رواية ثمن العروس الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم اماني سيد


 رواية ثمن العروس الفصل الثاني والعشرون 

ظلا جالسين تحت شجرة التوت، يتبادلان الحديث 
كانت غزل قد رفعت رأسها عن صدر مختار، وأخذت تتأمل المكان من حولها بإعجاب.
ـ أنا مش مصدقة إن المكان ده موجود هنا ومشوفتوش قبل كده.
ابتسم مختار:
ـ عشان محدش يعرفه غيري.
نظرت إليه بمكر:
ـ دلوقتي بقيت أنا عارفة
ـ عشان إنتِ استثناء.
ابتسمت بخجل، ثم قالت وهي تنظر إلى الزهور المحيطة بهما:
ـ نفسي أصور المكان ده
أخرج مختار هاتفه من جيبه وقال:
ـ أنا أصورك.
ـ لأ، أنا اللي عايزة أصور المكان.
ـ المكان موجود كل يوم، إنتِ مش كل يوم بتكوني هنا.
نظرت إليه وضحكت:
ـ يعني إيه؟
رفع الهاتف أمامها:
ـ يعني وقفي كده.
ـ لا يا مختار، شكلي أكيد وحش.
ـ غزل...
ـ إيه؟
ـ لو فضلتِ تتحركي كده مش هعرف أصورك.
وقفت أمامه على استحياء، وحاولت أن ترتب شعرها بيدها.
ـ طب استنى لما أظبط شعري.
ضحك:
ـ ما هو حلو.
ـ لأ، شعري اتبهدل من الركوب والجري.
ـ وأنا عاجبني كده.
رفعت حاجبها:
ـ إنت مش هتسيبني أعمل حاجة على مزاجي؟
ـ لا.
ثم رفع الهاتف والتقط لها صورة.
ابتسم وهو ينظر إلى الشاشة.
ـ حلوة.
اقتربت منه بسرعة:
ـ وريني.
أبعد الهاتف عنها:
ـ لأ.
ـ ليه؟
ـ عشان الصورة دي بتاعتي.
ـ بتاعتك إزاي؟ دي صورتي!
ـ وأنا اللي صورتها.
مدت يدها لتأخذ الهاتف، فرفعه فوق رأسه.
ـ مختار هاته!
ـ لأ.
وقفت على أطراف أصابعها تحاول الوصول إليه.
ـ هاته بقى!
ضحك وهو يبتعد خطوة:
ـ لو عايزاها تعالي خديها.
نظرت إليه للحظة، ثم قالت بتحدٍ:
ـ ماشي.
وانطلقت نحوه.
ضحك مختار وتراجع بسرعة، وهي تجري خلفه بين الزهور.
ـ مختار! هات الموبايل!
ـ تعالي خديه!
ـ والله لأخده!
ـ طب وريني همتك.
ركضت خلفه، بينما كان يضحك كلما اقتربت منه ثم يبتعد عنها في اللحظة الأخيرة.
ـ استنى يا مختار!
ـ مش هقف.
ـ هقفلك!
ـ حاولي.
وفجأة تعثرت غزل قليلًا بسبب أحد الأحجار الصغيرة، فتوقف مختار في اللحظة نفسها، والتفت إليها بقلق.
ـ إنتِ كويسة؟
ضحكت وهي تستعيد توازنها:
ـ أيوه.
اقترب منها بسرعة:
ـ خوفتيني.
ـ أنا اللي خوفتك؟
ـ أيوه.
ثم نظر إليها لحظة، وعندما تأكد أنها بخير عاد لابتسامته المشاغبة، وقال:
ـ بس برضه مش هديكي الموبايل.
اتسعت عيناها:
ـ مختار!
وانطلقت خلفه من جديد.
ضحك وهو يركض، حتى وصل إلى شجرة كبيرة، ثم استدار فجأة، فأصبحت أمامه مباشرة.
