رواية ساكن الجسد الفصل الثاني بقلم مصطفى محسن
ياسين اتسمر في مكانه بعد الجملة دي، النظرة اللي في عينها ما كانتش مجرد خوف، دي كانت نظرة شخص شايف حاجة مش مفروض حد يشوفها. داليا قاعدة قدامي وجسمها كله بيرتعش، وإيديها ماسكة طرف الكرسي بقوة لدرجة إن صوابعها غرزت في الجلد، داليا كانت بتتكلم كواحدة متأكدة إن الحاجة دي بقت جزء منها. ياسين مال بجسمه لقدام وقال: "داليا... اهدي، وخدي نفس، وقوليلي من الأول إيه اللي حصل معاكي؟" داليا رفعت عينيها ليه، وقالت بصوت واطي: "أنا في الأول كنت فاكرة إن اللي حصل لزميلتي صدفة... أو إنها تعبت نفسيًا، بس بعد اللي شوفته في سجلات السكن فهمت إن الموضوع أكبر من كده."
-
ياسين قال لها: "إيه اللي شوفتيه بالظبط؟" داليا بصت حواليها وقالت: "السكن ده حصلت فيه حالات كتير قبل كده... بنات دخلوا السكن طبيعي، وبعد فترة اتغيروا، نفس الأعراض بتاعة سارة... كوابيس، وخوف من النوم، كلام بلغة غريبة، وفيه بنات كانوا بيقولوا إن حد بيقف جنب سريرهم بالليل، وفي الآخر يا إما بيتنقلوا مستشفى، يا إما أهلهم بياخدوهم ويمشوا من غير ما حد يعرف حصلهم إيه." ياسين سألها: "وطب إيه اللي خلاكي تتأكدي إن الحالات دي مرتبطة ببعض؟" داليا بلعت ريقها وقالت: "التاريخ." ياسين قال لها: "تاريخ إيه؟" قالت: "كل الحالات حصلت في نفس الوقت تقريبًا... في شهر معين من السنة." ياسين حس بقشعريرة في جسمه.
-
وسألها: "وآخر حالة كانت مين؟" داليا بصت في الأرض وقالت: "أنا." ياسين بلع ريقه وقال لها: "بس إنتِ لسه واعية وبتتكلمي معايا." داليا قالت له: "لسه." ياسين بص لها باستغراب وقال لها: "لسه إيه؟" داليا رفعت عينيها وقالت: "آه... لأنهم لسه مظهروش كلهم." ياسين حس إن قلبه دق أسرع، وقال: "مين اللي لسه مظهرش؟" داليا قربت منه أكتر وقالت: "الشياطين." ياسين قال لها: "داليا، أنا مش عايز أقولك إنك بتتخيلي، بس ممكن اللي حصل يكون بسبب الضغط والخوف..." فجأة داليا قاطعته وقالت: "قولها تاني." ياسين قال لها: "أقول إيه؟" قالت: "قول إنهم مش حقيقيين." ياسين بص لها بخوف، وقال: "إنتِ عايزاني أقول كده؟" داليا هزت راسها بسرعة وقالت: "آه... عشان أنا نفسي أصدق." ياسين كان لسه هينطق، لكن فجأة سمع صوت خبط خفيف جاي من ناحية باب المكتب. بص ناحية الباب، وبعدها رجع يبص لداليا. "في حد بره؟" داليا ما ردتش. ياسين قام من مكانه وفتح الباب، لكن ملقاش حد.
-
ياسين بص في الممر، كان فاضي، والموظفين كلهم تقريبًا مشيوا. رجع المكتب وقفل الباب، ولما لف ناحية داليا لقاها واقفة في مكانها، بس ملامحها اتغيرت. كانت بتبص ناحية ركن المكتب، في مكان فاضي مفيهوش أي حاجة. ياسين قال: "داليا؟" هي ما ردتش. "داليا، إنتِ بتبصي على إيه؟" داليا قالت بصوت مختلف: "هو واقف هناك." ياسين لف بسرعة ناحية الركن، لكن مفيش حد. رجع بص لها وقال: "مفيش حد." داليا ابتسمت ابتسامة غريبة وقالت: "مش ليك." ياسين اتجمد مكانه. "يعني إيه مش ليا؟" داليا بصت للركن تاني وقالت: "هو شايفك." في اللحظة دي لمبة المكتب بدأت ترعش وتنور وتطفي، وياسين رفع عينه للسقف، وبعدها رجع بص لداليا، فلاحظ حاجة خلت الدم يهرب من وشه... داليا اختفت.
-
ياسين اتسمر مكانه بعد ما داليا اختفت، وهو مش قادر يستوعب اللي حصل. ياسين حس إن نفسه بدأ يضيق، وبص حواليه وهو بيحاول يقنع نفسه إن أكيد فيه تفسير منطقي للي حصل، لكن عقله كان عاجز يلاقي أي تفسير. وقال لنفسه: "لا... لا، أنا لازم أمشي من هنا." خرج ياسين من المكتب بسرعة، وبدأ يجري لحد ما وصل للبوابة، وأول ما خرج منها وقف وهو مصدوم. الدنيا كانت ليل. ياسين بص في ساعته. الساعة كانت ١٠ بالليل. "عشرة؟" قال لنفسه. "إزاي؟" من شوية بس كان الصبح، مستحيل يكون الوقت عدى بالشكل ده من غير ما أحس. في اللحظة دي فرد الأمن خرج من البوابة، وبص له باستغراب وقال: "خير يا أستاذ ياسين؟ إنت بتعمل إيه جوا لحد دلوقتي؟" ياسين بص له ومردش. فرد الأمن قرب منه وقال: "أستاذ ياسين؟" لكن ياسين سابه ومشي، ركب عربيته. حط إيده على الدركسيون، وبص قدامه وهو بيحاول ياخد نفسه، وبعدها دور العربية ومشي. ولما قرب من إشارة مرور، رفع عينه للمراية اللي قدامه، وفجأة...
