رواية مدمر بعشقك الفصل الثالث والعشرون
بعد أن ذهب عصام وترك فوزي، ركب سيارته التي كانت تقف خارج النادي الليلي الذي كان يجلس بداخله مع صديقه فوزي، وجلس في مقعد السائق وقام بتشغيل السيارة، وهو لا يرى أمامه من شدة غضبه، وطول الوقت كان يتمتم بكلمات غير مفهومة. كان يقود السيارة بأقصى سرعة، وكانت الساعة العاشرة والنصف مساءً، وكان الطريق هادئًا، لا يوجد عليه الكثير من السيارات، وكان عصام يتحدث إلى نفسه وهو يلهث من الغضب الذي قادر أن يحرق كل نقطة دماء توجد في عروقه..
_ماشي يا ست كنوز، والله ما هسيبك غير لما آخذ منك اللي أنا عاوزه وأدمرك وأدمر حياتك، وده وعد من عصام اللي مش هيرحمك.
يظل يتمتم بالكلمات غير المفهومة إلى حين يوقف سيارته أمام منزل صغير جدًا، في مكان يعتبر مجهولًا، ولا يوجد فيه أكثر من عشر منازل، يظهر الشقاء والفقر عليهم. يدخل عصام إلى ذلك المنزل، وعندما يدخل يجد رجلًا مسنًا يظهر أنه في السبعينات من عمره، يوجد أمامه طاولة خشبية متهالكة، لكنها ما زالت تستطيع العمل، يوجد عليها مجسم على هيئة بشري من طين، ويظهر أن ذلك الرجل صانع تماثيل. يحدق عصام في وجه ذلك الرجل الذي لم ينتبه إلى وجوده من الأساس، ثم أردف قائلًا بصوت عالٍ من أجل أن يسمعه ذلك المسن:
_عمي سعد.
ينتبه سعد أن هناك أحدًا داخل منزله وينادي عليه، فيرفع رأسه بحذر شديد، خوفًا أن تتحطم عظام عنقه الخشبية التي يصيبها التهالك من تقدمه في العمر. ينظر إلى مصدر الصوت، وأردف قائلًا بصوت ضعيف، ولا يقدر لسانه على حمل الكلمات، وحنجرته تتقاطع، كما لو كانت تأخذ استراحة بين الأحرف..
_معلش يا ولدي، أنت مين؟
يتنفس عصام بضيق، وأردف قائلًا بصوت عالٍ..
_أنا عصام يا عمي سعد، عصام، ابن سالم اللي كنت بتشتغل عنده من زمان.
ينظر إليه سعد بتفكير، وأردف قائلًا:
_أيوه أيوه، أنت ابن سالم باشا، صح صح. تعالى يا ابني، لا مؤخذة كبرنا وراحت علينا
يتقدم عصام ويخرج منديلًا أبيض من جيبه، ويقوم بتنظيف المقعد قبل أن يجلس عليه، وأردف قائلًا:
_ولا يهمك يا عمي سعد، المهم أنت عامل إيه يا راجل يا طيب؟
يجيب سعد قائلًا:
_الحمد لله بخير يا ولدي، أنت عامل إيه، وأبوك عامل إيه؟
يحدق عصام في وجه ذلك المسن، وأردف قائلًا بذهول..
_أبوي مين؟! يا عمي سعد، أنا أبوي ميت من عشر سنين، عقبال عندك.
ينظر إليه سعد بتفكير، لكنه لم يسمع الجملة الأخيرة التي تفوه بها عصام، وأردف قائلًا:
_معلش يا ابني، لا مؤخذة، نسيت. المهم، أنت إيه اللي فكرك بينا بعد السنين دي كلها؟
يرد عصام بدهشة، وهو يحدق في وجه سعد بعين متسعة..
_استغفر الله العظيم يا رب، سنين إيه يا عم الحاج؟ ده أنا كنت لسه عندك أول إمبارح. أفتكر كده لما قلت لي إنك اشتقت للحجة زينات، افتكرت.
يجيب عليه سعد قائلًا:
_أيوه أيوه، افتكرت، لا مؤخذة يا ابني.
يرد عصام قائلًا:
_ماشي، انسى، وخلينا في المهم. عاوزك تركز كده وتفهم أنا عاوز إيه منك.
يرد على سعد قائلًا، وهو يحاول ألا ينام..