توقفت غزل وهي تلهث من الضحك:
ـ خلاص... هات الموبايل.
ـ قولي الأول إنك مش هتضربي.
ـ مش هضربك.
ـ وعد؟
ـ وعد.
مد يده بالهاتف، وما إن مدت يدها لتأخذه حتى سحبه مرة أخرى.
شهقت:
ـ إنت بتضحك عليا!
ـ شوية.
ضربته بخفة على كتفه:
ـ بقى كده؟
ضحك:
ـ قلتلك متضربينيش.
ـ دي مش ضربة.
ـ أمال إيه؟
ـ دي تحذير.
ـ طب خدي بالك، التحذير ممكن يترد عليه.
رفع يديه محاولًا الإمساك بها، فضحكت وجرت منه مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم يتركها تهرب طويلًا، فلحق بها وأمسك يدها، ثم أدارها إليه.
ـ خلاص... استسلمي.
كانت تضحك بشدة وهي تحاول سحب يدها:
ـ سيبني.
ـ لأ.
ـ مختار!
ـ قولي استسلمت.
ـ مستحيل.
ـ يبقى هنفضل واقفين هنا.
ضحكت وهي تنظر إليه:
ـ إنت طفل.
ـ وإنتِ اللي بدأتي.
ثم رفع الهاتف أمامها وقال:
ـ بصي.
نظرت إلى الشاشة، فوجدت أنه كان قد التقط لها عدة صور أثناء ضحكها وجريها.
تغيرت ملامحها إلى ابتسامة هادئة.
ـ حلوين أوي.
ابتسم مختار:
ـ عشان إنتِ كنتِ مبسوطة.
ـ أكتر واحدة بحبها دي.
أشار إلى صورة كانت تضحك فيها بعفوية، وشعرها يتحرك مع الهواء.
ـ دي؟
هزت رأسها:
ـ آه.
ـ يلا نرجع قبل ما يلاحظوا إننا اختفينا.
ـ بدري.
ـ مختار، بقالنا كتير هنا.
ـ مش مهم.
ـ لا مهم.
ثم جذبت يده:
ـ يلا.
عادا يسيران باتجاه البيت، وكانت غزل لا تزال تضحك كلما تذكرت مطاردته لها، بينما كان مختار ينظر إليها بين الحين والآخر بابتسامة هادئة.
وعندما اقتربا من البيت، قال مختار:
ـ على فكرة...
ـ إيه؟
ـ الصور دي مش هوريها لحد.

ـ ليه؟
ـ عشان دي ذكرياتنا إحنا.
نظرت إليه بحنان، وضغطت على يده:
ـ أحلى ذكريات.
وصلا إلى الحديقة، ومن بعيد ظهرت الشرفة التي يجلس فيها الجميع.
توقفت غزل للحظة عندما رأت سارة جالسة بجوار كريم، بينما كان والدتا كريم ووالدا مختار يتبادلون الحديث والضحكات.
نظرت إلى مختار، فوجدته يحدق في أخته وكريم.
ابتسمت بمكر:
ـ مالك؟
رد دون أن يرفع عينيه عنهما:
ـ مفيش.
ـ مختار...
تنهد:
ـ أنا بس مش عايز ماما تسيب سارة مع كريم لوحدهم.
ضحكت:
ـ إنت غيران على أختك؟
ـ مش غيرة.
ـ أمال؟
ـ احتياط. عشان كده هقعد معاهم.
ـ وأنا؟
ـ إنتِ هتقعدي جنبي.
ـ وكنت عايز تفضل معايا لوحدنا!
ـ كنت... بس دلوقتي لازم أشوف أختي.
هزت رأسها وهي تضحك:
ـ ربنا يعين سارة عليك.
ابتسم مختار:
ـ وربنا يعينك إنتِ عليا.
ثم دخلا معًا إلى الشرفة، بينما كان اليوم لا يزال يحمل لهم الكثير من اللحظات التي ستجعل تلك الرحلة بداية علاقة مختلفة بين الجميع.
