رواية دكة السادة الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم فطمة محمد علي النعيمي

 

 

 


رواية دكة السادة الفصل الثالث والعشرون والاخير بقلم فطمة محمد علي النعيمي




يقال:
كل الثورات يقوم بها المناضلون... ويسبقها الثوار... ويسرقها الانتهازيون.

انطلقت قافلة الرجال مع الفجر الأول، كان لسيرهم ضجيج مسموع يردده حوض النهر مع صدى خطوات خيولهم.
وكان للفجر في حوض النهر رائحةٌ لا يعرفها إلا من ركب الخيل قبل بزوغ الشمس؛ رائحة الندى العتيق المخلوط برائحة جلد السروج المعطّنة بالعرق المتراكم من أجساد الفرسان عبر السنين، وعبق صوف العباءات الخشنة حين تبتلّ بنسيم الصباح، كأنه عطر الرجولة الذي يميز العرب بأصالتهم ونخوتهم وعدم صبرهم على الظلم. 

لم يكن صهيل الخيل مجرد ضجيج، بل كان خفقاً مكتوماً لشرفٍ جُرح وهو ينتخي شجاعتهم، تتصاعد من أبدان الجياد رطوبة حارة تخالط رائحة الأعشاب الربيعية التي تهرسها الخيول بسنابكها، كأن الأرض نفسها تتنفس رهبة هذا السير. والرجال صامتون، يلفت أنظارهم ذلك الدخان المتصاعد من بيوت القرى البعيدة دون أن تطرف لهم عين، وهم يسيرون بوجوم لا يعرفون ما ينتظرهم ولا كيف ستكون المواجهة؛ فهم ذاهبون لقومٍ عرفوا فرداً واحداً منهم فعل بهم الأفاعيل، فكيف ستكون تلك القبيلة التي أنتجت مخلوقاً كذلك الإ خالد؟

كانوا يسيرون بسرعة تناسب الجميع. وحين بزغت الشمس وجدوا أمامهم أربعة فرسان يقفون في طريقهم. توقف الركب وتحرك الفرسان الأربعة متجهين إليهم، وحين وصل الرجال وألقوا السلام، تبين أنه الشيخ حمزة الريان، شيخ قبيلة غزيل الواقعة مقابل الحويدة على الضفة الثانية. كان قد بلغه مسير السادة طلباً لثأرهم، فركب حصانه هو وأخوه وولداه وقطع عليهم الطريق، وسألهم بعد السلام عليهم:
- وين رايحين يا وجوه الخير؟
أجاب شيخ السادة بقوله:
- لنا ثار عند البو أعلي بالشام ورايحين ناخذ حكنا منهم.
قال الشيخ حمزة:
- يالربع يالسادة محد يسوي سواتكم ترى. الصحيح ترسلون اربع خمس رجال يصلون لشام ويبلغوهم بطلبتكم، وعود اذا ماردو الرد الي لازم يردوه ذاك الوكت مو بس انتم تروحون، كلنا يعربان هالديرة نمشي معاكم، بس أول شي لازم تسوون مثل كل العرب.

رد عليهم ملا محمد قائلاً:
- صحيح، وآني ماعرفت بالسالفة الا من يومين وعمت عيوني من القهر. عجل يخوي يجينا واحد مسوي نفسو خبل ويكعد بديرتنا ويذبح طفل بالكماط، ويبوگ طفلين غدر ويروح ومانعرف بالسالفة الا بعد سنين؟ يعني صحيح طار عگلي!

قال الشيخ حمزة:
- ردو لديرتكم وآني واخوية ابو مجيد وواليدي والي يجي منكم نروح ونسولفلهم طلابتنا، بس لازم الي يجي معايا مو من السادة، ونرجع عليكم وشتريدون يجرالكم.

بهذه اللحظة همس دخيل في أذن حسين وقال له:
- حسين، آني مو منكم، اريد اروح معاهم. آني سمعت ارمضان لمن چان يسولف، اروح حتى أذا چذب اعرف أرد عليه.
أمسك حسين يد والده وأخبره بما قاله دخيل، فسمع حمدان وقال:
- آني ليا حگ عند هذا الچلب وآني لازم أروح معاهم، وآني هم مو من السادة.

بعد مشاورات، اتفق الشيخ حمزة أن يذهب معه دخيل وحمدان، ويرجع أحد أبنائه ليبلغ أهله أن أباه وعمه وأخاه ذهبوا إلى الشام. أما ركب السادة فيرجعون كلهم إلى بيوتهم حتى يرجع وفد الشيخ حمزة.
هنا قال لهم زيد:
- يشيخ، چبير البو أعلي اخوية نواف العلي، لي وصلت الجرية انشد عن بيت نواف العلي.
 والتفت إلى حمدان وقال له:
- يحمدان، بلغ نواف انو السادة اطردونا نحنا وبيت عطا، واذا ماعدهم مانع نريد نرد للديرة. وأش يگع عليا ودي لساري آني ادفعو، وگلو ترى ذبح ساري صار مو متعمد، وسلملي عليه چثير وگلو اخوك چثير مشتاگ للديرة، وگلو عطا مات وهو يوصيني ارد آني وواليدو للديرة.

