامة  
 
_أسامة_: ترتيل في عيني يا عمران  
 
_عمران_: الف مبروك يا حبيبي  
 
في هذه اللحظة دخلت فرقة من الدف يتوسطهم أدهم الذي يرتدي بدلة زرقاء أنيقة. اتجه ناحية ترتيل يطبع قبلة على وجهها ثم احتضنها وهو يغمز لأسامة. تحررت من عناقه ثم اتجهت إلى الطاولة البيضاء المزينة بالزهور. تجلس بجانب أخاها عمران وسالم الذي يشدد على يديها بفرحة. ولحظات حتى قال المأذون كلمته الشهيرة:

_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكم في خير
 
انطلقت الزغاريط من الفتيات بسعادة بينما احتضن مالك ابنه وهو يهنئه بحب وحنان. اتجه ناحية سالم الذي احتضنه بحبور بابتسامة واسعة قائلاً وهو يضع يده في يد أخته:
 
_سالم_: خلي بالك منها
 
ما أجمل لذة الحلال. مسكة اليد الشريفة والعفيفة التي تزينها أمامه كملكة في ردائها الأبيض. تعانقت عيناه مع عيناها التي تظهر من نقابها الأبيض. أشار لأدهم الذي أشار لفرقة الدف أن تبدأ فوجدته ضمها إليه بشوق وهو يأخذ يديها إلى المنتصف يغني بصوته الجميل قاصداً أن يصفها بكل كلمة خرجت من فمه:  

"عفافُكِ ذا مريميُّ العفافِ ولا يستحقُّ سوىٰ يوسُفيِّ. وإنَّكِ يا مُقلتي في فؤادي كما عائشٌ في فؤادِ النبيِّ"

ضم كفيها بقوة وهو يتطلع لعيناها بشوق جارف. قلبه الآن هو من يتحدث وليس هو:  
 
"أنيسةَ روحي شريكةَ دربي وصلتُ إليكِ فغرَّدَ قلبي علىٰ سنَّةِ الخالقِ والرسولِ. لقانا ونلنا الحلالَ بحبِّ.  
ضلوعي تميلُ لأنَّكِ عُدتِ أضلعِي إليها فَمِنها خُلِقتِ. ملأتِ عليَّ الحياةَ حياةً وبي يا سكينةَ عيني اكتفيتِ. سنبني معاً بالمودةِ بيتاً سويّاً يحبّهُ ربُّ السِّماكِ. عسانا نعمّرهُ في الجنانِ ونكملُ فيها الحياةَ هناكَ.  
أنيسةَ روحي شريكةَ دربي وصلتُ إليكِ فغرَّدَ قلبي علىٰ سنَّةِ الخالقِ والرسولِ. لقانا ونلنا الحلالَ بحبِّ."

انتهى من الأغنية فصفق له الجميع بانبهار. ادمعت عيناها من فرط حبه لها فابتسمت له بحب من تحت نقابها فكاد أن يطير قلبه من السعادة لابتسامتها. نعم هو يحفظها عن ظهر قلب. يعلم متى تضحك ومتى تحزن ببساطة لأنها قلبه. أحبها لذا فهو ينبض من أجلها ويحيا ويشعر بها.  

_ترتيل_: أنا بحبك  
تأوه قلبه المسكين وهو يستمع إلى كلمتها تلك التي ضمدت جروح قلبه وشفَته من كل ما مر به. ابتسم لها بسعادة وهو يضمها له:  
 
_أسامة_: نبضي وعمري الجاي كله أنتي
 
كل منهم كان ينظر لحبيبة أيامه بحب وهيام إلا ذلك الذي يقف بعيداً يخشى التطلع إليها رغم تمرد قلبه عليه الذي يعلو دقاته. يخشى أن يؤذيها بنظرة أو كلمة. تلك حبيبة قلبه التي يدعو ليلاً ونهاراً لربه أن تكون له. وما أجمل تدبير القدر والنصيب في الأخير. لمعت عين أدهم بسعادة وهو يتخيل نفسه ببدلته البيضاء بجانبها فابتسم بهيام وهو يتطلع إلى أسامة وترتيل. ترى متى يكون دوره؟  
 
*_**_**_**_**_**_**_*_ 
تطلع إلى ذلك القفص الذي يتوسط غرفة بابتسامة شيطانية وهو يراقب الفهد الملقى على الأرض والدماء تتناثر منه في كل مكان. انتزع سكينته منه وتوجه بخطوات بطيئة خارج الغرفة. صعد إلى سطح الفيلا وهو يحمل السكين ويقلبها في يده بهدوء. جلس على السور وهو يتطلع إلى الغرفة المغلقة أمامه تحت سواد الليل الذي يشهد على سواد قلبه. ابتسم بغموض وهو يحرك أنامله على طرف السكين:  
 
_سليم_: بتبدأ بأن الوزير يبقى في خطر وبعدين بتنتهي بكش ملك.  
ضحك بشر وهو يلقي السكين بقوة حتى أصابت صورة عمران المعلقة على باب الغرفة. جلس بهدوء وهو يستند على السور. شيء واحد فقط هو الذي يلمع في عينه ويعزف مقطوعة النيران على أوتار قلبه: "الانتقام"  
 
*_**_**_**_**_**_**_*_ 
شقشق الصباح بالتهام الشمس عتمة الليل لتزين اليوم بإشراقة وطلة جديدة. اتجه عمران مع مالك إلى الشركة حتى يباشروا العمل على المشروع التجاري. فبعد طرد شركة الجبالي أصبحت شركة الألفي هي المسئولة عن المشروع. نزل من السيارة برفقة عمه قائلاً:  
 
_عمران_: مكنت ريحت يا عمي وأنا وفريقي كنا تولينا الموضوع  
 
_مالك_: مينفعش نوقف مصالحنا يا عمران يا بني. وبعدين شايفني عجوز قدامك يا ولد؟ ما أنا صحتي بومب أهو.  
 
استند على السيارة بظهره قائلاً بمشاكسة:  
 
_عمران_: حاجة زي دي مشكش فيها بصراحة. وبعدين يا راجل خاف لتحسد نفسك  
 
ضحك مالك وهو يراقب عمران الذي يتحرك أمامه بضحكة. ولكن تلاشت ابتسامته فوراً وهو يرى تلك النقطة الحمراء التي تستقر على جاكيته مع صوت إطلاق النار:  
 
_مالك بفزع_: عمراااان  
 
*_**_**_**_**_**_**_*_ 
استيقظت مفزوعة من ذلك الكابوس وهي تتفحص الفراش بجانبها بهلع. حاولت أن تهدئ من أنفاسها وهي تلتقط شهيق وزفير. أمسكت هاتفها ترن عليه بفزع ولأن ليست هناك أي إجابة شعرت بانقباضة في قلبها واستقرت الدموع في عيناها وهي تتخيل أن مكروهاً أصابه. ارتدت ملابسها بسرعة وهرولت ناحية غرفة أدهم تطرق الباب بتردد. فتح لها الباب استغرب من وجودها فقال:  
 
_أدهم_: خير في حاجة يا مهرة ولا ايه؟  
_مهرة_: عمران مش بيرد عليا وأنا خايفة يكون حصله حاجة ومش عارفة اعمل ايه ولا أروح فين فجتلك  
 
_أدهم_: اهدي اهدي. عمران راح مع عمي مالك الشركة متقلقيش. وعشان تطمني اديني خمس دقايق هغير هدومي بسرعة وأخدك ليه  

نظرت له بامتنان بينما تركها هو يبدل ملابسه بسرعة وقلبه يخبره أن شيئاً سيئاً سيحدث. وأما عقله فكان يبرر الأمور على أنها اعتيادية. دقائق حتى كان يصعد سيارته هو ومهرة متجهين للشركة يحمد الله أنها ليست بعيدة عن الشركة فقط نصف ساعة.  
*_**_**_**_**_**_**_* 
أصابته صدمة حينما استمع إلى صوت النيران. انصعق حينما أزاحه مالك بعيداً عن مرمى الرصاصة يفديه بروحه. تأوه مالك بألم وهو يسقط في الأرض سائحاً بدمه. فاتجه إليه عمران بفزع وهو يصيح في الحراس بغضب:  

_عمران_: بتتفرجوا على ايه؟ هاتوا الإسعاف وهاتوا الكلب دا  
 
تشبث مالك في جاكيت عمران الذي يرفع رأسه على قدمه قائلاً بدموع يحاول تحرير كلماته:  
 
_مالك_: خلي بالك من سيلا وأسامة يا عمران  
 
نظر له عمران بوجع وهو يحتضن وجهه بكفيه:  
_عمران_: انت موجود هتخلي بالك مننا كلنا.  
أكمل حديثه بهستيريا وهو يهز رأسه ويصرخ فيمن حوله أن يتصل بالإسعاف:  
 
_عمران_: مش هسمح يحصلك حاجة. أنا مش هخسر أبويا تاني لا... الإسعاف بسرعة  
 
_مالك بخفوت_: سيلا... جوز سيلا وسالم... سيلا بتحبه.  
ما أن انتهى من كلماته حتى استسلم لموجة الظلام التي أحاطته. ابتلع عمران ريقه وهو يهزه يحاول إيقاظه. تكرر عليه المشهد الذي عاشه من سنتين لحظة وفاة والده ووالدته. شعر بضيق في صدره. ارتعشت يداه وهو يحمل مالك والدموع تتساقط من عيناه بهستيريا ويردد:  
_عمران_: لا... لا مش هيحصلك حاجة هتفضل معايا مش هتسيبني  
صرخ بوجع:  
_عمران_: بابا متسيبنيش   
لمعت الصدمة في عيون أدهم وهو يرى حالة عمران تلك. تنقلت نظراته إلى مالك الذي يحتله ذراعه فاقداً وعيه وغارقاً بدمائه فشهق بفزع وهو يهرول ناحيته بسرعة يحمل مالك عنه ويضعه في السيارة. رأى تصلب جسد عمران وهو ينظر إلى يديه التي تملأها الدماء. فركضت إليه مهرة وهي تتحدث ببكاء:  
_مهرة_: عمران... عمران انت كويس؟  
في تلك اللحظة وكأنه فقد حاسة السمع. لا يرى سوى يديه الممتلئة بدماء، وأدهم الذي يضع عمه المصاب في السيارة. صرخ به أدهم وهو يهزه بقوة بعدما رأى حالته:  
_أدهم_: مالك مش هيحصله حاجة يا عمران فوق  
خرج من حالته تلك وهو يتجه ناحية السائق يسوق بسرعة جنونية وبجانبه أدهم ومن خلفهم تتبعتهم مهرة بسيارة أدهم. نظر عمران في المرآة على عمه وهو يتحدث بدموع:  