ما إن اقترب مختار وغزل من البيت حتى لمحتهم والدة مختار من بعيد، فابتسمت ابتسامة ذات معنى، بينما كانت سارة تجلس في الشرفة بجوار كريم ووالدته ووالده.
وما إن وصل مختار حتى قال كريم بابتسامة:
ـ إنتوا كنتوا فين كل ده؟
رد مختار بكل هدوء:
ـ بنلف شوية في العزبة.
ـ ما هي أول مرة تيجي هنا، مش هسيبها تمشي من غير ما تشوف المكان.
جلست غزل بجواره، بينما جلس مختار في المقعد المقابل لكريم وسارة، وكأنه قرر بوضوح ألا يترك أخته معه وحدهما.
لاحظت غزل ذلك، فاقتربت منه قليلًا وهمست:
ـ إنت قاعد هنا ليه؟
نظر إليها باستغراب مصطنع:
ـ قاعد فين؟
ـ جنبنا.
ـ عادي.
ـ لا مش عادي... إنت كنت عايز تقعد معايا لوحدنا من شوية.
ابتسم مختار:
ـ دلوقتي مش عايز.
ـ ليه؟
مال نحوها وقال بصوت منخفض:
ـ عشان سارة.
كتمت غزل ضحكتها:
ـ إنت غيران على أختك؟
ـ طبعًا.
ـ من كريم؟
ـ مش غيرة... احتياط.
ـ احتياط من إيه؟
نظر إليها بجدية مصطنعة:
ـ كريم شكله بدأ يعجبني، وده خطر.
انفجرت غزل في الضحك:
ـ إنت مجنون.
سمعه كريم، فالتفت إليهما:
ـ بتضحكوا على إيه؟
رد مختار بمنتهى البراءة:
ـ ولا حاجة، غزل بتقول نكتة.
نظرت إليه غزل بغيظ:
ـ أنا؟
ضحك كريم، بينما ابتسمت سارة وهي تراقبهما.
قال والد كريم، الذي كان يتابع الحديث منذ البداية:
ـ بصراحة يا مختار، واضح إنك مرتاح جدًا مع غزل.
ابتسم مختار:
ـ دي مش بس مراتي، دي صاحبتي كمان.
ردت غزل بسرعة:
ـ وصاحبك اللي بيستفزني طول الوقت.
ضحك الجميع.
قالت والدة كريم:
ـ ربنا يسعدكم يا حبيبتي، واضح إن بينكم ألفة جميلة.
ابتسمت غزل بخجل، بينما نظر مختار إليها بحب واضح.
بعد دقائق، بدأ الحديث ينتقل من العمل إلى الحياة اليومية، وتحدث والد كريم مع والد سارة عن العزبة والزراعة، ثم دخل الحديث في السفر والمشروعات القديمة، وسرعان ما اكتشف الرجلان أن بينهما اهتمامات مشتركة كثيرة.
قال والد سارة:
ـ على فكرة يا كريم، والدك حكالي إنك بتحب السفر للشغل، بس إنت نفسك بتحب السفر للفسحة؟
ابتسم كريم:
ـ جدًا، بس للأسف الشغل واخد معظم وقتي.
ضحك والد سارة:
ـ أهو دي مشكلة رجال الأعمال كلهم، بنشتغل عشان نرتاح، وبعدين منلاقيش وقت نرتاح.
ضحك كريم:
ـ عندك حق.
قال والد سارة:
ـ طب لما تيجي هنا مرة تانية، تعالى بدري. أنا أخدك ألف بيك في العزبة بنفسي، عندي أماكن محدش يعرفها غيري.
ابتسم كريم:
ـ يشرفني جدًا.
تدخل مختار:
ـ بابا، إنت كده هتخطف كريم مني.
ضحك والده:
ـ مالك يا ابني؟ الراجل عايز يتعرف على العزبة.
