رواية اميرة الزين الفصل السادس والعشرون
نورا: خلاص يا أمي، أميرة بس مش متعودة على عيشتنا، لكن بفضل الله هترجع، أصل معدنها أصيل وطيبة.
حليمة: أنا ماليش صالح، أهم حاجة واد المرحوم. آه يا ضي العين يا زين.
نورا: يا أمه حرام عليكي، كفاية عَديد.
حليمة: مستكترة على أخوكي حزني عليه؟
نورا: لا يا أمي، أخويا يتحزن عليه العمر كله، لكن كده حرام. قومي صلي ركعتين لله.
---
أما في جناح أميرة، فكانت أميرة مستلقية على سريرها بين اليقظة والمنام، لتجد زين أمامها.
زين: أنا زعلان منك يا أميرة. ليه رجعتي في كلامك؟
أميرة: أنا اتخنقت من العيشة هنا.
زين: مش يمكن ربنا سبحانه وتعالى شايل لك الأحسن؟ اصبري، إن الله مع الصابرين، وارجعي امشي في طريق الخير تاني، وتممي جوازة يوسف ونورا، وفرحي قلبي يا بت عمي.
أميرة: بت عمك بس؟
زين: بت عمي وحبيبتي.
أميرة: بس إنت روحت وسيبتني.
زين: مش يمكن ده اختبار من ربنا ليكي، وأنا عايزك تنجحي فيه؟ يلا قومي اتوضي وصلي، ومتزعليش مني تاني.
أميرة: حاضر.
---
أما في القلعة، في حارة كل واشكر، فنجد أن نصيف ممدد على سرير قديم متهالك، ويبكي ويحَسِبِن على ابنته.
نصيف: كده برده يا سلمي؟ عشان عارفة إني لا حول ليا ولا قوة تعملي فيا كده؟ ترمي أبوكي؟ الهي ما تكسبي ولا تربحي! حتى اللقمة مستخسراها فيا. مليش غيرك يا رب.
---
أما في شقة سلمي، فكانت سلمي تجلس مع رزق، الذي كان يعلمها فك وتركيب القنابل.
سلمي: ودي لازمتها إيه؟
رزق: عشان ندافع عن نفسنا وعن ديننا.
سلمي: مش فاهمة.
رزق: قومي هاتي الخُرطوشة.
سلمي: بخوف ـ حرام عليك، كل شوية ضرب!
رزق: عندك حق.
ثم يخرج هاتفه من جيب الجلباب.
رزق: أيوه يا فدوى، تعالي وهاتي معاكي مديحة.
سلمي: مين دول؟
رزق: حريم. وأنا نويت أنفذ فيكي شرع الله، وأهجرك في الفراش.
سلمي: هو إنت متجوز اتنين؟
رزق: آه، وكلمة تانية هيبقوا تلاتة.
سلمي: ليه بس كده؟ أنا عملتلك إيه؟
رزق: عشان غبية. أنا هبقى أمير الجماعة، وإنتِ مرات الأمير، فبطلي تسألي كتير.
سلمي: يعني أنا هحكم على ناس كتير؟
رزق: أيوه.
سلمي: خلاص، مش هسأل تاني.
رزق: خدي، مع إنهم خسارة فيكي.
سلمي: إيه ده؟ تلات غوايش؟
رزق: بكرة هسيغك من فوقك لتحتك، بس أهم حاجة السمع والطاعة، سمعتي؟
سلمي: حاضر.
رزق: طيب انزلي وضبي الأوضة اللي تحت، عشان هتبقى مركز الاجتماعات بتاعتنا.
سلمي: من عيوني، حاضر.
---
أما في مركز القيادة، فكان اللواء أحمد يجتمع مع رجاله.
أحمد: اسمع يا هشام، عايزك من بكرة تنزل القلعة، في حارة اسمها كل واشكر. جاتنا أخبار إن في جماعة إرهابية بيمارسوا نشاطهم في الحارة. وإنت هتنزل عند الست نوال أم خالد، وهي هتظبطلك كل حاجة.
هشام: أوامر حضرتك يا أفندم.
هاني: طيب وأنا؟
أحمد: إنت هتسافر بلد زين، وهتقعد هناك، عشان في فرع للجماعة الإرهابية هناك.
هاني: حاضر يا أفندم.
أحمد: يلا يا رجالة، عايزين ننضف البلد منهم. ربنا معانا.
هشام: إن شاء الله يا أفندم.
أحمد: خد يا هشام، ده رقم الست نوال. نسق معاها كل حاجة.
هشام: ربنا يوفقنا يا أفندم.
أحمد: وإنت يا هاني، ياريت نعقل ونحترم نفسنا ونبطل الجنان بتاعك ده.
هاني: ليه يا أفندم؟ اشمعنى أنا اللي دايمًا تقوللي كده؟
أحمد: مش عارف، إنت آخرك تشتغل بتاع لعب أطفال.
هاني: هسمع الكلام وكل حاجة، بس تجوزوني قريبة زين صابرين. قلبي البت شقلبت كياني وبرجلت حالي.