وافترق الفريقان ومشا عكس بعضهما؛ رجع السادة يكملون عملهم في البناء، وحمدان ودخيل ذهبا مع الشيخ حمزة.

بعد مسير عشرة أيام، وصلوا إلى قرية ألبو أعلي. سأل الشيخ حمزة عن بيت نواف العلي فدلوهم، وركض الفتى أمامهم ينبه نواف العلي أن هناك ضيوفاً قادمين إليه.
حين وصل ركب الرجال إلى بيت نواف، كان نواف وأولاده الخمسة في استقبالهم ورحبوا بهم، وأنزلوهم وأدخلوهم إلى مضيف الحاج علي -رحمه الله-.

حين دخل الرجال مضيف الحاج علي، لم تكن الرائحة رائحة قهوةٍ تُدار للاستئناس، بل كانت رائحة حطب 'الطرفا' الرطب وهو يحترق ببطء تحت الدلال، يمتزج برائحة الهيل الساخن الذي يُغلى في المصبّ محولاً ثقل الوجوم إلى بهجة خجولة. أما الحصائر المنسوجة من البردي العتيق بتقانة عجائز خبيرات في الصنعة، فكانت تفوح منها رائحة السنين العديدة التي مرت بين أحزانٍ وأتراح، وكلما تحرك رجلٌ على الفراش، تصاعدت رائحة الصوف الذي يمنح الجالس راحة بعد سفر طويل. 
كان الفنجان يمرّ بين الأيدي بصمتٍ أثقل من الكلام، فلا صوت يعلو على تلك التساؤلات التي ملأت قلب نواف وهو يردد في سره: "من هؤلاء؟ ولماذا هم قادمون؟ ولماذا كل هذا الوجوم في وجوههم؟ قلبي يحدثني أن هناك مصيبة كبيرة".

وما إن جلسوا واستقر بهم المقام، حتى انطلق الشيخ حمزة يخبر نواف بالقصة كلها، ويستعين بدخيل وحمدان في نقل التفاصيل الصغيرة، وحكى له القصة كاملة. وكان نواف وأولاده في حالة صدمة مما سمعوا.
طلب دخيل من الشيخ حمزة الإذن ليتكلم، فأذن له، فقال دخيل:
- يعم نواف، آني جنت حاضر يوم اعترف ارمضان للسيد عبدالله بالي صار. سيد عبدالله گلو: "گول الصحيح ولك عليا أني اعفي عنك لو اشما سويت"، وضل ارمضان يسولف من نص الليل لي الفجر. ولمن جت العمة خضيرة للحويدة بعدين، تبين أن كلامو كلو طلع چذب يعم نواف. السادة گبل طلابتهم يريدون منك تقرر ارمضان وتنشدو جم سؤال: سيد عبدالله وواليدو حسن وحسين الي نهبهم ارمضان وهما زغار وتربو عند ابن أخوك يكومهم بچتلة ويكعدهم بچتلة، ليش هالامر صار؟ ومن أيمت العرب ياخذون ثارهم من مرا؟ هاي وحدة. 
الثانية: ليش ضل ارمضان بالحويدة مادام كلشي راد يسويه بنفلة بنت اخوك زيد سواه؟ ليش چان ضال بالجرية؟ نريد جواب هالسوالين كبل كلشي.

رد عليه نواف وقال:
- السيد حگو يسأل وحكو يعرف، هسع نجيب ارمضان ونعرف منو كلشي. يابا يعلي، كوم انت واخوتك وروحو لبيت عمي ابراهيم جيبو ارمضان وتعالو.
حين نهضوا قال لهم حمدان:
- ديرو بالكم لاينهزم!
التفت إليه نواف وقال بغضب:
- ينهزم اشلون غير افين حظو؟ يابا يعلي، أگضبو بيدك وجيبو، ما تهدو ابد!

