رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثاني والثلاثون
«حقائق مؤجلة»
ما بين الحرية واليقين تأتي الحقيقة، فهي تحررك من قيودك حتى لو جعلتك تبكي أولًا، لكن حين تتأخر الكلمة الصادقة، لا تعود كافية لترميم ما أفسده الصمت، لتصبح تلك الحقيقة المؤجلة بمثابة لعنة سبقت العاصفة.
قد تظن أنها مجرد خطوة واحدة متأخرة، لكن الوهم قد سبقها بألف خطوة، حينها فقط يصبح الهروب هو أسهل قرار دون الإستماع إلى تبرير، فقد تحولت الحقيقة إلى عبء ثقيل يُنتظر حمله بين طيات الندم.
الحقيقة المؤجلة ما هي إلا أنياب قد غرست بقلب الثقة، فلا تظن أنه بتأجيلها قد قمت بإلغائها، بل ما كانت إلا وقتًا إضافيًا لتربية أنياب أكبر.
ورغم ذلك فعند البعض الحقيقة المؤجلة ما هي إلا رحمة مؤقتة، تمنح القلب وقتًا لإستجماع قواه، فالشمس إن أشرقت دفعة واحدة بعد ظلام دامس قد تسبب العمى.
بعض الحقائق تمامًا كالجمر يجب تأجيلها حتى تصبح رمادًا، فإعلانها بلحظات الإشتعال لن يمنح النور، بل ستحرق قلوبًا لا يمكن شفاؤها.
رشا روميه
❈-❈-❈ــ
مستشفى هايلدبيرغ - ألمانيا...
حين تختلف رؤيتك ترى الصورة بشكل مفزع، كما لو أن كل ما رأيته من قبل أصبح كذبًا، أ يعقل أن تكون مجرد كلمات جعلتها تراه بهذه الصورة البشعة؟! أم أنه كان كذلك من البداية دون أن تنتبه؟
رشا روميه
وقفت "ليلى" تناظر "نور" بنظراتها التي تحمل حديث قاسي دون أن تتفوه بكلمة واحدة، لم تعد نظرات عينيها ساحرة آخاذة، بل أصبحت شرسة قوية، كما لو أنها غاضبة حادة الأنياب تتمنى أن تهجم بضراوة للنيل من حقها المسلوب.
أخذت ترمقه لبعض الوقت قبل أن تجيبه ساخرة:
- مش مهم، أنا رايحه مشوار مهم أوي، عايزه لما أرجع أقابلك ضروري، إستناني في الحديقة العامة إللي بعد المستشفى.
رغم إحساسه بأن هناك شئ تخفيه وأنها ليست على ما يرام، إلا أنه أجابها بهدوء:
- تمام حستناكِ، بس إنتِ رايحه فين؟
كادت نظراتها القوية أن تخترق عيناه، فلو كانت للنظرات أيدي لتيقن أنها تصفعه بقوة، لكنها أجابته بعد صمت لحظي بثبات شديد:
- مشوار حيفرحك أوي، حيحسسك إنك حر ومنطلق.
تجهم "نور" فبالتأكيد هناك شئ غير طبيعي، فطريقتها مختلفة تمامًا معه، ليتسائل بإستغراب دون فهم مقصدها:
- برضه مش فاهم إنتِ عايزه تقولي إيه؟!
رفعت من رأسها لتجيبه بنفس الغموض:
- مش قولت لك مش مهم، قابلني بس في الحديقه كمان ساعتين، وإنت حتعرف وتفهم كـــــل حاجه.
تركته دون حتى كلمة وداع لتتحرك بخطواتها القوية مغادرة ساحة المستشفى بالكامل، تاركة "نور" يتخبط بحيرة من طريقتها وحِدتها الظاهرة، فكل كلمة تفوهت بها كانت كإشارة لأمر ما، يتردد صداها بداخله، لكنها تركته مشوشًا تمامًا دون إدراك ما تقصده أو تلمح إليه.
ظل يتابعها حتى غاب ظلها تمامًا ليهمس بتعجب:
- هي مالها؟!! مال طريقتها إتغيرت معايا كدة ليه مره واحده؟!!!
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
من قال أن البداية الجديدة تتطلب أن تكون شخصًا آخر، بل عليك أن تكون النسخة الأفضل من نفسك، فأعظم نصر هو أن تتغلب على ماضيك، وتخطو بثقة نحو بناء مستقبل لا يعرف الخوف، إغلق باب الماضي فالمستقبل يستحق أن تمنحه كل طاقتك.
رشا روميه
شركة فرست للأغذية...
بدأت "فرح" تشعر بالإستقرار وأن عليها تخطي الماضي وأن تمضي قدمًا بحياتها، فلن تظل تلعب دور الضحية، عليها أن تنهض وبقوة.
بعد أن إستأجر لها "سامح" تلك الشقة الصغيرة حتى يتم زواجهما، قررت البحث عن عمل وأن تخطو خطوة جديدة بحياتها، تقدمت لبعض الشركات باحثة عن فرصة مناسبة لها، وبالفعل قُبلت بشركة (فرست للأغذية) لما وجده بها مديرها من نشاط وإجتهاد ملحوظ، حتى أنها قد وقعت عقد بداية عملها والذي سيبدأ من الغد كموظفة بتلك الشركة تختص بالمبيعات.
خرجت "فرح" من الشركة منطلقة بحماس لتشارك لحظة سعادتها مع شريك العمر، الذي بالفعل أصبح يقتسم معها كل تفاصيل مستقبلها.
خلال تلك الأيام الماضية بدأت تتذكر العديد والعديد من الذكريات والمواقف، لكنها كانت تتغاضى عما كان يسبب لها الضيق، لترسم لنفسها طريق جديد ممهد بالسعادة والنجاح، وتوفيق من الله، ورفقة ما كانت تتمنى أكثر من ذلك بحياتها.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
نيران الحقيقة أم غفلة السعادة؟!
إنها الحيرة بين سعادة زائفة تأتي بإغفال الحقيقة، وبين إدراك ما خفي لنصدم بواقع مؤلم، وحقيقة قاسية، فنتمنى لو بقينا بداخل متاهة الغفلة ولو قليلًا فلم نحظى بنشوة سعادتها المؤقتة بعد.