_عمران_: مش هسمح يحصلك حاجة يا حبيبي
 
لحظات حتى وقف أمام المشفى يحمل عمه ليتقاه الأطباء متجهين به إلى غرفة العمليات. جلس عمران بتعب على المقعد المعدني يراقب باب الغرفة بقلق ويرافقه أدهم الذي اتصل بسالم الذي أتى على الفور برفقة سيلا بعدما سمعه وهو يتحدث على الهاتف. جلسوا جميعاً يراقبون باب الغرفة حتى يخرج منهم أحداً ليطمئن قلوبهم. لحظات حتى خرج الطبيب قائلاً:  
_ الحمد لله اتخطى مرحلة الخطر ودلوقتي بقى كويس  

_سيلا بلهفة_: نقدر نشوفه امتى يا دكتور؟  

_ شوية وهيتنقل العناية وبعدين تقدروا تشوفوه  
 
شكر أدهم الطبيب بينما اعتدل عمران في وقفته وهو يفتح زر المكالمة بهدوء. بعد قليل أغلق الهاتف دون كلمة واتجه للخارج بهدوء. جلست مهرة بجانب سيلا تواسيها فلاحظت خروج عمران فخرجت خلفه. جلس أدهم بجانب سيلا وهو يقدم لها العصير:  
 
_أدهم_: اتفضلي دا عشان متتعبيش لسه اليوم طويل  
 
_سيلا_: مش عاوزة  
_أدهم_: عشان خاطري يا سيلا. وياستي لو مش عشان خاطري عشان خاطر عمي مالك. مينفعش يشوفك بالحالة دي. اهدي واشربي العصير  
 
التقطت العصير من يديه وهي تشربه بهدوء وهي تتطلع له بامتنان. وعلى بعد بعيد كان يقف سالم بالقرب منهم ينظر إلى أدهم بغموض. مضت ساعتين على هذا الحال حتى عادت مهرة من الخارج بعد اختفاء عمران. وقف سالم يراقب باب الغرفة بعدما اطمئن على عمه بينما أدهم خرج ليجلب بعض الدواء التي طلبته الممرضة. بعد قليل خرج الدكتور من غرفة مالك:  

_ مين فيكم سالم ومين سيلا؟  

_سيلا بلهفة_: أنا أنا سيلا. بابا كويس يا دكتور؟  
 
_ حالته مستقرة حالياً وفاق من شوية ومن ساعة ما فاق مبيقولش مبينطقش غير بالاسمين دول: سيلا وسالم  
 
_سالم_: أنا سالم يا دكتور. خير في حاجة؟  
 
_ لا خالص بس هو مصر يشوفكم. عشان كده روحوا مع الممرضة عشان تدخلوا ليه ومتخلهوش يتكلم كتير
 
نظر سالم إلى سيلا التي أسرعت خلف الممرضة بينما لحقهم بهدوء.   
"وهل تظن أن الله قد يقف أمام حلمك الجميل لتعطيله؟ لا والله. ما صدقت ما أخذ منك إلا ليعوضك العوض الجميل. تمنيت أنت وردة والله أعطاك حديقة من الزهور"  
 
*_**_**_**_**_**_**_*_ 
جلس بهدوء على مقدمة المكتب وهو يطالع ذلك الذي يجلس أمامه بشر وتوعد كبير. أشار لأحد حراسه فأعطاه مسدساً أخذ يتلاعب به أمام فريسته ليعزف الرعب على أوتار قلبه. ابتسم ابتسامة شيطانية وهو يقترب منه:  
 
_عمران_: مش هتقول مين اللي باعتك يعني؟  
 
_ والله العظيم يا باشا أنا معرفش حاجة  
 
_عمران_: عارف المسدس ده؟ ده كاتم للصوت. يعني طلقة واحدة بس في دماغك هتخلص عليك. لا من شاف ولا من دري. فهتنطق ولا لا؟  
 
ابتلع ريقه وهو ينظر إلى عمران الذي يطالعه بنظرات حارقة. وجهه كله كان مغطى بالكدمات أثر الضرب الذي تعرض له من حراس عمران دون رحمة. إذن فرئيسهم لن يرحمه.  
 
_ س.. سليم الجبالي. بس والله العظيم كان عاوزني أقتلك انت بس الرصاصة جت في مالك  
انحنى أسفل قدمه وهو يمسك حذاء عمران بيديه:  
 
_ سامحني يا باشا... سامحني أبوس إيدك  
أزاحه بعيداً عن قدمه ينظر له بقرف ثم أشار لحراسه:  

_عمران_: خدوه  
أخذه الحراس بعيداً عن عمران الذي أزاح خصلات شعره الساقطة على رماديته. تنهد وهو يستند بيديه الاثنتين على المكتب. نظر قليلاً إلى الهاتف من أمامه حتى ضغط زر الاتصال فأتاه الرد:  
 
_عمران_: مش جه دور الحكاية دي تخلص ولا ايه؟  
*_**_**_**_**_**_**_*_ 
دخل سالم وسيلا إلى غرفة مالك الذي كان يستقر على سرير المشفى بتعب. اتجهت إليه سيلا حتى جلست على الكرسي المقابل له بعين دامعة وهي تربت على شعره بحنان. نظر إليها مالك بتعب فقالت هي:  
 
_سيلا_: الف سلامة عليك يا حبي  
أزاح أنبوب التنفس من على وجهه قائلاً بتعب:  
  
_مالك_: أن.. أنا آسف يا بنتي على سنين ضاعت مني. كنت المفروض أكون فيها معاكي... آسف على وجع قلبك اللي استحملتيه  
 
_سيلا_: مش وقته يا بابا. حط الماسك عشان متتعبش  
أزاح يدها التي تحاول أن تضع الماسك وهو يشير إلى سالم الذي اقترب منه يمسك يديه:  
 
_مالك_: أنا مش ضامن باقي عمري يا بني. أنا اطمنت على أسامة بوجود ترتيل ووجودكم حواليه... عاوز أطمن على سيلا كمان  
 
_سالم_: بعد الشر عليك يا عمي. سيلا في عينينا من غير ما تقول  
 
_مالك بوهن_: اتجوز سيلا يا سالم عشان خاطري  
 
انتفض جسد سالم لبعيد وهو ينظر إلى عمه بصدمة بينما صاحت سيلا بدموع وهستيريا:  
 
_سيلا_: انت بتقول ايه؟!

ساءت حالة مالك فبدأ نفسه يضيق. أشار إلى سالم بيد مرتعشة بينما سيلا كانت تحاول أن تضع له الماسك. انتفض من مكانه حين رأى حالته تلك وهو يمسك يديه بقوة قائلاً من بين دموعه:  
 
_مالك_: اوعدني... إنك هـ. هتتجوز سيلا  
 
ابتلع سالم ريقه وهو يرى حالة عمه فأغمض عينه بقوة وهو يقول:  
_سالم_: أ.. أوعدك.. أنا وسيلا هنتجوز  
فتح عينيه وهو ينظر لعمه. الدموع. شعر أن حالته تزداد سوءاً فهرول لينادي الطبيب ولكنه اصطدم بأدهم الذي كان يقف على الباب متخشباً. تتنقل نظراته بين مالك وسيلا. دقائق حتى جاء الطبيب يخرجهم إلى الخارج ليتابع حالة مالك. خرج لهم بعد قليل من الوقت:  
 
_ جرحه عميق محتاج وقت عشان يبقى كويس. وأهم حاجة هي حالته النفسية. أنا معرفش انتوا قلتوا ايه بس لازم تخلوا بالكم الفترة الجاية  
 
تركهم الطبيب وغادر. جلس سالم على المقعد المعدني يضع يديه على وجهه بتعب بينما أدهم يقف بعيداً عنه بمراحل. أما سيلا فكانت لا تزال واقفة أمام الغرفة دموعها تتساقط منها رغماً عنها. اسودت الدنيا من أمامها لتسقط مستسلمة إلى الواقع الحزين. نهض سالم سريعاً ناحيتها يحاول إفاقتها ولكن محاولاته كلها باءت بالفشل. حملها تحت أعين أدهم لأقرب سرير في المستشفى ينادي على الدكتور بفزع حتى أتى له الطبيب سريعاً يتفقد حالتها. ظل ينظر لها من بعيد.

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤

انقضى شهر منذ تلك الحادثة وقد قررت العائلة أن يتزوج سيلا وسالم سريعاً. وبالفعل حددوا زفافهم بعد شهر. وها هي الآن تقف أمام المرآة بشرود تضع لها مهرة اللمسات الأخيرة. ومن جانبها ترتيل التي تعدل لها من هيئة حجابها. ابتسمت بحب وهي تقول:

ترتيل: بسم الله ما شاء الله عروسة زي القمر.

لاحظت مهرة شرودها فقالت وهي تهزها برفق:  
مهرة: سيلا حبيبتي انتي كويسة؟

هزت سيلا رأسها وهي تتصنع انشغالها بالعبث بالورود البيضاء التي تزين المزهرية.

سيلا: أنا كويسة أيوه. ممكن بس تجيبيلي مية.

مهرة: حاضر من عيوني. هنزل بسرعة أجيبلك وأجي.  
ترتيل: خديني معاكي أشوف أسامة محتاج حاجة ولا لأ.

ما أن رحلت الفتاتان حتى وقفت تتأمل نفسها بحزن. تشعر بانقباضة في قلبها. تنهدت وهي تضع يدها على قلبها بحزن حين تسللت لها تلك الذكرى برفقة سالم بعد الخطوبة.