انطلق الشباب إلى مهمتهم، وجلس نواف يتحدث مع ضيوفه ويكرمهم بما تيسر عندهم من خير، وانطلقت أسرته بطبخ العشاء. بعد نصف ساعة، رجع الشباب وهم يمسكون رمضان، وقالوا لأبيهم:
- صحيح راد ينهزم وبالزور گضبناه.
قال له نواف بغضب وكأن كلماته رصاصات تُطلق:
- يول يالخسيس، شمسوي من المصايب؟ ومادام انت مسوي كل هالجيفات ليش ماعلمتنا؟ لمن نشدتك وين چنت، گلت چنت مع ابوية اتاجر! تعال واكعد خل نفتهم منك، أنت اشلون وليش رايح تذبح زيد وآني دفعت ودي ساري لحرمتو وهذايان أبنو صار زلمة وهو ايعرف ابوه انذبح خطلة، ويعرف آني دفعت ورث زيد للمها ودي لساري؟ انت منين طلعت بهل سالفة؟

أجاب رمضان بقوله:
- ابوية ماگبل بالودي ومات وهو يوصيني اذبح زيد، وماهر علمني اشلون اخذ حگي.
رد عليه نواف بغضب قائلاً:
- يول يالخسيس، من ايمت صارو العرب ياخذون ثارهم من بنت الچتال؟ يول يالخسيس، فهمنا انت ليش ماذبحت زيد لو واليدو ورحت على بنتو وسويت بيها الي حت الكفار مايسووه؟ شوف يول، والله أن ما حچيت الصحيح أني لأذبحك بيدي! جاوب الصحيح!

قال الشيخ حمزة:
- آني اريد اعرف أمنين جبت هاي السالفة مال تاخذ ثارك من بنت رجل ذبح عمك وهي متجوزة عند اجناب؟ اني اريد افهم كبل السادة، عبن لاصارت ولاتصير بالدنيا كلها شخص ياخذ ثارو من حرمة. المرا عدنا معززة مكرمة ما يشملها أخذ الثار. ارمضان، منين جبت هالسالفة ولزگتها بالعرب؟ يبو علي، اذا ما وگفنا هالسالفة عد حدها باچر النسوان تنذبح بدم الرجال وهذا أبد مايصير!

تغيرت رائحة المضيف في تلك اللحظة؛ انقطعت أنفاس القهوة والجمر وكل أنفاس الراحة، ولم يبق في الجو إلا رائحة الغضب الخالص، كالبارود حين ينفجر في مكان مغلق. في عرف العرب، تنتهي الخصومات عند عتبة البيت، فالبيت والنساء والأطفال أمور محرمة لا تدنو منها الأسنة ولا ينالها الثأر. كان كلام رمضان ينزل على صدر نواف والشيخ حمزة والرجال كالسخام؛ خسةٌ لا يغسلها الماء ولا يُقرّها العرب. كأن الهواء صار يغلي بدخان الحطب المكتوم، والرجال يتراجعون للخلف لأكتافهم حشرةٌ من الخزي، ليس خوفاً، بل من هول الجريرة التي ألصقها هذا النذل بأعراف القبائل الأصيلة التي تحمي المظلوم وتقتص من الظالم، فإذا بهذا الخسيس يفعل ما لا يمكن لعربي شريف قبوله.

نهض نواف وهو يغلي، ووقف عند رمضان وضربه على رأسه بكفه وقال له:
- أحچي يالعار أحچي الصحيح ونحنا نفگ رگبتگ منهم لخاطر واليدك! احجي!
سكت رمضان مدة ثم قال:
- ماهر گلي اذا ذبحت زيد راح يموت مرة وحدة، وساري عزيز وغالي مايصير تاخذ ثارك بيه بهل رخص. لمن سألتو اشلون أخذ ثاري كون ثار يسوى القهر الي ابوية عاش كل عمرو بيه ومات وهو يفور من القهر؟ گلي: "اني اعلمك على شي تخلي زيد يموت قهر طول عمرو. آني سمعت عمي زيد بأذني يگول: نفلة امبدال عيوني الثنتين"، تدري شنو يعني؟ يعني انت اذا ذبحت نفلة راح تخلي زيد يعيش كل عمرو يبچي عليها مثل أبوك. بس آني لمن رحت للجرية و عرفت بعدين نفلة صاير عدها واليد، رجعت وحچيتلو. گلي وهو فرحان: "عوف نفلة تعيش حياة أمر من الموت". گلتلو: اشلون؟ گلي: "اذا خطفت واليد نفلة وجبتهم ليا نذبحهم هينا، هذا أمر من الموت. انت اخطفهم وجيبهم ليا وآني اذبحهم هينا وأبرد گلبك وهي راح تموت الف موتة جدام ابوها الي راح ايتگلى على جمر هادي". وآني بذاك الوكت چنت زغير، چنت يادوبني سبعطعش سنة وصدگتو، وعلمني اشلون اسوي روحي مجنون، ورحت عالجرية وضليت اراگبهم، وصحيح شفت زيد متخبل على نفلة وواليدها، فصارت نار بگلبي... نار نار ماتنطفي! وبلشت أراگبهم طول اليوم جاعد عالمزبلة گبال بيتهم. والي صار لمن فتت اريد اشيل الطفل واغبيه بعليجتي، گعد وخفت يبچي ويضحني، گلت اذبحو بمچانو أخير وخنگتو وطلعت. وبعدين خطفت التوم ولمن وصلتهم لماهر راد يذبحهم، وتلبت بيهم خضيرة وهي الي أجبرت ماهر يگبل ايربيهم وهو چان مايخلف وگبل يعوفهم... وهاي هية كل السالفة بس!

