رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل الثاني 2 بقلم مريم نصار


 رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل الثاني 

في حجم قصره يختبئ حزنٌ لا يمكن وصفه.
فأناقة الفيلا التي تحيط به من كل جانب لا تعكس سوى جمال السطح، بينما يحمل قلب صاحبها من الألم والهم ما يفوق قدرة أي إنسان على الاحتمال، خصوصًا وهو يرى رفيقة دربه أمام عينيه تتألم، ولا يملك لها من أمرها شيئًا.
كانت فيلا رجل ثري، تعكس روعة الفخامة والرفاهية؛ قصرٌ كبير يمتد على أرض واسعة، تحيط به حدائق خضراء ومناظر طبيعية ساحرة، وتتزين واجهته بالأعمدة الرخامية والنوافذ الضخمة التي تضفي عليه لمسة من الأناقة الكلاسيكية.
يدعى صاحب القصر حسين المالكي، رجل في العقد السادس من عمره، يملك عددًا من العقارات والشركات التجارية، إلى جانب مزرعة كبيرة.
لم يُرزق حسين من أبنائه سوى بابنة واحدة؛ زاد المالكي، بعدما فقد عددًا من أبنائه وصبيته فور ولادتهم.
تبلغ زاد من العمر خمسة وعشرين عامًا، وما إن أنهت دراستها حتى أخذت تجوب العالم، تسافر برًا وبحرًا وجوًا، وكأن الدنيا لم تخلق لتضع فوق كتفيها همًا واحدًا.
لكن حسين، رغم كل ما يملكه، لم يكن يملك شيئًا أمام مرض زوجته.
كان الهم مرتسمًا على وجهه، يعبس جبينه كلما غرق في التفكير، وتنعكس الحيرة والحزن في عينيه وهو ينتظر الطبيب الذي جاء أخيرًا ليفحص زوجته.
وبعد انتهاء الفحص، خرج الطبيب إلى حسين، ثم أشار إليه برأسه على عجل، وقد ارتسم الحزن على ملامحه.
لم يحتج حسين إلى كلمات كثيرة ليفهم.
اقترب منه الطبيب وقال بأسف:
ـ للأسف يا أستاذ حسين... الحالة متأخرة جدًا، ومش هينفع معاها علاج بالشكل اللي إحنا كنا متأملينه.
تجمد حسين في مكانه، وكأن الكلمات سُحبت من تحت قدميه.
أضاف الطبيب بصوت أكثر هدوءًا:
ـ ربنا يلطف بيها... ويقويكم.
لم يستوعب حسين ما سمعه، فاهتز قلبه ألمًا، واتجه إلى زوجته فور سماعه صوتها تناديه.
دخل إليها بعينين مغرورقتين بالدموع، محاولًا أن يخفي عنها الحقيقة، لكنها كانت تعرفه أكثر مما يعرف نفسه.
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بصوت أنهكه المرض:
ـ حسين...
اقترب منها وأمسك يدها.
ـ أنا جنبك يا حبيبتي.
ابتسمت له ابتسامة ضعيفة، ثم قالت بصعوبة:
ـ عايزة زاد.
أغمض حسين عينيه للحظة، وكأن طلبها الأخير كان أشد عليه من كل ما سمعه من الطبيب.
ـ حاضر... حاضر يا حبيبتي.
ثم أضاف وهو يقبض على يدها:
ـ هتكون هنا، والله هتكون هنا.
كانت زاد تجول في القارب في منتصف البحر، خلال رحلة بحرية في تركيا.
أصوات الناس وضحكاتهم تحيط بها من كل جانب، بينما تمتد أمام عينيها صفحة البحر الزرقاء تحت سماء صافية، فتأملت المشهد للحظات، وكأنها تحاول أن تختزن جماله في ذاكرتها.
لكن تأملها انقطع عندما صدح هاتفها بين يديها.
نظرت إلى الشاشة، وما إن رأت اسم والدها حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة عذبة، وأجابت في الحال:
ـ ألو يا بابا.
لكن ابتسامتها لم تدم طويلًا.
فقد وصلها صوته مثقلًا بالحزن، متقطع الأنفاس، وكأن الكلمات نفسها تعجز عن الخروج من بين شفتيه.
ومع كل كلمة كان قلبها يهبط أكثر.
وحين أخبرها بما حدث، اغرورقت عيناها بالدموع، ثم قالت بصوت مرتجف:
ـ حاضر يا بابا... أنا هرجع القاهرة حالًا. وإرجوك خليك جنب ماما، ما تسبهاش لحظة.
أنهت المكالمة، وظلت للحظات تحدق في البحر أمامها.
المشهد الذي كان منذ دقائق يأسر عينيها لم يعد يعني لها شيئًا.
فثمة أشياء حين تصيب القلب، تُسقط من حولها كل جمال الدنيا.
تركت رحلتها خلفها، ذاهبه إلى المطار لتعود أدراجها إلى القاهرة، حيث كانت عائلتها تنتظرها في أصعب لحظاتها.
وفي القاهرة، لم تكن كل البيوت تعرف الهدوء أيضًا.
فبينما كان بيت حسين المالكي يستقبل خبرًا يثقل القلب، كان في أحد أحياء القاهرة بيتٌ آخر يخوض معركته اليومية مع ضيق الحال، وصخب الأطفال، وتعب الحياة.
نحن الآن في إحدى البنايات حديثة البنيان في الحي الذي يعيش فيه رضوان، وتحديدًا في الطابق الخامس، حيث تسكن أسرة كريم، صديق رضوان.
بين صراخ الأب أمام أطفاله، ومحاولات الأم المستمرة لتحمل المسؤولية، كان أساس البيت مهددًا بالتصدع، ليس بسبب الفقر وحده، وإنما بسبب الضغط الذي تتركه الظروف على النفوس.
تتكون العائلة من خمسة أفراد.
الزوج كريم، صديق رضوان، والذي حقق تقدمًا في دراسته وأصبح موظفًا في إحدى الشركات التجارية.
وزوجته إيمان عادل العطار، ابنة عم رضوان، وتصغره بعامين.
تزوجها كريم عن قصة حب شهد رضوان تفاصيلها منذ بدايتها، ورُزقا بثلاثة أطفال؛ توأمان في المرة الأولى، وطفل آخر في المرة الثانية.
كان منزلهم لا يعرف الهدوء كثيرًا؛ ضجيج الأطفال وصراخهم وحركتهم المستمرة يملأ أرجاءه، بينما تبذل إيمان جهدًا كبيرًا في تربيتهم.
وكانت دائمًا تتغلب على مصاعب الحياة بصبرها وحلمها اللامحدود، في حين كان كريم يشعر أحيانًا بالضجر، فتتغير تصرفاته تحت وطأة تكاليف المعيشة الكبيرة.
وعلى الرغم من حبه الكبير لعائلته، فإنه في ظل هذه الظروف لم يعد قادرًا على تحمل جميع تكاليفها بسهولة.
كان نائمًا مستغرقًا في أحلام وردية، حتى أفاق على صراخ أطفاله.
استشاط غيظًا لإفساد نومه، فنفض عنه الغطاء وقام صارخًا:
ـ وبعدين في العيشة الهم دي؟! جرى إيه؟! الواحد مش هيعرف ينام في البيت ده؟!
ثم وقف على باب غرفته ونادى على زوجته بصوت عالٍ:
ـ إيمان! أنتِ يا ست إيمان!
خرجت إيمان من غرفة الأطفال، تحمل أحد أطفالها على ذراعها، وتبدو على وجهها آثار النعاس والإرهاق.
قالت بوهن:
ـ أيوه يا كريم... إنت صحيت؟ صباح الخير.