رد مختار:
ـ ما أنا بهزر.
نظر كريم إليه مبتسمًا:
ـ بالعكس، أنا مبسوط جدًا هنا.
سأله مختار:
ـ إيه اللي عاجبك؟
تلفت كريم حوله، ثم قال بصدق:
ـ الجو كله... البيت، العيلة، الناس، وحتى طريقة كلامكم مع بعض. حاسس إني مش قاعد مع ناس لسه متعرف عليهم من فترة قصيرة.
ابتسم والد سارة وقال:
ـ وده أهم حاجة يا ابني. البيت اللي الواحد يحس فيه إنه مش غريب، لازم يحافظ عليه.
أومأ كريم:
ثم التفت إلى والد سارة:
ـ وبصراحة يا عمي، أنا ارتحت لك جدًا من أول قعدة.
ضحك الرجل:
ـ وأنا كمان ارتحت لك يا كريم، وحاسس إننا هنبقى أصحاب مش مجرد معارف.
صافحه كريم بحب:
ـ وأنا أتمنى ده.
كانت سارة تراقبهما بابتسامة هادئة، بينما لمحت والدة مختار نظرتها، فاقتربت منها وهمست:
ـ مالك؟
ارتبكت سارة:
ـ مالي؟
ـ ولا حاجة.
ـ ماما...
ضحكت والدتها:
ـ أنا ساكتة.
في تلك اللحظة، نهض كريم وقال:
ـ مين فيكم عايز يتمشى شوية؟
قال مختار فورًا:
ـ أنا.
نظر إليه كريم وضحك:
ـ أنا كنت بسأل سارة.
رد مختار:
ـ ما هي مش هتمشي لوحدها.
ضحكت غزل:
ـ خلاص يا جماعة، نمشي كلنا.
وهكذا خرج الأربعة معًا إلى الحديقة.
سارت غزل بجوار سارة، بينما كان مختار وكريم خلفهما، يتحدثان في البداية عن العمل، ثم تحولت الأحاديث سريعًا إلى مواقف شخصية ومواقف طريفة حدثت لكل منهما.
قال كريم وهو يضحك:
ـ يعني أنت يا مختار كنت بتعمل كل ده ومحدش عارف يوقفك؟
ابتسم مختار بفخر:
ـ الشقاوة موهبة برضه، بس غزل بقى هي اللي روضت كل ده.
التفتت غزل وهي تضحك:
ـ قصدك اتدبست فيك!
تعالت ضحكاتهم، وخلال السير بين ممرات الحديقة الهادئة، أبطأ كريم خطواته قليلًا ليصبح بمحاذاة سارة، بينما سبقهما مختار وغزل بعدما استدرجته غزل لتُريه شجرة زهور لفتت انتباهها، مفسحة المجال لحديث هادئ بين سارة وكريم، تحت نظرات مختار التي كانت تلتفت إليهما بين ثانية وأخرى بحذر مصطنع.
تنحنح كريم، ونظر إلى سارة بنبرة دافئة ومهذبة:
ـ على فكرة يا سارة، والدتك قالتلي إنك رسامة موهوبة جدًا، وشوفت بالصدفة صورة لواحدة من لوحاتك على بروفايل مختار.. بجد لمست فيهم روح مختلفة خالص.
احمرّت وجنتا سارة بخجل، وخفضت بصرها بابتسامة رقيقة:
ـ شكرًا يا كريم، الرسم بالنسبة لي مش مجرد هواية، بحس إنه طريقتي في التعبير عن أي حاجة مش بعرف أقولها بالكلام.
توقف كريم عن المشي، ونظر إليها باهتمام حقيقي:
ـ طب بما إنك فنانة حقيقية.. عندي طلب، ومش عايزك تكسفيني.