رد عليه دخيل وقال:
- انت خطفت الواليد گبل تسعطعش سنة وخلصت وما ضلك شي بالجرية، ليش ضليت ومسوي نفسك خبل وتجدي من الناس سنين؟ شنو الي خلاك تضل ولا ذبحت احد ولا سويت شي بهل مدة؟
سكت رمضان.
ضربه نواف وقال له:
- أحچي يالخسيس، رايح تاخذ ثار عمك بدم طفل أبن مرا أبوها ذبح عمك؟! طيح الله حظك، احچي لا أذبحك!
أجاب رمضان بصوت منخفض قائلاً:
- چنت اريد اخطف خديجة وماصارت فرصة ابد. چانت كلما تطلع من البيت أمها تركض وراها الما صارت ١٢ سنة، ورجعت لأهلها وضلت جدتها وراها، ردت بس فرصة حتى... (وسكت).

صرخ به نواف آمراً:
- أحچي كمل كلامك حتى نشوف الخسة لوين وصلت معاك!
فأكمل وقد أنزل رأسه إلى أدنى حد وقال:
- ولمن كبرت خديجة، چنت اريد اكسر شرفها واعوفها وانهزم، وهذا الي خلاني اتاني كل هالسنين بس... بعدين صرت متولع بيها، ردت اخذها وانهزم بيها واتجوزها.

هنا فقد حمدان عقله وكان على وشك أن يهبّ إلى رمضان ليخنقه، لكن دخيل أمسك به وهمس في أذنه:
- برب الكعبة لبرد گلبگ، انت بس طول بالك.
صمت حمدان وهو يغلي؛ كيف لحمدان أن يسمع رجلاً قد فكر بخديجة محبوبة قلبه بهذه الطريقة؟! 

وأردف رمضان وقد بدا عليه التأثر قائلاً:
- لمن عشگت خديجة، صرت أگف بوجه ماهر لمن ايتعدا عالجهال جواد وسليمان، وصرت أحبهم من كثر ما أحب أختهم. لكن الي صار أنو خديجة ماتطلع غير للمي تروح تجيب مي وترد، وهالخسيس حمدان چان عينو عليها مايعوفها حت طرفة عين! آني لو مو حمدان چان گدرت آخذها. فكرت نوبة اگضبها عالمي وارمي روحي بللفرا وأني متلب بيها وانهزم بيها بالمي الما أبعد. فكرت أفوت على بيت أهلها بالليل اخطفها واروح. خديجة صارت كل شغلي وعملي بذيچ الجرية، وكلما تكبر شوية آني اتولع بيها... عشگتها من لمن چان عمرها ثمن سنين، ماچانت مثل البنات الي مثلها، چانت چنها نجمة تلمع! آني ضليت عالمود خديجة، آني عشگتها بجنون... حت أثر رجليها عالگاع چنت الم التراب الي ادوسو واخذو أشمشم بيه بالليل، وهذا السبب الي خلاني أضل. وماهر چان يدري وگلي: "اذا سويتها انطيگ فوگ حگگ من ورث ابوك ورث خضيرة بس بشرط ما أطخها الاتجيبها هينا". بس آني كبرت وچنت اعرف ماهر يريدني اخطفها حتى هو ايتجوزها، وصرت أخاف منو لهل سبب. حت لمن تجوزت ماعلمتو أبد لا وين حرمتي ولا أشگد عندي واليد ولا عمر شافهم، صار عندي يقين اذا جبتلو خديجة راح يذبحني مثلما ذبح سلطان وأبن خضيرة الزغير.

هنا رد عليه دخيل وقال:
- لاتچذب، سلطان مات موت ربو، خضيرة گالت هذا الحچي بنفسها وأبنها اختنگ بالثدي.
رفع رمضان رأسه وقال:
- خضيرة ماتدري، الي ذبح سلطان ماهر!

صُعق نواف ولاحظ الجميع رجفة جسده، وقال وهو يكاد ينفجر:
- وأنت تدري هالچلب ذبح أبن عمك وسكتت؟! ليش... ليش فهمني يول أنت حيوان حيوان؟!
أجاب رمضان بقوله:
- لمن صارت السالفة آني چنت زغير، هو گلي لازم سلطان يموت عبن سلطان چان واعي على ماهر، وچان كلما ماهر يقنع أبوية بشي، چان سلطان يغير راي أبوية، وأبوية چان چثير يحب سلطان وياخذ برايو، وهالشي ماعجب ماهر. آني بنفسي حطيت السم بفنجان الگهوة، وسگيت سلطان السم الي جابو ماهر ليا وعلمني اشلون احطو واشلون اذبحو.