أجابها بغضب:
ـ وهييجي منين الخير يا هانم؟! أنا مش هعرف أتخمد في البيت ده يوم إجازتي ولا إيه؟!
نظرت إليه إيمان بضيق ممزوج بالتعب، وقالت:
ـ هو أنا صحيتك يا كريم؟ أنا سبتك نايم، ولما الولاد صحيوا قعدت بيهم في أوضتهم علشان ما يعملوش دوشة. بس هما عيال صغيرين، ما يفهموش حاجة.
ثم أشارت إلى الصغيرة بين ذراعيها:
ـ وريم بنتك تعبانة. يا ريت بقى تسيبك من الزعيق دلوقتي وتنزل تجيبلها دوا ينزل الحرارة.
زفر كريم بقلة حيلة، واقترب ليتفحص حرارة ابنته، ثم قال مهمومًا:
ـ منين يا إيمان؟ ما إنتِ عارفة البير وغطاه... ولسه المرتب ما نزلش.
تفهمت حديثه، ثم قالت بهدوء:
ـ أنا معايا مبلغ كنت محوشاه على جمب للظروف. خده يا كريم، هات الدوا وطلبات البيت.
ثم استرسلت بحنان:
ـ أنا عارفة إن عصبيتك علينا الفترة دي من ضيق الحال، وكمان الراتب يا دوبك مكفي احتياجاتنا الأساسية، وبالعافية كمان. بس هتفرج، صدقني.
ابتسمت له ابتسامة صغيرة وأضافت:
ـ وبالله عليك ارجع زي ما كنت الأول... كيمو بتاع زمان. لأن الزعل مش هيغير من واقعنا حاجة.
نظر إليها مشفقًا.
لم تكن لها يد في كل هذه الظروف المتقلبة التي تحدث معه، ومع ذلك كانت دائمًا تقف بجانبه.
فهي حبيبته وزوجته، والسند الذي لم يتغير مهما تغيرت الدنيا من حولهما.
ران بينهما صمت قصير، ثم تنفس كريم بعمق وتحدث بصوت يشوبه الخجل:
ـ أنا عارف إني تعبتك معايا يا إيمان... بس غصب عني، إنتِ شايفة الظروف.
قاطعته بحب:
ـ كلام إيه ده؟ هو إنت ناسي أيام الجامعة لما كنا بنقول لبعض لو الدنيا في يوم مالت، أنا وإنت هنعدلها مع بعض؟
ثم نظرت إليه بثبات:
ـ شوف يا كريم... طول ما إنت موجود معايا وحسك في الدنيا دي، يبقى عمري ما هبص لأي ظروف. ودائمًا بقولك وهقولك: هتعدي وهتفرج. يعني هي هتفضل كده؟
ابتسمت وهي تربت على كتفه:
ـ اضحك يا كيمو، اضحك... ده النبي تبسّم.

ابتسم لها وحمل منها ابنته المريضة، وقبّل قمة رأس زوجته، حامدًا الله في قلبه على هذه النعمة التي وهبها له، ثم انطلق مسرعًا لشراء الدواء لابنته.
وفي الوقت نفسه، كانت إيمان تُعِدُّ طاولة الطعام، وهي تفكر في طريقة تُسعد بها زوجها الذي تحبه كثيرًا، وتخفف عنه همومه ولو قليلًا. وبينما كانت ترتب الطعام، وقع نظرها على قطعة من الحُلي في يدها، فتوقفت للحظة، ثم مررت أصابعها عليها بشرود. فكرت في بيعها، لعل ثمنها يساعدهما في تجاوز بعض أعباء المعيشة، لكنها لم تتخذ قرارًا بعد، واكتفت بأن أخفت الفكرة في قلبها.
عاد كريم إلى البيت بعد أن أحضر الدواء، وتناولوا الإفطار معًا، حتى حان وقت خطبة الجمعة. نظر كريم إلى الساعة، ثم نهض على عجل وهو يقول:
ـ يدوبك ألحق خطبة الجمعة، وزي ما إنتِ عارفة هطلع على القهوة أنا والشباب، ميعادنا مع رضوان.
ابتسمت إيمان وهي تطعم صغيرها، وقالت:
ـ ماشي يا حبيبي، وأمانة عليكَ تسلّملي على رضوان.
ابتسم لها قائلًا:
ـ الله يسلمك يا حبيبتي.
وبعد أن ودّعها، خرج كريم متجهًا إلى المسجد، بينما كان رضوان قد هبط من منزله في الوقت نفسه، مرتديًا جلبابًا أبيض زاد بشرته الحنطية وقارًا، وأبرز بريق عينيه البنيتين، بينما بدا شعره البني القاتم، الذي يتخلله بعض السواد، أكثر وضوحًا تحت ضوء النهار.
كان جسده يحمل آثار سنوات طويلة من الشقاء والعمل، وعضلاته التي صنعتها الأيام لا صالات الجيم.
وعندما هبط إلى الطابق الأول، وجد كيس الخبز الذي وضعه منذ الأمس ما زال معلقًا على مقبض الباب.
عرف أن صاحبه ما زال نائمًا.
طرق الباب عدة طرقات متتالية، لكن لم يجبه أحد.
طرق مرة أخرى بصوت أعلى:
ـ عزت! افتح يا عم، أنا رضوان، وكفاية نوم!
فتح له عزت وهو مغمض العينين، يحك رأسه، وقال منزعجًا:
ـ إيه يا رضوان؟ بتخبط على باب قسم؟! ما بالراحة يا عم على الباب!
لم يهتم رضوان بحديثه.
فالآن حان وقت الصلاة.
قال له باهتمام:
ـ صح النوم يا أسطى عزت باشا. قوم اغسل وشك كده وفوق، الخطبة خلاص على وشك.
ثم أشار إليه محذرًا:
ـ أنا هسبقك على الجامع، وخمس دقايق والاقيك جنبي في الصف الأول. سلام.
تركه وذهب لأداء فريضته.
وفي المسجد وجد عصام جالسًا، فصافحه، ثم اجتمع الأربعة إلى جوار بعضهم يستمعون إلى خطبة الشيخ، وعقبها أدوا صلاة الجمعة.
بعد الصلاة، تجمع الثلاثة في مقهى الحي ليتبادلوا أطراف الحديث.
أما عصام، فودعهم وغادر، لأنه لا يحب الجلوس على المقاهي.
كان عزت لا يزال يشعر بالنعاس ويتثاءب بين الحين والآخر، ثم نادى على الصبي العامل في المقهى:
ـ واحد قهوة سادة يا طلعت، عايز أفوق.
رد عليه طلعت:
ـ من عيني يا أسطى عزت.
علق كريم ساخرًا:
ـ وبالنسبة لينا؟ يعني إحنا هوا مش شايفنا؟ اطلب لنا أي حاجة يا أخي!
رد عزت مازحًا:
ـ وأنا ماسك لسانك؟ ما تطلب! هي كانت قهوة أبويا!
نظر كريم إلى رضوان وقال:
ـ عجبك لسان اللوح ده يا رضوان؟
ضحك رضوان وقال:
ـ خلاص إنت وهو... أنا اللي هطلب المشاريب وعليا المرادي.
ثم أشار للعامل وطلب لهم القهوة.
وبعد احتسائها، بدأ عزت يستفيق، وانطلق الثلاثة في الحديث، قبل أن تأخذهم الذكريات إلى سنوات بعيدة.
قال كريم:
ـ فاكر يا رضوان آخر يوم لينا في مصنع الرخام؟
رسم رضوان ابتسامة على محياه، وحرك رأسه بإيماءة شاردة:
ـ وده يوم يتنسى؟ ده كان يوم عيد ميلاد حبيبة الرابع.