 
جلسا معاً على الطاولة في أحد الكافيهات. جاء الجرسون ليأخذ طلباتهم ومن حديثه أدركت أنه على معرفة بسالم منذ زمن. راقبت اندماجه وسعادته الملحوظة فابتسمت بخفة. تطلع للمنيو من أمامه قائلاً:

سالم: آيس كوفي أكيد يا سهيلة.

بتر كلماته حين رآها هي من تجلس أمامه. تنحنح بحرج وهو ينظر لها قائلاً:  
سالم: تحبي تشربي ايه؟  
سيلا بهدوء: قهوة... قهوة سادة.

أخذ الجرسون طلبهم وغادر. بينما جلست هي تطالعه بحزن. فهذه ليست أول مرة يخرجون معاً منذ أن انعقدت خطبتهم. وفي كل مرة كان يكسر قلبها الصغير حين يناديها باسم أختها. ابتلعت غصة مريرة وهي تقول:

سيلا: لو شايف انك مش قادر تكمل فبلاش يا سالم أحسن.

تطلع لها سالم باستغراب:  
سالم: تقصدي ايه؟  
سيلا: أقصد انك لسه بتحب سهيلة ومنسيتهاش. واللي جاي ده يبقى عمري وعمرك. فبلاش نضيعه ونضيع وقتنا من دلوقتي في علاقة سامة ممكن تخلينا نخسر أو نكره بعض.

استرسلت حديثها وهي تبعد عينيها التي تلمع بالدموع عنه قائلة:  
سيلا: أنا عارفة انك مغصوب على الجوازة دي عشان خاطر بابا. بس معتقدش ان بابا هيبقى أناني لما يعرف انك هتبقى تعيس في الجوازة دي. مش هيبقى مبسوط انه غصبك على حد انت مبتحبهوش ومش عاوزه.

تنهد سالم وهو يتطلع لها بحزن:  
سالم: أنا مش هقدر أنسى سهيلة يا سيلا عشان نبقى متفقين. لأني حبيتها بجد وحبي ليها عمره ما كان ليه حدود. هفضل أفتكرها في كل موقف يفكرني بيها لأنها كانت جزء من حياتي يا سيلا. سهيلة كانت حياتي كلها ومفيش حد بينسى حياته يا سيلا.

أغمضت عينيها لتمنع الدموع لسماع كلماته عنها. حبه الجارف لها تآوى قلبها المسكين ألماً من ذلك العاشق الذي يطعنها بخناجره المعنوية. شددت على قبضة يدها وهي تنظر له يكمل باقي حديثه قائلاً:

سالم: بس ده ميمنعش اني أكمل حياتي وأعيش يا سيلا. لأنها لو كانت عايشة مكنتش هتحب تشوفني كده. تقدري تقولي اني بدي لنفسي فرصة تانية. مين عارف مش يمكن تفلح. لكن وعد مني يا سيلا اني عمري ما هجرحك وهحافظ عليكي. بس تصدقيني مش هقدر أحبك لأن القلب ده سبق واختار مين هيسكنه. أنا بس محتاج منك شوية وقت.

رسمت ابتسامة صغيرة بالكاد على وجهها. تلعن قلبها ألف مرة لأنه رغم كل شيء يخضع له في كل مرة. يخضع لأمل صغير بأن يحبها في يوم من الأيام. ذلك الأمل الذي يبدده في كل مرة. ولكنها تدعو الآن من كل قلبها أن يحالف الحظ قلبها المسكين هذه المرة. لأنه إن تبدد سيكون بانكسار تلك الأنثى.

*_**_**_**_**_**_**_*_  
الجميل في الحب أن ترى من تحب سعيداً حتى وإن كان على حساب قلبك. دائماً يرتبط اسم الحب بالتضحية. أن نضحي من أجل من نحب. وها هو الآن يضحي بقلبه المسكين ثمناً لسعادتها. هو يعلم أنها تحب أخاه. في كثير من المرات حاول تكذيب نفسه ولكن تبقى الحقيقة كما هي. إن كانت تحبه وهو سيسعدها إذن فلماذا لا؟ أجل سيحترق في كل يوم لرؤيتها مع أخاه ولكن ابتسامتها ستهون عليه بالتأكيد. لذا قرر البعد. سيسافر بعيداً عنهم حتى يستطيع النجاة وحتى يحظوا هم بحياة سعيدة. نظر إلى التذاكر التي حجزها قليلاً ثم وضعها في جيب جاكيته. استند على سور التراس وهو يتنهد بحب وعيناه تلمع. يقولون أن العيون تلمع مرة حين ترى من تحب ومرة حين تفارق من تحب.

مهرة: بتحبها مش كده؟  
قطع تفكيره زوجة أخاه وهي تدلف إلى التراس تقف على مسافة منه. ناظراً إلى السماء تنهد وهو ينظر إلى السماء فقال بحزن:

أدهم: وهي هتفرق؟ مبقتش ليا خلاص.

مهرة: وليه مصارحتهاش بحبك من البداية؟ على الأقل الأمور مكنتش هتوصل لهنا.

أدهم: خوفت أخسرها وخسرتها. وحتى لو أنا عارف انها بتحبه من زمان.

مهرة: بس أنا شايفة عكس كده.  
أدهم: تقصدي إيه؟  
مهرة: متاخدش في بالك. انت حبيتها بجد عشان كده اخترت البعد. ودي حاجة كانت محتاجة حد شجاع وانت كنت شجاع. أنا فخورة بيك عموماً وبدعي من كل قلبي ربنا يريح قلبك.

نظر لها بامتنان فابتسمت له ابتسامة صغيرة وتركته ورحلت. تطلع إلى السماء مرة أخرى وقلبه يناجي الرحمن أن يخلصه من عذاب الحب. لمعت عيناه بالدموع فهمس بصوت منخفض لا يسمعه أحدا سوى رب السماء:  
أدهم: يا رب.

*_**_**_**_**_**_**_*__  
في غرفة سالم ارتدى سالم بدلته السوداء يحاول ربط الجرافيتا. تنهد بضيق وهو يتركها فإذا بيد عمران تعقدها له.

عمران: لسه مش بتعرف تربطها برضو؟  
سالم: في حاجات فيا مبتتغيرش يا عمران.

عمران: بس نقدر بإيدينا نغيرها.

ابتسم له وهو يربت على كتفه تاركاً إياه ينظر لأثر رحيله. أعاد النظر إلى المرآة يتطلع إلى ببدلته العريس الذى يرتديها تنهد بحزن وهو يتذكرها. يتذكر حبيبته. هو أبداً لم ينساها. جلس على حافة الفراش شارداً وقلبه يحمل من الاضطرابات أضعاف. جزء يتمرد عليه بحبها وجزء يجبره أن يفعلها لأجلها. وفي كلتا الحالتين سيفعل ذلك من أجلها. رن هاتفه فأغلقه. فعاود الاتصال فأغلقه مرة أخرى. رن مرة أخرى فرد على المتصل بخنق:

سالم: خير مين معايا؟  
وقع منه الهاتف بصدمة وهو يهرول إلى الخارج بسرعة. يصعد سيارته ويغادر بسرعة مجنونة غير عابئاً بتلك التي ترتدي الأبيض وتقف في انتظاره.

*_**_**_**_**_**_**_*__  
جلس على المقعد يقابل تلك الهزيلة أمامه التي تحتضن نفسها في ركن من أركان الغرفة. اقترب منها ببطء شديد وهو ينحني ويشمر بنطال بدلته. وهو ينظر لها بشر، مستمتعاً بذلك الخوف الذي يغزوها وملامحها المرتعبة. يستمتع بصوت بكائها وكأنه موسيقى عذبة تطرب لها الأذن. ابتسم وهو يداعب خصلات شعرها الفحمي الطويل المنسدل على عينيها البندقية. فابتسم وهو يرى ارتعاش جسدها الهزيل. دنا منها حتى أصبح يهمس لها في أذنها قائلاً بكلمات جعلتها مصدومة، فأخذت تصرخ بهستريا:

_مستحيل... لا مستحيل._

ضحك حتى عم صوته المكان. اعتدل بوقفته يعطيها ظهره وهو يصفر باستمتاع حتى خرج. حررت العنان لشهقاتها وأخذت تبكي بقوة وهي تهتز بعنف. وما حيلة المضطر إلا البكاء. خرج صوتها المتحشرج ببكاء وهي تصرخ بصمت داخلها:

_يا رب._

*_**_**_**_**_**_**_*_  
ازدحم المنزل بالزوار الذين أتوا للمباركة للعروسين. أخذ عمران يرحب بهم برفقة عمه. فابتسم حين وجدها تقبل عليه تسحب طرف فستانها الأخضر الملكي الرقيق خلفها. استأذن من عمه واتجه ناحيتها ببدلته البيج الأنيقة. ابتسم لها بابتسامة جذابة وهو يقول:

عمران: الأخضر شكله عليكي خطير وجنّان خالص.

ابتسمت بخجل وهي تنظر إلى عيناه:  
مهرة: بس يا عمران الناس حوالينا.

جذبها عمران إليه حتى بات في أحضانه فهمس لها بمشاكسة:  
عمران: محدش ليه عندي حاجة يا روحي. انتي حرم عمران الألفي.

ابتعدت مهرة عنه بغيظ:  
مهرة: روح شوف أخوك اتأخر ليه. روح هاته مفروض الفرح يبدأ دلوقتي.

دفعته بعيداً وهي تهرول تجذب ترتيل من يدها تتجه نحو غرفة سيلا. ابتسم وهو يطالعها بحب ثم اتجه إلى غرفة أخاه. دق الباب لم يأته رد ففتح باب الغرفة فلم يجده بها. اتجه ناحية الحمام يدق على بابه.

عمران: سالم انت جوه؟  
لم يأته أي رد. فتح باب الحمام فلم يجده فيه. تعثر في هاتفه الملقى على الأرض بعشوائية فالتقطه. فإذا بهاتفه يرن آخرجه من جيبه. يجيب فأتاه صوت سليم وهو يتحدث بشماتة:

سليم: تؤ تؤ. سمعت عن القصة الجديدة عن العروسة اللي سابها عريسها يوم فرحها. محزن جداً الموضوع.