هب نواف واقفاً وهو يضرب كفاً بكف وقال:
- هالسالفة اذا وصلت اخوت سلطان الا يشعلون الديرة! آني مدري شسوي مدري اشلون أحل هالمصيبة!
رد الشيخ حمزة وقال:
- يبو علي، هذا المجرم ذبح طفل السادة غيالة، وأنت اتعرف ودي الغيالة مربعة. والي مثل هالمجرم والله حرام تفگ أرگبتو، سلمو للسادة ياخذون حگهم منو وتكف أدين واليد العم عن الثار، وترى السالفة مادام طلعت راح يدرون بيها أهل سلطان، وآني أشوف تسلمو... أش گلت؟

رد الشيخ محمد أخو الشيخ حمزة وقال:
- الصحيح تسلمونو للشرطة، والشرطة راح يعدموه وهشكل تموت كل الثارات.
هنا انطلق رمضان يتوسل ويقول:
- لاتسويها يبوعلي وتيتم واليدي! السادة عفو عني، وآني والله چنت جاهل ذاك الوكت ويحرم أنچان سويتها أنوب... المجرم الي يستاهل الموت أبن أخوك ماهر!

رد عليه دخيل وقال:
- عشت بالجرية يجي عشرين سنة ولليوم تسميه ماهر؟! هذا مو ماهر، هذا خالد العطا! مافرد يوم سمعت بماهر العطا والله، أنو خوش زلمة وأبن حلال. آني شفتو لمن چان يسمع سيد عبدالله وهو يسولفلو سوالف ابوه مع هيلة الله يرحمها وسوالف خالد مع نفلة وجرايمو مع واليدها، والله وحگ رب الكعبة چان يبچي ويلطم مثل النسوان!

رد حمدان وقال:
- عطا خلف اربع واليد: خالد وماهر وعلي وزيد. وآني وعيت عالدنيا ماشفت خالد عبن انطرد واني عمري يمچن سنة، وربيت مع واليد عطا بجرية وحدة عمري ماشفت منهم شي غلط، والله انهم خوش رجال مستورين. بس عمي عبدالله بعد هالسالفة طردهم، گللهم تردون لهلكم بس عالما تخلص هالسالفة. ويعم نواف، وصاني زيد أگلگ انهم يريدون يردون للديرة أذا ماكو عدكم مانع، وگلي عطا مات وهو يوصيه يرد للديرة.

كان نواف يسمع ودموعه تجري على كل ما حصل، ويلعن عطا في سره؛ فهو أساس البلاء كله.
أما رمضان فقد كان جالساً ولم يعرف كيف يقول إن خالد استغل ثورة الثأر التي كانت تثور في قلبه على زيد، واستطاع بخبثه أن يحول الثأر إلى نفلة التي أهانته وتسببت بطرده من أهله... ثورة اندلعت في قلب رمضان، سرقها خالد وحرفها عن مسارها لينتقم من نفلة.

هنا نهض نواف وقال لأولاده:
- تاخذون هذا الخسيس وتحطوه بغرفة وتغلجون عليه الباب. وأنت يشيخ حمزة، ترد للسادة وتكللهم نحنا كلنا جايين عليهم والي يريدوه يجرالهم وراح نجيب ارمضان للهم، وبعد اسبوعين نحنا يمهم.

وانفض المجلس على هذا الأساس، وتم حبس رمضان في بيت نواف على أساس أن وفد الشيخ حمزة يعود للحويدة في صباح اليوم الثاني. أما نواف، وبعد أن جهز مكان نوم ضيوفه، خرج بعد منتصف الليل واجتمع بكل أبناء عمه في بيت إبراهيم العلي وحكى لهم كل شيء. كان الجميع يسمعون وهم في صدمة.
حينها قال سعد، ذو الأربعة عشر سنة:
- ماتاخذون ابوية معاكم وشيريدون فلوس ننطيهم!
صرخ به نواف قائلاً:
- أنت تنچب! انعل ابوك لأبو البزرك ابوك! بواگ والبواگ مالو ودي، وياريت السادة يگبلون بس بدم أبوگ! يول وديهم مربع، تعرف شنو مربع؟ يعني كل مالكيتنا ماتسد سوالف أبوگ الجايفة!

رد سعد قائلاً:
- يعم نواف، أذا سلمت أبوية والله آني وأخوتي فلا نخلي واحد منكم أو من السادة حي على وجه الگاع! انت من كل عگلگ نعوف أبوية ينذبح؟ والله مانسكت، لربي اخوتي واعلمهم يسوون بالسادة وبيكم الي ماسواه أبوية!

