رواية جثة علي الترعة الفصل الثاني 2 بقلم حمدي المغازي

  


رواية جثة علي الترعة الفصل الثاني بقلم حمدي المغازي



دخلت الست وهي باين عليها الإنهاك، طرحتها نازلة على وشها، عينيها مورمة من العياط، قعدت قدام المكتب وإيديها بتفرك في بعض بتوتر.

-البقاء لله ياحاجة، أنا طبعًا مقدر الموقف، لكن وجودك هنا وردك على اسألتي هو اللي هيساعدني إني أجيب حق بنتك.

-وانا تحت امرك يابيه.
-اسمك وسنّك؟
-نجاة عبدالسلام ٤٩ سنة، والدة فردوس.
-آخر مرة شفتي بنتك كانت إمتى؟
-قبل ما تختفي بساعة تقريبًا، خرجت الشغل كعادتها، وقالتلي عندها مشوار صغير بعده وهترجع، ومرجعتش.

-في حد كان معاها؟
-ايوة، صاحبتها ملك.
-طب مسألتيش ملك فردوس راحت فين؟
-سألت وقالت إنها خلصت شغل قبلها ومشيت.

-اتأخرتي ليه في تقديم البلاغ؟

-استنيت، قولت يمكن عند صاحبتها، يمكن زعلانة مني، يمكن، يمكن أي حاجة غير اللي حصل.

-كانت زعلانة منّك ليه؟
-بسبب إني وقفت مع جوزي قصادها.
-جوزك؟ هو والدها متوفي؟
-ايوة.
-وكان أيه سبب الخلاف؟

حطت وشها في الأرض ورجليها بدأت تتهز.. اتوترت.
-ساعديني يا استاذة نجاة، صدقيني كلامك مهم جدًا.
-قالت لي إنه حاول معاها أكتر من مرّة، وهي صدته.. ولما واجهته أنكر.. وأنا بصراحة صدقته وكدبت بنتي.

عينيها اتملت دموع..

-الله يرحمك يا فرودس الله يرحمك يا حبيبتي.

-طب وليه كدبتيها؟
-بصراحة خوفت أخسر الراجل، لكن بعد ما خرجت سمعت صوت شعبان جوزي بيكلم حد وصوته علي وهو بيقول لو قولتي حاجة عن اللي حصل لحد تاني هتندمي، عملت نفسي مسمعتش حاجة، لكن بعد فترة شوفته بيبص عليها من فاتحة في باب الحمام، وكدّبت عيني، ماهي الواحدة مننا في الزمن لخبر ده ملهاش إلا جوزها تتحامى في ضله مهما حصل، ولازم تتنازل وتغمي عينيها وتسد ودانها كمان.

-طب كان بينها وبين حد تاني أي خلافات؟

-اللي قولته هو اللي اعرفه يابيه ومعنديش حاجة تانية أقولها.

-تمام يا حاجة، تقدري تتفضلي.

وبعد ما خلصت معاها، كده بقى قدامي مشتبه فيه رئيسي، وهو جوز الأم، ياما مر علينا حاجات كتير زي دي، وفي الغالب بيطلع هو القاتل لما بييأس من البنت.. لكن لسه هنشوف، طلبت من كمال يعملي تحريات عن فردوس وجوز أمها وملك صاحبتها، أكيد هيظهر حاجات تانية، وبعدها كتبت النقط المهمة اللي الأم ذكرتها.

مر يومين ولقيت لبنى داخلة عليا وفي ايديها التقرير النهائي للمجني عليها.

-صباح الخير يا يونس باشا.

-ايه الأخبار.

-أولًا، الجثة اتنقلت من مكان القتل بعد الوفاة بساعتين تقريبًا.
آثار السحب على السجادة مطابقة لاحتكاك أرضية سيراميك، مش أرض رملية.

-يعني القتل تم في مكان مُغلق؟

-أيوه، وعلى الأغلب شقة سكنية، كمان لقينا بقايا منظف منزلي على أطراف السجادة، حد حاول يمسح آثار دم من على الأرض.

-والبصمات؟
-البصمات الواضحة كانت للمجني عليها بس.. لكن ركزنا في حاجة تانية.

-ايه؟

-ألياف، لقينا ألياف قطنية زرقا دقيقة جدًا عالقة في أظافر المجني عليها.

-قاومت؟

-لا، مش مقاومة كاملة، العلامات بتقول إنها حاولت تبعد إيد، مش اشتباك عنيف، يعني كانت مصدومة، أو مش متوقعة الهجوم.

-بتثق في اللي قتلها؟

-بالظبط.

-طب والراس؟

-الفصل تم بأداة حادة، أقرب لساطور مطبخ، مش احترافي قوي، فيه تردد في الضربة الأولى، يعني مش حد متعود يقتل.

-قتل بدافع خوف، مش تخطيط.
-ايوة.

-تمام، تقدري تتفضلي.

الكلام ده معناه، إن اللي قتل فردوس شخص مكنش مخطط إنه يقتلها، لكنه خاف من حاجة، وعلشان كده نفذ بدافع الخوف. وبعد ما خلصت معاها الموبايل رن:

-ايوة؟
-صباح الخير يا فندم.
-ايه الأخبار يا كمال؟
-بالنسبة لفردوس، تحرياتنا بتأكد إنها كانت على خلافات مع فرج ابن عمها لأنه اتقدم لها اكتر من مرة ورفضته، ده غير إنه كان ماشي وراها في كل حتة تقريبًا وأتعدى عليها قبل كده، وخدت عليه حكم بعدم التعرض.. وملك ناس شافوها مع فردوس قبل ما تختفي، راحوا الشغل سوا وملك خرجت لوحدها استنتها في كافية جنب الشغل، وشعبان بقى ده حكاية تانية.