عمران بغضب: انت ليك علاقة باختفاء سالم؟  
سليم: أنا؟ لا طبعاً. ده أنا حتى كنت بتصل أباركلك. بس يبدوا من كلامك كده انه هرب فص ملح وداب.

عمران: سالم فين يا سليم؟  
سليم: وأنا ايش عرفني؟ وبعدين أنا عداوتي معاك مش مع أخوك. وبعدين أنا سمعت ان الجوازة دي اتغصبت عليه ومفيش راجل بيرضى بحاجة اتفرضت عليه.

أغلق الخط في وجه عمران فألقى هاتف سالم على الأرض بغضب. تنهد وهو يزيح خصلات شعره الطويل من على عيناه. فوجد سيلا تقف أمامه وعلى ما يبدو أنها سمعت حديثه هو وسليم بسبب أن مكبر الصوت كان مفتوح.

عمران: سيلا.  
تركته بهدوء وهي تتجه ناحية غرفتها. أغلقت الباب خلفها فجلست على الأرض تبكي بحرقة وهي تضم نفسها. وصل شهقاتها لعمران الذي كان يتبعها فدق على الغرفة بخوف عليها وبحزن:

عمران: سيلا افتحي عشان خاطري... سيلا سالم أكيد مش هيعمل حاجة زي كده.

صرخت به بقوتها:  
سيلا: امشي يا عمران.... امشي مشي المعازيم. أخوك مبيحبنيش ولا عمره هيحبني. قلبه معاها هي وبس. امشي ومتوجعنيش أكترقولهم العروسة ماتت قولهم  اى حجه ومشيهم. مش هقدر أشوف الشفقة في عيونهم يا عمران. كفاية لحد هنا كفاية وجع بقى. امشي أبوس إيدك وسيبني لوحدي.

قطع قلبه إلى أشلاء. وضع يديه على الباب وهو يتنهد بتعب وعيناه تلمع بدموع على ما فعله أخاه بتلك المسكينة. رأى أدهم عمران وهو يقف أمام الباب فاستغرب لوقوفة هكذا . اتجه ناحيته فوجد وجهه شاحباً وصوت بكاء سيلا يصل له من خلف الباب. نظر له عمران قائلاً بانكسار:

عمران: سالم هرب يا أدهم.  
شهق أدهم بصدمة وهو يتراجع للوراء. نظر إلى الباب الفاصل بينه وبين سيلا يشعر بمعاناتها. تركه عمران وهو يتجه بخطوات ثقيلة إلى الأسفل. بينما وقف أدهم يستند برأسه على الباب يشعر بالوجع في قلبه أثر بكائها. تحدث بصوت مخنوق قائلاً:

أدهم: افتحي يا سيلا عشان خاطري... أنا عارف انك بتحبه من زمان حتى من قبل سهيلة. وحاسس بكل وجع عشتيه من نظرة أو كلمة أو ابتسامة. أنا حاسس بيكي ونارك دلوقتي. عارف يعني ايه تختاري حد في كل مرة وكل مرة ميختاركيش.

جلس يقابلها من خلف الباب يستند برأسه على الباب. لاحظ هدوء شهقاتها فاسترسل حديثه بحزن:

أدهم: قلوبنا مش بإيدينا يا سيلا. مش ذنبك انك حبيتي حد هو محبكيش ومش ذنب قلبه انه اختار غيرك. الحب مش بإيدينا. أنا اتوجعت زيك برضو. حبيت واحدة عمرها ما شافتني غير أخوها. أحياناً بستغرب هل العينين دول متكلموش عني بالنيابة ليها؟ قلبه اللي كان بيدق بوجودها مش كانش إشارة اهتمامي بيها؟ في حاجات بنختار اننا منشوفهاش عشان نفسنا نشوفها من اللي اختاره قلبنا.

أعاد رأسه إلى الوراء وهو يمسح تلك الدمعة التي سقطت من عينيه:

أدهم: عيشي يا سيلا عشان اللي بيحبوكي هما كتير حواليكي بس يمكن انتي مش شايفاهم. خليكي قوية. عرفيه هو خسر ايه. تحبي أقولك هو خسر ايه؟

سمع صوت فتح الباب فالتفت لها فرأى الكحل السائح في عينيها أثر الدموع وفستانها الذي ابتل من دموعها. تلاقت أعينهم فأغمض عيناه ثم فتحهما ينظر لها بعمق وكأنه يحتويها بعيناه.

أدهم: خسر أحلى وأجمل بنت على الكوكب. خسر فنانة بترسم عوالم بإيدها. خسر دفء الشعر اللي بتكتبه بين سطور الورق. خسر ابتسامة جميلة وقلب صافي لو دار الدنيا كلها عمره ما هيلاقي زيه. خسر زهور العالم كلها. خسر عيون مليانة أمان لو دور في العالم كله مش هيلاقيه. انتي نسخة فريدة صعب يجي زيك. فيا بخت اللي نال حبك ويا غباء اللي عذب قلبك.

استرسل حديثه وهو يرى دموعها:  
أدهم: والله العظيم ثلاثة متستاهليش. ميستاهلش والله ميستاهل دموعك دي ولا أي حد في الدنيا دي يستاهل.

نهض عن الأرض فنظرت له وهي تمسح دموعها. مد لها يده فنظرت إليها قليلاً ثم نظرت إلى عيناه. مدت له يدها حتى نهضت. تقابل عيناه بمشاعر غريبة تحتاج صدرها. من غضب وانتقام لحنين وحب. من كره وحقد لاشتياق وحزن ووجع. تلك الأنثى تألم قلبها لتشعر بكل ذلك ولكن فى وجوده هنا معها فهى بخير لطالما شعرت بالأمان بوجوده بالحب بالراحه ذاق قلبها سكينه وفرحه لقربه منها هل يعقل ان كل تلك المشاعر تندرج تحت خانه اخ تائهه هى بين منارات الحب  

*

*_**_**_**_**_**_**_*_  
مرت عليهم ساعة. أي ستون دقيقة. وفي هذه الدقائق لم ينعم أي منهم بالراحة وهم يبحثون عن ذلك الفقيد. يجن جنونهم كلما ظنوا أن شيئاً ما قد حدث له. على عكس تلك التي تجلس على الأريكة بهدوء. يقال أنه هدوء ما قبل العاصفة. وهو يقف على مقربة منها وكأنه يعلم أن قربه منها يجعلها تشعر بالأمان.

انفتح باب القصر فتحركت العيون تتطلع إلى ذلك الذي يدخل يضع وجهه في الأرض. حتى وصل إليهم. وما أن رفع رأسه حتى وجد لكمة قوية تطيح بوجهه على صراخ عمران:

عمران: أدهم!

رفع رأسه فوجد أمامه أدهم الغاضب الذي يمسكه من جاكيته بقوة وغضب ويصيح به بانفعال:  
أدهم: ولسه ليك عين ترجع بعد اللي عملته؟ ذنبها ايه ها... قولي عملتلك ايه عشان توجعها بالشكل ده؟

حرره عمران من قبضته وهو يصيح به بغضب:  
عمران: اهدى يا أدهم. الأمور ما بتمشيش كده.

أدهم: عاوزني أقابله بالأحضان يعني؟

تركهم وهو يتحرك بآلية تامة نحو سيلا. انحنى لمستواها وهو يتحدث بعيون باكية:  
سالم: مقدرتش والله العظيم. غصب عني مقدرتش. مقدرتش أبعد عنها. مقدرتش أشوفك غير أخت ليا. أنا قلبي ليها وعمره ما هيكون لغيرها. مقدرتش والله مقدرتش سامحيني يا سيلا أنا آسف والله.

من يعلم بعشقها له يعلم أنه بحالته تلك كانت أول من ستتمنى أن تأخذه بأحضانها وتشفق على حاله. ولكنها الآن أنثى ضاقت من الرفض ما جعل كرامتها على نفسها عزيزة. أنثى تحمل من الغضب والكبرياء ما يجعله يحترق من أمامها. نهضت عن الأريكة وهي تنظر له فنهض ليقابلها فوجدها تتحدث ببرود:

سيلا: بس قدرت توجعني مش كده؟

سالم: سيلا أنا...  
صرخت به بانفعال وهي تهز رأسها ببطء وتشير على فمه:

سيلا: سيبتك تتكلم كتير وجيه دوري اني أواجهك باللي حارق قلبي. مقدرتش توجعها بس قدرت توجعني في كل مرة. في كل نظرة وكلمة وحد كان بيقول انتوا لايقين على بعض. تقدر تقولي ذنب قلبي ايه انه حبك؟ ها قولي. أنا ايه ذنبي اني استحمل كل ده عشان حد مش شايفني أصلاً؟ أنا بالنسباله هوا. لحد هنا وكفاية أوي اليوم اللي رجلك خطت خطوة الباب ده وانت سايبني وراك بفستان فرحي. نفس اليوم اللي حبك جوه قلبي مات فيه.

استرسلت حديثها وهي تكور يديها وتضربه بصدره بعنف:  
سيلا: ذنب قلبي ايه انه حبك قبلها؟ ها؟ أنا كنت بموت كل يوم وأنا مستنية أسمع منك حتى كلمة حلوة كانت بتتقال ليها هي. كان ليا شوق لنظرة حب كانت ليها هي. عارف اللي واجعني ايه؟ انها عمرها ما حبتك. سهيلة عمرها ما حبتك إلا بعد ما اتجوزتوا عشان انت جوزها. كانت عارفة اني بحبك وبرغم من كده الكل اختارك لها وانت اختارتها فاختارتك عشان مكنش في خيار غيرك. على عكسي أنا اللي اخترت أحبك رغم وجود كتير حواليا اتمنوا الحب ده. فليه؟ ليه تعمل فيا كده وتحرق قلبي يا أخي؟ ها؟ تعرف انك كنت دعوتي في كل صلاة؟ طب تعرف ان حتى بعد ما انت اتجوزتها أنا كنت بدعيلك وبدعيلها؟ عارف ليه؟ عشان حبيتك.