همس محمد أخو هيلة في أذن نواف وقال:
- اسمع، لازم نلگي حل، هالشي لازم مايصير. نريد نخلص من هالسالفة، هاي سبعة واربعين سنة ومافضت!
صمت الجميع ورجع نواف إلى بيته.

أما ما حصل بين دخيل وحمدان حين تمددا في فراشهما في عتمة الليل؛ لم يكن بينهما ضوء سوى أنفاسهما المتسارعة. كان دخيل يستحضر في عتمة الغرفة كل سنوات قطاع الطرق، وفنون الكمائن المخبأة بين الشجر والصخور، والمكر الذي تعلمه في البراري. ينبس بالكلمات بفيحٍ خفيض لا يتعدى شحمة أذن حمدان. كان السكون من حولهما ملغوماً، ورائحة الثأر الحق تضوع في الغرفة أزكى وأشد من أي صلح؛ ثأرٌ لا ينتظر حكماً ولا يرجو عواطف، بل يُؤخذ بسرعة قبل أي مفاوضات وعفو متوقع من السيد عبدالله.

قال حمدان لدخيل هامساً:
- يدخيل، الله لايخليني اذا أخليه! اريد اذبحو... بس اشلون؟
أجابه دخيل:
- اذا مشينا باچر ادعي انك مريض، وآني راح أگول: تعال اوديگ لعاشور، عاشور مو بعيد من هينا كلها يومين ونصل، يعالجك عاشور ونلحگ الشيخ حمزة. واذا كدرنا نفلت من الشيخ نضل بهل محاري ونشوف اشلون نصيدو، حت لو لمن يمشون الشوام للحويدة وياخذوه معاهم مانخليه يصل وهم يعفي عنو سيد عبدالله... نذبحو بالدرب.

وبات الأمر على هذا الاتفاق. 
في اليوم الثاني صحا الجميع على صراخ حمدان، واستطاع دخيل الانسلاخ بحمدان من وفد الشيخ حمزة الذي انطلق للحويدة. أما دخيل وحمدان فقد انطلقا إلى الغربية، وهذا ما رآه الجميع.

***

الفصل الرابع والعشرون

شهيد الحب اليتيم

وصل حمدان ودخيل إلى عاشور عند الغسق.
كان حمدان صامتاً طوال الطريق، يحدق في الأفق كمن يستعيد بذهنه كيفية قتل رمضان. كان كلما استعاد في ذهنه كلمات رمضان: "چنت الم التراب الي ادوس عليه خديجة"، شعر بغصة كبيرة؛ فهو رغم حبه الكبير لم يخطر بباله أن يلم التراب الذي تدوسه خديجة، شعر بحسرة كبيرة ووعد نفسه أنه حين يعود سيجمع التراب من أثر خطاها لا ليشمّه بل ليحتضنه.

طلبا من عاشور طعاماً يكفيهما لأيام، وثياباً سوداء لا تُرى في الليل، وأحذية من مطاط لا يُسمع لها صوت تحت الأقدام.
سأل عاشور:
- أش عدكم؟
أجاب حمدان بصوت جاف كالصخر:
- عدنا چلب أجرب نريد نريح الدنيا من شرو.

بعد أن اشترى عاشور لهم كل حاجتهم وجاء بها إليهم، جلس حمدان يطوي الثياب السوداء بيدين مرتجفتين قليلاً، لكن عينيه كانتا ثابتتين ينظر للفراغ كمن قطع عهداً مع نفسه أن لا تراجع حتى تتم المهمة مهما كانت النتائج.

أخذا كل ما يحتاجانه وانطلقا إلى خربة سويدة. اتخذوا من خربة سويدة مقراً لهم؛ كانت جدرانها المتهالكة تشهد على دم ساري الذي سُفك هناك قبل سبع وأربعين سنة، وكأن وحشة المكان تقول لهم: هنا سفك ابن العم دم ابن عمه لدناءة أخيه وعدم صونه لشرف ابنة عمه الصغيرة.

كانا ينطلقان بعد منتصف الليل، يتسللان كالظلال بين البيوت النائمة، يتوقفان عند كل زاوية، يصغيان لكل نباح كلب أو صرير باب. كانت خطواتهما لا تكاد تُسمع، وأعينهما تتأقلم مع الظلام كما تتأقلم عيون القطط الوحشية. وعند بيت نواف، كانا يلتصقان بالجدار، يسمعان الهمسات، يعدّان الأنفاس، ثم يعودان كالماء ينساب بين الصخور.