ليضحك هشام.
هشام: يا ابني اعقل مرة واحدة في حياتك، بنقولك عندنا شغل!
هاني: إيه كل شوية عندنا شغل؟ هو إحنا شغالين في فرن بلدي؟
أحمد: ده مافيش فايدة فيه. أحسن حل ليه يتنقل أفغانستان عشان نرتاح منه.
هاني: ليه بس كده يا أفندم؟ ده أنا هنوش حبيبك!
أحمد: يبقى نحترم نفسنا.
هشام: طيب هو هيسكن فين يا أفندم في الصعيد؟
أحمد: مافيش قدامي غير حل وحيد، وطبعا هيكون على هواك.
هاني: يبقى هتجوزني صابرين، صح؟
أحمد: للأسف... آه.
هشام: يا أفندم، ده متخلف! ده إحنا لما كنا في العزا بتاع زين، لقيته بيقوللي إنهم صعبانين عليه، وكان عايز يقولهم إن زين عايش!
أحمد: بص لهاني باستغراب.
هاني: ده أنا كنت بهزر بس! وبعدين يا أفندم، معظم الناس هناك عارفين إني ظابط.
أحمد: ما هو إنت لو بتركز شوية، كنت هتعرف إن في حاجة اسمها تنكر.
ليحك هاني مقدمة رأسه.
هاني: آه صح... نسيت.
أحمد: قسمًا بالله يا هاني، لو عكيت وبوظت الخطة، هتشوف مني وش مش هتحب تشوفه.
هاني: خلاص يا ريس، هتشوف شخص جديد خالص.
أحمد: أتمنى. وإنت يا هشام، عايز عينيك تبقى في وسط راسك.
هشام: تمام يا أفندم.
---
ونتركهم ونذهب إلى زين، حيث كان يجلس مع غبار في أحد الملاهي، ويتحدثان وكأنهما من أفراد الجماعة.
زين: الحق يا غبار، الرقاصة منزلتش عينها من عليك.
غبار: ما هي دي قلبي وروحي.
زين: إزاي؟ هو إنت متجوزها؟
غبار: لا، أنا متجوز أربع حسب الشرع، لكن بسبوسة دي الحب كله. وكمان شغالة معانا.
زين: نعم؟ إزاي يعني؟ إحنا بنحارب الفسق والفجور، تقوم مشغل رقاصة معانا؟
ليضحك غبار.
غبار: أولًا، إنت لسه مشتغلتش معانا، والرقاصة دي أقدم منك، يعني ريسة عليك. وثانيًا، لازم يكون معانا فنانين وأشخاص من الوسط ده عشان نقدر نجند أكبر عدد من الشباب.
زين: وإيه دخلها بالجماعة؟
غبار: إنت عارف بسبوسة دي جندت كام واحد لحد دلوقتي؟
زين: كام؟
غبار: حوالي ألفين واحد وواحدة.
ليضحك زين.
زين: دي مجتهدة أوي بقى!
غبار: أمال إيه؟ كفاية إنها بتساعد الدراع اليمين للأمير.
زين: ماشي يا عم، متجوز أربعة وبتدلع نفسك مع الخامسة.
غبار: لسه يا ابني.
زين: لسه إيه تاني؟
غبار: وما ملكت أيماني، وأنا أيماني واسعة أوي.
زين: عندك أطفال على كده؟
غبار: يووه، متعدش.
زين: وليه بقى العيال الكتيرة دي؟
غبار: عشان نكبر الدعوة وننشرها سريعًا، وكمان عيالنا يساعدونا عشان نقضي على الكفار والزبانية دول.
زين: بتمثيل الاقتناع ـ كلامك صح أوي.
زين: بس في حاجة غريبة، إزاي إنت مربي دقنك وبتحارب الكفر على حد قولك، والكاس مش بيقع من إيدك، وكمان سجاير محشية؟
غبار: وإيه يعني؟ دي نُقرة ودي نُقرة. وبعدين أمير الجماعة ونائبه والمساعد كمان من حقهم يعملوا أي حاجة في الدنيا.
زين: وهي الخمرة دي مش حرام؟ ده حتى ربنا سبحانه وتعالى حرمها من فوق سبع سماوات.
غبار: لا، ما هو أصل إحنا لينا كرامات.
زين في سره: استغفر الله العظيم، ده إنتوا نار جهنم قليلة عليكم.
غبار: سرحت في إيه؟
زين: لا أبدًا، مافيش.
غبار: أنا هضمك مساعد ليا، يعني ابسط يا عم، لا تعب ولا شقا ولا جهاد.
زين: الله! أمال مين اللي هيجاهد ويحارب الكفار؟
غبار: الشباب الصغيرين عليهم يحاربوا ويأسروا الأعداد، وياخدوا حريمهم سبايا، وإحنا نتمتع بيهم وبفلوسهم ونعيش حياتنا.
زين: إيه ده يا عم غبار!
غبار: زي ما بقولك كده، هو إحنا هنعيش كام مرة؟ هي مرة واحدة.