أشعل عزت التبغ وقال:
ـ ياه... ده من سنين طويلة أوي، ييجي من أربعطاشر سنة! بس إنت كنت غشيم يومها يا رضوان. غشيم إيه؟ ده إنت كنت جبار يا أخي!
تقلص وجه رضوان وقال متعجبًا:
ـ ليه؟ جبار علشان دافعت عن حقي؟ أنا اشتغلت خمسة وأربعين يوم يا عزت من غير ما آخد مليم واحد. شافوني طيب وساكت وبقول بكرة يقبضوني، قالوا لا، مادام ساكت نضحك عليه، مش هيعمل حاجة.
ثم هز رأسه:
ـ والله يستاهلوا اللي حصل لهم.
ضحك كريم عندما تذكر ذلك اليوم:
ـ تقوم تكسر رخام بمرتب سنة لصاحب المصنع، وبسببك علشان إحنا صحابك قطعت عيشنا كلنا معاك يومها!
رد رضوان بيقين:
ـ ربك ما بينساش حد. ربك بيقطع من هنا ويوصل من هنا. اشتغلنا الحمد لله في كل حاجة.
ثم ابتسم:
ـ والحاج بيومي كان بيتحايل عليا أشتغل معاه في ورشة الحدادة من زمان، وأهو اشتغلت أنا وعزت في الورشة دي ييجي سبع سنين وأكتر، ومن يومها وإحنا زي الفل. وإنت ربنا كرمك يعني... كلنا مرضيين الحمد لله.
نظر عزت إليهما بمراوغة:
ـ يا عم رضوان، إحنا غلابة. الدور والباقي على الباشا كريم، موظف قد الدنيا، قاعد على مكتبه مرتاح تحت التكييف، وإحنا طالع عين أبونا في الحدادة.
أفرغ كريم فاه مما سمعه، ونظر إلى رضوان الذي كان يضحك في صمت، ثم قال مندهشًا:
ـ ولا يا عزت! إنت بتقر عليا وفي وشي؟ ويوم جمعة كمان!
علق عزت ساخرًا:
ـ وهو يعني لو يوم خميس عادي؟ القر الواحد يا صديقي.
خبط كريم كفًا بكف وقال بتعجب:
ـ الله يخرب بيت اصطباحتك! وأنا أقول الدنيا كلها مش راضية تتعدل معايا ليه؟! أتاريها عينيك يا بوز الأخص. الواد ده عينه وحشة يا رضوان، خلي بالك منه!
ضحك الثلاثة.
ثم استرسل عزت موضحًا:
ـ يا عم والله ما بقر عليك. ربنا يباركلك في رزقك ويعدل ليك المايل. أنا بس بقول: أدي آخِرة اللي ما كملش تعليمه... طالع عينه ولا إيه يا رضوان!
نظر كريم إليه بترقب، فهو يعرف طباع عزت جيدًا؛ عفوي إلى درجة مبالغ فيها، ولا يستطيع أحيانًا أن يزن كلماته أمام أصدقائه.
تنهد رضوان، ثم قال برضا:
ـ كل حاجة في الدنيا دي رزق يا عزت، وأنا مش ندمان على أي حاجة عملتها.
صمت لحظة، ثم تابع:
ـ من وأنا عندي ١١ سنة اشتغلت وتعبت لحد ما جرى بيا العمر. أيوه، اللي في سني دلوقتي كونوا حياتهم وخدوا شهادتهم واتجوزوا، بس أنا راضي وعندي قناعة إن ربنا هيكرمني. وبعدين ده كفاية محبة الناس ليا وليكم... هنعوز إيه تاني؟
تنهد كريم وربت على كتف صديقه:
ـ الله يكملك بعقلك. وإن شاء الله تعبك مش هيضيع. والله يا رضوان إنت ما فيش منك. إنت اللي مصبرني على وجودي في الحارة الفقر دي، لولاك كان زماني هجيت منها.
غمز رضوان بطرف عينه وقال ماكرًا:
ـ يا سلام؟ يعني إنت موجود علشاني ونسيت الحُب أيام الجامعة؟ كنت بتموت في الحارة عشان بنت عمي وتقف في الشمس بالساعات، وكان على قلبك زي العسل. ناس تاكل وتنكر!
ابتسم كريم ووافقه الرأي، لأن هذه هي الحقيقة.
لكن قبل أن يكملوا حديثهم، صدح صراخ سيدة فجأة من شرفة أحد المنازل.
خرجت سيدة تدعى فوزية، في العقد الخامس من عمرها، وما زالت مستمرة في صراخها وهي تنحب:
ـ يا لهوي! الحقوني يا ناس! الحقوني!
ضرب عزت كفًا بكف، وتأفف، بينما ضحك رضوان وكريم؛ فقد كانوا يعرفون جيدًا ماذا حدث.
كان المشهد متكررًا بين الحين والآخر.
همَّ كل من في المقهى بالخروج، ونظروا إليها.
سألها عزت بنفاد صبر:
ـ خير يا ست فوزية؟ بتصوتي ليه تاني؟ عم صبحي مات؟
ردت وهي تبكي:
ـ يا ريت يا خويا مات! ده اللي عمله لا يتحكي ولا يتقرا! آه يا بختك الأسود يا فوزية!
خرج زوجها صبحي إلى الشرفة بملابس النوم، وما إن رآها حتى اتسعت عيناه وقال:
ـ يا ليلة مش فايته على الفضايح اللي إنتِ فيها يا صبحي!
ثم نظر إليها مترجيًا:
ـ اعقلي يا فوزية وخشي جوه.
صرخت فيه:
ـ أبدا! أخش فين يا راجل يا عِرّة؟! ده أنا هفضحك في الحارة كلها!
تحدث رضوان إليها محاولًا تهدئتها:
ـ استهدي بالله يا ست فوزية. المشاكل ما بتتحلش بالطريقة دي.
وضعت يديها فوق رأسها وقالت بصوت عالٍ:
ـ إنت متعرفش المصيبة اللي عملها جوزي يا رضوان! أنا خلاص هسيب له البيت وأغور! آه يا ميلة بختك يا فوزية!
قال رضوان:
ـ ليه بس؟ هو الراجل الطيب ده عمل إيه؟
رفع صبحي يده مقسمًا:
ـ والله العظيم ما عملت حاجة يا أسمر يا ابني. إنت عارف أكيد الحالة جاتلها.
لم يكمل حديثه، ونظر إليه رضوان معاتبًا، فهو يعلم أنها تعاني من الزهايمر.
لكن فوزية التقطت الكلمة فورًا:
ـ حالة؟! حالة إيه يا أبو حالة؟!
ثم نظرت إلى الجميع وصاحت:
ـ اشهدوا يا ناس! اشهدوا يا عالم! صبحي اللي ما يتسماش اتجوز عليا! آه يا خبتك يا فوزية! اتجوز بعد ما خليتوه بني آدم ونضفته! بعد ما كان مصدي.
ظلت تصرخ وتنوح على حظها العسر، بينما عادت أغلب الناس إلى ما كانوا عليه، فقد اعتاد أهل الحارة صراخها وضجتها المستمرة.
كان صبحي قد تزوج عليها في فترة من الفترات، ثم ترك زوجته الثانية من أجلها، لكن فوزية، بعدما أصيبت بالزهايمر، لم تعد تتذكر ذلك.
بدأت بالنحيب مرة أخرى، ولم يستطع أحد إيقافها، حتى زوجها، إلى أن عاد إليها وعيها باللحظة الحالية فجأة.