رشا روميه
الحديقة العامة - ألمانيا...
ذلك الوقت القصير لم يمر بيسر مطلقًا، فبكل لحظة ودقيقة إنتظار يكمن الحيرة والتخبط والظنون وهواجسها، وقت قصير لكن إحساسه كان كسنوات وسنوات.
جلس "نور" بالحديقة ينتظر عودة "ليلى" كما طلبت منه، لكن لم يغفل غضبها العجيب بداخل عينيها، ليجزم بأن هناك سبب قوي لذلك.
وبعد إنتظار لاحظ قدومها ليهب متلهفًا للقائها، لكنه لاحظ أن عيناها مازالت تحمل نفس نظرة الغضب والحدة التي كانت تمتلئ بها منذ قليل.
تقدمت "ليلى" لتلك المقاعد الموجودة بالحديقة ثم جلست على الفور فوق إحداها، تصرف غريب لم يفهمه "نور"، فهي لم تأتي نحوه بل جلست بعيدًا عنه، وبالرغم من تعجبه لغرابة تصرفها إلا أنه تحرك تجاهها فيبدو أن بها ضيق بالغ لتتصرف بهذا الشكل.
بقلم رشا روميه
حين وطأت قدميها الحديقة وتقدمت نحو المقاعد وإنتبهت لـ"نور" الذي كان ينتظرها بالفعل، شعرت بأن قدميها تصرخان بعدم تحمل، لتتراخى بقوة كما لو أنها تمنعها من تلك المواجهة، لتتراجع جالسة فوق أول مقعد يمر بها، فما هي إلا حطام مهشمة تسير على الأرض، ولم تعد تقدر على تحمل تلك الخيبات، لكنها رغم ذلك لن تظهر له ضعفها.
دنا منها "نور" متسائلًا بإستغراب:
- مالك حبيبتي؟!
إلتفت نحوه وهي تعنفه بكلماتها المنفعلة، فلم تعد تطيق ادعائه طيلة الوقت:
- خلاااص، معادش له لازمه التمثيل ده يا دكتور!!
عقص وجهه بعدم فهم لمقصدها، ليظهر إستغرابة لطريقتها المستحدثة معه:
- تمثيل!!! أنا مش بمثل يا "ليلى"!!
نظرت أمامها وهي تستكمل حديثها، فلم تعد تود رؤيته بعدما علمت بكذبه، وخداعه لها:
- وفر كلامك ووفر إنفعالك ده، أنا خلاص عرفت كل حاجه.
تحرك "نور" خطوة ليقف قبالها وهو يسألها بإستفهام وتعجب عن سبب طريقتها وحديثها، يطالبها أن توضح له ماذا تقصد:
- عرفتي!!!! عرفتي إيه؟؟!!! أنا مش فاهم حاجه؟!
بإبتسامة ساخرة أجابته بنفور:
- بإختصار شديد، ومن غير ما تكمل التمثيل الساذج ده، وبما انها حتكون المره الأخيره إللي حنشوف فيها بعض، يا ريت نتكلم مع بعض بصراحه.
صُدم "نور" مما قالته، لينفعل بشدة تخوفًا من مقصدها وما تفكر به:
- "ليلى"، إنتِ بتقولي إيه؟!! آخر مره، يعني إيه آخر مره نشوف فيها بعض؟؟؟! ليه بتقولي كده، وليه، إيه إللي حصل عشان ده كله؟!!
وقفت "ليلى" متناسية ضعفها، وقد تملكتها قوة المواجهة، فلن تتركه يجذبها لمتاهة أخرى ليزيد من خداعه لها، لن تتركه يتلاعب بها كما يشاء، بل عليها أن تكون هي الأقوى وهي من تدير الدفة نحو الوجهة التي تختارها، فيجب عليها أن تكون حازمة، صارمة، تستطيع حماية نفسها من تلك السذاجة التي يريد دفعها نحوها، بل عليه أن يدفع ثمن جُرمه وخداعه.
لتهتف به بقوة:
- إحترم ذكائي حتى يا دكتور، خلينا واضحين مع بعض أحسن، أنا عرفت إنك إتفقت مع بنت عمي، "نسرين" ما أنت عارفها!!! إنك تمثل عليا الحب ودور العاشق الولهان عشان فلوس الميراث بتاعتها، وبعد كدة تروحوا تتجوزوا، مش ده إللي إنت كنت جاي عشان تعمله معايا؟!!!! مش ده سبب إنك تقرب مني وتمثل عليا الحب؟؟! (كادت أن تنفلت أعصابها حين إهتزت نبرتها وهي تلومه عن خديعته، لكنها رفعت رأسها بشموخ تستكمل وهي تخبره قرارها الذي سينهي تلك المهزلة) أنا قولت أريحك وأريحها، وخلاص حقها حيوصل لها، تقدر انت كمان تنهي كل القصه دي، لأن كل إللي انتوا عايزينه حصل، يبقى كفايه لحد كده، ومش عايزه أشوفك تاني.
تعالت أنفاسها بقوة لتقبض كفيها إلى جانبها تشدد من قوتها التي يجب عليها أن تبقى هي المسيطرة ومالكة زمام الأمور، لتنظر نحو هذا المندهش مستكملة بتحذير:
- فهمت، ومن اللحظه دي، أنا مش عايزه أشوفك تاني في حياتي نهاااااائي، وتنسى إنك عرفت في يوم واحده إسمها "ليلى".
همت "ليلى" بالإنصراف وسط صدمة "نور" وتلجم لسانه، فوقع صدمة معرفتها للحقيقة المؤجلة كان قاسيًا مفاجئًا للغاية، فقد تناسى هذا الأمر برمته، لقد ظن أن صفحة "نسرين" قد طويت بالكامل بكل ما بها، لم يتوقع للحظة أن تعلم "ليلى" بكل شئ وبهذه الطريقة المضللة للحقيقة وما حدث.
بقلم رشا روميه
كما أنه لم يتوقع أن تكون "نسرين" بهذه الحقارة، وأن يزيد على مساوئها بكذبة جديدة، ليشعر بغبائه المحدود، فأين كان عقله؟! لقد فعلت ما هو أسوء من ذلك، لقد حاولت قتل عمها، فمن أين أتت ثقته بها بأنها لن تكذب، كيف آمن لها بعد علمه بحقارتها؟!