_خير يا ولدي، أؤمر.
يرد عصام وهو ينظر إلى سعد بضيق، ثم يخرج الهاتف من جيبه ويضعه أمام عين سعد، وأردف قائلًا:
_شايف الصورة دي يا عمي سعد؟ أنا عاوزك تعمل لي قناع يكون زي اللي في الصورة ده بالظبط.
يحدق سعد إلى شاشة الهاتف، بينما أخذ الهاتف من يد عصام وقربه من عيناه أكثر، وأردف قائلًا بتساؤل..
_ليه يا ابني عاوز قناع للجدع ده؟
يجيب عصام بشرود وصوت واطي..
_علشان عاوز أربيهم وأعلمه الأدب وأعرفه مين عصام، وأعرفهم إن عصام لما يعوز حاجة هو بياخدها، لو انهدت السما على الأرض.
❈-❈-❈
"عند فوزي"
ما زال يجلس مكان ما تركه عصام، يجلس بمفرده يحتسي الخمر كأسًا وراء كأس، ولم يعد يستوعب ما يحدث من حوله من كتر ما احتسى الخمر. وفجأة يرن الهاتف الذي يوجد أعلى الطاولة، يعلن عن وصول اتصال من أحد رجاله. يطاطي على الطاولة من أجل أن يحمل الهاتف، وهو يترنح بجسده يمينًا ويسارًا، وعندما حمل الهاتف بعد أكثر من محاولة، أردف قائلًا وهو لا يستوعب ما يتفوه به:
_ألوووو، مين معايا يا جميل؟
"في الجانب الآخر"
يقف أحد رجال فوزي أمام منزل محروس وزوجته ميرفت، يحمل الهاتف في يديه، وعندما يسمع ما تفوه به فوزي، يبعد الهاتف عن أذنه قليلًا، من أجل أن يتأكد أن سيده هو الذي يجيب على الهاتف. وعندما تأكد أنه طلب رقم سيدي صحيح، وسيده هو الذي يجيب على الهاتف، أردف قائلًا:
_أستاذ فوزي، محروس ومراته هربوا من البيت.
يجيب فوزي قائلًا وهو لم يستوعب شيئًا..
_مين محروس ومراته ده يا عم أنت؟ أنا مش أعرف حد بالاسم ده! أنت تعرف هم مين؟
"في الجانب الآخر"
يجيب الشخص وهو يحدق إلى شاشة الهاتف بغضب، وأردف قائلًا بنفاذ صبر..
_يا أستاذ فوزي، بقولك محروس ومراته هربوا من البيت، وحضرتك تقول لي محروس ومراته مين؟ محروس صاحب بيت الدعارة يا باشا.
❈-❈-❈
في منزل جورج، بعد أن تناول الجميع العشاء، ذهب جورج إلى جناحه الخاص، وذهبت كنوز وأخواتها إلى جناحها، وكان كل من جاسر ومراد جالسين في الحديقة، جالسين على مقاعد خشبية تحت ضوء القمر، بينما يبتسم جاسر ابتسامة جذابة تنير وجهه كبدر، وهو يتذكر كيف كانت تضحك كنوز، التي لأول مرة يراها تضحك هكذا. رآها من أول مرة وهي حزينة دائمًا، عابسة، ولم يرها تضحك من قبل، والسعادة غمرت من رأى حبيبته سعيدة وتضحك هكذا.
بينما كان مراد جالسًا يقلب في هاتفه دون هدف، وبعد دقائق شعر بالملل من الهاتف، فأغلقه ونظر إلى صديقه الذي يبتسم دون سبب مثل طفل رضيع لأول مرة يبتسم للحياة. يشعر مراد بسعادة تغمر قلبه من رؤية صديق عمره مبتسمًا، والسعادة تنير وجهه بهذا الشكل، وأردف قائلًا بمشاكسة، والسعادة تنير وجهه من أجل صديقه:
_يا سلام على الحب والناس اللي بتحب، واللي قاعدين يضحكوا مع نفسهم! طيب ما تضحكنا معاك يا عم الحبيب بدل ما إحنا قاعدين زهقانين كده.
ينتبه جاسر إلى مصدر صوت مراد، ينظر له، ولم تختفِ ابتسامته، بل ازدادت مع كلمات صديقه التي زادت سعادته، وأردف قائلًا بهدوء وهو ما زال مبتسمًا، ولم يستطع أن يخفي هذه الابتسامة التي تخرج من أعماق قلبه..
