رواية مستودع الانابيب الفصل الثاني 2 بقلم محمود الأمين

 


رواية مستودع الانابيب الفصل الثاني بقلم محمود الأمين


وأنا ماشي حسيت بنفس ورايا، اتلفت مفيش حاجة خالص.. لكن على مراية الحوض لقيت دم أو اسم مكتوب بالدم: وائل.. مين وائل؟ لقيت صوت في ودني بيقولي: وائل.. وائل...
خرجت أجري بره الحمام، وفضلت صاحي لحد الصبح. هنام إزاي في الرعب ده؟ وبعدين ده أول يوم يحصل فيه كده، ما بالكم بقى باللي جاي!
تاني يوم..
العنبر كله صحي على الساعة 8، دخلنا الحمام ولبسنا ورحنا الميس، فطرنا، وكل واحد اتحرك على شغله.
الغريب بقى إن محدش سألني: إنت جديد هنا؟ ولا جيت إمتى؟ ولا منين؟!
كنت مستغرب، لكن بدأت أنا أقرب من الناس وأعرفهم بنفسي. قربت من الناس وقلتلهم:
_ أنا اسمي جابر، جديد معاكم هنا.
سلم عليا واحد وقلي:
_ أهلًا، أنا إبراهيم.
وواحد تاني قالي:
_ أنا مسعد، نورت.
أما التالت فقلي:
_ أهلًا بيك، أنا وائل.
أنا سمعت الاسم وتنحت.. مين وائل؟!
قلي:
_ مالك؟ هو إنت تعرفني؟
_ ها؟ لا لا، معرفكش.. معرفكش.
_ طيب، أنا هعرفك على الناس كلها، وهنفهمك الدنيا هنا ماشية إزاي.
هزيت دماغي إنه تمام يعني.
خلصنا شغل على الساعة 2 الظهر، ودخلنا نتغدى في الميس. لقيت وائل جاي ومعاه الناس كلها اللي بتشتغل معانا، وقعدنا كلنا على ترابيزة واحدة، وقال:
_ ده جابر يا جماعة، جديد معانا هنا. رحبوا بيه.
بدأت الناس ترحب بيا وتقولي: نورت المكان. وبدأت فعلًا أطمن.. واضح إن الناس هنا طيبين.
اتغدينا واتلمينا كلنا في العنبر، وعملنا الشاي وبدأنا نهزر مع بعض...
لكن..
وائل قال حاجة زعلتني جدًا وخلتني قومت سبت القعدة ومشيت.
قال:
_ هو صحيح إنت تربية ملجأ يا جابر؟
سؤال مش في محله.. كنت متضايق جدًا. روحت قعدت مع نفسي، ولأول مرة أعيط بحرقة.
هو الماضي هيفضل يطارد فيا على طول ولا إيه؟
محدش جه يواسيني ولا ياخد بخاطري.
المهم إن الليل جه، والمفروض إن العشا الساعة 8، وبعدين نستعد للنوم.
الساعة كانت 7 بليل. دخلت العنبر، رتبت هدومي في الدولاب؛ عشان امبارح كنت تعبان.
رتبت الهدوم، لكن فجأة سمعت صرخة خلت الناس كلها تتجمع عند مصدرها، واللي كان الحمام.
الناس دخلت وبدأت أسمع دوشة وصراخ. جريت أنا كمان على الحمام، عاوز أفهم في إيه.
لكن اللي شوفته كان صعب وبشع لأقصى درجة..
وائل مقتول بطريقة بشعة... جسمه كان محروق ومتفحم، والأدهى والأصعب إن اللي قتله الأول شق بطنه وطلع أحشاءه.
متخيلين المنظر مقرف إزاي؟
وكأن اللي قتله ده كان مستمتع وهو بيقتله.
بسرعة الناس اتصلت بالشرطة، اللي جات وفتحت تحقيق. طبعًا اتحقق مع كل الموجودين.
واتقال إن الشخص اللي قتل ده في منتهى الذكاء؛ لأنه قدر يخفي البصمات بحرقه للجثة.
لكن مين الشخص اللي ممكن يقتل بالطريقة دي؟ إنسان اتجرد من الإحساس، ومن كونه إنسان أصلًا!
اليوم ده كان من أصعب الأيام، لكن الأستاذ سمير طلب يقعد معانا وقال:
_ أنا عارف إننا مرينا النهارده بحادث أليم، ومش هبالغ لو قلت إحنا في مصيبة. أنا مراعِي مشاعركم وحزنكم على زميلكم، لكن أنا طالب منكم إننا نتعامل عادي، وبكرة ننزل نشوف شغلنا. ده أكل عيشنا.