رفعت سارة عينيها بدهشة:
ـ اتفضل طبعًا.. خير؟
ابتسم كريم وقال:
ـ ناوي أجدد ديكور مكتبي في الشركة قريب، ومحتاج بورتريه مميز يتعلق في صدر المكان.. نفسي اللوحة دي تكون من رسمك إنتِ، وتبقى البصمة الخاصة في التجديد ده.
فوجئت سارة بالطلب، لكن الفرحة والامتنان لمعا في عينيها:
ـ بجد؟ يشرفني جدًا يا كريم.. بس قولي، حابب البورتريه يكون إزاي؟ يعني فكرة معينة، شخصية محددة، ولا ألوان وتفاصيل محببة ليك؟
هز كريم رأسه نافيًا، ثم اقترب خطوة وبدأ يشرح لها بحماس:
ـ المكتب واسع، وألوانه بين الخشب البني الغامق والرمادي الهادي، والإضاءة فيه طبيعية بتدخل من واجهة زجاجية كبيرة بتبص على الشارع.. يعني المكان جاد شوية وبارد، ومحتاج روح تدفيه.. عشان كده مش هحط أي شروط ولا قيود، أنا بوصفلك المكان، وعايز البورتريه يتعمل على ذوقك إنتِ وإحساسك بالكامل.
نظرت إليه سارة بابتسامة متسعة:
ـ بس دي مسؤولية كبيرة.. مش خايف ذوقي ميعجبكش؟
رد كريم بثقة ونظرة عميقة:
ـ متأكد إن أي حاجة هتطلع من تحت إيدك هتكون أجمل بكتير من اللي بتخيله، كفاية إنها هتكون لمستك في مكاني.
شعرت سارة بنبضات قلبها تتسارع من رقة كلماته، وقبل أن تجيب، جاء صوت مختار المنادي وهو يلوح لهما من بعيد:
ـ أنتوا وقفتوا عندكم ليه؟ مش قولتلك يا كريم الجولة دي ليا أنا كمان!
ضحكت سارة وهتفت بمرح تخفي به ارتباكها:
ـ موافقة يا كريم، اعتبر البورتريه بدأ يتجهز من اللحظة دي. 
مرّ يومان على رحلة العزبة، وعادت الحياة إلى إيقاعها المعتاد، لكن الهدوء الذي ساد الأيام الماضية لم يستمر طويلًا.
كانت ليلى قد أمضت اليومين وهي تغلي من الداخل.
كلما حاولت أن تقنع نفسها بأن انسحابها من المشروع كان مجرد قرار تجاري، كانت صورة غزل تعود إلى ذهنها، ويتبعها إحساسها بأن وجودها في حياة مختار أصبح شيئًا من الماضي، وأن الجميع تحركوا من حولها وكأنها لم تكن يومًا جزءًا من تلك الدائرة.
وفي صباح اليوم الثالث، لم تعد قادرة على الاحتمال.
ارتدت ملابسها، واستقلت سيارتها، وتوجهت مباشرة إلى منزل مختار.
كانت تعرف أن دخوله إلى حياتها من جديد لن يكون سهلًا، لكنها كانت مصممة على مواجهته.
ما إن وصلت إلى المنزل حتى طلبت مقابلته.
كان مختار يجلس في غرفة المكتب يراجع بعض الملفات، وعندما أخبرته والدته بأن ليلى جاءت وتريد الحديث معه، رفع عينيه عن الأوراق للحظات.
ـ ليلى؟
ـ أيوه.
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم أغلق الملف أمامه وقال:
ـ خليها تدخل.
دخلت ليلى بخطوات سريعة، ولم تنتظر حتى يرحب بها، بل وقفت أمام المكتب وقالت بانفعال:
ـ إنت عملت كل ده ليه يا مختار؟
نظر إليها بهدوء:
ـ عملت إيه؟
ـ متعملش نفسك مش فاهم.
ـ أنا فعلًا مش فاهم إنتِ جاية ليه.
ضحكت بسخرية:
ـ عشان المشروع طبعًا.
ـ المشروع انتهى الكلام فيه.
ـ لأ، مخلصش!