ليته كان أخبر "ليلى" بكل شئ من وقتها، لما كانت الآن تتهمه بخداعها بهذه الطريقة البشعة.
تدارك "نور" نفسه وأسرع باتجاه "ليلى" قبل أن تغادر، فعليه توضيح الأمر، إنه لا يريد خسارتها مهما حدث، ليسرع باللحاق بها وهو يمسك بيدها ليوقفها قبل أن تغادر:
- "ليلى"، إستنى بس، إسمعيني.
دفعت يدها بقوة تنهر يده عن يدها بنفور، لتعقد وجهها بغضب حاد محذرة إياه من التعرض لها والكذب عليها مرة أخرى:
- أوعى، فاهم، أوعى!!!! تفكر إنك ممكن تكمل معايا بتمثيليتك السخيفه دي، كل حاجه إنتهت، و إللي كنتوا بتخططوا وتفكروا فيه، خلاص حصل، خلاص حتاخدوا الفلوس، إبعد عني بقى، إبعد عني.
دار "نور" ليقف أمامها يمنعها من التحرك، قائلًا بنبرة متوسلة للبقاء:
- "ليلى"، إسمعيني بس، خليني أبرر موقفي.
أدارت وجهها بسخرية، فكم يستخف بها وبعقلها، سيحاول مرة أخرى الكذب والخداع، وعليها أن تصدق كذبة جديدة سيقوم بها، كيف يمكنه فعل ذلك، ألا يعلم الكاذب أنه حين يُفضح كذبه لن يصدق بعد اليوم حتى لو نطق بالحقيقة!!!
ضحكة قصيرة خرجت من بين شفتيها لكنها كانت بطعم الألم والغصة التي علقت بقلبها المفطور، لقد قال ما يثبت صحة ما قالته "نسرين" دون أن يعي ذلك، لتردف بتهكم:
- طالما قلت (تبرر)، يعني إنت بتعترف إن ده إللي حصل فعلًا، وإنها قالت الحقيقه، معنى كده إن "نسرين" خطيبتك، وانكم اتفقتم على كده، يا خسارة!!!!! كان نفسي تكذبها وتقولي إنك متعرفش حاجه عن الموضوع ده، لكن إنت عايز تبرر بس، مش قولت لك إحترم ذكائي!!!
ثم أكملت بنبرة حزينة يملؤها الحسرة:
- ده إنت عرفت اني بدور عليها عشان أرجع لها حقها!!!! ومع ذلك كملت في تمثيليتك!!!! عملت نفسك ولا تعرف حاجه عن عمي ولا أولاده!!! أرجوك ابعد عني، ابعد عن حياتي، كفايه إللي عملته، كفايه.
رغم قوتها وتماسكها وغضبها إلا أنها بالنهاية لم تعد تحتمل إحساسها القاهر بالغدر، كما كانت تتمنى أن تتشبث ولو بأمل ضعيف أن ما سمعته إفتراء كاذب، كانت تتمنى لو يكذب كل ما قالته "نسرين" ولو بالكذب لتعيش سعادة وهمية معه مرة أخرى، لكنه لم ينكر ذلك، لقد فعلها حقًا.
تحررت دمعة من عينيها فوق وجنتيها المشتعلتين بحمرة الإنفعال، لكنها أسرعت تمسحها بقوة، فلن تنهار، حتى وإن كانت كذلك، لن تجعله يرى ذلك، بينما حاول "نور" إيضاح حقيقة الأمر المتأخرة عن موعدها:
- إديني بس فرصه أشرح لك وأنا حفهمك كل حاجه، "نسرين" خدعتني، وقالت لــ....
قاطعته على الفور:
- قولت لك كفايه، كفـــــــــــــايه، مش عايزه أسمع حاجه، كفايه كدب، إزاي أصدقك وأثق في كلامك وإنت بتكدب عليا، تصدق، أنا قعدت أسال نفسي كتيــــــــر أوي، ليه دكتور زيك وفي مستواك ده، يفكر في واحده زيي!!!! واحده على قد حالها، ممرضه فقيره، ليه تتنازل كل ده عشان واحده زيي، دلوقتِ بس عرفت، بس أنا عمري ما حكون الضعيفه قليلة الحيله، بكره حكبر وعمرك ما حتعرف توصل لي، فاهم، عمرك ما حتعرف توصل لي مهما حاولت، مش حتقدر.
تركته "ليلى" لترحل مسرعة دون أن تسمح له بالإيضاح لأكثر من ذلك، إنفعالها القوي وحديثها المتوالي المتألم الذي غرس بنصله الحاد بقلبه، هي محقة بالتأكيد لكنها لم تستمع له، فقد وقف عاجزًا عن الشرح أمام إنفعالها الشديد.
إستقلت نفس سيارة الأجرة التى جاءت بها فقد كانت مازالت بإنتظارها كما طلبت من سائقها تحت أعين "نور" المصدومة.
تابعها "نور" وهي تبتعد حتى إختفت عن عينيه تمامًا، شعور متعاظم بالندم من إنه لم يصرح لها بالحقيقة، ولا يعلم ما الذي ألجم لسانه ولم يخبرها بأن "نسرين" هي من خدعته، وأنه يحبها حقًا منذ لقائهما الأول بالمستشفى، ألقى بجسده جالسًا بقوة فوق المقعد متفكرًا كيف سيستعيد ثقتها مرة أخرى، لكن عليه أن يتركها تهدأ أولًا، وبالتأكيد سيمر عليها مساء اليوم ليوضح لها الأمر كافة، لكن حين تهدأ قليلًا حتى يخبرها بالحقيقة كاملة، حتى لو كانت مؤجلة لكنها ستظل الحقيقة وعليه إخبارها بها.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
الحقيقة تبقى حقيقة مهما حاولنا تأجيلها، ففي النهاية سيقع القدر المحتوم رغم كل الكذب بأن كل شئ على ما يرام.
رشا روميه
بيت خليل زيدان...
حاولت كثيرًا أن تقنع نفسها أن مازال الوقت بعيدًا، وأنه ربما ستُنقذ من قدرها، لكن كل شئ تبدل بلحظة فقد وقع ما كانت تخشاه.
