رواية ما استردة القلب الفصل السادس والعشرون بقلم ريهام ناجي
بعد مرور أسبوع...
لأول مرة من شهور...
صحيت وأنا حاسة إن قلبي خفيف،
مفيش خوف... مفيش محاكم... مفيش أخبار صادمة... مفيش هموم،
ولا حد مستني يكسرني.
فتحت عيني... وبصيت للشباك،
الشمس كانت داخلة أوضتي بهدوء، وكأنها هي كمان بتقولي...
"خلاص... الحزن خلص، والفرح بدأ."
ابتسمت من غير ما أحس،
النهاردة...
مش رايحة أدور على شغل جديد،
ولا رايحة أواجه سليم،
ولا رايحة أدافع عن نفسي.
النهاردة...
فرحي،
اتعدلت في السرير... وأول ما استوعبت الكلمة... ضحكت.
_أنا... هتجوز!
في نفس اللحظة...
اتفتح باب الأوضة فجأة،
ودخلت سارة وهي شايلة فستان الفرح، ووراها ماما.
أول ما شافتني قاعدة...
حطت إيديها في وسطها.
_بسم الله الرحمن الرحيم!
بصيتلها باستغراب.
_في إيه؟
ضحكت.
_الناس كلها برة بتجري...
والعروسة قاعدة هنا سرحانة!
ضحكت وأنا بقوم من مكاني.
_كنت بفكر بس.
قربت ماما... ومسكت وشي بين إيديها،
وبصتلي نفس البصة اللي كانت بتبصهالي وأنا صغيرة.
_ما شاء الله...
عينها دمعت.
_كأن باباكِ الله يرحمه لسه شايلك على كتفه امبارح.
أول ما جابت سيرة بابا...
دموعي لمعت،
لكن المرة دي...
مكنتش دموع وجع،
كانت دموع رضا،
حضنتها بهدوء.
_كان نفسي يكون موجود.
ربتت على ضهري.
_هو موجود،
بدعواته... وفي فرحتك دي.
ابتسمت وسط دموعي،
ودخلت الميكب ارتيست بعدها بدقايق...
وبدأت تجهزني، بعد ما اتفقت مع يونس إن كل حاجة هتم في الڤيلا هنا... في بيت بابا، لإني حابة أخرج منه عروسة،
على الأقل حاجة تصبرني على عدم وجود بابا معايا في يوم زي دا.
كل خصلة شعر كانت بتتثبت...
كنت بحس إن مرحلة كاملة من حياتي... بتتقفل.
وسارة...كالعادة...
مكنتش ساكتة ثانية واحدة.
_بصي يا رُهام...
أول ما يونس يشوفك... لازم هيغمى عليه.
ضحكت بقلة حيلة منها.
_ليه يعني؟
رفعت كتفها.
_من جمالك.
بصتلها بغيظ مصطنع.
_بطلي مبالغة.
ضحكت.
_طيب...
هيغمى عليه من إنه أخيرًا هيبطل يقول "خطيبتي".
ضحكت أنا وماما،
وبعد حوالي ساعة...
وقفت قدام المراية،
ولأول مرة...
شوفت نفسي بفستان الفرح،
فضلت باصة لانعكاسي...
مش مصدقة،
دي أنا؟
البنت اللي من كام شهر... كانت بتلف على المحاكم... وبتستخبى من الصحافة... وبتحارب عشان ترجع حق باباها...
بقت النهاردة...عروسة.
ابتسمت...
وهمست لنفسي:
_الحمد لله.
وفي نفس اللحظة...
رن موبايلي،
بصيت للشاشة...
واتسعت ابتسامتي،
بصتلي سارة بخبث.
_ردي... أكيد هيقولك إنه مش قادر يستنى بقى.
ضحكت...
وضغطت على زر الرد، بعد ما الكل خرج من الأوضة:
_ألو؟
جالي صوته...
هادي...
لكن واضح جدًا إنه بيحاول يخبي توتره.
_جاهزة؟
ابتسمت وأنا ببص لنفسي في المراية.
_تقريبًا.
سكت ثانية...
وبعدين قال:
_أنا لأ.
ضحكت.
_ليه؟
اتنهد.
_حاسس إني أول مرة هدخل ميتينج في حياتي.