أشارت على قلبها وهي تبكي بحرقة وتتحدث بصوت مبحوح من أثر العياط:  
سيلا: ده حبك. عشان كده مترددتش ثانية انه يفرش شقتك انت وأختي للآخر. برغم وجعي اللي حسيته بيه وأنا بموت ألف مرة عشان دي الحياة اللي اتمنتها مع الإنسان الوحيد اللي حبيته. رغم كل ده وأنا كنت فرحانة ليكم من كل قلبي وبدعي عشان تعيشوا حياة سعيدة. يوم فرحكم لما سهيلة أصرت اني ألبس أنا كمان أبيض... يا ترى كنت حاسس بوجعي عامل ازاي وأنا لابسة أبيض في يوم فرح حبيبي بس مش أنا عروسته؟ تخيلت؟ تخيلت أنا كنت حاسة بإيه؟ عرفت انت كنت بتحرقني ازاي؟

شعر سالم بصدمة لما تلقاه. شعر بوجع في صدره وهو يستمع لكل ذلك. شعر بالشفقة على حالها وما وضعها به دون قصد. ابتلع ريقه وهو يحاول إيجاد الكلمات المناسبة:  
سالم: أنا مكنتش أعرف انك بتحبيني كل الحب ده. ولو كنت أعرف مكنتش أذيتك بالشكل ده. أنا مكنتش أقصد.

لمحت الشفقة في عيناه فتحدثت بكبرياء أنثى تحمل الرفض أكثر من مرة وهي تزيح دموعها:  
سيلا: وأديك عرفت. هتعمل ايه؟

سالم: هصلح غلطتي وأتجوزك.

ضحكت بهستيرية وهي تنظر له ثم تحدثت تسترد كرامتها وتنتقم من كل الذل الذي تعرضت له بحبها هذا:  
سيلا: انت لو آخر واحد في الكون ده أنا مش هتجوزك. أنا مش على مزاجك ومش بديل لحد. أنا أستاهل ألاقي حد بيحبني. مش حد أشوف في نظرة عينيه شفقة ليا.  سيلا النهاردة بتقولك في وشك انها على قد ما حبتك واتوجعت بسبب حبك فهي هتكرهك وهتنسى انك دخلت حياتها في يوم. حتى لو التمن انها تحط قلبها تحت جزمتها. سيلا مش عاوزاك. أنا اللي هقف قدامك دلوقتي وهقولهالك بالبنط العريض: على قد ما اتمنيت حبك على قد ما هكرهك. أنا برفض تجمعني بيك علاقة من الأساس.

اقترب منها أسامة يحاول تهدئتها فأشارت له قبل أن يقترب:  
سيلا: ابعد.. خليك مكانك. ابعد. كلكوا مفرقتوش عنه حاجة. وجعتوني زيه. الأخ سند وأنا عمري ما شوفت الكلام ده منك. كنت بتحب سهيلة أكتر مني. حتى لما كانت بتبقى غلطانة وأجي أشتكيلك منها كنت بتغلطني أنا. لا عمرك فهمتني ولا حتى سمعتني. أنا مقدرة انك انت وسهيلة قريبين من بعض عشان السن. ولكن ده مكنش يديك الحق توجعني وتعاملني على اني هامش مش موجودة. أنا منستش ومش هنسى. فابعد وبلاش تمثل دور الأخ الحنين دلوقتي.

مالك: سيلا.

استدارت له سيلا بكل قوتها وكان اليوم هو يوم المواجهة للجميع:  
سيلا: وانت؟ امتى جيت طبطت عليا؟ امتى آخر مرة خدتني في حضنك وقعدت تتكلم معايا وتسمعني؟ امتى نصفتني وطلعتني صح في موضوع؟ أنا عمري ما كنت عدوتك على فكرة يا بابا. أنا بنتك. بس انت اللي عمرك ما قمت بواجبات الأب ناحيتي. وبصراحة مبقتش مستنية منكم أي حاجة. الحمد لله. لا عيلة ولا صحاب ولا حتى حب. اتفرجوا عليا حتى. شوفوني. شوفوا وصلت لإيه يمكن وقتها تبقوا مبسوطين.

أحنى الجميع رؤوسهم في الأرض فابتسمت بسخرية لهم وهي تسحب طرف فستانها الأبيض الذي بهت لونه. تنظر إلى ذلك الذي يقف بعيداً عنهم بحزن فقالت وهي تنظر له بدموع:

سيلا: وبغبائي الشخص الوحيد اللي حبني بجد ومن غير مقابل ضيعته من إيدي بكل سهولة.

ابتسمت ابتسامة مكسورة وهي تراه يخفي وجهه منها. فأمسكت طرف فستانها ترحل بانكسار. وما أن خطت أولى درجات السلم حتى شعرت أنها استسلمت للظلام فسقطت من على السلم. فكان أول من يصرخ باسمها:

أدهم بفزع: سيلا!

انتفض الجميع وهم يهرولون ناحيتها. وكان أولهم أدهم الذي حملها سريعاً ليجه بها إلى المستشفى. ولكن أوقفه أسامة وهو يلتقط أخته من بين يديه يركض بها للخارج.

في نفس التوقيت رن هاتف عمران مرة أخرى. حرر زر المكالمة فأتاه صوت سليم وهو يضحك قائلاً:  
سليم: ضربة الرصاصة اللي علمت على عمك دي كانت حساب صفقة المول التجاري اللي طردتنا منها. أما بالنسبة للي حصل ليا فحسابك وصلك النهاردة.

ثم أكمل حديثه بسخرية قائلاً:  
سليم: كان نفسي أقولك مبروك والله. بس العروسة العريس سابها وخلع.

وصل له صوت ضحكاته المقيتة فألقى الهاتف على الأرض بغضب. كور يديه بغضب وهو يضرب الحائط بقوة حتى تناثرت الدماء من يده. عاد لأخيه الذي كان يقف متجمداً في مكانه وصفعه بقوة على وجهه يشير له والدموع تملأ عيناه:

عمران: متوقعتش  يجي يوم وتوطي فيه راسي كده.

ألقاه بنظرة عتاب وهو يغادر ليلحق بهم إلى المستشفى.

جلس سالم على الأريكة بتعب وهو يضع يديه على وجهه يتذكر ما الذي حدث معه منذ قليل.

 
سالم: خير مين معايا؟  
أتاه صوتها الذي لم ينسى نبرته أبداً. إنها هي. حبيبته وروحه وقلبه. زوجته التي ظن أنه فقدها وها هو الآن صوت بكائها يتسلل إلى أذنيه:

_مراتك لسه عايشة. لو حابب تشوفها فتعالى عند النيل بسرعة.

سقط منه الهاتف وهو يهرول إلى الخارج قاصداً المكان الذي أخبره به ذلك الرجل. وبالفعل وصل إلى هناك يبحث عنها في كل مكان كالمجنون ولكنه لم يجدها. اصطدم به فتى صغير فأعطاه ورقة صغيرة ثم هرب من أمامه. قرأ الورقة بصوت مسموع له:

سالم: "لو فكرت تقولهم على اللي حصل مش هيوصلك راس مراتك في صندوق أسود كهدية."

التفت حوله فلم يجد أحد. تذكر سيلا فهرول سريعاً إلى سيارته يسوق بجنون. بين نارين: زوجته التي مازالت على قيد الحياة وتلك التي ستصبح زوجته وتركها في منتصف العرس وغادر.

 
جلس يبكي كالطفل الصغير. يحتضن نفسه يبكي بفرحة لأنها على قيد الحياة وبحزن على فراقها وما يحدث لها وعلى تلك التي تنازع الحياة الآن. لا يدري لما يختبره الله بكل ما يحدث.

*_**_**_**_**_**_**_*_  
بعد ساعة في المستشفى استيقظت سيلا فوجدت الجميع بجانبها. وأولهم أدهم الذي يجلس على الكرسي قبالته ويسألها بلهفة:

أدهم: سيلا انتي كويسة؟  
أومأت رأسها له. بينما نظرت للجميع من حولها ببرود قائلة:

سيلا: مكفكوش تشوفوا انكساري هناك جايين تكملوا هنا؟

مالك بدموع: كفاية يا بنتي قطعتي قلبي عليكي.  
اكتفت بالصمت وهي تنظر لهم. رفعت الغطاء عليها وقالت:  
سيلا: عاوزة أريح. بعد إذنكوا اطلعوا برا.

وما أن سمعت صوت الباب حتى أجهشت بالبكاء. فوجدت يد تزيح الغطاء عن وجهها فاندهشت حين وجدته أدهم.

أدهم: تقدري تمثلي عليهم كلهم لكن أنا لأ يا سيلا. عشان أنا حافظك أكتر من نفسي.

سيلا: ليه؟  
أكملت حديثها وهي تنظر له بوجع:  
سيلا: انت ازاي كده؟ انت بتعمل معايا كده ليه؟ انت عارف اني عارفة انك بتحبني وبرغم ذلك كملت جوازي من سالم. فليه؟ ليه رغم كل ده انت لسه واقف جنبي وبتدعمني في كل حاجة كبيرة أو صغيرة؟

ابتسم أدهم وهو ينهض من مقعده يضع يديه في جيب بنطاله قائلاً دون النظر لها:  
أدهم: وهفضل أدعمك وأقف جنبك وهكون معاكي دائماً. هفضل أحميكي عشان أنا بحبك. حتى لو انتي محبتينيش.

قال كلماته ثم تركها ورحل. ظلت تبكي بصمت وهي تلوم قلبها ألف مرة على اختياره. ولكنها اليوم أيقنت شيئاً واحداً: ما معنى أن يكون الإنسان عاشقاً.

*_**_**_**_**_**_**_*_    
 
خرج أدهم من المشفى فإذا بعصا غليظة تستقر على رأسه تجعله يفقد الوعي مستسلماً للظلام. بعد قليل فتح عيناه بتعب فوجد نفسه في مصنع مهجور. يداه وقدماه مربوطتان في كرسي خشبي والدماء أثر الضربة تستقر على رأسه. خط دم أحمر متجمد. 

انفتح الباب ودلف منه ذلك المقنع ليجلس على أحد الكراسي المقابلة لأدهم. فابتسم أدهم بسخرية وهو ينظر له:

أدهم: لا راجل معرفتكش أنا بقى كده.