_الحب جميل أوي يا مراد، عقبال يارب لما ربنا يبعت لك بنت الحلال اللي تخليك تحبها وتسيطر على قلبك وعقلك، وتخليك أسعد إنسان في العالم. أنا مش مصدق إن خلاص كنوز من بكرة هتكون مراتي، وهتكون ملكي أنا وبس.
يحدق مراد إلى جاسر وهو يبتسم مثل صديقه، وأردف قائلًا بحب صادق يكنه في قلبه إلى صديق عمره الذي لا يسعد إلا من بعد سعادته، ولا راحة له إلا من بعد أن يراه سعيدًا ومرتاحًا في حياته..
_طيب يا خويا، الله يسعدك، وعقبال ما ربنا يعطف علينا ونحب زيك كده، ونضحك زي المجانين مع نفسنا. بس قولي، هتكتب كتب الكتاب إزاي؟
يحدق إليه جاسر وهو يقبض حاجبيه باستفهام، وأردف قائلًا:
_هو إيه اللي هنكتب كتب الكتاب إزاي؟ مش فاهم!؟
يجيب عليه مراد وهو يريح جسده على المقعد الذي يجلس عليه، وأردف قائلًا:
_قصدي يعني هتكتب إزاي؟ وأنت مسلم وأبوك مسيحي أمريكاني، مش مصري كمان.
يجيب جاسر قائلًا دون تفكير:
_هتجوز على الشريعة الإسلامية طبعًا، على سنة الله ورسوله، بس تعرف حاجة يا مراد؟ نفسي أوي جورج يستسلم ويدخل في دين الإسلام، والسعادة تدخل قلبه والنور يملأ حياته ويقرب من ربنا، ويسيب طريق الشر اللي هو ماشي فيه ده.
يضحك مراد بخفة دم، وأردف قائلًا:
_جورج يستسلم؟ ده من سابع المستحيلات إن جورج يفكر بس مجرد تفكير في كده، وكمان عايزه يسيب شغله؟ أنت أكيد عقلك ضحك عليك وخدك لبعيد.
يرد جاسر بغيظ قائلًا، وهو ينهض من على مقعده:
_يا خفة دمك يا خويا، ما فيش حاجة بعيد على ربنا. يلا تصبح على خير، داخل أنام. سلام عليكم.
ينظر مراد إلى أثر جاسر الذي ذهب دون أن يسمع رد صديقه عليه، وأردف قائلًا بشرود وهو يتخيل إذا حدث ما قاله جاسر منذ قليل، كيف سوف يصبح طباع جورج في المستقبل..
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بينما كان يجلس مراد شارد الذهن، تأتي جومانه، مديرة الخدم في القصر، التي أردفت قائلة بكبرياء:
_مستر مراد، إن السيد يريدك، أن تذهب إليه على الفور.
لكن كان مراد غارقًا في جمال عينيها، وأردف قائلًا بتوهان:
_يا جمالك وجمال السيد، وجمال عيونك اللي يخطفوا القلب دول.
تقبض جومانه حاجبيها بضيق، وأردفت قائلة بحنق:
_ما الذي تقوله مستر مراد؟ إنني لا أعرف اللهجة المصرية العامية.
وفي هذه اللحظة ينتبه مراد ويرجع إليه رشده، وأردف قائلًا وهو يحمحم بإحراج:
_إنني أعتذر منك آنستي، لم أقصد ذلك، لكن ماذا كنتِ تريدين؟
تجيب جومانه قائلة بهدوء:
_لا عليك مستر مراد، لقد أتيت من أجل أن أخبرك أن السيد جورج ينتظرك في جناحه، يريد أن تذهب إليه على الفور.
يحدق إليها مراد، وعلامات الخوف والتوتر ظهرت على ملامح وجهه، وأردف قائلًا بتساؤل:
_ماذا؟! السيد يريدني؟ لماذا؟ هل فعلت شيئًا أزعجه مني؟
تنظر جومانه بعينيها إلى الأسفل، وهي تضع يديها بشكل لائق أسفل أنفها، وأردفت قائلة، وهي تحاول أن تخفي ضحكتها التي ظهرت على نغرزها بسبب انفعال مراد وتوتره دون سبب:
_لا عليك مستر مراد، لا تخاف، إن السيد ليس غاضبًا منك.