زين: طيب لو حد من الشباب دول اتقبض عليه واعترف عليكم؟
ليضحك غبار.
غبار: مين اللي يعترف علينا؟ بص بقولك إيه، متوجعش دماغي وتطير الكاسين منها. إنت لازم تشوف تجربة عملية عشان تبطل أسئلة.
زين: ماشي.
غبار: وإنت إيه يا عم جواد؟ مالكش في أي حاجة كده؟
زين: أنا بحب حاجة واحدة بس في حياتي.
غبار: إيه هي؟
زين: إني أعذب بتوع السلطة وأفش غلي فيهم.
غبار: اشمعنى؟
زين: عشان لو وريتك جسمي هصعب عليك من اللي كانوا بيعملوه فيا.
غبار: أيوه؟ كانوا بيعذبوك ليه؟
زين: أصل الصراحة يعني... أنا كنت منضم لجماعة الأمير متولي النقال.
غبار: بجد؟ ده الأمير مات هو ورجالته، ضربوهم بالقنابل الكفرة.
زين: فعلًا، بس أنا الوحيد اللي نجيت منهم.
غبار: هو موسى الصياد الكافر الملحد؟
زين: نفسي إيدي تطوله وأعذبه وأذله.
غبار: ما خلاص يا ابني، غار في داهية ومات.
زين: أوعى يكون عامل لعبة.
غبار: لا، مات، وإحنا اتأكدنا من كده.
زين: في ستين داهية.
غبار: ده كان رزل رزالة يا أخي، بس ابن الإيه كان وحش! كان عليه كف لو اداك بيه يوقعك سنانك وضروسك.
زين: بجد؟
غبار: مش أوي كده يا عم. ده أنا معلم عليه كذا مرة. ده حتى في نوبة أكلته علقة موت، لحد ما باس رجلي عشان أحله.
زين: ليه يا عم؟ أمال فين القوة بتاعته؟
غبار: ما هو أنا نزلتلك عليهم حتتك بتتك، لحد ما خلصوا. مفضلش غيره، قلت أتسلى عليه بقى.
زين: بس أنا شوفته، جسمي رياضي وضخم.
ليضحك غبار.
غبار: ولا ضخم ولا حاجة! ده هو أصله عنده بدلة بيلبسها عشان يخوف الناس، أما حقيقته حتة بتاع كده، عامل زي البرص.
زين: ده أنا اتاريـني غلبان أوي!
ليضحك عليه غبار.
غبار: معايا بقى هتفهم كل حاجة. واتهوي بقى عشان حتة البسبوسة اللي بالقشطة جاية.
زين: وماله يا عم، اتهنى وبلاش إحنا.
غبار: طيب أروح أنا فين بقى؟
غبار: لفلك لفة وتعالى.
زين: أقولك، أنا هروح الجيم عشان أقوي عضلاتي.
غبار: أيوه كده يا جواد يا سواركة! هي دي العضلات، مش تقولي موسى الصياد! داهية تكحمه مطرح ما راح.
ليتركه زين ويخرج من النايت، ليؤمن الطريق بعينيه، ثم يتصل باللواء أحمد ليبلغه بكل ما حدث.
أحمد: أخبار عظيمة. استمر يا بطل. وبالمناسبة، هاني هيتجوز صابرين بنت خالك.
زين: إزاي يعني؟
أحمد: أنا لسه هبعت أجيب خالك ووالدك عشان أفهمهم الغرض إيه من الجوازة دي.
زين: اللي حضرتك تشوفه يا أفندم.
ليضحك أحمد.
أحمد: والله يا زين، أنا خايف من الواد هاني ده. تصور إن هشام بيقوللي إن مراتك كانت منهارة عليك، هي ووالدتك وباقي العيلة، فهو كان هيقولهم إنك عايش ويبوظ الدنيا.
زين: مرات مين اللي منهارة دي؟
أحمد: مدام أميرة مراتك يا ابني، إنت جرى لك إيه؟
زين: دي متجوزاني غصب عنها يا أفندم.
أحمد: إزاي بقى هتنهار لما تسمع خبر موتك؟
زين: ...
أحمد: طيب خليك معايا.
ليتصل أحمد بهشام ثم يدمج المكالمة بينهم.
أحمد: إلا قوللي يا هشام، هي مدام زين كانت حالتها إيه لما عرفت بخبر وفاة زين؟
هشام: والله يا أفندم صعبت علينا جدًا. كانت منهارة انهيار مش طبيعي، شكلها بتحبه أوي. يا بخته!
أحمد: ها يا سي زين، سمعت بودانك؟
هشام: هو إنت معانا؟
زين: آه يا خفيف.
هشام: طيب يا مرحوم، المدام بتاعتك هتعمل مدرسة ومستشفى ودار تحفيظ القرآن باسمك، عشان يبقوا صدقة على روحك. وفي خبر تاني حلو أوي.
زين: ولا يا هشام، أوعى تكون بتكدب!
هشام: والله العظيم أبدًا، ده حتى زين الصغير جاي في السكة.
زين: وحياة أمك؟
هشام: وحياة أمي!