أزاح القناع عن وجهه وبجانبه يقف حارسه إياد الذي بات يثق به أكثر من نفسه لشهور قضاها معه. ضحك بصوته الرجولي وهو ينظر إلى أدهم الذي ينظر له بسخرية:

سليم: يعجبني ذكائك يا ابن عيلة الألفي.

أدهم: معذور. ما واحد غبي زيك مكنش هيستوعب الأمر.

نهض سليم يقترب منه ببطء ثم ابتسم له ابتسامة صفراء وهو يلكمه على وجهه بغضب لإهانته له للتو. ولكنه اندهش من برود الآخر الذي قابله بابتسامة قائلاً:

أدهم: ما تفكني راجل لراجل وتخلينا نتسلى أحلى بدل شغل الحريم ده.

سليم: كان بودي والله بس عندي شغل ومش فاضيلك دلوقتي.

أدهم: لو قصدك على عمران فدقايق وتلاقيه هنا.

سليم: محدش يقدر يوصلك هنا حتى لو كان الجن الأزرق.

أدهم: ده بجد؟ طب بص وراك كده.

التفت سليم بابتسامة وهو يتطلع إلى الوراء فتفاجأ بوجود عمران الذي يدلف إلى المصنع بخطى ثابتة. يضع يده اليمنى في جيبه والأخرى يمسك بها عصا تسند على كتفه. ابتسم بشر وهو يرى الصدمة على وجهه. فأشار خلفه فإذا بأدهم ينهض بقوة جعلت يدي الكرسي تختلع من مكانها. وما إن التفت له حتى أعطاه أدهم لكمة أطاحته أرضاً. اتجه ناحية عمران بسخرية:

أدهم: الغبي رابطني على كرسي خشب.

عمران: يعني لو كان حديد انت بيأثر فيك حاجة؟

وقف أدهم في ظهر عمران حين لمح رجال سليم يتجهون ناحيتهم. ابتسم أدهم وهو يطرقع رقبته بشكل مخيف وهو ينظر لرجال سليم بشر. ولحظات حتى كان الرجال يسقطون في الأرض من ضرباته السريعة والاحترافية. بينما عمران كان يكتفي بضربهم بالعصا بملل وكأنه يخزن طاقته للقادم. دقيقتان حتى أصبح كلهم في الأرض يتنازعون. ألقى عمران العصا من يده وهو يتجه ناحية سليم بثبات ومن خلفه أدهم الذي يتحدث بسخرية:

أدهم: انت فاكر انك جايبني هنا برجالتك؟ تؤ تؤ. أنا جي هنا بمزاجي.

عمران: زي ما انت شايف كده. شوية الحريم اللي انت باعتهم ملهمش لازمة.

سليم: انت عرفت مكاني منين؟

تحدث عمران بمكر قائلاً:  
عمران: هو موبايلك وقع منك في حتة قبل كده؟

تحدث سليم وهو يتجه ليعتلي أحد الكراسي متحدثاً بازدراء وهو يقلب المسدس في يده:

سليم: أممم بتراقبني يعني. على العموم أنا ممنون جداً للعمل كده. اهو نخلص من نسل عيلة الألفي بقى ونخلص.

أشار إلى إياد الذي تحرك ناحية أحد الغرف يسحب من خلفه سالم. نظر إليه عمران فوجد جرحاً على رأسه. نظر إلى أدهم الذي تطلع له هو الآخر قائلاً:

أدهم: ده هينفخه.  
عمران: تراهن على كام انه هيرجعه متجبس؟  
أدهم: لا سالم قلبه طيب ومبيعملش كده. هو بس كبيره ديله بوكس وعلى ساندوتشات شاورما على حسابي.  
عمران: موافق بس زود تومية من دلوقتي.

نظر لهم سليم ببلاهة من حديثهم فقال بسخرية:  
سليم: شكلكم اتجننتوا. وهنحتاج نتصل بمشفى الأمراض العقلية.

عمران: ده نقاش أخوي عمرك ما هتفهمه عشان انت حيله  امك 

ابتسم سليم بشر وهو ينظر إلى سالم المستسلم:  
سليم: أخوك ولا تمضي على أملاكك وشركاتك وتتنازل عن كل حاجة؟  
عمران: اهري من هنا لبكره. شايف ده ممكن يكسر عضم وشك في ثانية.

تحدث سليم بمكر وهو يتجه ناحية أحد الغرف يفتحها ويسحب من داخلها فتاة لم تظهر ملامحها لهم بسبب شعرها المتناثر على عينيها. أزاح الهواء خصلات شعرها الفحمي الأسود عن عينيها فظهرت ملامحها. جحظت عينا عمران الذي نظر لها بصدمة مردداً اسمها دون إرادة منه:

عمران: سهيلة!

وجه المسدس على رأسها وهو يشدد من قبضته فتأوهت بألم فقال بشراسة:  
سليم: بشحمها ولحمها. ها هتمضي ولا نقلبها نافورة دم هنا؟

راقب عمران ملامح سالم المستسلمة وهي تنظر له وتترجاه. تنهد بوجع على وجع أخاه الذي يشعر به الآن فألقى المسدس من يديه وقال:

عمران: هعملك اللي انت عاوزه بس سيبها.

سليم: أنا قد كلمتي. خليك انت قد كلمتك والا...

تفاجأ بسلاح يوضع على رأسه من الخلف. التفت ليرى الفاعل لكنه تفاجأ بوجودها تنظر له نظرات قاتلة. استغل عمران انشغاله برزان وسحب سهيلة بعيداً عنه. تحدثت وهي تنظر لعيناه بقوة وحقد وهي ترسم ابتسامة ماركة على وجهها البرئ:

رزان: والا؟

سليم بصدمة: انتي؟

رزان وهي تشدد على يديها التي تحمل المسدس:  
رزان: المرة اللي فاتت متعرفناش كويس. رزان سالم العمرواي. سوري آسفة خلينا نعيد. رزان سالم زيدان الألفي.

سليم: انتي بنت العمرواي مش كده؟

ابتسمت رزان وهي تقرب المسدس من رأسه قائلة بسخرية:  
رزان: لا دي قصة طويلة هبقى أحكيهالك لما تنزل تربتك. كاعتبار انها قصة قبل النوم.

ابتسم سليم وهو يقرب رأسه للمسدس المرصود أمامه:  
سليم: أي كان مين انتي تفتكري هخاف منك؟

اقترب أكثر وعينه تخترق عينيها. أمسك المسدس وقربه منه وهو ينظر لها بتحدي:  
سليم: خايفة ليه يا قطة؟ ما دوسي الزناد.  
ابتسم بتسلية وهو يتحدث بخوف مصطنع:  
سليم: ما تقتلنيش... أرجوكي يا عمران قولها متقتلنيش وأنا هعترف بكل حاجة.

ضحك بقوة شديدة وهو يتراجع للوراء قائلاً بسخرية:  
سليم: انتي أضعف من كده صدقيني.

رفعت رزان المسدس تفرغ الطلقات في الهواء ثم وجهته نحو رأسه مرة أخرى قائلة بقوة ولم يرف لها حتى جفن واحد متأثرة بصوت الرصاص:

رزان: عذراك. ما انت لو تعرف الكره اللي جوايا ليك انت وعيلتك القذرة دي مكنتش قولت كده.

سليم: خلاص أنا قدامك اهو. اقتل...

لم يكمل كلماته فوجده لكمة قوية تهوي على وجهه تطرحه أرضاً. أزاح الدماء على فمه ينظر للفاعل فوجد عمران يقف في ظهر رزان. التقط منها المسدس وهو ينظر لسليم بسخرية قائلاً وهو ينحني لمستواه مشيراً على نفسه:

عمران: المعلم بيتفوق على تلميذه يا سليم باشا. فبلاش تستفز دي بالذات. عشان لو أنا الأفعى فدي...

أشار على رزان التي اعتلت ذلك المقعد الخاص بسليم واضعة قدم فوق الأخرى بقوة وهي تنفض أعلى كتفها بتعال:

رزان: اللي متعرفهوش عن الوش البرئ اللي قدامك ده. أن وانا صغيرة لدغتني أفعى كنت بلعب معاها وأنا صغيرة. اتنقل من وقتها السم لجسمي كله. كان من المفترض أكون ميتة. بس القدر كان ليه رأي تاني.

أشارت لعروق يدها وهي تتحدث بصوت يشبه فحيح الأفعى:

رزان: عيشت بسبب نفس السم اللي من المفروض انه يكون سبب موتي. لو عمران ابن سالم كوبرا الأفاعي فأنا رزان بنت سالم العمرواي. ناب الأفعى. اللدغة اللي متعرفش هتجيلك منين.

صفر أدهم بمرح وهو يتجه ناحية رزان يجلس على يد المقعد بجانبها:  
أدهم: شكلها كده هتحلو يا ليلى.

نظرت له فوجدته مندهش من اسمها الثالث الذي ظهر أمامه الآن فابتسمت بسخرية قائلة:  
رزان: تعدد أسماء متشغلش بالك.

ضحك إياد بقوة وهو يتجه ناحية أدهم يستند على كتفه. فنظر له سليم بصدمة:  
إياد: ايه رأيك نتعرف من أول وجديد؟ زين ثابت الرشيدي. الظابط زين 
الى بالمناسبه حضرتك سلمتله كل الدلائل الى تدينكم انت وابوك فى المشاريع السواد الى بتعملوها بجد مش عارف أشكرك ازاى 

ضحك عمران بقوة وهو يتراجع إلى الوراء ينضم إلى رزان قائلاً وهو يضع يديه في جيبه:

عمران: معلش الصدمة وحشة. بس احنا بنخطط بقالنا سنة عشان النظرة دي.

اقتحمت الشرطة المكان وتحاصر سليم من كل مكان. فابتسم زين قائلاً:  
زين: أكيد أبوك وحشك. متقلقش انت وهو نفس زنزانة الإعدام.

أدهم: بيلبسولها أحمر صح؟ الأحمر شكله عليكي خطير وجنّان خالص.

ضحك الشباب معاً وهم يرون العدالة أخيراً تحققت لوالديهم. كبلت الشرطة يد سليم. وقف عمران قبالته فأمسكه سليم من جاكيته قائلاً بعنف:

سليم: مخلصتش هقتلك وهشرب من دمك.