وبدأ دخيل يشرح لحمدان طرق التخفي والسير أثناء الانحناء وطرق القفز والمشي بلا أي صوت. وفي ذلك اليوم، ولأول مرة يشعر حمدان أن الدروس تترسخ بذهنه كأنه خُلِق وهو يعرفها؛ كان جسمه يطاوعه كأنه يعرف لأول مرة أن للشجاعة طرقاً خفية لا يعرفها إلا من كان الانتقام يسعر في داخله لتنهض همته بذلك الشكل العنيف.
عرفا موعد الرحيل؛ كانا يجلسان فوق سطح نواف يشاهدان كيف يتم التجهيز للمشي فجراً. نزلا وسبقوهم بمسافة تخفيهم عن أعين قافلة ألبو أعلي، يترصدان حركة القافلة من بعيد.

وحين تنزل القافلة بمكان لينام الرجال به، يقتربان إلى الحد الذي يجعلهما يريان ويسمعان بعض أحاديثهم. عرفا أن نواف قد قيد رمضان بسلاسل من حديد، حين سمعا رمضان يقول لنواف:
- يبو علي، فكني اريد اروح للجول... لي متى تضل رابطني؟
أجاب نواف قائلاً:
- أنت ما تُؤمَن، اخاف تنهزم وتعوفنا نواجه السادة وحدنا. وهم اريدهم يشوفوك وانت مربط بلچي يعفون عنك، وهم بلچي تضل اتذكر هالذل حتى اتوب عن فعايلك الخايسة. هسع اربط الحبل بالزناجيل وامدلك الحبل الا تروح وتگضي حاجتك وترتاح.

همس دخيل في أذن حمدان قائلاً:
- يحمدان، ماكو غير فرصة وحدة لازم مانضيعها، ماضل شي يصلون... عگب باچر يصلون أم الگرون، لازم ننزل عالشاطي. هو راح ينزل للشاطي اذا راد يگضي حاجتو، ونتفرگ بالمكان الجريب منهم، وأي واحد منا يحضى بيه يذبحو.
أجاب حمدان بلهفة قائلاً:
- يخوي يدخيل، اريد اذبحو بيدي بالله عليك! حت اذا گضبتو گبلي ثبتو وانطيني صوت البومة حتى افهم انگ گضبتو.

في تلك الليلة...
نزل رمضان إلى الوادي، رفع ثيابه وجلس، لا يدري أن الموت جلس معه.
كان حمدان يزحف كالفهد، ينقل خطواته بخفة، وكان قلبه يدق كالطبول لا من خوف بل من حرارة اللحظة التي انتظرها طويلاً. حتى أصبح خلف رمضان، شعر به رمضان والتفت، في نفس اللحظة التي قبض فيها حمدان على فم رمضان بقوة الطير الجارح، والخنجر بيده الثانية. لم يرد ذبحه كالخراف، بل غرز الخنجر في عنقه من جهة اليمين حتى خرج من جهة اليسار ودفعه للخارج؛ ذبحه من الداخل للخارج، وهمس في أذنه وهو يشهق:
- حگي وأخذته.

ترك رمضان يسقط على حاجته ككلب مسعور تم ذبحه، وهو يغرغر بدمائه، وعيناه مذهولتان لا تصدقان.
هرب حمدان. وفي هذه اللحظة، حين كان رمضان ينازع وتدحرج، سُحب الحبل الذي كان يمسكه علي ابن نواف، ففكر أن رمضان ربما يحاول الهرب، فسحب الحبل بقوة، لكنه حين شعر بثقله نزل مسرعاً، ولمح جسماً أسود يفر من المكان، فأطلق عليه النار فوراً، وعلى ضوء لمعة الرصاصة أدرك أن هناك شخصاً يهرب ورمضان في مكانه يغرغر بدمائه.
وهبّ الرجال كلهم ونزلوا ليجدوا رمضان وقد سكن، وركض بعض الرجال خلف الشخص الذي أشار إليه علي، لكنهم لم يجدوا أي شيء.

أما حمدان فقد أصابته الرصاصة في مقتل، لكنه استطاع الوصول إلى دخيل الذي حمله على ظهره ودم حمدان يسيل على ظهر دخيل. وحين وصل دخيل إلى الحصانين، وضع حمدان على أحدهما وركب الثاني وفرّ هارباً من المكان.
كان يسمع حمدان وهو يضحك ويضحك ويقول لدخيل:
- ذبحتو ووگع على خ........!
ويضحك حتى فاضت روحه لبارئها.