ضحكت أكتر.
_هو إحنا رايحين نوقّع صفقة ولا أيه يا يونس؟!
رد بسرعة:
_أهم صفقة في حياتي والله.
ابتسمت من قلبي...
لأن لأول مرة،
كلمة "صفقة"... كانت معناها...
الحب.
ـــــــــــــ
بدأت الموسيقى الهادية تعلى...
وكل العيون اتلفت ناحية باب الفيلا.
وقفت رُهام... فستانها الأبيض بينور تحت الإضاءة،
وعيونها كانت مليانة دموع بتحاول تخبيها.
مسكت مامتها إيديها... وباستها من جبينها.
_ربنا يسعدك يا حبيبة قلبي.
حضنتها رُهام بقوة.
_ادعيلي يا ماما.
ابتسمت وسط دموعها.
_دعيالك من يوم ما اتولدتي.
وفي اللحظة دي...
قرب والد يونس منها بهدوء،
وقف قدامها لحظة... وبص لها بنفس الحنان اللي كان بيبص بيه لابنه،
مد إيده.
_تسمحيلي؟
بصتله رُهام باستغراب... لكنها حطت إيدها في إيده،
ابتسم وقال بصوت واطي، يسمعه هو وهي بس:
_والدك مش موجود النهاردة... لكن أوعدك...
إنك من النهاردة بنتي أنا كمان.
اتكسرت آخر مقاومة عندها...
وامتلأت عيونها بالدموع،
وهمست بصعوبة:
_شكرًا... يا عمو.
ابتسم وهز رأسه.
_من النهاردة... مفيش " عمو"،
فيه بابا.
انهمرت دموعها... ومشت معاه بخطوات بطيئة وسط تصفيق الحضور،
وعلى آخر الممر...
كان يونس واقف،
أول ما شافها... نسي كل الناس اللي حواليه،
فضل يبصلها... وكأن الزمن كله وقف،
وصل والد يونس قدامه... ومسك إيد رُهام...
وحطها في إيده.
وبص ليونس بجدية ممزوجة بابتسامة.
_أمانة في رقبتك.
شد يونس على إيدها بهدوء.
_والله... هتفضل أمانة العمر كله.
ابتسم والده... وربت على كتفه.
_وأنا متأكد.
ابتعد خطوتين...
وسابهم واقفين قدام بعض،
كانت رُهام بتبص ليونس وبتضحك وسط دموعها،
ابتسم لها وقال بصوت خافت:
_إيه؟
هزت رأسها.
_ولا حاجة...
بس... أنا أخيرًا وصلت.
ابتسم... ورفع إيدها يقبلها برفق.
_وأنا... أخيرًا لقيت بيتي.
وبدأت مراسم عقد القران... بين دعوات الحضور...
ودموع الفرح... وبداية حياة جديدة... كان عنوانها...
السكينة.
ــــــــــ
ما إن قال المأذون:
_بارك الله لكما... وبارك عليكما... وجمع بينكما في خير.
للحظة... مسمعتش أي حاجة بعدها،
لا تصفيق... ولا زغاريد... ولا صوت الناس،
كل اللي كنت شايفه... كان هي،
مراتي،
الكلمة عدت في دماغي أكتر من مرة،
مراتي.
ابتسمت من غير ما أحس...
ولقيتها باصة ليا بنفس الذهول،
واضح إنها هي كمان... لسه بتحاول تستوعب.
قربت منها خطوة...
وهمست:
_السلام عليكم يا... مراتي.
ضحكت وهي بتحاول تداري وشها.
_وعليكم السلام يا زوجي.
هزيت راسي باعتراض.
_لأ...
رفعت حاجبها.
_لأ إيه؟
ابتسمت.
_حاسس إنك لازم تعيديها تاني.
ضحكت وهي بتهز راسها.
_ليه بقى؟
_عشان أول مرة أسمعها منك...
عايز أحفظها كويس.
بصتلي ثواني...
وبعدين قالت وهي مبتسمة:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... يا زوجي العزيز.
والله... لو حد ساعتها اداني الدنيا كلها...
مكنتش هتفرحني قد الكلمتين دول،
ضحكت من قلبي.
_أيوه كده... هو ده الكلام.
ضربتني بخفة في دراعي.