أبعدته الشرطة عنه فمسح بيديه على جاكيت بدلته مكان يديه قائلاً وهو يغمز له:

عمران: إيدك من على الجاكيت دي بدلة مهرة المفضلة أصلها بتحب شكلها عليا أوي.

تركه وهو يغادر بابتسامة انتصار متجهاً ناحية رزان التي ابتسمت له. ولكن تلاشت ابتسامتها وهي ترى سليم يدفع الشرطي ويجذب منه المسدس مصوباً إياه ناحية عمران. لم تتردد لحظة وهي تسحب مسدس زين وتوجه نحوه تصيبه قبل أن يصيب أخاها تحت نظرات الجميع المندهشة. التفت عمران ببرود يلقي سليم الساقط على الأرض نظرة شماتة قائلاً:

عمران: قولتلك دي تربيتي مصدقتش. يلا ربنا يجحمه مطرح ما راح. بس يا ترى هيدخل من أنهي باب من أبواب جهنم التمانية؟ أصلك بسم الله ما شاء الله عمايلك أسود من قرن الخروب.

انفجر الشباب في الضحك وهم يراقبونه بصدمة واندهاش من تلك البريئة التي تقف وسطهم الآن. ترفرف باهدابها ببراءه بينما اتجه  سالم إلى  زين يلكمه على وجهه بحنق  
سالم: كان لازم تفتح دماغى يعنى يطور 
زين :لزوم الحبكه الدراميه يا اخى متبقاش  قفوش  
تركه وهو ينظر له بحنق يتجه نحو زوجته يضمها إليه بحنان واشتياق على فراقهم لمعت عيناه بالدموع وهو يراقب حالتها ودموعها يجذبها له يضمها بحنان سالم: كل حاجة هتبقى كويسه محدش هيقدر يإذيكى تانى 

*_**_**_**_**_**_**_*_

*بعد شهرين*  
*"كالوردة البيضاء"*

كانت تتأمل نفسها أمام المرآة. أنفاسها تتسارع بلا إرادة منها.  
تلامس بيديها فستانها الأبيض برقة، وعيناها تلمعان بسعادة لم تظن يوماً أنها ستنالها.

الفصوص الماسية التي تحيط بخصرها تتلألأ، وكأنها حلقة وصل بديعة بين الستان والدانتيل. قد صممه لها خصيصاً ليكون يومها مميزاً كما هي.

تذكرت كلماته التي قالها حين اعترضت على ثمنه الباهظ، قالها بصوته الحنون الذي يأسرها:  
_"انتي أغلى شيء عندي. أغلى من كنوز الدنيا دي كلها. مفيش أبداً حاجة تغلى على ملاكي."_

ثم غمز لها بعينيه اللتين تعشقهما، فكيف لا تعشقهما وهما الأمان والدفء بالنسبة لها، وأكمل بمشاكسة:  
_"انتي تؤمري وتتدلعي يا سيادة الملكة وأنا أقولك شبيك لبيك عندك وملك إيديك."_

ظهر انعكاسه في المرآة فجأة وهو يدلف إلى الغرفة.  
ابتسم لها ابتسامة هادئة أربكت قلبها. أغمضت عينيها ثم استدارت إليه ببطء.

تأملها للحظات وعيناه الزرقاوان لا تفارقانها، ثم همس لها:

*سالم*: _أنا ازاي مخدتش بالي من الجمال ده قبل كده؟_

تنهدت بحزن وكتمت دمعة كادت أن تفسد اليوم. رفع رأسه عن الأرض ونظر إليها بصدق موجع.

*سالم*: _أنا بحبك أوي يا سيلا. انتي غيرتيني وخلتيني أشوف الدنيا بشكل مختلف. حولتي سالم الضعيف لشخص قوي. فوقتيني لنفسي. أنا آسف على كل لحظة وجع عشتيها بسببي. كل لحظة قلبك فيها اتقهر. أنا عارف ان الكلام ده مش وقته بس انتي علمتيني أواجه عشان أعرف أكمل. أنا عارف ان حياتك كانت صعبة وأنا أذيتك كتير بس صدقيني والله العظيم أنا مكنش قصدي أجرحك في يوم. سامحيني لو أمكن يا سيلا. النهاردة بداية جديدة للكل وأنا مش هعرف أبتدي من جديد غير لما أعرف انك سامحتيني._

تمردت دمعة منها وسقطت رغماً عنها. ارتسمت على شفتيها ابتسامة زادت وجهها إشراقاً.  
اتجهت إلى الطاولة، التقطت وردة بيضاء من المزهرية، وجرّت خلفها ذيل فستانها الأبيض حتى وصلت إليه.  
مدت يدها المرتجفة بالوردة إليه.

*سيلا*: _وأنا كمان بحبك يا سالم عشان كده أنا مسامحاك. الحب مش بإيدينا ولو مكنتش دخلت حياتي مكناش هنبقى هنا النهاردة... شكراً يا سالم. شكراً عشان انت كان ليك فضل كبير اني أشوف اليوم ده. اليوم اللي متخيلتش أبداً أنه يجي في يوم._

التقط الوردة من يدها.  
وفي تلك اللحظة انفتح باب الغرفة على مصراعيه.  
دخل أسامة وعمران والفتيات. تجمدوا جميعاً أمام المشهد.  
تبادلوا نظرات الفهم حينما رأوا الوردة البيضاء في يده فعلموا أنها إشارة للسلام، ابتسموا جميعاً بحب.  
اتجه سالم نحو أسامة واحتضنه بقوة، ثم ابتعد عنه وعيناه تلمعان بعزيمة غريبة.

*سالم*: _ممكن أطلب منك طلب يا أسامة لو أمكن؟_

نظر له أسامة باستغراب وتساؤل.  
التفت سالم إلى سيلا بابتسامة حانية، ثم عاد بنظره إلى أسامة وقال بنبرة حاسمة قطعت الصمت وجعلت الجميع ينظر له بصدمة:  
*سالم*: ممكن أنا اللي أسلم سيلا لأدهم بإيدي؟  
*أسامة* بارتباك: أنا معنديش مانع بس...

*سيلا*: أنا بعترض.  
اتجهت سيلا نحوه وهي تنظر لهم جميعاً ثم قالت:  
*سيلا*: أنا عندي تلت إخوات. فليه واحد بس اللي يسلمني لعريسي؟ خير عمران راح فين إن شاء الله؟ وانت يا أستاذ سالم طلبك مرفوض. لأنكم انتوا التلاتة اللي هتسلموني لعريسي. حد عنده اعتراض؟

ابتسم عمران وهو يتحدث بمشاكسة:  
*عمران*: محدش يقدر يعترض قدام جمالك ده.  
*أسامة*: ده لو سمعك هينفخك.

*_**_**_**_**_**_**_*_
ارتدى بدلته البيضاء بسعادة وفرحة تغمران قلبه. وضع آخر لمساته وهو يضع قليلاً من عطره الخاص. يتذكر تلك الذكرى المفضلة لديه.

 
نزل إلى الأسفل فوجد الجميع يجلسون سوياً ويستمتعون بعدما نالوا راحتهم بأخذ حقهم من ذلك الحقير. ابتسم بدفء وهو يرى تجمع عائلته. ولكن اختفت ابتسامته حين وجدها تجلس بجانب سالم. صعد إلى غرفته مرة أخرى بغضب. ولكنه شعر بأن باب الغرفة يُفتح. فنظر إلى الباب ولكنه اندهش حين وجدها هي.

*أدهم*: خير عاوزة حاجة؟  
*سيلا*: مكنتش شايفاك تحت فبسأل عليك.

*أدهم*: اه حابب أرتاح شوية. ممكن تطلعي وتقفلي الباب.

تطلعت له بحزن فقد تغيرت معاملته لها منذ تلك الحادثة وكأنه يحاول الابتعاد عنها. كادت أن تخرج وتغلق باب الغرفة ولكنها عادت إليه تصيح بوجهه بغضب حتى حاصرته في الحائط:

*سيلا*: لا أنا مش هطلعك وهسيبك. المرادي مش هخسرك تاني. ببساطة عشان أنا بحبك ومتأكدة انك الخيار الوحيد الصح في حياتي. فمش هفرط فيك تاني. أنا أه حبيت سالم بس معرفتش يعني ايه حب غير بوجودك. عرفت يعني ايه حب بجد ويعني إنسان بحب. أنا كنت بحبك انت من قبل عرض الزواج السخيف اللي عرضه عليا سالم بس مكنتش قادرة أصارح نفسي بده. قلبي كان في اضطرابات بس مكنش بيشوف غيرك انت. لو سالم كان حبي الأول فانت حبي الحقيقي واللي بجد عاوزة أكمل معاه بقيت حياتي.

استرسلت حديثها وهي تشير له بغضب محذراً إياه:  
*سيلا*: شئت أم أبيت انت مش هتتجوز غيري فاهم؟ انت ليا أنا وبس. وأوعى تفكر اني هفرط فيك تاني. وانت أكتر حد عارف اني مجنونة وممكن أقتلك لو بعدت عني.

ابتسم وهو يراقب نسختها الجديدة تلك بصدمة فتحدث بهدوء وهو ينظر لعينيها:  
*أدهم*: تتجوزيني؟  
*سيلا*: أنا مجنونة و... لا لحظة انت قولت ايه؟  
*أدهم*: تتجوزيني؟  
احمرت وجنتاها وهي تتحدث بأكثر من لغة بسبب ارتباكها:  
*سيلا*: أنا أصل هو يعني أنا.. انت والعيلة.. فستان.. أنا بحبك.  
قالتها وهرولت إلى الخارج تحت ضحكاته وعيناه التي تراقب خجلها. تنهد براحة وهو يريح قلبه المسكين بحمد الله. أخيراً أنه نالها.