رفع مختار حاجبه:
ـ والدك وافق على الانسحاب، والموضوع اتقفل من يومين.
ـ اتقفل عندك إنت، مش عندي.
ـ ليلى...
قاطعته بعصبية:
ـ إنت دخلت الشغل في مسائل شخصية يا مختار.
سكت قليلًا، ثم قال:
ـ وضحي كلامك.
اقتربت منه:
ـ إنت عارف كويس إن وجودي في المشروع كان هيخليني أشوفك وأتعامل معاك بشكل مستمر، وإنت خفت من ده.
نظر إليها بثبات:
ـ خفت من إيه؟
ـ خفت إنك تفتكرني.
ابتسم ابتسامة قصيرة خالية من أي مشاعر:
ـ أفتكرك؟
ـ أيوه.
ـ انا نسيت ايامى معاكى يا ليلى لانى عايش حياه افضل منها ؟
نظرت إليه بثقة:
ـ لو كنت نسيتني فعلًا، مكنتش عملت كل ده عشان تبعدني.
اعتدل مختار في جلسته، وقال بهدوء:
ـ إنتِ فاهمة الموضوع غلط تمامًا.
ـ أمال إيه الحقيقة؟
ـ الحقيقة إني مش عايز أي اختلاط بين شغلك وبين حياتي الشخصية.
ـ بسبب غزل؟
ـ بسبب احترامي لمراتي.
تغير وجهها عند سماع الكلمة.
ـ مراتك...
ـ أيوه، غزل مراتي.
ـ وإنت كنت بتقول الكلام ده من فترة؟
ـ بقول الحقيقة من يوم ما اتجوزتها.
ضحكت ليلى بمرارة:
ـ إنت بتقول إنك حبيت واحدة تانية بسهولة كده؟
ـ أنا محبيتش واحدة تانية بسهولة... أنا حبيت مراتي.
سكتت للحظة، وكأن الجملة أصابتها في مكان مؤلم.
تابع مختار:
ـ وإنتِ لازم تفهمي حاجة يا ليلى، اللي كان بينا انتهى. مش عشان حصلت مشكلة في الشغل، ولا عشان أنا خايف أشوفك، ولا عشان ممكن أحنلك زي ما إنتِ متخيلة.
اقتربت منه خطوة
ـ وأنا مش مصدقة إنك نسيتني.
ـ دي مش مشكلتي. دى مشكلتك لانك فاكره ان الكون بيدور وراكى مشكلتك انك لسه مش قادره تستوعبى انى حقيقى نسيتك وعايش احلى ايام مع مراتى مشكلتك انك مش قادره تتخطى الماضى يا ليلى وعشان انهى الكلام انا كان قدامى الفرصه انى اطلق غزل وارجعلك بس انا اخترتها لانى حبيتها 
ـ يعني إيه؟
ـ يعني إنك لو مش قادرة تصدقي إني نسيتك، فدي حاجة تخصك إنتِ.
صمتت ليلى، ثم قالت بصوت أكثر حدة:
ـ بس أنا مش هسمح لك تخرجني من حياتك بالشكل ده..
رفع مختار عينيه إليها، وتغيرت ملامحه للمرة الأولى.
ـ ده تهديد؟:
ـ اعتبره زي ما تحب.
نهض مختار من مقعده ببطء، ووضع الملف جانبًا.
ـ ليلى، أنا طول الوقت كنت بتكلم معاكي باحترام عشان مفيش داعي إن الأمور تكبر، لكن واضح إنك عايزة تختبري صبري.
ـ وإنت فاكر إني بخاف منك؟
ـ أنا مش بطلب منك تخافي مني.
ـ أمال؟
اقترب منها خطوة، وقال بصوت هادئ لكنه حاسم:
ـ إنتِ اللي المفروض تخافي.
تراجعت ملامحها قليلًا، لكنه أكمل:
ـ مش مني... من إنك تكملي في الطريق ده.