_الناس كلها بتبص علينا.
بصيت حواليا للحظة...
وبعدين رجعت أبصلها.
_خليهم يبصوا...
أنا مستني اللحظة دي من زمان.
ابتسمت وهي بتحرك راسها بقلة حيلة.
_أنت مستحيل تبطل تحرجني.
قربت منها شوية...
قولت بصوت واطي:
_تعرفي أنا فرحان بإيه؟
هزت راسها بالنفي.
_إني لأول مرة... مش خايف.
بصتلي باستغراب،
كملت وأنا ماسك إيدها.
_طول الفترة اللي فاتت... كنت كل يوم بصحى خايف،
خايف حد يأذيكي... أو يكسرك... أو ياخدك مني.
ابتسمت لها.
_النهاردة... وأنتِ واقفة قدامي...
عرفت إن كل ده انتهى.
سكت لحظة...
وبعدين قولت وأنا ببص في عينيها:
_النهاردة... ابتدت حياتنا.
ضغطت على إيدي برفق...
وقالت وهي دموعها بتلمع:
_والمرة دي... هنعيشها سوا.
ابتسمت...
_وآخرها إيه؟
ضحكت.
_آخرها...
بيت.
هزيت راسي.
_لأ.
بصتلي باستغراب.
_أمال إيه؟
ابتسمت وأنا بشاور على قلبها.
_آخرها... سكينة.
ابتسمت... وساعتها بس حسيت إن كل المعارك اللي خضتها...
كانت تستاهل،
لأن النهاية... كانت هي.
_أنا بحبك أوي يا يونس.
قربت منها وحضنتها لأول مرة:
_وأنا بموت فيكِ يا عيون يونس.
ـــــــــــــ
بعد مرور خمس سنوات
قاعدة في مكتبي في شركة بابا بعد ما بقيت أنا المالكة الأساسية،
ومديرة مجلس إدارة الشركة، وقدرت في خلال خمس سنين أعلى بالشركة لفوق، لدرجة إني بقيت أكسب صفقات وأخسر يونس العزازي!
وأنا مندمجة في الشغل اللي قدامي،
لقيت اللي بيتحدف عليا وبيخبط في دماغي،
وقع النضارة من على عيني.
غمضت عيني بعصبية، وأنا بحاول أكتمها وأهدي نفسي، ولكني مقدرتش أكتر من كدا، ففتحت عيني بعصبية ولسه هزعق، لقيت صوتي انكتم جوايا لما شوفت الوجوه البريئة اللي واقفة قدامي، وبتبصلي بكل براءة.
اتنهدت بقلة حيلة بعد ما عصبيتي اتبخرت،
لإني مقدرتش أصمد قدام الحلاوة دي كلها بصراحة.
_إحنا آسفين يا مامي.
قالوها في صوت واحد.
ياسين ويوسف...
التوأم المشاغب اللي محدش في الدنيا يقدر يطلعني عن شعوري غيرهم.
بصيت للأرض...
كانت العربية الصغيرة اللي كانوا بيلعبوا بيها واقعة جنب رجلي، وهي اللي كانت سبب الضربة اللي خبطتني في دماغي.
شيلت النضارة من على الأرض،
ولبستها تاني، وبعدين عقدت دراعاتي.
_مين اللي رمى العربية؟
بصوا لبعض بسرعة،
ويوسف رفع صباعه على أخوه.
_هو.
فتح ياسين بقه بصدمة.
_كداب، هو اللي زقني.
رفعت حاجبي.
_آه... بدأنا التحقيقات.
قرب يوسف مني بخطوات صغيرة،
وحط إيده على رجلي.
_بس والله يا مامي... مقصدناش.
وفي نفس اللحظة...
طلع ياسين شوكولاتة صغيرة من جيبه، ومدهالي.
_دي عشان متزعقيش.
بصيت للشوكولاتة... وبعدين بصيتله.
_أنت بترشيني يا ابن يونس؟
هز كتفه بمنتهى البراءة.
_بابي بيقول إن الشوكولاتة بتحل أي مشكلة.
ضحكت غصب عني.
_أبوك؟!
في اللحظة دي... اتفتح باب المكتب،
ودخل يونس، وهو شايل شنط بإيد، وكوباية قهوة في الإيد التانية.