 
ها هو الآن يقف في انتظار معشوقة قلبه حتى تطل عليه. فأقبلت بحسنها وجمالها بجانب عمران ومالك وسالم على نغمات موسيقى حسين الجسمي:

"إدخلي عمري بخطوتك اليمين  
إضوي أيامي وعتمات السنين  
قرت عيوني بشوفك مقبلة  
يا الملاك اللين العذب الرزين"

وقفت على السلالم تنتظره بكل شوق وحب. فأقبل هو يرد عليها يصعد السلالم للقائها بأغنية أخرى لحسين الجسمي:

"خطوة ورا خطوة بتمشيها  
دي اللحظة اللي أنا مستنيها  
والأرض اللي بتمشي فوقيها  
ما فيش قدك يا حبيبتي عليها  
خطوة ورا خطوة بقربلك  
جايلك علشان أفرح قلبك  
وعمري اللي فات قبل ما أقابلك  
مش بحسب أيامه من قبلك"

بات قبالته وها هو الآن أخوها يتقدم إخوته ويسلمها له بكل حب وحنان. قبل رأس أخته بعينين دامعة. وضع يدها في يد عريسها. سلم أدهم على أسامة وهو يعانقه ثم وضع يديه في يدها وهو يتطلع لها بشوق. لمعت عيناه وهو ينظر لضي عينيها التي تلمع بالحب له. يغني لها أغنيتهم المفضلة التي تعبر عن قصة حبهم بصوته الجميل:

"وهقول عنك مواويل ..وهقول عنك حكايات ..  
ازاي يا حبيبتي برغم البُعد ..مفيش بينا مسافات ..  
قولنا هنتفارق يوم ..  
وبعدنا كده كام يوم ..  
وبرغم البُعد ساعات ..  
برجع وبحن في يوم .."

تطلع إلى عينيها البندقة لتتقابل مع عيناه التي تشبه القهوة الغارقة في الشوكولاتة.  
"وقالوا عليكي إن انتي عينيكي ..  
قاسية ومفيش فيها مكان ..  
يمكن حبيتي وروحتي وجيتي ..  
واتنسيتي مع الأيام ..  
وقالوا عليكي ان انتي بقيتي ..  
حد ناسي لنفسه زمان ..  
يمكن حبيتي وروحتي وجيتي ..  
واتنسيتي مع الأيام .."

أشار على قلبه وهو يقربها له لتسمع نبضاته:  
"وأنا لو على قلبي فحن عشانك فجأة ومال ..وأنا مهما يقولوا بشوفك غير كل اللي اتقال ..  
تسحرني عيونك لو قابلوني وأقول يا سلام ..  
كان فين من بدري وجودك جنبي ..  
يا أحلى ملاك .."

تذكر الأيام التي كان يسهر ليحدثها في الليل فابتسم وهو يكمل باقي الأغنية قائلاً وهو يحركها بيده:  
"وادي حالي معاك ..  
بسهر ليكي أوقات ..وترد نجوم الليل ..  
تبعتلك السلامات ..وادي حالي معاك ..  
بسهر ليكي أوقات ..وترد نجوم الليل ..  
تبعتلك السلامات .."

احتضن كفها وهو يلفها حول نفسها بسعادة:  
"وقالوا عليكي إن انتي عينيكي ..  
قاسية ومفيش فيها مكان ..  
يمكن حبيتي وروحتي وجيتي ..  
واتنسيتي مع الأيام ..  
وقالوا عليكي ان انتي بقيتي ..  
حد ناسي لنفسه زمان ..  
يمكن حبيتي وروحتي وجيتي ..  
واتنسيتي مع الأيام .."

اقتربها له وهو يستند بجبينه على جبينها قائلاً بحب وهو يتطلع لعينيها:  
*أدهم*: بصي كده للسما.  
نظرت إلى السماء فتفاجأت بصواريخ نارية تتشكل على هيئة كلمة واحدة فقط. هم فقط من يعرفون معناها. همست بابتسامة وهي تردد الكلمة وتنظر له بحب:  
*سيلا*: إيكادولي.  
*أدهم*: إيكيستاسي يا عاشقة الكتب.  
تعمقت للطلوع إلى عيناه وهي تتحدث:  
*سيلا*: انت اختياري الوحيد في الدنيا دي كلها. الحاجة اللي عمري ما هندم عليها. أجمل عوض على سنين عشتها من غيرك. بوجودك أنا بحس اني ملكة وانت مولاي الأمير.

*أدهم*: وهتفضلي طول عمرك ملكة في نظري. أوعدك اني هفضل أحبك وأسمعك وأفهمك. دائماً بحبك.

"نظر لهم الجميع بسعادة. هم يراقبونهم من بعيد. أخيراً اجتمع شملهم بعد أن تفرقوا سنتين كاملتين منذ تلك الحادثة. ها هي فريدة هانم تقف بجانب رزان. ومن جانبهم سالم الذي يحاوط عمران بابتسامة. وعلى بعد منهم سالم الذي يعدل من حجاب زوجته بسعادة. لا يصدق أنها تقف أمامه الآن. عن قريب سيرزقهم الله بمولود جديد. على بعد ليس ببعيد أسامة الذي يحتضن ترتيل بحب وهم ينظرون إلى أدهم وسيلا. دلف صوفيان إلى القاعة مع عائلته وعيناه تبحث عنها في كل مكان. رحب به عمران فور وصوله هو وعائلته بحبور شديد. فهو يحمل في قلبه معزة له لأنه كان السبب في اجتماعه هو ومهرة من جديد. ابتسمت مهرة وهي تقترب منهم وترحب بهم مع زوجها المحبوب. نظر صوفيان إلى عمران قائلاً:

*صوفيان*: طب أنا محتار دلوقتي. أنا لو عاوز أطلب إيد أختك رزان أطلبها من مين؟

ضحك عمران بقوة وهو يجيبه:  
*عمران*: أنا أخوها الكبير واللي هناك ده أبوها ووالدي. وهو الأحق انك تطلبه منها. بس طالما خدت موافقتي يبقى تمام يا باشا.

ضحك صوفيان وشاركه الضحك وهو يتجه ناحية المسرح. اعتلى المسرح وهو يمسك المايكروفون ليلفت انتباه الجميع قائلاً:  
*صوفيان*: احم. أنا أولاً ببارك لأدهم وسيلا وبقولهم ألف مبروك. ثانياً حابب استغل الموقف واعترف بحبي للي احتلت قلبي من زمان من واحنا صغيرين.

اتجه ناحيتها وهو ينحني أمامها بحب:  
*صوفيان*: أنقذت بنت مرة وهي بتغرق من زمان وأنا صغير. مكنتش أعرف وقتها اني أنا اللي غرقت في بحور عيونها وبقيت عاشق ليها لحد النهاردة. اختفت البنت دي ومبقتش بشوفها. مكنتش أعرف غير اسمها بس اللي هو "ليلى". لحد من فترة قابلت نفس البنت بس بصورة تانية. صورة ليها وهي كبيرة. بس طبعاً اللي متغيرش لسانها الطويل. حكيت قدامها مرة عن ليلى فقالتلي اني إن شاء الله هلاقيها ولقيتها فعلاً. لقيت ليلى حبيبة صوفيان. لما بعتتلي رسالة امبارح من موبايلها بكلمة واحدة بس كانت كفيلة اني أعرفها. عارفين كانت ايه؟

ابتسمت وهي تنظر له وتحاول كبت ضحكاتها:  
*رزان*: المتعجرف القمور.

*صوفيان*: اهو المتعجرف ده بقى بيقولك تتجوزيني؟  
ابتسمت هي تنظر له بخجل:  
*رزان*: الرأي رأي بابا.  
*سالم*: وأنا موافق يا بنتي.  
*فريدة*: سالم.  
أجابها سالم العمرواي وسالم الألفي معها. زوجها وابنها. فضحك الجميع. فتحدث سالم بحنق:  
*سالم*: كان لازم يعني وصلة العشق الممنوع دي؟ كان لازم تسميني على اسم بابا "سالم العمرواي"؟  
*تميم*: مين سالم ومين العمرواي؟ أنا دماغي لفت.  
*عمران* بضحك: أنا وسالم نبقى ولاد فريدة هانم وسالم زيدان الألفي الله يرحمه. ولكن بابا وماما متفقوش مع بعض عشان هي كانت بتحب سالم العمرواي صديق بابا. وبابا كان بيحب خالتي ليلى اللي بالمناسبة رزان شبهها جداً. وكل ده بسبب تشابه الأسماء. لما جدي فكر ان أبويا طلب إيد فريدة هانم مش خالتي ليلى. وطبعاً اكتشفوا ده متأخر. ولكن الموضوع اتحل بعد موت جدي. أصبحت فريدة زوجة سالم العمرواي وجابوا "ناب الأفعى" الآنسة رزان. وأما بابا فاتجوز خالتي ليلى وجابوا التوأم ترتيل وأدهم. وللأسف اليوم اللي كانت رزان جاية تتعرف على إخواتها بعد رجوع بابا من انجلترا حصلت الحادثة وتوفى بابا وخالتي ليلى. فبقينا بنناديها ليلى والحمدلله ليلى نجت باعجوبة لأنها كانت معاهم.

تنهد مالك بحزن وهو يربت على كتف عمران:  
*مالك*: ربنا يرحمهم يا بني.  
*عمران*: اللهم آمين.

وبالفعل تمت خطوبة صوفيان ورزان في فرح أدهم وسيلا اجتمعت الاسره من جديد وكل واحد منهم الان باتت معشوقته جواره "وفي النهاية، أدركوا أن الحب الحقيقي لا يأتي دائمًا في الوقت الذي نريده، ولا يكون دائمًا لمن ظننا أنه نصيبنا؛ فبعض القلوب نتألم ونحن نحبها، وبعضها نلتقيه بعد فوات الأوان، لكن حين يجمع القدر بين قلبين كُتب لهما أن يلتقيا، يصبح الحب اختيارًا يشبه النصيب… ويصبح النصيب أجمل حين يكون مع من اختاره القلب حقًا."
ولو عايزاها أقصر وأقوى كجملة ختامية للرواية:
"فالحب قد يضل طريقه، وقد يتأخر، وقد يوجعنا قبل أن يصل… لكن النصيب في النهاية يعرف جيدًا إلى أي قلبٍ يجب أن يأخذنا." ❤️

تمت بحمد الله 
تعليقات