-اشمعنى؟
-الجيران بيأكدوا إنه راجل سكير وعالة على البيت لأن مراته هي اللي بتصرف عليه، في أول الجواز كان رافض وجود فردوس في البيت وبعد كده الحال اتبدل ومبقاش عايزها تخرج حتى تروح شغلها.. وطبعًا سيادتك عارف ليه.

-أكيد طبعًا عارف، الأم تتلهي في شغلها، يقوم يستفرد هو بالبت.. أنا عايز شعبان يكون قدامي في أسرع وقت، وعايز أشوف ملك وفرج كمان أكيد عندهم حاجة يقولوها.  كده أنا قدامي اتنين مشتبه فيهم والتالتة كانت معاها قبل ما تختفي يعني اكيد كانت عارفه رايحة فين وهتقابل مين وحسي الأمني بيقول إن الشخص ده هو اللي عمل فيها كده، بس ليه وعلشان أيه ده اللي لازم نعرفه. 

ولعت سيجارة وبدأت أحسب في الوقت، الوقت اللي كان بيمر ببطء المشرط على الجسم، لحد ما فتحت دفتر الملاحظات وعملت دايرة كبيرة وقسمتها لكام خانة، وكل خانة كتبت اسم من المشتبه فيهم، وفي النص فردوس لأنها العنصر الأساسي في القضية، قفلت الدفتر، وخدت مفاتيح عربيتي واتحركت على البيت، كان لازم افصل اليوم ده لحد ما كمال يبعتلهم، أول لما وصلت اترميت على السرير وظبط المنبة على الساعة ٧ الصبح وبعدها روحت في النوم.

"صوت رنة تليفون"
رديت وانا بتواب.

-أنا آسف ياباشا على الازعاج، بس شعبان وفرج موجودين سعادتك، لكن اميرة لسه ملهاش أثر.
-تمام يا كمال، أنا جاي حالًا.. مسافة السكة بس.
-براحتك ياباشا.

أول لما وصلت طلبت قهوتي وطلبت من كمال يدخلي فرج الأول.

فرج دخل بخطوات مهزوزة، جسمه ضخم شوية، وعينيه مش ثابته في مكان، زي ما يكون أول مرّة يدخل مكان زي ده، لدرجة انه قعد قدامي قبل ما أطلب منّه، وعلشان مزودش توترة وخوفه متكلمتش، اكتفيت بابتسامة باردة وبس.

-اسمك وسنّك؟
-فرج عبد التواب ٣٥ سنة.. ابن عم فردوس.

-انتَ عارف أنا ليه مستدعيك؟
-وهعرف منين يا باشا، بس أكيد يعني بخصوص فردوس بنت عمي.

-بالظبط كده.. قولي يا فرج أنتَ اتقدمت لفردوس قبل كده؟

-ايوة يا فندم.

-وايه اللي حصل؟ 

-مفيش سعادتك، اترفضت وكل واحد مشي من طريق.

-طب بالنسبة للناس اللي كانوا شايفينك ماشي وراها في كل حتة؟ وتعديك عليها في وسط الشارع، تقدر تقولي كان أيه السبب؟

وشه أحمر، وبدأ يطرق في صوابعة، توترة زاد والكلام خرج منه متقطع.

-علشان كنت بحبها، إنما هي؟ هي لأ.

-واللي يحب حد يطاردة؟ ويتعدى عليه؟

-هيَّ برضه كانت بتتعمد تستفزني قدام الناس، ولما كانت تمشي مع أصحابها وتشوفني تفضل تتريق وتضحكهم عليا، وأنا راجل ياباشا.

-والرجولة بقى إنك تضربها؟

لحظات من الصمت..

-كنت فين وقعت وقوع الجريمة؟
-وانا هعرف منين ياباشا الجريمة حصلت امتى؟
-نغير السؤال.. كنت فين يوم اختفاء فردوس.

-في القهوة، من بعد المغرب لحد الساعة ١ بالليل.

-معاك شهود؟

-أيوه، المعلم ربيع وكل اللي كانوا قاعدين.. ويشهد ربنا إن بعد الحُكم اللي اتاخد عليا وأنا بعدت عنها والناس كلها تشهد بكده.

-تمام يا فرج، تقدر تتفضل، ولو احتاجتك تاني هبعتلك.

-يعني أنا كده خلاص يا باشا؟ أقدر اروّح؟

-ايوة، اتفضل.

كلام المعمل الجنائي بيأكد من العلامات اللي على جسم فردوس إن الشخص اللي عمل كده علاقته بالمجني عليها قوية، وفرج العلاقة بينه وبين فردوس كان متوترة، يعني مش بتثق فيه إنها تكون معاه في مكان واحد، لكن هيفضل موجود في دايرة الشُبهات لحد ما يظهر جديد.

وبعد ما خرج فرج دخل من بعده شعبان.. راجل خمسين، لابس قميص ضيق، وشعره مصبوغ، واضح انه بيهتم بنفسه وعايش سن مش سنّه.


تعليقات