حينما حل المساء، وقفت "سمية" بإبتسامتها المائلة أمام "زهرة" قائلة:
- حضري العصير وتعالي بره، يلا قوام مش عايزين نتأخر على العريس.
رفعت "زهرة" عينيها بإنهزام لتمتعض بقوة لكنها مستسلمة بشكل تام:
- هو لازم؟
إنفعلت "سمية" بقوة وهي تتمالك صوتها المرتفع حتى لا يشعر "أبو نصار" بأن هناك خطب ما، لتنهر "زهرة" بقوة:
- بقولك ايه، مش ناقصه دلع، يلا يا أختي وريني جمال خطوتك، وعلى الله الراجل يحس بحاجه، وإفردي بوزك ده، هي جوازه ولا جنازه.
صدقت بالقول حتى لو لم تشعر، فهي تساق لجنازتها بالفعل، خرجت "زهرة" مرغمة نحو المطبخ لتضع أكواب العصير فوق الصينية لتتحرك ببطء ونفس مختنقة نحو غرفة المعيشة حيث جلس والدها مع العريس الذي أتى لزيارتهم اليوم لتحديد موعد عقد القرآن.
نظرت نحو والدها أولًا بنظرة فارغة، فما أصعب إحساس غربة النفس، وضعت الصينية دون أن تتفوه بكلمة واحدة ثم جلست بمقعد بعيد عن جلستهم الودودة الغريبة تلك، تطلعت بهذا الرجل الذي سيشتري هذه المرة، فلم تجد سوى كهل صاحب مال، يستطيع شراء زوجة جديدة، وبالطبع كانت هي السلعة المناسبة لذلك، دارت بمقلتيها بأبيها وزوجته اللذان يتضاحكان بسعادة، فما أسعدهما اليوم، فهما الرابحان بالتأكيد من تلك الزيجة الرخيصة.
بقلم رشا روميه
تنهدت بصمت ورضوخ لحظها التعيس، فكما كان حظها مع "أنور" كزوجة غريبة لرجل غريب، سيكون حظها مع هذا الرجل مرة أخرى، فتلك حقيقة وإن كانت مؤجلة.
مع الإتفاق على يوم الخميس القادم لعقد القرآن، كان شعورها حانق للغاية على هؤلاء الباعة والمشتري، لم يكن إتفاق زواج، بل كانت صفقة رابحة إتفق طرفيها على التسليم، وإستسلمت هي لذلك.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
لن أنظر خلفي هذه المرة، فبعض الفرص لا يمكنها الإنتظار، إنها طوق النجاة الأخير ولابد من إنتهازها.
رشا روميه
ألمانيا ...
مرور تلك الساعات لم يكن هادئًا على نفس "نور" المتصارعة، فما بين أن يترك كل شئ ويذهب إليها ليخبرها ويوضح لها حقيقة ما حدث، وما بين أن ينتظر قليلًا حتى تهدأ ويستطيع التحدث معها بعقلانية حتى تتفهم أفعال "نسرين" وتسامحه على خطئه.
وبالنهاية إنتظر لعدة ساعات ليعود بعدها للسكن بعد إنتهاء عمله بالمستشفى، صعد مباشرة نحو شقة "ليلى" وهو يشعر بإضطراب شديد وبرودة إجتاحت جسده بالكامل، يريد فقط أن يغمض عينيه وتعود الأمور بينهم كما كانت، ليته يعود بالزمن للوراء ويخبرها بكل شئ دون أن يخفي عنها شيئًا، يا ليته لم يؤجل الحقيقة التي ظهرت بشكل خاطئ تمامًا.
بقلم رشا روميه
وقف أمام باب شقتها يدق الباب عدة مرات، لكنها لا تستجيب مطلقًا، توجس قلقًا ليمد عنقه يحاول الإستماع إن كانت بالداخل أم لا، فلقد تخوف أن تكون متعبة أو حزينة، فهي بلا شك تشعر بالخيبة مما حدث وهو السبب بذلك بالتأكيد.
ظل على هذا الوضع لبعض الوقت حتى إنتبه له حارس العقار ليصعد نحو شقة "ليلى" محدثًا "نور" بالإنجليزية كما إعتاد معه:
- الأنسة التي تسكن هنا تركت الشقة هذا الصباح ورحلت.
إلتف نحوه "نور" بصدمة قوية، فلم يتخيل أن ترحل بهذا الشكل، توقع أن تبتعد قليلًا، لا إن ترحل تمامًا، إتسعت عيناه بقوة وهو يسأل الحارس:
- رحلت!!! إلى أين؟! ألم تقل إلى أين ستذهب؟
- لا أعلم، وليس من حقي أن أتدخل، فرجاء لا داعي لإزعاج السكان الآخرين بهذا الطرق القوى على الباب من فضلك.
بطريقة عملية تمامًا عاد الحارس لغرفته بأسفل البناية تاركًا "نور" يهيم بحيرة وهو يتحرك بآلية نحو شقته محدثًا نفسه بإستغراب:
- يا ترى راحت فين؟!! دي متعرفش حد هنا في ألمانيا غيري، عملت إيه يا "نور"!!! ضيعت حب عمرك من إيدك كده بالسهوله دي، يمكن راحت فندق أو سكن تاني، لازم بكره في المستشفى أشوفها وأتكلم معاها، مهما حصل لازم أفهمها كل حاجه.
عاد لشقته نادمًا على تأجيله للحديث معها مرة أخرى، فليته لحق بها ولم يتركها لتهدأ، ليته طرق الحديد وهو ساخن وأوضح لها ما بداخله، ليته أخبرها أنه يحبها بصدق، وتلك هي الحقيقة التي لا زيف فيها.
قضي ليلته في إنتظار بزوغ الصباح الذي تأخر كثيرًا بالمجئ، فعليه أن يبحث عنها فور أن يصل للمستشفى.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
أمل جديد يبدأ بولادة يوم جديد، فاليوم تبدأ "فرح" عملها بشركة الأغذية، بدوام مختلف ومرهق بالفعل.
لكنها شعرت بإحساس جديد للغاية تختبره لأول مرة، إنها ذات كيان وقدرة تزيد من أهميتها، إنها ليست تافهة مهمشة، بل قوية تستطيع القيام بعملها على أكمل وجه.