نظرت إلى صبحي، ثم ابتسمت له برومانسية وخجل:
ـ أخص عليك يا صبحي! مطلعني البلكونة في عز النهار وواقفين كده كأننا في معاد غرامي!
ثم نظرت إلى ملابسه، واتسعت عيناها بدهشة:
ـ يالهوي! إنت طالع البلكونة بالكلسون يا صبحي؟!
صرَّ صبحي على أسنانه وهو يكظم غيظه حتى الانفجار:
ـ يا مثبت العقل في الراس يا رب!
ثم أشار إليها:
ـ خشي يا فوزية، خلي اليوم ده يعدي على خير. خشي خليني أكمل تقطيف الملوخية ونشوف هنطفح في اليوم ده ولا لأ!
جلس رضوان وأصدقاؤه مرة أخرى وهم يضحكون من حديث صبحي، ثم رقَّت قلوبهم لحال فوزية ودعوا لها بالشفاء.
نظر رضوان إلى عزت، وكأنه تذكر شيئًا:
ـ مش ناوي تيجي تشتغل معانا في فراشة الحج منعم؟ الراجل طالبك بالاسم.
رد عزت بالرفض:
ـ لا يا عم. كفاية عليا شغل الحدادة. أنا برجع البيت مهدود حيلي. إنت سبتلي امبارح العيش قدام الباب، ما قدرتش أقوم أجيبه ونمت مكاني من التعب. أنا وحيد وبطولي، كفاية عليا شغلانة واحدة.
وفي وسط حديثهم، مر رجل أمام المقهى، ورفع يده محييًا رضوان ببشاشة:
ـ السلام عليكم يا أسمر، عامل إيه؟
رد رضوان بلطف:
ـ وعليكم السلام يا عم حسني. إزيك يا راجل يا طيب؟
ـ الحمد لله يا حبيبي. ربنا يسترها معاك ومعانا.
ثم ذهب الرجل.
علق كريم مستغربًا:
ـ رضوان، إنت مش متضايق من أهل الحارة إنهم بيقولوا عليك أسمر؟
نظر إليه رضوان متعجبًا:
ـ وإزاي ده هيزعلني؟ مش فاهم.
ـ يعني بحكم إنك لما كنت صغير بشرتك كانت فاتحة عن كده... ده ما بيضايقكش؟
أجابه رضوان بثقة:
ـ لوني اللي اتغير ده شقى وتعب سنين مرسوم على شكلي. وبعدين يا عم أنا كده كويس قوي، وأهو قدامك زي الفل.
ثم ابتسم وأضاف:
ـ طيب تعرفوا؟ أنا بتعاكس، ايوه أقسم بالله!
جحظ عزت عينيه بمزاح:
ـ وإنت هتقولي! ده إنت طالعلك عضلات من كتر الشغل، كأنك بتروح الجيم ليل ونهار وراسم جسمك حتة فورمة! ولا أجدعها مدرب في الجيم. لا وكمان البنات بتعدي من قدام الورشة مخصوص علشان تشوفك. وعينيهم هتطلع عليك.طول عمرك محظوظ!
أفرغ كريم فاه مرة أخرى وقال مندهشًا:
ـ عليا النعمة الواد ده حاقد وحاسد! الله ينتقم منك يا عزت! إنت بتقر على رضوان وقدامه ويوم جمعة كمان؟!
أشار عزت بيده مستنكرًا:
ـ يا عم اسكت بقى.
ابتسم رضوان وقال:
ـ اسكتوا بقى إنتوا الاتنين. قعدتكم إنتوا الاتنين فقر! بطلوا مناقرة، إحنا في يوم مفترج.
ثم وجه حديثه إلى عزت:
ـ وأنت يا عم عزت، خالتك أم رضوان بعتالك معايا رسالة.
صفق عزت مبتهجًا، فهو يعلم لماذا تريد منه الخالة زهرة شيئًا، وقال:
ـ أيوه بقى! بالصلاة على النبي كده... الرسالة وصلت وريحتها مفحفحة في مناخيري!
نظر إليه كريم باشمئزاز:
ـ هتعيش مقرف وتموت معفن.
دندن عزت محاولًا استفزازه:
ـ يا صفر شغلك... يا صفر تعبك.
لكزه كريم في كتفه مغتاظًا منه، فتدخل رضوان وقد بدأ يضيق من أفعالهما الصبيانية:
ـ خلاص بقى إنت وهو، بتعكننوا على الواحد برخامتكم دي! وأنت يا عزت بطل تضايق كريم، هو مش بياكل ويمسح في راسك إنت كمان؟ اهمد بقى خليني أقولك الرسالة.
ثم ابتسم:
ـ ست الكل بتقولك ما تجيبش أكل من بره، هي عاملة حسابك على الغدا.
وضع عزت يده على بطنه بحركة دائرية، تدل على شدة جوعه:
ـ أنا أمي لو كانت عايشة مش هتعمل معايا زي ما بتعمل معايا خالتي أم رضوان.
اعترض رضوان:
ـ ياض عيب عليك! إنت زي ابنها بالظبط، مفيش فرق بينا يا عبيط.
ثم نظر إلى كريم:
ـ طمني على ولادك يا كريم.
أجابه كريم، واستمر الوقت يمر بين مناوشات عزت وانفعال كريم عليه، وضحكات رضوان التي كانت لا تفارقهم.
وفي وسط ذلك، انطلق صوت هاتف كريم.
كانت زوجته تخبره بأنها أعدت وجبة الغداء.
نهض كريم، بينما ظل عزت يمازحه، وكاد كريم أن يضربه، فانفجر رضوان ضاحكًا عليهما.
لكن ضحكته توقفت فجأة.
فقد رفع عينيه صدفة، فرآها.
تطل بسحرها من شرفة منزلها.
كانت عيناها تبحثان عن حبيب ضائع، وما إن التقت عيناها بعينيه حتى صمت العالم من حولهما.
وأطلق القلب العنان لما أخفاه طويلًا.
كانت رباب، جارته التي تبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًا، وتصغره بأربعة أعوام.
أحبها رضوان منذ قرابة العامين، وتحبه هي الأخرى كثيرًا، وكان يريد الزواج منها، لكن ظروف الحياة كانت تقف عائقًا بينهما.
أشارت إليه بيدها بأنها اشتاقت إليه.
تلفت رضوان سريعًا حوله، يتأكد من أن أحدًا لم يلحظها، ثم رمقها بنظرة حازمة، وأشار إليها أن تعود للداخل.
كانت غيرته عليها أقوى من أن يخفيها، وكان يخشى عليها من ألسنة أهل الحارة.
فهمت رباب الإشارة، وزفرت بحنق وهي تعرف غيرته جيدًا، ثم همت بالدخول.
وقام هو الآخر، تاركًا عزت يحتسي كوبًا آخر من الشاي، وعاد إلى منزله ليجلس مع عائلته الصغيرة.
وقبل أن يصعد، ذهب إلى محل البقالة المجاور لمنزله ليشتري بعض الحلوى لأخته، لينقذ نفسه من صراخها وصوتها العالي.
أخذ الكيس بعد أن دفع النقود، ثم ولج إلى منزله مبتسمًا.
وجد أمه تعد الطعام، بينما كانت شقيقته جالسة أمام التلفاز تشاهد فيلمًا.
جلس جوارها، وأخفى كيس الحلوى بجانبه، ثم تابع ما تشاهده.
كان فيلمًا قديمًا.
سألها:
ـ بتتفرجي على إيه؟
لم تنظر إليه، وأجابته وهي مندمجة:
ـ ده فيلم لعبد الحليم حافظ وصباح، اسمه شارع الحب. حلو قوي يا رضوان.