لم يعد هناك إلا صوت خطوات دخيل، وصوت الليل الذي يتسع كلما ابتعدا عن مكان الجريمة.
حين انقطع صوت حمدان، توقف دخيل ونزل وركض إلى حمدان، وجد وجه حمدان قد تجمد وعلى وجهه ابتسامة عريضة. أنزله دخيل يحاول إسعافه، تلمس جرحه فعرف أن إصابته كانت في ظهره واخترقت صدره، وعرف أنه توفي وانتهى الأمر. وضعه في حضنه وبكى عليه بمرارة، ثم وضعه على الحصان وركب واتجه للحويدة بلا توقف، حتى وصل الحويدة مساء اليوم الثاني وأبلغ عبدالله بكل ما حصل.
وخرج حسن وحسين وزعيتر يحتضنون حمدان ويبكون عليه.

أخذ عبدالله جثمان حمدان وأوصله إلى أبناء عمه وحكى لهم ما حصل، وقال لهم:
- هو ذبح المجرم الي راد يذبحو، چان يطلب ارمضان حگ واخذ حگو. الجماعة راح يصلون باجر لو بعد باجر وراح نشوف شيصير، وودي حمدان آني ادفعو لكم. حمدان مات رجل اشجع من چثير رجال.

وتم تغسيل حمدان ودفنه في تلك الليلة. بكت نفلة عليه بمرارة، بكاء إمرأتين: بكاء الأم، والبكاء على خالة صديقة أمها.
عند الفجر، طلب دخيل أن يرى خديجة ليخبر لماذا قُتل حمدان. وقف أمامها باكياً في فناء بيت أبويها، وحكى لها كل شيء؛ حكى لها عن حب حمدان لها، ذلك الحب الذي أخرجه في جوف الليل من حضن أمه ليرى الموت بأشكال متعددة. كان دخيل يحكي لها وهو يبكي بحرقة جعلتها تبكي هي أيضاً. 
عرفت خديجة يومها أن حب حمدان حماها من يد رمضان، حمدان الذي كان دوماً يقف على بعد مناسب بحجة أنه يسرح بأغنامه، لكنه كان يحميها وهو لا يدري وهي أيضاً لا تدري. في تلك اللحظة فقط أدركت خديجة حجم ذلك الحب الذي كان يغمرها حمدان به عن بعدٍ آمن.

في اليوم الثاني، استأذن دخيل أبَا الحسنين بالرحيل. حاول حسن وحسين أن يقنعاه بالبقاء معهم في القرية، لكنه رفض وأصر على الرحيل، وانطلق عند الظهر إلى جهة لا يعلمها إلا الله.

وانطوت صفحة حمدان من حياة أهل القرية، وبقيت خديجة بعد هذا اليوم سنة كاملة تبكي شاباً أحبها ومات من أجلها، وشاباً أحبته لكنه قرر الابتعاد وفاءً لصديقه الذي أحبه أكثر من أي شيء في الوجود.

وفي نفس ذلك اليوم، وصل وفد البو أعلي. خرج أهل القرية لاستقبال الوفد، واجتمع الناس في ذلك البيت الذي نصبه سادة الحويدة، وانطلقت المباحثات بينهم والتي انتهت بعفو السادة عن حقهم لدى البو أعلي، واعترافهم أن حمدان قتل رمضان الذي كان السبب بقتله سابقاً، لكن الله مد بعمره كي يثأر لنفسه وقد فعل، وأن مقتل حمدان هو ردة فعل طبيعية لهجومه على رجل مقيد يحرسه مجموعة من أهله.
وبعد أيام الضيافة والصلح، أخذ نواف أسرة عطا وأسرة أخيه زيد وعادوا لقريتهم. وسافر حسين وحسن وأبناء عمهم إلى دير الزور لجلب الأمانة التي أودعها خالد عند إبراهيم الديري.

وبعد انقضاء مدة الحداد على حمدان، التي استمرت لسنة كاملة؛ ذهب حسن وحسين وعمهم سعيد وعبد الرحمن إلى عاشور، خطبوا ابنتَه لعبد الرحمن وجاؤوا بها لبيت عبدالله، حيث تم زفاف جواد وعبد الرحمن في يوم واحد.

وفي ذلك الصيف من العام ١٩٦٤، رجع دخيل إليهم وقد داوى النسيان جرح فقدان حمدان، وتقدم لخديجة وخطبها وهو يقول: "لخاطر حمدان اريد أخذها حتى اعزها واكرمها ويرتاح حمدان بگبرو". وتم خطبة إحدى بنات السادة لحسن.

مضت الأيام كالنهر، تحمل معها الحلو والمر، تترك الذكريات كحصى على ضفافه. تزوج حسن ودخيل وخديجة وعبد الرحمن، وامتلأ بيت عبدالله بالأطفال والضحكات. لكنهم كلما نظروا إلى النهر، تذكروا شاباً وقف هناك، يحرس حبه من بعيد، حتى كبر في عيونهم أكثر من أي حب رآه العالم.

وانطوت تلك الصفحة، كما تنطوي الليلة على نهارها، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، سبحانه مقدّر الأقدار.



انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

تعليقات