خطوة جديدة لتحقيق ذاتها بدعم كبير من "سامح"، الذي وقف يساندها بكل خطوة في حياتها الجديدة.
إنشغلت "فرح" بالعمل بالشركة طيلة اليوم وهذا جعلها تتحمس بشكل أكبر لإستكمال عملها وحياتها الجديدة، لكنها لم تنسى موعدها لتناول الغذاء برفقة "سامح" ووالدته، تلك الدعوة التي تكررت كثيرًا بالآونة الأخيرة، حتى أنها أصبحت تخجل من تكرار الدعوة، لكن طريقة والدة "سامح" اللطيفة معها جعلتها تشعر بالراحة لتتذكر كلماتها التي تتردد دائمًا برأسها"
- «إنتِ زي بنتي، ومن هنا ورايح تقولي لي يا ماما، وحنتغدا سوا مع بعض كل يوم، لحد ما ربنا يأذن ونتمم فرحكم على خير، مش حسيبك لوحدك أبدًا».
كما لو أن القدر يهديها قلب أم محب بعدما رحلت رفيقتها وشقيقة روحها "مديحة"، التي لم تكن أم فقط، بل كانت كل عائلتها وصديقتها المقربة أيضًا.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
الخوف يبنى الحواجز ويعلي من أسوار الظنون، لكنه ما يدفعنا نحو السعي بكل قوة لإيجاد الحلول التي صعب علينا إيجادها وقت السكون.
رشا روميه
مستشفى هايلدبيرغ - ألمانيا..
أسرع "نور" نحو المستشفى لإنتظار قدوم "ليلى" التي أقلقته بغيابها منذ الأمس، فهي ليست مجرد عابرة بحياته، بل إستوطنت قلبه وأصبح مسؤولًا عنها بعد وفاة والدها، ما يربط بينهما أقوى من مجرد مشاعر، لهذا عليها أن تتفهمه، وعليه أن يحاول إيضاح الأمر بشكل لا زيف فيه.
مرت ساعات اليوم دون ظهور "ليلى"، سأل الجميع عنها هنا وهناك، لكن لا جدوى، فهي لم تظهر مطلقًا، ليقترب اليوم على الإنتهاء دونها، لينتظر بتحسر محاولًا التفكير إلى أين ذهبت حبيبته الغائبة، فيبدو أنها مازالت منفعلة وتفضل البقاء لبعض الوقت بعيدًا عنه.
تشوشت أفكاره، فلم يعد يفكر بتركيز، حتى أنه تناسى تمامًا أمر عودة "كريم" وعاد مباشرة نحو السكن، فربما تعود "ليلى" وتريح قلبه المنهك لبعدها.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
خيم الليل وسكونه الهادئ، ليعلن وقت الراحة، هدوء صديق الصامتين اللذين يبحثون عن العتمة لإخفاء صخب القلوب..
شقة فرح الجديدة...
خلدت "فرح" للنوم مبكرًا بعد عودتها من تناول غذائها برفقة "سامح" ووالدته، فعملها بالشركة اليوم كان مرهقًا للغاية، فما بذلته من مجهود كبير اليوم، هو أمر غير معتاد بالنسبة لها مؤخرًا.
زادت حدة وتيرة الأحلام التي تحلم بها بالأيام السابقة، حتى أنها أصبحت مزعجة للغاية، فتلك الأحلام تخطت كونها خيال، إنها تشبه الواقع بشكل كبير، حتى أنها عندما أخبرت "سامح" بها، بدأ يربط بين تلك الأحداث التي يبدو أنها مجرد ذكريات من الماضي تأتيها بشكل حلم، فهذا ما أخبره به الطبيب النفسي بالمستشفى أيضًا.
بقلم رشا روميه
غطت "فرح" بنوم عميق اليوم لشدة إرهاقها، ليزورها حلم جيدي، حلم كان الأقوى والأعنف منذ بداية أحلام ذاكرتها التي تعود إليها، إنتفضت بقوة في فراشها وهي تغوص بأعماق هذا الحلم القوي، لحظة بلحظة خطفت أنفاسها لتفتح عيناها ما بين الوعي واللاوعي تحاول إدراك أين هي.
أنفاس متلاحقة وأعين مفزوعة، أخذت "فرح" تلتقط أنفاسها وتحاول أن تهدأ قليلًا، فلولا أنها مجرد ذكريات لظنت أنه كابوس.
زاغت عيناها بقوة وقد.إكتست ملامحها بتأثر حزين لما ورد بعقلها بسبب هذا الحلم، فأحيانًا الألم يأتي من الإدراك وليس عدمه.
بقلم رشا روميه
نظرت نحو ساعتها لتجدها قربت على السابعة صباحًا، لتنفض غطائها عن جسدها بعجالة، على الفور بدلت ملابسها متجهة لمستشفى الهلال لمقابلة "سامح"، فمناوبته قد إقترب موعدها بالفعل، فهي لن تستطيع الإنتظار حتى المساء لتخبره بما تذكرت الآن.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
الحقيقة قد تبدو طريقًا موحشًا، لكنها الطريق الوحيد الذي ينتهي ببر الأمان، فلا تؤخر كلمتك الصادقة، فالزمن لا ينتظر تأجيلها، أمرّ أنواع الندم هو أن تكتشف أن خوفك من إظهار الحقيقة قد كلفك أكثر مما كنت تظن أنك ستتكلفه من الحقيقة نفسها.
مستشفى هايلدبيرغ - ألمانيا...
يوم آخر مر بعد غياب "ليلى" ومازال غيابها حاضرًا، ثلاثة أيام منذ آخر لقاء جمعهم ولم يقدر على التوصل إليها، حيرة وقلق وخوف من فقدانها، هكذا كانت أيام "نور" الثلاث، يبحث ويسأل عنها كل من يراه، حاول للعديد والعديد من المرات الإتصال بها لكن هاتفها دومًا مغلق.
بقلم رشا روميه
كاد يصاب بالجنون من شدة قلقه وحيرته، فالآن لا يريد سوى أن يطمئن عليها، حتى وإن رفضت وجوده، فغيابها بهذا الشكل أصبح مخيفًا مقلقًا للغاية.