حرك رأسه متفهمًا، لكنه لم يعجبه تركها للمذاكرة، خصوصًا في هذه المرحلة، فهو يريد لها أن تحقق طموحها وأحلامها، وأن تصبح شخصًا ناجحًا في حياتها.
قال لها بجدية:
ـ طيب هو إحنا مش عندنا مذاكرة ولا إيه؟ إنتِ في ثانوية يا حبيبة، ودي شهادة وأهم سنة بالنسبالك، ومش عايز حاجة تعطلك عن مذاكرتك.
تذمرت منه وقالت بمشاغبة:
ـ هو أنا قصرت في المذاكرة من أول السنة يا رضوان؟! ده أنا وشي في الكتب والدروس لحد ما بقى شبه الطبعة اللي طبعها المنهج عليه. حتى بص... معالم وشي كلها معلومات إزاي!
ثم تابعت:
ـ وبعدين النهارده الجمعة، إجازة رسمية من الدولة. قلت أريح شوية، إنت بقى هتعكنن عليا وتفكرني بالمذاكرة؟ بجد كده كتير عليا... أوفر أوي يعني!
أفرغ رضوان فاه واتسعت عيناه أمام كل ما قالته هذه الثرثارة في نفس واحد:
ـ إيه يا بت كل ده؟! إنتِ بالعة راديو؟! وكل الرص ده على كلمة قلتها لك؟
لوت فمها وأجابت بحزن مزيف:
ـ أعمل إيه بس في حظي يا ربي! هي الواحدة مش هترتاح غير لما تبقى في بيت جوزها ومتستتة كده.أنا عارفة.
ضحك الأسمر عليها، ورد بمكر:
ـ لا، انسي النغمة دي. أنا عارفها كويس. هي البنت لها إيه غير بيت جوزها والحوار ده؟ لا، مش هيحصل دلوقتي. إنتِ ليكي شهادتك الكبيرة، وبعدين نفكر في موضوع المتستتة ده.
ثم ران عليه صمت خفيف، ونظر إليها مكشرًا:
ـ إنتِ يا بت لسه صغيرة. مين اقنعك بفكرة الجواز دي؟
قهقهت حبيبة وهي تضرب كفًا بكف:
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله! إيه يا رضوان يا خويا؟ إنت بقيت بتتكلم أكتر مني وبتتريق عليا؟
ثم أضافت:
ـ يا حبيبي أنا ما أقصدش الجواز نفسه، ولا بفكر فيه... مع إني والله هموت واتجوز! بس أنا بقول كده كمصطلح متداول يعني، مش أكتر.
رفع حاجبه ساخرًا:
ـ مصطلح متداول؟!
ثم وضع أمامها كيس الحلوى:
ـ طيب امسكي يا متداول إنتِ، وبكرة نشوف آخرتها مع اللماضة دي إيه.
ما إن رأت حبيبة كيس الحلوى حتى انقضت عليه مثل انقضاض الذئب لفريسته، وبدأت تبحث عما بداخله وهي تقول بفرحة:

ـ حبيبي يا رضوان! إلهي ربنا يخليك ليا. أيوه كده... دلعني وشخلعني، أنا في ثانوية يا ناس!
ضربها في قمة رأسها مازحًا:
ـ يا بت اختاري ملافظك! إيه «أشخلعك» دي؟! بقى ده شكل واحدة في ثانوي؟! أنا ما عرفتش أربي ولا إيه؟
امتثلت الحزن إثر ضربته، بينما ظل يحاول إرضاءها.
وكانت السيدة زهرة تراقبهما من المطبخ، وعلى محياها بسمة عذبة، وقلبها يحمد الله على محبتهم لبعضهم.
وضعت الإناء على الموقد، واغرورقت عيناها بالدموع وهي تتذكر رضوان في صغره.
اعتصر قلبها ألمًا وهي ترى أحلامه التي تناثرت وتحولت إلى سراب، فكم تمنت لو استطاع القدر أن يمنحه فرصة أخرى ليحقق ما فاته.
وتذكرت أيضًا محاولات حبيبة المستمرة لإقناعه بأن يكمل دراسته ويحصل على شهادة جامعية؛ فهو ذكي وناضج، ولا ينقصه سوى التعليم.
لكنه كان يرفض حديثها دائمًا، موضحًا أن الأوان قد فات وأنه كبر على ذلك.
مسحت زهرة دموعها، وفي تلك اللحظة صدح جرس الباب عاليًا.
همت حبيبة لتفتح، لكن رضوان قال لها معترضًا:
ـ استني يا حبيبة، أنا هفتح. ده أكيد الواد عزت، أصل قولتله ييجي على الغدا.
ثم نظر إليها وأضاف:
ـ ادخلي البسي الخمار، ولا حطي الطرحة على شعرك، ما تقفيش كده.
أجابته وهي تغمز بإحدى عينيها:
ـ لا ما تخافش. ده مش عزت، الخبطة دي أنا عارفة بتاعة مين. دي البت رباب بنت طنطك عفاف.
زفر رضوان من عنادها وردود أفعالها، لكنه لم يستطع أن ينكر أنه يعشق شقاوتها وثرثرتها.
تركها واتجه لفتح الباب.
وما إن فتحه حتى وجدها حقًا تقف أمامه.
كانت رباب ترتدي عباءة سوداء وحجابًا أحمر، تاركة جزءًا من شعرها خارج الحجاب، وتحمل في يدها طبقًا من الطعام.
رسم وجودها أمامه بسمة خاطفة على قلبه قبل وجهه.
قالت بدلال يشوبه الخجل:
ـ إزيك يا رضوان؟
بدا فرحًا لوجودها أمامه، لكنه سرعان ما تذكر خوفه عليها من ألسنة الجيران، خصوصًا وأنها تأتي إليهم من وقت لآخر.
ألقى أفكاره جانبًا وقال مبتسمًا:
ـ الله يسلمك يا رباب.
قالت:
ـ أمي بتسلم عليك، وبعتالك طبق الكشك ده، وحالفة لا تدوق منه.
رفع حاجبه مستنكرًا:
ـ أمك برده اللي حالفة؟! طيب دي عفاف تطيق العمى ولا تطقش حاجة اسمها رضوان العطار!
تحدثت سريعًا لتنفي كلامه:
ـ لا لا يا رضوان، ما تظلمش أمي. دي بتحبك قوي والله... حتى اسألني أنا.
ثم نظرت بعيدًا عن عينيه وابتسمت بخجل، قبل أن تقول معاتبة:
ـ إنت هتسيبني واقفة على الباب كده كتير؟ عايزة أدخل أسلم على خالتي أم رضوان.
حك رأسه مبتسمًا بحرج، ثم أشار إليها بالدخول.
وعندما دخلت، قابلتها حبيبة بترحاب ومرح:
ـ يا هلا يا هلا بالروايح الحلوة! إزيك يا رباب؟ وحشاني قوي والله.
أجابتها:
ـ إزيك يا حبيبة؟ والله إنتِ أكتر. أمال فين خالتي زهرة؟
خرجت زهرة من المطبخ مبتسمة، ورحبت بها.
وبعد المصافحة قالت:
ـ تعالي يا رباب اقعدي يا حبيبتي. وإيه اللي إنتِ جايباه ده؟
ابتسمت رباب:
ـ ده طبق كشك يا خالتي، عمايل إيديا. وقولت لازم تدوقي منه. هو أنا مش زي بنتك ولا إيه؟
ابتسمت زهرة:
ـ تسلم إيديكِ وعينيكِ. ده هيبقى طعم الكشك من إيدك زي العسل وأحلى. وإنتِ غلاوتك من غلاوة رضوان وحبيبة، مفيش فرق بينكم يا حبيبتي. اقعدي ارتاحي.