يحدق إليها مراد بإعجاب كبير من جمال ضحكتها، وأردف قائلًا وهو يبتسم بغباء:
_آنسة جومانه، هل من الممكن أن أطرح عليكِ سؤالًا، لكن أتمنى أن لا تفهميني بشكل خاطئ؟
تنظر إليه جومانه باستفهام، وأردفت قائلة:
_ماذا هناك مستر مراد؟ يمكنك أن تسأل ما شئت، لا عليك.
يجيب مراد قائلًا، وهو يحك مؤخرة رأسه بخجل:
_كنت أريد أن أسألك عن شيء خاص بكِ أنتِ، هل هذا من الممكن؟
تشعر جومانه بالاستغراب قليلًا، وقبضت حاجبيها باستفهام، وأردفت قائلة:
_حسنًا، يمكنك أن تسأل كما تريد، لكن.. إن لم يعجبني سؤالك لن أجيب عنه، اتفقنا؟
يجيب مراد بتوتر، وهو يحاول ألا ينظر إلى جومانه كثيرًا، وأردف قائلًا دون مقدمة:
_هل أنتِ مرتبطة بأحد، آنسة جومانه؟
تنظر له جومانه بدهشة من سؤاله غير المتوقع، لكن سرعان ما تخفي دهشتها وتضع قناع البرود، وأردفت قائلة بغرور:
_لقد اتفقنا مسبقًا أنه إذا لم يعجبني سؤالك لن أجيب عنه، وهيا تقدم معي، إن السيد ينتظرك في جناحه الخاص، ولا نريد أن نغضب السيد جورج بسبب هذه التفاهات.
ثم تدير وجهها إلى الجهة الأخرى وتتقدم في سيرها، دون أن تسمع ما الذي سوف يجيب به مراد، بينما كان يقف مراد وهو يحدق إلى أثر جومانه بإعجاب، وأردف قائلًا بتحدٍ:
_ماشي يا ست جومانه، لما نشوف لحد إمتى هتفضلي حاطة مناخيرك في السما كدا
في الجناح الذي توجد فيه كنوز، تجلس كنوز على أحد المقاعد التي توجد في الشرفة في جناحها الخاص، وهي تحدق إلى القمر، وابتسامة واسعة تنير وجهها من شدة سعادة قلبها. وبينما تجلس هكذا وهي لا تشعر بشيء، يأتي ذلك العاشق المجنون الذي أتى إلى جناحها عن طريق النافذة، فبحث عنها في الجناح ولم يجدها نائمة بجوار أخواتها النائمات، فذهب اتجاه الشرفة، وعلم أنها تجلس خارج الجناح عن طريق الباب الزجاجي المفتوح والستائر التي تحلق في الهواء مع نسمة رياح الليل.
يتقدم ذلك العاشق اتجاه الشرفة، وكلما تقدم أكثر من الشرفة يغلق عينيه مستمتعًا بنسيم عطرها المميز، والذي يميزها عن جميع الفتيات في عمرها. وعندما يصل إلى المكان المحدد، يقف للحظات وهو يحدق إلى هذه التي تجلس بمفردها تحت سجادة السماء السوداء في منتصف الليل، تنظر إليها بعمق كما لو كانت تعد نجومها بانتباه، وضوء القمر ينعكس عليها، وخصلة شعرها التي كانت تتراقص في الهواء زادتها جمالًا فوق جمالها.
ولم تنتبه هذه الحورية إلى ذلك العاشق الذي يراقبها بعمق وانبهارًا بجمالها، غير من مصدر صوته عندما أردف قائلًا:
_يا سبحان من خلقكِ، يا جميلتي، يا أجمل من البدر وأجمل من بنات الدنيا كلها. خطفتِ قلبي وعقلي وروحي وأنفاسي بجمالك اللي مالوش أول من آخر، ولا نهاية ولا مثيل. بحبك أوي يا كنوز.
تنتبه كنوز إلى مصدر ذلك الصوت الذي تشتاق إلى سماعه طول الوقت، وهي تحدق إلى جاسر الذي يقف وهو يسند ظهره على حافة الباب الزجاجي، وهو يضع قدمًا على قدم، ويضع يده في جيب سرواله، ويرسم ابتسامة واسعة على خديه، وأردفت قائلة بدهشة:
_جاسر، أنت بتعمل إيه هنا؟!