جلس بالنهاية بمكتبه بالمستشفى وقد لاحت علامات التحسر على ملامحه المتجهمة، أخرجه من صمته صوت رنين هاتفه.
نظر نحو إسم "كريم" الذي يتوهج بشاشة هاتفه ليضرب مقدمة رأسه، فقد نسي تمامًا أمر "كريم" وعودته من سفره، أجابه على الفور:
- السلام عليكم، معلش يا "كريم" والله بجد نسيت خالــــــــص.
ضحك "كريم" بلطافة متهكمًا من نسيان صديقه له:
- أيوه يا عم، ما هو إللي عايم في الكريز ينسى البدنجان، ماشيه معاك يا عريس.
زفر "نور" بإنهاك شديد، تنهيدة طويلة أظهرت كم هو متعب، كما لو أنه أُلقي باليم مكبل اليدين ويُطلَب منه العوم، صوت تنهيدته المختنقة أثارت حفيظة "كريم" متسائلًا:
- مالك يا "نور"؟ شكلك متضايق؟
نطق بكلماته القليلة بنبرة مختنقة ليصل لصديقه إحساسه بالضيق مباشرة:
- محتاجك أوي يا "كريم".
توجس "كريم" من سبب هذا الضيق، فمن المفترض أن صديقه يعيش أجمل أيام حياته برفقة من يحب:
- قلقتني يا "نور"، إيه إللي حصل، ما أنا سايبك مية فل وحاجه كريز على مهلبيه، ولا هو الخنقه ليا، والحلاوه كلها لبنت عم"عفت"!!!
إمتعض وجه "نور" بقوة لمغالطة صديقه بإسم "عزت"، فهو دائم النسيان فيما يخص الأسماء خاصة:
- "عفت" مين؟ إسمه "عزت، الله يرحمه، بس سيبك من الأسامي، أنا الدنيا إتهدت كلها فوق دماغي!!!
مط "كريم" شفتيه قليلًا ساخرًا من تشاؤم "نور" المتكرر:
- يا جدع إنت بطل قلق وقولى فيك إيه، إنت على طول مكبر المواضيع كده؟! تلاقيك متخانق مع خطيبتك بس، هااا، قول يا سيدي وإشجيني، صدع دماغ حضرتي بخناقاتكم، ولا أقولك (حرك حاجبيه يراقصهما بشقاوة) أنا مستعد آجي لحد عندك وأصالحكم على بعض، هااا، إيه رأيك في الحل ده يا "أبو شُعلة"؟
عقب "نور" بضيق ولم يتقبل مزاح "كريم، لينهره بضيق:
- وده وقته، بقولك الدنيا كلها مقفله في وشي.
حاول "كريم" التحدث بجدية:
- هي الحكايه بجد ولا إيه؟! معلش يا "نور" متزعلش، أنا لاقيتك متضايق، قولت أفوكك شويه، خصوصًا إني جاي أقولك خبر حلو، بس قول إللي عندك الأول، شكلك مخنوق على البيكو.
أجابه "نور" بتحسر:
- راحت مني خلاص!!!
- هي إيه إللي راحت منك؟!! مش فاهم!!
رفع "نور" رأسه للأعلى ليغمض عيناه المنهكة من قلة النوم:
- بنت عم "عزت" يا أخويا، راحت مني ومش عارف أوصل لها، زعلت مني ومشيت، دلني أدور عليها إزاي؟
أخذ"كريم" يعبث بلحيته القصيرة قائلًا:
- هو أنا مش فاهم حاجه!!! وحتى لو عايزني أساعدك، أنا لحد دلوقتِ لا شوفتها ولا أعرفها حتى، معرفش شكلها إيه عشان أدور معاك، ما أنا لو كنت شفتها ولو مره واحده كنت ساعدتك ندور عليها لكن أنا معرفهاش، طيب نكلم "هيلدا" تساعدنا نوصل لمين عشان نقدر ندور، أنا زيي زيك غريب عن البلد هنا، عمومًا ححاول أسأل كده، بس قولي إيه إللي زعلكم كده من بعض؟
وصل "نور" لحد بعيد من إنهاك القوى، حتى أنه لا يطيق الإطالة بالحديث ليجيبه بنفس ضائقة:
- دي حكايه طويله أوي، حبقى أحكيهالك لما أشوفك، دلوقتِ بس حاول تسأل لي دكتوره "هيلدا" يمكن تعرف إزاي ممكن اوصل لمكانها.
- حاضر حاضر متقلقش، حكلمها وأرد عليك، وهي تعرفها أكتر مني كمان، وبس أعرف أي حاجه حقولك.
بإيمائة خفيفة أجابه "نور"، بينما شعر بالتقصير تجاه صديقه أيضًا ليردف يلوم من نفسه أولًا:
- حقك عليا يا "كريم"، ولا كلمتك ولا قابلتك زي ما إتفقنا.
أجابه "كريم" ممازحًا يحاول التخفيف عن صديقه، فقد ظن أن ما بين "نور" وخطيبته مجرد مشكلة عابرة، تحاول هي التدلل عليه بسببها:
- ده إنت رامي طوبتي خالص، عمومًا أنا مسامحك، بس تلاقي خطيبتك الأول، وبعدها أقولك على حاجه مهمه أوي.
أغمض "نور" عيناه بتمني:
- يا ريت يا "كريم" يا ريت.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
هناك حقائق لا تنكشف إلا عندما تصبح على إستعداد لإستيعابها، فالتوقيت الإلهي دائمًا ما يختار لنا الوقت الأنسب لظهور الحقيقة وإن بدا لنا أنها تأخرت، فالشمس يحجبها الغيم لكنها تشرق في اللحظة التي تحتاج فيها الأرض للضوء.
مستشفى الهلال...
زيارة صباحية مفاجئة إندهش لها "سامح" حين رأى "فرح" تقف قبالة مكتبه بهذا الوقت المبكر من الصباح، لكنه رحب بها بهدوء دون أي إحساس بالقلق، فكم يود رؤيتها بكل دقيقة وساعة:
- "فرح"!!! صباح الخير، أتاري المستشفى نورت.