— تعيشي يا خالتي.
جلس رضوان، وبجواره أخته، وجلست رباب في المقعد المقابل له.
كانت النظرات بينهما قصيرة، خاطفة، لكنها تقول أكثر مما يمكن أن يقوله الكلام.
وكانت زهرة تراقبهما من بعيد، وهي على علم بما يسكن قلب وليدها، وتعرف كم تفضحه عيناه عندما يرى ابتسامة رباب.
تركتهم وذهبت لإعداد المشروب.
تحدثت رباب وحبيبة في أمور مختلفة، حتى أتت لبنى، صديقة حبيبة، ووقفت معها أمام الباب تسألها عن بعض المعلومات الدراسية.
كانت تلك فرصة رباب لتسأل رضوان عما ينوي فعله بشأن قصتهما.
قالت بصوت خافت:
ـ إيه يا رضوان؟ ساكت ليه؟
نظر إليها، وتبدلت ملامحه إلى الجدية، ثم تنهد:
ـ هقول إيه يا رباب؟ أمي دلوقتي بتعمل العصير، تشربيه وتقومي تتكلي على الله.
شهقت مصدومة:
ـ أخص عليك! إنت بتطردني يا رضوان؟
وضع جهاز التحكم على المنضدة أمامه، ونظر إليها:
ـ يا بت، أنا فاهمك وإنتِ فهماني. فبلاش الاستعباط ده، ده أولًا.
ثم أكمل:
ـ ثانيًا، إنتِ عارفة إني ماليش في الكشك وما بحبوش. إنتِ جاية بأي حجة علشان تشوفيني والسلام، وأهو شوفتيّني. يبقى خلاص نتلم بقى ونجري على البيت زي البنات الشاطرة، علشان كده غلط وأنا خايف عليكِ.
انزعجت من حديثه وقالت بحنق:
ـ أنا غلطانة إني جيت من الأساس. ماشي يا رضوان.
أجابها نافيًا:
ـ لا، مش غلطانة. إنتِ تيجي في أي وقت إنتِ عايزاه وهتنوري البيت كمان... بس وأنا مش موجود.
صمتت.
لم تكن تعرف ما الذي أصابه.
لم يكن يعاملها بهذه القسوة من قبل.
تُرى ما الذي غيرك عليَّ فجأة يا رضوان؟
علم من صمتها أنها انزعجت من حديثه، فقام وجلس على الأريكة المجاورة لها، وقال بلطف:
ـ إنتِ زعلانة ليه؟ كل ده علشان مش عايز حد يلسن عليكِ بكلمة؟
نظرت إلى عينيه مباشرة، وكأنها تبحث فيهما عن رضوان الذي تعرفه، ثم قالت:
ـ مالك يا رضوان؟ إيه اللي قلبك عليا كده؟ إنت اتغيرت أوي عليا. مش إنت رضوان اللي حبيته وكان مالي قلبي بكلامه الحلو وغيرته عليا؟
ابتلع ريقه ونظر بعيدًا:
ـ أنا زي ما أنا يا رباب، ومتغيرتش. إنتِ اللي مش عايزة تفهمي.
ـ هفهم لما تقولي ليه بتعاملني كده.
رد موضحًا:
ـ إحنا عايشين في حارة، مش في صحرا. كل الجيران عارفين بعض، ويوم والتاني يشوفوكي جاية وتقعدي في وجودي. أهل الحارة لما يشوفوا الوضع ده هيقولوا عليكِ إيه؟ رباب ما بتروحش بيت رضوان إلا لما يكون موجود فيه؟
اعتدلت في جلستها وقالت بسخرية وضيق:
ـ هعمل إني مصدقاك إن ده السبب اللي مغيرك. بس لما إنت بتخاف عليا قوي كده، ما تاخد خطوة يا رضوان؟ ولا إنت ناوي على حاجة تانية؟
فهم تلميحها.
رمقها بنظرة غاضبة، وقال بصوت خافت ومن بين أسنانه:
ـ رضوان ما لوش في التسلية يا رباب، وإنتِ أكتر واحدة عارفة الكلام ده.
صمت لحظة، ثم مسح وجهه متعصبًا وقال:
ـ يعلم الله يا بنت الحلال أنا بحبك قد إيه، ونفسي يتقفل علينا باب واحد النهارده قبل بكرة. بس إنتِ عارفة السبب وشايفة الظروف اللي أنا فيها.
ثم تابع بمرارة:
ـ ده غير أمك، اللي واثق لو اتقدمتلك أول واحدة هترفضني ومش هتوافق على جوازنا. إنتِ بنت المعلم صفوت الدويقي، أكبر جزار في الحي كله وقد الدنيا، وأنا واحد شغال على باب الله، ومش مكمل تعليمي، وإنتِ معاكي بكالوريوس.
تشبثت بذراعه بأمل وتوسل:
ـ مالكش دعوة بأمي، أنا هقنعها. وإن كان على ظروفك مش مهم. أنا راضية، إن شاله أعيش معاك في عشة.
ثم أسرعت تقول:
ـ ولا أقولك! إحنا نعيش في الشقة دي هنا مع خالتي زهرة في أوضتك. الشقة واسعة. أنا راضية... بس إنت تعالى يا رضوان علشان خاطري.
ثم نظرت إليه بعينين امتلأتا بالرجاء:
ـ نفسي ألبس دبلتك في إيدي. إحنا بقالنا سنتين بنتكلم زي الحرامية، وإنت مكنتش عاجبك الوضع ده، ودايمًا تقولي كلها شهر وهتقدملك. وشهر يجر شهر، لا بتتقدم ولا بتتكلم، وكمان بتتغير عليا؟
ثم قالت بحسم:
ـ إنت لازم تطلب إيدي في أقرب وقت. قلت إيه يا رضوان؟
كان يعلم داخله جيدًا أنه إذا ذهب ليتقدم لخطبتها، فمن المستحيل أن تقبل به أمها.
ولا يعلم حتى سبب كرهها له.
لكن شيئًا واحدًا كان يعرفه جيدًا:
لن يقبل أن يضع نفسه في موقف تُمس فيه كرامته.
فكر قليلًا، ثم قال بصوت متحشرج:
ـ مش هقدر دلوقتي.
اغرورقت عيناها بالدموع:
ـ يبقى إنت اللي مالكش شوق يا ابن حتتي.
مسح وجهه بحنق:
ـ يا رباب، اسمعي وافهمي. ما ترميش كلام يزعل و...
همت واقفة، قاطعة حديثه.
تبدلت ملامحها تمامًا؛ لم يعد في عينيها ذلك العتاب الذي كان منذ لحظات، وإنما ظهر فيهما شيء من الوجع والخذلان.
قالت بصرامة، وهي تحاول أن تتمالك نفسها:
ـ أنا اللي عندي قولته، وأنا في بيت أبويا. لما يجيلك الشوق ويجيلك مزاج، تعالى كلم أبويا. غير كده ما عنديش كلام تاني.
ثم حملت حقيبتها الصغيرة:
ـ وما بقاش في حاجة لا تتسمع ولا تتفهم بينا يا رضوان. أنا ماشية.
أنهت حديثها واتجهت إلى الباب بخطوات سريعة، وكأنها تخشى أن تتراجع إن بقيت أمامه لحظة أخرى.
تابعها رضوان بعينيه، دون أن يحاول إيقافها.
ظل جالسًا في مكانه ساكنًا تمامًا، لكن عينيه ظلتا تلاحقان خطواتها حتى اختفت خلف الباب.
وفي تلك اللحظة، خرجت زهرة من المطبخ تحمل أكواب الضيافة التي أعدتها لرباب، لكنها توقفت عندما رأت الباب يُغلق خلفها.