ـ بتخوفني؟
ـ لأ. بنبهك.
ـ وعايزني أعمل إيه؟
ـ ترجعي لحياتك وتبعدى عنى 
ضحكت بسخرية:
ـ ولو مرجعتش؟
نظر إليها بثبات:
ـ ساعتها كل تصرف هتعمليه هيكون له رد، وأنا مش هسمحلك تقربي من شغلي، ولا من بيتي، ولا من مراتي.
ـ وإنت فاكر إن غزل دي هتفضل بينك وبين الماضي؟
تغيرت ملامح مختار:
ـ متجيبيش سيرة غزل في كلامنا.
ـ ليه؟ خايف عليها؟
ـ لأني بحترمها وبحبها 
ـ ولا خايف إنها تعرف حقيقتنا؟
اقترب منها أكثر، وقال بنبرة قاطعة:
ـ مفيش حقيقة أخبيها عن مراتي وعلى فكره انا حكتلهت كل حاجه 
سكتت ليلى.
ـ غزل عارفة إن كان في حياتي ماضي، وعارفة إنك كنتِ جزء منه. لكن الفرق بيني وبينك إن أنا قدرت أعيش بعده، وإنتِ لسه عايشة جواه.
احمر وجه ليلى غضبًا:
ـ إنت بتقلل مني؟
ـ أنا بوصف اللي شايفه.
ـ هتندم يا مختار.
رد فورًا:
ـ وأنا مش بخاف من الندم.
ثم أشار إلى الباب:
ـ لكن إنتِ لو فضلتي تحاولي تدخلي حياتي بالطريقة دي، ممكن تخسري أكتر بكتير من مشروع.
نظرت إليه للحظات، ثم قالت:
ـ دي آخر مرة هاجي أكلمك فيها بهدوء.
ـ أتمنى تكون آخر مرة فعلًا.
استدارت ليلى وغادرت المكتب بخطوات غاضبة، بينما ظل مختار واقفًا مكانه يتابع خروجها.
لكن ما إن أُغلق الباب خلفها حتى زفر ببطء، وأعاد يده إلى جبينه للحظات.
لم يكن يخشى ليلى.
لكنه كان يعرف أن غضبها لم يعد مجرد غيرة قديمة.
وأنها، بعد أن خسرت المشروع، بدأت تبحث عن طريق آخر للعودة إلى حياته.ولكنه اغلق عليها اى طريق للدخول.
وبمجرد أن أُغلق الباب خلفها، بقي مختار واقفًا للحظات، ثم التفت ناحية السلم.
كانت غزل ما تزال واقفة هناك.
التقت عيناه بعينيها، فابتسمت له ابتسامة واسعة.
ـ سمعتي؟
نزلت درجات السلم ببطء وهي تقول:
ـ من أول ما قالت إنك ممكن تحنلها.
رفع حاجبه: ـ وسمعتي باقي الكلام؟
ـ كله.
اقتربت منه وهي تحاول إخفاء فرحتها:
ـ خصوصًا لما قلت إنك نسيتها.
ابتسم مختار: ـ وصدقتيني؟
وقفت أمامه وقالت بخجل:
ـ أنا مصدقاك من غير ما تقول.
مد يده إليها وجذبها نحوه برفق:
ـ كويس... عشان أنا مبحبش أكرر كلامي.
ضحكت غزل:
ـ لأ، كرره.
ـ إيه؟
ـ إنك بتحبني.
ابتسم مختار وهو ينظر إليها:
ـ دي سهلة.
ثم قال بهدوء:
ـ بحبك يا غزل... ومش شايف في الدنيا غيرك.
ابتسمت وهي تسند رأسها على صدره:
ـ كده اليوم بقى حلو أوي.
مرّ أسبوعان، وكانت سارة خلالهما منشغلة تمامًا بالبورتريه الذي وعدت كريم به. وفي مساء اليوم الأخير، وقفت أمام اللوحة تتأملها طويلًا، ثم ابتسمت وهي تضع آخر لمسة.