جلست "فرح" مباشرة بالمقعد المقابل لمكتب "سامح" قائلة بجدية تعجب منها:
- "سامح"، كنت عايزه أقولك حاجه مهمه أوي إفتكرتها إمبارح.
إعتدل بجلسته منصتًا لها، فيبدو أن ما تذكرته اليوم شئ مختلف وهام للغاية:
- خير، وشك بيقول انها حاجه مهمه أوي.
ضمت كلا شفتيها بقوة، لتكمل ببعض الضيق :
- إللي إفتكرته مش بس مهم، ده كمان خطير أوي، ميتسكتش عليه.
- قلقتيني يا "فرح"، قولي على طول!!!
لم يعد الأمر يحتاج التردد، بل عليها أن توضح الأمر كافة حتى يستطيع مساعدتها:
- فاكر الورقه إللي كان مكتوب فيها إسم الراجل، ولما روحت له المستشفى وملقيتهوش وإنت قولت لي انه سافر.
تذكر "سامح" أمر "عزت" الذي نسيه تمامًا، ليومئ بإنتباه لما ستخبره به:
- أيوه، عم "عزت"، أنا نسيت إزاي إنك كنتِ بتدوري على عم "عزت"!!
رفعت إصبعها تؤكد ذلك لتستكمل:
- بالضبط كده، الراجل ده هو إللي أنا جيت أنا وماما هنا مخصوص عشان أقابله، أنا إفتكرت، ولازم حالًا أكلمه وأقوله.
إمتعض وجه "سامح" بخيبة وهو يجيبها:
- أيوه لكن!!!! عم "عزت" إتوفى الله يرحمه.
إنتفضت من جلستها بصدمة وهي تهتف بإنزعاج:
- إيه!!!!! ماااااات!!!!
حقيقة مؤجلة بالإجبار لموعد إلهي محتوم، كما لو أن تلك الحقيقة كانت ستؤلم أكثر من كونها سترشد للصواب، فلكل شئ قدر، حتى إدراك الحقيقة لها وقت معلوم، فلم يكن من المقدر أن تسقط "مديحة" حِملها بذنب إقترفته بالماضي، ولم يكن مقدر لـ"عزت" بأن يدرك هذا الذنب أيضًا.
هوت"فرح" بإحباط، فما جاءت من أجله يتناثر في الهواء، ذلك الوعد الذي قطعته لم تقدر على الوفاء به.
بقلم رشا روميه
أخذ "سامح" يوضح له مرة أخرى ما حدث مع "عزت":
- للأسف، ما هو ده الشخص إللي أنا كنت حكيت لك عنه، ده نفس الشخص إللي الممرضه حقنته بفيروس، بس للأسف الكبد عنده مستحملش التعب وكمان مناعته كانت ضعفت أوي، وإتوفى قريب في ألمانيا.
رفعت عيناها نحوه تكرر كلمته كما لو أنها تحاول إستيعاب الأمر:
- ألمانيا!!!! يعني كل حاجه خلصت كده خلاص، طيب ملهوش حد، ولاده أو من عائلته؟؟
- مفيش غير بنته "ليلى"، ودي كانت معاه في ألمانيا.
وقفت "فرح" مرة أخرى، فيبدو أن الأمل تجدد مرة أخرى، لتهتف بتعجل:
- أيوه، أيوه، هي بنته دي، أنا عايزاها ضروري.
- مش تقولي لي الأول عايزاها في إيه، و إيه الحاجه المهمه إللي إنتِ إفتكرتيها دي!!!
سحبت ذراعه لتدفع به نحو الأريكة فهي لم ولن تخفي عنه أمر مطلقًا:
- أقعد بس وانا حقولك كل حاجه، بس عايزه رقم تليفونها ضروري.
- ححاول أوصل لأصحابها في المستشفى وأجيب لك الرقم، أو ممكن من الإدارة نفسها.
قصت "فرح" ما تذكرته على "سامح" ليطالعها بذهول تام لبعض من الوقت ثم أردف بإندهاش شديد:
- أنا مش مصدق، ده بجد!!!! لا حول ولا قوة إلا بالله.
- أنا كنت عايزه أبلغه بس مفيش نصيب، يا ريت يا "سامح" تخلي الكلام ده بينا لحد ما أشوف صاحبة الشأن الأول.
أجابها بتفهم تام للأمر وإحترامًا لرغبتها:
- أكيد طبعًا، حروح أنا أجيب لك رقم التليفون عشان تكلميها.
-وأنا مستنياك.
توجه "سامح" نحو إدارة المستشفى ليأتي بعد قليل وبيده قصاصة ورق أخرى مدون عليها رقم "ليلى" بألمانيا، لكن القدر مازال يحرك الأمور كما يشاء، فحتى هاتفها "مغلق" ولم تستطع "فرح" التوصل إليها، لتجبر على الإنتظار والمحاولة فيما بعد لعل دها منشغلة بهذا الوقت.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
مر يومان وصولًا لمساء يوم الأربعاء، ليلة لم تمر بهدوء رغم سكونها، ذلك الهدوء ما يسبق العاصفة، لا يكمن به راحة، بل تخوف وتوجس مما هو مقبل.
بيت خليل زيدان...
بدأت تنتاب "زهرة" نوبات من الإختناق وهي ترى "سمية" تدلف لغرفتها المشتركة تعلق أحد الفساتين بمقدمة الخزانة القصيرة بالغرفة وهي تناظرها بتلك الإبتسامة المغثية لنفسها:
- جبت لك فستان تحفه أهو، وإتفقت لك مع بنت شاطره أوي حتجي لك بكره عشان تجهزك يا عروسه.
أزاحت "زهرة" بوجهها فى الإتجاه المقابل فلا ينقصها إدعاء "سمية" بالفرحه من أجلها، وهي تدرك بيقين تام سبب سعادتها بهذه الزيجه، فتلك الحقيقة شائت أم أبت، فغدًا هو يوم ستدفع به ثمن ذنب لم تقترفه.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
شقة فرح الصعيدي...
حاولت الإتصال لمرة أخيرة برقم "ليلى" لكن كالعادة لم تستطع الوصول إليها، تمللت "فرح" من ذلك لتتصل بـ"سامح" لعله يستطيع الوصول لرقم آخر يمكنها الإتصال به.