ردينا عليه وقلنا كلنا:
_ لكن اللي مات ده بني آدم، وإحنا أعصابنا تعبانة من اللي شوفناه. لو إنت حاسس ومراعي فعلًا، وقف الشغل لحد ما نعرف مين قتل وائل. إحنا مش هنشتغل غير لما نعرف مين القاتل.
_ اللي مش عاجبه كلامي يتفضل يصفي حسابه ويمشي.. والكلام خلص لحد هنا.
مشي الأستاذ سمير، أو سمير بيه، وكلنا بصينا لبعض، وبصراحة محدش كان عنده استعداد يسيب الشغل.
مكنش جيلي نوم بعد اللي حصل ده. مكنتش عارف أفكر ولا أخد قرار. اللي سمعته عن المكان ده كوم، واللي حصل امبارح ده كوم تاني خالص.
لكني من كتر التفكير عيني راحت في النوم.
صحيت على نفس صوت النقر من تاني. المرة دي تجاهلت، وقلت: مش هقوم.
لكن صوت همس في ودني قال:
_ وائل مش أحسن منك عشان يتريق عليك، بس بصراحة إنت اتفننت في قتله.
_ إيه اللي أنا سمعته ده؟ مين اللي بيتكلم؟ مين؟ وإنت بتقول أنا قتلت مين؟! أنا مقتلتش حد!
_ جابر.. جابر! إنت بتخرف ولا إيه؟ قوم يا جابر.
_ مين؟
_ مين إيه؟ أنا مدكور. قوم، إبراهيم عاوزك في المخبز دلوقتي.
_ ليه؟ هي الساعة كام؟
_ الساعة 12 بليل. قوم، أنا معرفش هو عاوزك ليه.
مشي مدكور، وأنا مستغرب.. هو عاوزني في إيه ده؟
قومت ونزلت المخبز عشان أشوف إبراهيم عاوز إيه.
دخلت المخبز وفضلت أدور، مش لاقيه. لكن فجأة سمعت صوت ورايا.
اتلفت.. كان كلب! كلب كبير لونه أسود، وكان بيعمل صوت كأنه بيزوم عليا. لكن لاحظت إن الكلب ده شعره بيقع وكان بيقرب مني.
فضلت أرجع لورا وهو يقرب.. أرجع وهو يقرب.
وفي لحظة هجم عليا!
صرخت، ولقيت الناس اللي في العنبر كلها بتفوقني.
ده كان كابوس.. الحمد لله.
الناس رجعت نامت، والساعة كانت 5 الصبح، يعني خلاص الصبح طلع.
فضلت صاحي شوية، قومت من السرير ودخلت الحمام، وبعد ما خلصت جيت أخرج.
الباب اتقفل عليا ومش راضي يفتح.
وزي ما إحنا عارفين إيه اللي بيحصل في المواقف دي.. أيوه بالظبط!
النور قطع، والحمام غرق في الضلمة.
مكنتش خايف.. لا، كنت مرعوب حرفيًا.
شغلت كشاف التليفون الصغير اللي معايا، وحاولت أفتح الباب، لكن برضه مش عايز يفتح.
فضلت أخبط وأنادي.
في الوقت ده، إيد اتحطت على كتفي.
بصيت بالكشاف.. كان شخص رفيع جدًا، لدرجة إن العضم بارز في وشه.
وقالي:
_ إبراهيم.. الدور على إبراهيم.
في اللحظة دي النور رجع، ولقيت اللي خلاني هموت من الرعب!
المرايا مكتوب عليها بالدم:
إبراهيم
فتحت باب الحمام، والمرة دي اتفتح معايا. خرجت أجري، رجعت العنبر وأنا باخد نفسي بالعافية، وبقول:
_ ربنا يسترها.
الساعة جت 8 الصبح، ورحنا كلنا على الميس عشان نفطر كالعادة.
لاحظت إن إبراهيم بيبصلي بصات غريبة، ومكنتش فاهم حاجة.
خلصنا الفطار وروحنا على شغلنا.
لقيت إبراهيم بيقولي:
_ جهز نفسك، إنت هتنزل معايا العجين النهارده.
_ بس أنا مبعرفش أعجن.
_ تتعلم يا أخويا، أمال إنت جاي هنا تهبب إيه؟!
_ إنت بتكلمني كده ليه يا إبراهيم؟
_ بكلمك إزاي يعني؟ أنا اللي قولته يتسمع.
مكنتش فاهم إبراهيم بيكلمني كده ليه.