أول ما شافني وأنا ماسكة الشوكولاتة،
والولدين واقفين قدامي، ابتسم ابتسامة عريضة.
_واضح إن المحكمة انعقدت بدري النهاردة.
بصيتله بغيظ.
_اسأل ولادك عملوا إيه.
بص للتوأم.
_عملتوا إيه؟
ردوا في نفس اللحظة:
_ولا حاجة.
ضحك.
_يبقى أكيد عملتوا مصيبة.
رفع ياسين إيده بسرعة.
_بابي... مامي هي اللي زعلت من العربية.
بصلي يونس،
وبعدين انفجر في الضحك.
_عربية؟
شاورتله على العربية اللي على الأرض.
_دي كانت طايرة حرفيًا...
وخبطتني في دماغي.
قرب مني وهو بيضحك.
_سلامة دماغك يا مدام العزازي، يا رئيسة مجلس الإدارة.
ضيقت عيني.
_مش مضحك خالص على فكرة.
ميل عليا شوية وقال بصوت واطي:
_بالعكس... دي أول مرة شركة العزازي تكسب شركة الخولي.
بصيتله بعدم استيعاب.
_إيه العلاقة؟
ضحك وهو بيشاور على الولدين.
_إحنا مصدر الإزعاج الرسمي لشركتك.
هزيت راسي وأنا بضحك.
_ولادك دول هيفلسوني،
مبعرفش أشتغل منهم ساعة على بعضها، كل شوية بمصيبة شكل.
رد بثقة وهو فاتح دراعاته للتوأم:
_مستحيل... دول هيبقوا أعضاء مجلس الإدارة الجداد،
لشركة العزازي.
جري ياسين ويوسف عليه في نفس اللحظة.
_بجد يا بابي؟
ضحك وهو شايل واحد على كل دراع.
_بجد... بس الأول تتعلموا متحدفوش عربيات
على رئيسة مجلس إدارة الخولي، أصل تفلسكم.
رد يوسف ببراءة:
_خلاص... المرة الجاية هنحدفها على حضرتك.
انفجرنا كلنا في الضحك...
وقتها بصيت حواليا...
على مكتب بابا... وعلى الشركة اللي رجعت باسمه...
وعلى الراجل اللي وعدني يوم:
"إنه هيفضل معايا،
ويساندني في الصغيرة قبل الكبيرة."
ووفى بوعده.
وبصيت على الولدين اللي ملوا المكان حياة...
ابتسمت، وحمدت ربنا في سري،
وأدركت أخيرًا... أني مستردتش حق بابا بس...
بل استرديت حياة كاملة... كنت فاكرة في يوم أنها مش هتكون من نصيبي.
في اللحظة دي...
دخلت السكرتيرة وهي شايلة ظرف أنيق.
_دي النسخة الأولى من روايتك الجديدة يا فندم...
لسه واصلة من دار النشر.
بصيت للظرف بفرحة... وفتحته بهدوء،
وأول ما وقع بصري على الغلاف... ابتسمت.
مررت أصابعي عليه بحنان... وكأنه مش مجرد كتاب...
وكأنه عمر كامل اتحول لصفحات.
رفع يونس عينه من على الولاد اللي بيلعبوا قدامه،
وقرب مني.
_وصلت؟
هزيت راسي بابتسامة.
_وصلت.
أخد النسخة من إيدي، واتأمل الغلاف للحظات... وبعدين ابتسم،
كان العنوان مكتوب بخط بارز:
"ما استرده القلب"
بصلي وهو بيبتسم.
_لسه شايفة إنه الاسم المناسب؟
رفعت عيني ليه...
_هو الاسم الوحيد اللي كان ينفع،
لأن اللي استرديته... مكنش شركة بابا بس، ولا حقي،
ولا اسمي،
استرديت الأمان... والحب... والسكينة...
واسترديت... قلبي.
ابتسم يونس... ومد إيده يمسك إيدي كعادته،
وخرجنا سوا من المكتب مع ولادنا... وورانا كانت الشمس بتغمر المكان بنورها.
وأدركت...
أن بعض الانتصارات... لا تعيد إلينا ما سُرق منا فقط...
بل تعيد إلينا أنفسنا.
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