على الفور أجابها "سامح":
- بنت حلال كنت لسه حتصل بيكِ.
رددت بشقاوتها المعهودة التي تبهج قلبه:
- إيه يا ترى، وحشتك؟
توهج وجهه ببعض الحمرة ليجيبها بخجل طفيف:
- أكيد طبعًا، بس كنت عاوز أشوفك ضروري.
- ماشي يا سيدي، بس بقولك الأول، ما تشوف لي رقم حد تاني، رقم "ليلى" دائمًا مقفول.
- طيب ححاول أنا أتصل بـ"نور" وأعرف منه إزاي نوصلها وأبقى أبلغك، وأهو حتى أسال عليه، بقالي فتره مشغول عنه وعن "كريم".
مطت "فرح" شفتيها تنتوي مشاكسة "سامح" مرة أخرى:
- خلاص تمام، ما تقول بقى، كنت عايزني في إيه؟ عاوز تعاكس، معلش أسفه، أنا مخطوبه.
ضحك "سامح" بخفة ليجيبها مباشرة:
- أنا عاوز أعدي عليكِ، عشان نشوف القاعه إللي حنعمل فيها الفرح.
- بس كده، حاضره يا فندم، أكيد حتطلع حلوه زيك إنت يا حلو.
تعالت ضحكته لشقاوتها المحببة:
- مش عارف مين إللي المفروض يعاكس مين، إتكلي يلا على الله يا "فرح".
-خلاص خلاص، رجاله تموت في النكد زي عينيها.
-أنا برضه!!!
ضحكت "فرح" بقوة ثم أنهت مكالمتها بسعادة، فها هو حلمهم أوشك على التحقيق، لكنها دومًا تخشى من تقلبات القدر.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
ألمانيا ـ شقة نور بركات..
أيام لم يستطع التوصل إليها بأي شكل من الأشكال، فكلما يفكر بمكان قد تتواجد به، يعود لنقطة الصفر ولا يجدها، كم أصبح غيابها مؤلم، وإحساسه بأنه قد أضاعها من بين يديه قاس للغاية.
دق هاتفه برقم "سامح" كما لو كان يعلم بضيق صدره الآن.
- "نور"، أخبارك واحشني؟
-الحمد لله.
صوته المتعب الحزين جعل "سامح" يتسائل بقلق:
- مال صوتك، حزين كده ليه؟
- حصل إللي مكنتش متوقعه أبدًا يا "سامح"، الزفته إللي إسمها "نسرين" كلمت "ليلى"، بس قالت لها نص الحقيقه بس، "ليلى" زعلت ومن ساعتها مش عارف عنها حاجه، ده إحنا خلاص كنا حنحدد معاد الفرح وكل حاجه كانت تمام.
بقلم رشا روميه
-معقول، حصل إمتى ده؟
نور : من حوالي ست أيام، حاولت أدور عليها في كل مكان، بس مش عارف هي فين، تعبت مش لاقى حتى طرف خيط أوصل لها بيه، مش عارف ممكن تكون راحت فين!!!
تفكر "سامح" قليلًا:
- مش يمكن تكون رجعت مصر!!
- مش عارف، حاسس إنها هنا في ألمانيا.
لم يخبره "سامح" بأمر "فرح"، فهو على كل حال لا يعرف مكان "ليلى"، ليجيبه ببعض من التفاؤل الذي لا يغيب عنه:
- عموما برضه أنا حسأل وأدور هنا يمكن تكون رجعت ولا حاجه، ولو لقيت خبر حطمنك، وإنت كمان إطمن، "ليلى" بنت قويه، بتعافر في الدنيا، مش سهل تقع.
- أنا كل اللي يهمني دلوقتِ يا "سامح"، اني أطمن عليها، خايف عليها أوي وخصوصًا إنها لوحدها وملهاش حد، خايف يجرى لها حاجه وأكون أنا السبب.
- إتفائل خير أمال، حنلاقيها إن شاء الله.
بنهاية مكالمته مع "سامح" جلس مرة أخرى بهدوء حزين، فهو لم يدرك مقدار عشقه لـ ليلاه إلا حين غابت عنه، أحيانًا لا ندرك النعمة إلا بعد زوالها، وكان حبها أعمق مما تخيل، وغيابها يفوق إحتماله، حين أدرك أن عشقها جزءًا من أنفاسه إختنقت روحه بغيابها، ليهمس بنبرة مختنقة:
- اااااااه، وحشتيني يا "ليلى"، حاسس اني حموت في بُعدك عني، يا ترى روحتي فين وغيبتي عني؟!!!!
بقلم رشا روميه
دقائق قليلة ثم دق هاتفه مرة أخرى، أجاب إتصال "كريم" الذي كان ينتظره منذ يومين ليخبره بأن "هيلدا" لم تستطع التوصل لشئ، ليصاب "نور" بخيبة رجاء مرة أخرى.
- والله يا "نور" هي حاولت كتير، بس للأسف، معرفتش توصل لحاجه.
- شكرًا يا "كريم"، أنا بس لو أعرف هي فين حرتاح، أنا خايف تكون أذت نفسها ولا عندها مشكله.
تفهم "كريم" الأمر، لكنه تردد كثيرًا بإخبار "نور"، لكنه بالنهاية حسم أمره قائلًا:
- أنا فاهم، بس ااااا، كنت عايز أقولك حاجه مهمه، عارف إنه مش وقته خالص بس ....
توجس "نور" من طريقة "كريم" ليقطب جبهته متسائلًا:
- خير يا "كريم"، قلقتني؟
- والله كنت عاوز أقولك من يومين بس موضوع خطيبتك خلاني أتردد، بس إنت أخويا، ولازم تفرح لي، أنا خطوبتي بكره، وعايزك تكون معايا.
مفاجأة غريبة لشاب متهور، كيف يفكر بالزواج وهو هوائي غير مستقر، ليصمت "نور" لوهلة ثم أردف بتخبط:
- خطوبتك؟!!! خبط لزق كده؟!
- الكريزه الحلوه دي متتسابس أبدًا، حاجه كده حلوه بس.
إبتسم "نور" رغم حزنه ليومئ بلمحة من السعادة لصديقه:
- مبروك يا حبيبي، بإذن الله موجود معاك.