فهمت ما حدث دون أن تسأل.
وضعت الأكواب على الطاولة بهدوء، ثم التفتت إلى ابنها.
كان الحزن قد بدأ يتسلل إلى ملامحه رغم محاولته إخفاءه.
جلست بجواره وربتت على ظهره بحنان، وهي تشعر بحال ابنها الذي تحاصره الظروف من كل جانب.
قالت محاولة تخفيف الأمر:
ـ ما تزعلش يا رضوان.
أخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يحاول أن يطرد به ما علق بصدره من ضيق، ثم رسم ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه:
ـ لا يا أمي، أنا مش زعلان.
نظرت إليه زهرة طويلًا.
فهي أمه، وتعرف متى يكون رضوان بخير، ومتى يحاول فقط أن يبدو بخير.
لم تجادله في إنكاره، واكتفت بأن وضعت يدها فوق يده:
ـ بس هي معاها حق.
نظر إليها.
أكملت:
ـ إنتوا على الحال ده من مدة طويلة يا ابني، ورباب حلوة وبيجيلها عرسان كتير. ومش هتفضل ترفضهم على طول. شوفلك حل يا ضنايا.
ظل رضوان صامتًا لثوانٍ، ثم فرك جبينه بأصابعه وتنهد بعمق، وزفر بحزن وحسرة على حظه العاثر.
رفع عينيه إليها:
ـ طيب قوليلي إيه الحل يا أمي؟ عندك حل؟
أجابته دون تردد:
ـ روح اتقدملها يا رضوان.
ابتسم لها ابتسامة قصيرة، لكنها كانت تحمل من القهر أكثر مما تحمل من الفرح.
هز رأسه بيأس:
ـ وبعد ما أتقدملها؟ ولو حتى... شفتي أنا بقولك لو حتى أمها وافقت عليا، مع إن ده مستحيل، لأنها أكيد عايزة واحد متعلم وجاهز ومترّيش بالفلوس.
ثم تابع:
ـ بس هكون معاكي للآخر وهنقول وافقت عليا. هل هتوافق على ظروفي وهتمشي الدنيا؟ الجواز ده مش عايز شبكة ومهر وشقة وهدايا وفستان رايح وفستان جاي وزيارة كل جمعة!
سكت لحظة، ثم اعتدل في جلسته، وقد بدأ الحديث يخرج منه كأنه حساب طويل ظل يجمعه في رأسه منذ سنوات:
ـ يا أمي، الجواز دلوقتي عايز على الأقل وبالميت اتنين مليون، ودي أقل حاجة. علشان بس أقدر أستر نفسي وأعمل حاجة محندقة.
ثم تنهد:
ـ وأهلها مش من الناس اللي بتعدي علشان المركب تمشي، لأ، دول بيعجزوكي. وأنا أهو على حطة إيدك شغال شغلانتين ليل ونهار، طافح الدم.
رفع يده كأنه يدافع عن نفسه:
ـ آه، بنصرف وبناكل وبنشرب ومستورين الحمد لله. ومش معترض، والله العظيم ما معترض ولا ناقم على عيشتي وراضي. بس ده مش كل حاجة.
ثم نظر إلى أمه:
ـ أنا لسه مشواري طويل، وهي مش هتقدر تصبر عليا.
كانت حبيبة قد عادت إلى الغرفة في صمت، لكنها توقفت خلف الباب عندما سمعت حديثهما.
لم تكن تقصد التجسس عليهما، إلا أن كلمات رضوان وصلت إلى أذنيها كاملة.
ظلت واقفة في مكانها، وقد انقبض قلبها وهي تسمعه يتحدث عن المصاريف التي يتحملها وحده.

شعرت فجأة أنها السبب في كل ما يعيشه، وأنه يضع عمره كله فوق كتفيه من أجلها ومن أجل أمها.
تسلل إليها شعور قاسٍ بالذنب، وكأن كل تضحية قدمها رضوان طوال السنوات الماضية تحولت في لحظة واحدة إلى حمل تجلس هي في منتصفه.
خفضت رأسها، وتجمعت الدموع في عينيها قبل أن تتحدث بصوت مرتجف:
ـ أنا السبب في عجزك وقلة حيلتك دي يا رضوان.
رفع رضوان رأسه إليها، وقد التقطت أذناه نبرة الانكسار في صوتها قبل أن يفهم ما تخفيه كلماتها.
تابعت وهي تبكي:
ـ لو أنا ما اتولدتش ولا جيت على وش الدنيا دي من الأساس، كان زمانك عايش مبسوط ومتجوز البنت اللي إنت بتحبها.
ثم انفلتت دموعها، ولم تعد قادرة على السيطرة عليها:
ـ يا ريتني ما اتولدت... ويا ريتني ما جيت على وش الدنيا دي ولا شوفتك موجوع كده بسببي.
انتفض رضوان فور سماعه كلماتها، والتفت إليها سريعًا، وكأن جملة واحدة منها كانت كفيلة بأن تصيبه في أضعف نقطة بقلبه.
لم يحتمل أن يسمع منها ذلك.
هي قطعة من قلبه، والإنفاق عليها لم يكن يومًا عبئًا بالنسبة له، مهما ضاقت به الدنيا وتشابكت عليه الظروف.
قطب جبينه، وقال بصوت خشن يحمل خوفه عليها أكثر مما يحمل غضبه:
ـ حبيبة! إيه التخريف اللي بتقوليه ده؟! إنتِ عبيطة علشان تقولي كده؟!
ظلت واقفة أمامه منكسة رأسها إلى الأرض، ولم تنطق.
كانت الدموع تلمع في عينيها، لكنها حاولت حبسها، قبل أن ترفع عينيها إليه للحظات، وكأنها تبحث في وجهه عن نفي لما يدور داخل رأسها.
وقالت بصوت متحشرج:
ـ دي الحقيقه يارضوان. انا سبب خسارتك في حجات كتير. انت زاد همك بهمي.
بقي رضوان للحظات يحدق بها، وكأن كلماتها أصابته بالعجز عن الرد.
ثم تنفس بعمق، واقترب منها بخطوات هادئة، وقد تبدلت ملامحه تمامًا، وكأن غضبه لم يكن إلا خوفًا عليها.
وقف أمامها، ثم احتضن وجهها بكفيه، وأجبرها بحنان أن تنظر إليه:
ـ بطلي تقولي الكلام الخايب ده. ده إنتِ فرحة البيت. إنتِ ما تعرفيش إنك سبب وقوفي على رجلي لحد دلوقتي ولا إيه؟
مسح بإبهامه دمعة انزلقت على خدها، ثم ابتسم لها ابتسامة حانية، محاولًا أن يبدد ذلك الشعور القاسي الذي استقر في قلبها.
ـ من يوم ما عرفت إن ماما حامل فيكي وأنا بقيت واحد تاني. حسيت بالمسؤولية.
سكت لحظة، وكأن ذكرى قديمة مرت أمام عينيه، ذكرى ذلك الطفل الذي لم يكن قد تجاوز الحادية عشرة، لكنه وجد نفسه فجأة أمام مسؤولية أكبر من عمره.
ـ ويوم ما جيتي على الدنيا دي، كانت نقطة بيضا في حياتي. نقطة تحول من عيل عنده ١١ سنة، لأب شايل حتة من قلبه بين إيديه.
ارتعشت شفتا حبيبة بابتسامة صغيرة وسط دموعها، لكنها لم تستطع أن تتخلص من الفكرة التي تؤلمها. هزت رأسها قليلًا، ثم قالت بصوت يحمل عتابًا لنفسها قبل أن يكون له:
على الأقل كنت اتمنى يكون وشي حلو عليك بجد مش كلام وخلاص. كان نفسي تحقق أحلامك اللي حرمت نفسك منها علشاني.