وعدى اليوم لحد ما مدكور جه وصحاني عشان أنزل أعجن العجين مع إبراهيم.
خليني أوضح إن عندنا عجانة بالكهربا، بنحط فيها العجين وبنحركه برضه بإيدينا.
المهم إني نزلت معاه نعجن العجين.
وإحنا شغالين قالي:
_ إنت ليك دخل بموت وائل؟
_ إنت قولت إيه؟ إنت مجنون؟
_ إنت اللي كنت بتقول كده وإنت نايم. كنت بتقول إنك قتلت وائل.
_ أكيد كنت بخرف وأنا نايم، مكنتش في وعيي.
_ عمومًا كل حاجة هتبان قريب.
حط إبراهيم إيده عشان يقلب العجين، ومش عارف إيه اللي حصل. العجانة مسك فيها ماس كهربائي، وبدأ جسم إبراهيم يتنفض بقوة، وفضل يقول:
_ الحقني! الحقني! افصل الكهربا!
أنا فعلًا عايز أتحرك، لكن رجليا اتجمدت في الأرض، مش عارف أتحرك.
ووقع إبراهيم جثة هامدة قدام عينيا.
مبقتش عارف أعمل إيه.
طلعت أجري أبلغ أي حد باللي حصل. صحيت الناس كلها وأنا بصرخ فيهم:
_ إبراهيم مات! إبراهيم مات!
الناس كلها جريت على المخبز عشان يشوفوا المنظر.
لقيت في ناس بتقولي:
_ إنت اللي قتلته! إنت اللي قتلته!
كنت بدافع عن نفسي وبقول:
_ محصلش!
جات الشرطة وبدأت تحقق من تاني، وأخدوا أقوالي.
وبعد فحص الجثة من الطب الشرعي، قالوا إنه مات بسبب ماس كهربائي.
الناس بدأت تعتذر ليا عن إنهم اتهموني بقتل إبراهيم.
صاحب المستودع، سمير بيه، قرر يدينا إجازة 3 أيام نريح أعصابنا، وقال إنه خلال الـ3 أيام دول هنشتري أكل من بره من فلوسنا.
وافقنا؛ لأننا فعلًا محتاجين نرتاح ونريح أعصابنا شوية.
خلال الـ3 أيام دول محصلش أي حاجة، والدنيا بدأت تهدى تدريجيًا.
لكن في نهاية اليوم التالت، كنت نايم ومكنش فيه حد في العنبر غيري.
معرفش الناس راحت فين.
صحيت على صوت واحد بيقولي:
_ سبتني أموت ليه يا جابر؟ سبتني أموت ليه؟
فتحت عينيا.. كان اللي واقف قدامي إبراهيم!
عاوز أتكلم، لكن حاسس إني عجزت عن الكلام.
لكن قدرت أتكلم وقلتله:
_ إنت ميت! دلوقتي إنت ميت! بتتكلم إزاي؟
قرب مني، ومسكني من رقبتي وفضل يخنق فيا.. يخنق فيا، وأنا أنازع.
لحد ما قدرت أتخلص من إيده، وفضلت أكح كتير.
المكان ده مش طبيعي، وفيه حاجة غلط.
قومت ورحت قعدت مع مدكور على البوابة.
أول ما شافني قال:
_ أهلًا يا جابر، خير؟ في حاجة ولا إيه؟
_ لا أبدًا، قلت أجي أقعد معاك شوية.
_ نورت يا سيدي. تشرب شاي؟
_ آه ياريت، عشان الدنيا برد.
_ مالك؟ وشك مخطوف كده ليه؟ كأنك شوفت عفريت.
_ عشان أنا فعلًا شوفت عفريت يا مدكور. أنا شوفت إبراهيم.. إبراهيم يا مدكور، اللي هو المفروض مات.
_ بقولك إيه؟ أنا قولتلك قبل كده بلاش تركز، بس إنت بتعاند وشاغل بالك معرفش ليه.
_ يعني إنت عارف إيه اللي بيحصل يا مدكور؟
_ أيوه عارف، ومقدرش أتكلم ولا أفتح بوقي. ده سمير بيه يطين عيشتي.
_ هو سمير بيه كمان عارف؟
_ بقولك إيه؟ إنت هتجيبلي المشاكل! قوم ارجع العنبر، ولا شوف إنت رايح فين.
قومت مشيت من عند مدكور وأنا مش فاهم حاجة..
إيه اللي بيحصل في المكان ده؟ وليه؟
رجعت العنبر على صوت صرخة..
جريت على العنبر بسرعة، لقيت...


تعليقات