ـ خلاص... كده تمام.
وفي اليوم التالي، حملت اللوحة وتوجهت إلى شركة كريم. وما إن دخلت مكتبه حتى رفع عينيه إليها بدهشة وقام مسرعاً لاستقبالها
ـ سارة؟ أهلا اهلا نورتى 
ابتسمت وهي تشير إلى اللوحة المغطاة التي يحملها العامل خلفها:
ـ أيوه، جايالك.
ـ فاكر البورتريه  اللي وعدتك بيه؟
اتسعت عيناه:
ـ خلص؟
ـ أيوه.
ـ بجد؟
ـ أيوه يا كريم.
أشار للعامل أن يضع اللوحة جانبًا، ثم اقترب منها بحماس:
ـ طب وريني.
ـ استنى بس، واحدة واحدة.
ـ إنتِ عاملة لي تشويق ليه؟
ـ عشان أشوف رد فعلك.
ـ طب افتحي.
رفعت الغطاء عن اللوحة، وظل كريم صامتًا للحظات.
ابتسمت سارة بتوتر:
ـ إيه؟!
لم يرد.
ـ كريم؟
ظل ينظر إلى اللوحة ثم إليها.
ـ دي أنا؟
ضحكت:
ـ أيوه، إنت.
ـ إنتِ اللي رسمتيها؟
ـ أمال مين؟
ـ أنا مش مصدق.
ـ ليه؟ وحشة؟
ـ وحشة؟! إنتِ بتهزري؟
اقترب أكثر من اللوحة:
ـ دي أحسن صورة اتعملتلي في حياتي.
ابتسمت سارة براحة:
ـ بجد عجبتك؟
ـ جدًا.
ـ أنا كنت خايفة متعجبكش.
التفت إليها:
ـ وإنتِ كنتِ خايفة ليه؟
ـ عشان دي أول مرة أرسم حد أعرفه.
ـ يعني كنتِ بتفكري فيا وإنتِ بترسمي؟
ارتبكت سارة:
ـ طبعًا... ما أنا برسمك.
ضحك:
ـ قصدي كنتِ بتفكري في تفاصيل الصورة؟
ـ آه طبعًا.
ـ مش في الشخص 
ـ أيوه كنت بفكر في الشخص، وفي ملامحه، وفي الطريقة اللي هطلع بيها الصورة.
ـ وطلعتيها حلوة أوي.
ابتسمت:
ـ الحمد لله إنها عجبتك.
ـ عجبتني؟ أنا عايز أعرف عملتيها إزاي.
ـ يعني إيه؟
ـ يعني إزاي قدرتي تطلعي ملامحي كده؟
ـ عشان قعدت قدامك كذا مرة.
ـ يعني كنتِ مركزة معايا؟
ضحكت:
ـ ما هو لازم أركز، وإلا هارسمك شبه حد تاني.
ـ طب قوليلي بقى... ليه اخترتي الصورة دي بالذات؟
ـ عشان كانت أكتر صورة حاساك فيها طبيعي.
ـ طبيعي؟
ـ آه، مش بتتصنع ابتسامة ولا بتبص للكاميرا.
نظر إلى اللوحة مرة أخرى:
ـ عارفة إنك شوفتي حاجة أنا نفسي مكنتش واخد بالي منها؟
ـ إيه؟
ـ إنك رسمتي نظرتي مش وشي بس.
سكتت سارة لحظة، ثم قالت:
ـ يمكن عشان النظرة بتقول حاجات أكتر من الملامح.
ابتسم كريم:
ـ واضح إنك مش رسامة بس.:
ـ أمال إيه؟
ـ بتعرفي تقري الناس كمان.
ـ مش للدرجة دي.
ـ لأ، للدرجة دي.
ثم أشار إلى اللوحة:
ـ دي هتتحط هنا 


تعليقات