تأملها رضوان للحظات، ثم ابتسم ابتسامة هادئة، وكأنه يعرف تمامًا كيف يرد على تلك الأفكار التي لا تفارقهما.
تابع هو:
ـ كلامك خايب لأنك مش عارفه أنا عايش بيكم إزاي، وانك وش السعد عليا في حجات كتير حصلت واتحلت بمجرد إني اشوفك ياعبيطة.
ثم اتسعت ابتسامته قليلًا، واستعاد شيئًا من ملامح رضوان الذي تعرفه، قبل أن يقول متذكرًا:
ـ طيب إنتِ ما تعرفيش أول ما سمعت اسمي منك وإنتِ لسه عيلة صغيرة، كنت حاسس بإيه.
تعلقت عينا حبيبة بوجهه، بينما أكمل هو بصوت أكثر دفئًا:
ـ ده صوتك في البيت لوحده جنة يا حبيبة. وجودك معايا إنتِ وماما خلّى لحياتي طعم تاني. ومافيش أهم منك، صدقيني.
أبعد وجهها قليلًا لينظر إليها جيدًا، وكأنه يريد أن يتأكد أنها استوعبت كل كلمة قالها، ثم أردف بنبرة تحمل شيئًا من العتاب المحبب:
ـ وبعدين إنتِ زعلانة إني بصرف عليكِ؟! طيب ده أنا هصرف وهصرف لحد آخر يوم في عمري.
ثم قال بحسم، وكأنه يغلق الباب أمام أي نقاش آخر:
ـ ده إنتِ بنتي وأختي وكل دنيتي، ومش خسارة فيكي الدنيا وما فيها.
حاول أن يخفف عنها أكثر، وأن يعيد إلى وجهها ابتسامته التي اختفت خلف الدموع، فابتسم محاولًا أن يعيد إليها روحها المشاغبة التي يعرفها:
ـ ده كفاية بس منك كلمة «يا أسمر» لما بتقولهالي ساعة الصبحية! دي لوحدها في كفة.
ثم أضاف بمزاح، وهو يلمس طرف أنفها بخفة:
ـ ولا «بيبو» اللي عايزاني أدلعك بيها؟ ده إنتِ نعمة كبيرة أوي يا حبيبتي.
مسحت حبيبة دموعها بطرف أصابعها، وحاولت أن تقول شيئًا، لكنها لم تجد سوى كلمة واحدة خرجت منها بوهن:
ـ بس يارضوان.
توقفت ابتسامته للحظة، وتغيرت ملامحه قليلًا. كان يعرف أن كلمة «بس» تعني أنها ما زالت تحاول العودة إلى نفس الحديث، فلم يمنحها الفرصة.
وقاطعها:
ـ مش عايز اسمع حاجه تاني وحذاري أسمعك تقولي الكلام الهايف اللي قلتيه ده تاني، وإلا مش هعديه على خير. فاهمة يا لمضة؟ ولا إنتِ بس شاطرة تضحكيني شوية وتزعليني اليوم كله؟
لم تستطع حبيبة مقاومة دموعها أكثر من ذلك.
انهارت آخر مقاومة بداخلها، وألقت بنفسها باكية في حضنه، ولفت ذراعيها حوله بقوة، وكأنها وجدت في صدره المكان الوحيد الذي تستطيع أن تضع فيه كل ما أثقل قلبها.
اعتصر قلبها ألمًا عليه، وأيضًا حبًا له.
كانت تعلم جيدًا كم ضحى رضوان من أجلها، وكم حمل فوق عمره حتى يمنحها ما حُرم هو منه.
ربت رضوان على ظهرها بحنان، وظل صامتًا للحظات، يتركها تبكي حتى تهدأ، بينما كانت زهرة تراقبهما بعينين دامعتين.
كانت ترى أمامها سنوات كاملة من عمر ابنها، سنوات حمل فيها مسؤولية أكبر من سنه، ودفن أحلامه واحدة تلو الأخرى دون أن يشكو.
تنفست زهرة بوجع، ثم قالت بحزن:
ـ طيب واخرتها يارضوان؟
رفع رضوان عينيه إلى أمه، وظلت يده تربت على ظهر حبيبة للحظات قبل أن يجيبها. كان يعرف أن السؤال لم يكن عن هذه اللحظة وحدها، بل عن الطريق كله الذي يسير فيه منذ سنوات.
وخاطبها هي الأخرى:
ـ إنتوا عارفين إن الغلط مش عند رباب... الغلط عندي أنا.
ابتعدت حبيبة قليلًا عن حضنه، ومسحت دموعها، وظلت تنظر إليه في صمت، بينما كانت زهرة تتابع ابنها منتظرة ما سيقوله.
تابع رضوان بصوت هادئ يحمل اعترافًا طالما أخفاه:
ـ لأني سلمت قلبي ومشيت وراه، مع إني عارف النهاية إيه.
صمت لحظة، ثم أطرق برأسه قليلًا قبل أن يرفع عينيه من جديد:
ـ أنا من البداية عارف هي مين، وبنت مين، والنهاية هتكون عاملة إزاي. بس القلب وما يريد بقى... ملناش حكم عليه.
أطلق ضحكة خافتة لا تحمل أي فرح، وكأن حتى اعترافه بحبه لم يعد قادرًا على انتزاع ابتسامة حقيقية منه:
ـ ورغم كل ده، رضوان قد كل سد وسد، ويعدي منه ولا يهزله رمش.
نظرت إليه أمه بحنان، ثم مدت يدها وربتت على كتفه، وكأنها تريد أن تحمل عنه ولو جزءًا بسيطًا مما يخفيه داخل صدره.
وقالت:
ـ الشيله تقليه عليك ياضنايا.
نظر إليها رضوان، وابتسم ابتسامة صغيرة، ثم مسح هو على رأس حبيبة وأكمل، وقد عاد صوته إلى قوته المعتادة:
ـ ياريت الشيله والحمل كله في خفتك انتي وحبيبه يا أمي.
حاول أن يخفف من ثقل اللحظة، ثم أسند ظهره إلى الأريكة وأخذ نفسًا عميقًا، وقال:
وبعدين هو أنا اشتكيتلكم من المصاريف؟ لما أبقى أشتكي وأقول تعبت، يبقى تتكلموا.
ثم نظر إلى حبيبة مباشرة، وقد عادت إلى عينيه تلك النظرة الحاسمة التي لا تسمح لها بالاعتراض، وقال بحسم لا يقبل النقاش:
ـ أنا هصرف عليكِ يا حبيبة، وهتكملي تعليمك، وهتلبسي أحسن لبس، وهعيشك أحسن عيشة طول ما أنا عايش.
ثم أضاف:
ـ ومش هخليكي ناقصك حاجة. وهنحت في الصخر علشانك إنتِ وأمي.
ظل صوته ثابتًا، لكن عينيه كانتا تحملان من التعب أكثر مما أفصح عنه لسانه.
ثم التفت إلى أمه، وكأنه يريد أن ينهي الحديث من أساسه، قبل أن يعودا إلى نفس الدائرة التي لا يجدان لها مخرجًا:
ـ وهقول تاني... لو على رباب! لو مش هتقدر تتحمل ظروفي هي وأهلها، يبقى خلاص، هما حرين.
سكت لحظة، ثم رفع رأسه قليلًا، واستقرت ملامح الكبرياء على وجهه، وكأنه اتخذ قرارًا لا يريد التراجع عنه مهما كان الثمن.
ـ أنا مش هخسر أكتر من اللي خسرته.


تعليقات