رواية النغم الحزين الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم فاطيما يوسف


 رواية النغم الحزين الفصل الخامس والثلاثون 

بسم الله الرحمن الرحيم 
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


اتنقل "علي"  للمستشفى فورا وبلغوا والدته باللي حصل له وراحت على المستشفى وهي منهاره بعد ما كلمت أعمامه واخواتها كلهم بقوا واقفين بره أوضة العمليات منهارين وخصوصا والدته، بعد مرور أكتر من ساعه في أوضة العمليات خرج الدكتور وهو بيلقط انفاسه بعد ما خلع الكمامه كلهم جريوا عليه وأمه سالت الدكتور بفزع:

ـ ابني ماله يا دكتور حصل له ايه طمني عليه ابوس يدك؟

مط الدكتور على شفايفه بأسى وهو بيسرد عليهم حالته بالتفصيل:

ـ للأسف الواقعه كانت شديدة جدا وخصوصا انه صد في السور الحديد وتقريبا كده أصابه....

وكمل الدكتور وهو مش عارف يجيبها لهم ازاي لكن لازم يعرفوا حالته كويس جدا:

ـ أثرت على فقرة من العمود الفقري ومش هيقدر يمشي على رجليه الا لما يعمل عملية ومن الأفضل إنه يعملها بره مصر لانها بتتعمل هناك بإمكانيات ممتازة جدا عن اهنه.

كلهم انصدموا من اللي سمعوه وكأن الصدمة لجمت لسانهم وامه بقت واقفه مبرقه عيونها ومش مصدقه ولسانها بينطق بفزع:

ـ ابني "علي" اتشـ.ــل ، لاه انت اكيد غلطان ولدي عوده قوي وطول عمره فارس وهيركب الخيل اني ما مصدقكش حرام عليك قول لي اني ابني بخير ومجرد رجله مكسوره بس؟!

حرك الدكتور راسه بأسى وهو مراعي حالتها إنها كأم تعرف الخبر المميت ده عن ابنها خبر ما يتحملهوش إنسان وبقو اخواتها يهدوا فيها ودخلت في نوبة انهيار هستيرية ما بقتش قادرة تتحكم في أعصابها من وقت ما سمعت الخبر، لحد ما الممرضات اخدوها وادوها حقنة تهدي اعصابها، اما عمه وخاله الكبير راحوا للدكتور يكملوا اسئلتهم علشان يشوفوا هيعملوا ايه:

ـ طب يا دكتور هو المفروض يسافر ميتى علشان يعمل العملية لو كان اكده نسفروا طوالي وما نضيعش وقت عاد؟

جاوبهم الدكتور بالتفصيل:

ـ للأسف ما ينفعش سفر قبل ست شهور من دلوك في حاجات لازم تتعالج قبل ما يسافر وكمان في خلال الست شهور دول مع العلاج الجسدي لازم يتأهل لعلاج نفسي عشان اللي حُصل له مش سهل واصل، لازمن والدته تهدى من حالة الانهيار وتعرفوها إن حالتها النفسية وإن هي تتقبل الخبر قدامه بصدر رحب علشان يتقبله هو كمان دي اهم من العلاج ذاته لأنه هيدخل في حاله صدمة نفسية وعصبية بعد ما يفوق ويكتشف إنه مش هيقدر يمشي على رجليه حتى لو لفترة معينة.

سمعوا كلام الدكتور وبقوا واقفين يدعوا له وبعد مرور يوم كامل كانت والدته استوعبت الموقف وقاعده جنبه وماسكة ايده وهو لسه غايب عن الوعي وما بينطقش غير باسم "شيماء" وكل ده والدته روحها بتروح منها وبتحاول تكون اهدى، وقررت انها تروح لـ "شيماء" لأن وجودها في الوقت ده جنب ابنها مهم جدا، وطبعا هي قابلتها قبل كده وعرفت هي ساكنة فين وراحت لها على البيت واول ما "شيماء" شافتها قلبها دق بخوف شكل ما تكون حاسه بحاجه ورحبت بيها:

ـ اتفضلي يا دكتورة نورتينا وشرفتينا.

دخلت ام "علي" و"شيماء" عرفتها على والدتها،اللي اول ما شافت شكلها عرفت ان هي فيها حاجه وسألتها:

ـ مالك يا بنتي عيونك دبلانة وكانك بكيانة لما شبعانة فيكي حاجة يا حبيبتي؟

وبصت على "شيماء" وطلبت منها:

ـ قومي يا بنتي اعملي حاجة للدكتورة تشربها؟

"شيماء" كانت لسه هتقوم مسكتها ام "علي" من ايديها وهي بتقعدها من تاني وبصت على والدتها وطلبت منها برجاء:

ـ ممكن يا حاجة تسيبيني مع "شيماء" هتكلم معاها كلمتين ضروري مسألة حياة او موت.

ابتسمت ام "شيماء" وقامت تسيبهم لوحدهم بذوق:

ـ وماله يا دكتورة بيتك ومُطرحك وهي كيف بتك هدخل أني أعمل لك حاجة تشربيها.

وسابتهم ودخلت واول مانفردت بها انخرطت في بكاء شديد رعب "شيماء" وهي بتسالها:

ـ مالك يا دكتورة هتبكي قوي اكده ليه؟

وكملت بعيون زايغه وهي بتسأل عن "علي":

ـ هو "علي" جراله حاجة لاسمح الله من بقى له يومين ما بياجيش الجامعة؟

جاوبتها وهي بتبكي وحاله الانهيار ما زالت مستمرة بنبره رجاء:

ـ "علي" محتاجك يا "شيماء" ابني في المستشفى بين الحياة والموت، "علي" عمل حادثة شديدة وهو راكب على الفرس بتاعه عملت له شلـ.ـــل مؤقت مش هيشفى منه الا لما يسافر بره يعمل عملية، ابني طول ما هو في البنج ما لهوش سيرة الا إنتِ، صدقيني يا "شيماء" "علي" هيحبك وعمره ما اتعلق ببنت ولا حبها كيف ما اتعلق بيكي، ارجوكي اقفي جنبي علشان "علي" يقدر يقف على رجليه .

"شيماء" انصدمت وعيونها انهمرت بالدموع تلقائي لما سمعت اللي حصل له ما بقتش قادرة تمسك اعصابها وقلبها بقى يدق بعـ.ـــنف بين ضلوعها وما بقتش عارفه تتكلم من صدمة الخبر اللي سمعته:

ـ إنت هتقولي ايه يا دكتورة "علي" ما هيقدرش يمشي على رجليه التاني؟

والاتنين اترموا في حضن بعض وبقوا يبكوا بشدة، و"شيماء" اخيرا بعد مدة بتبكي ومش قادرة تتمالك أعصابها قدرت تفوق لأن وقع الخبر صعب جدا عليها وخصوصا انها ما قدرتش تبطل انها تحبه، وسألت والدته:

ـ طب هو عِمل الحادثة كيف يا دكتورة مع انه هيعرف يركب الخيل وتقريبا داي الحاجة اللي هيحبها وماهر فيها؟

جاوبتها بحزن وهي بتفتكر آخر كلام قاله لها قبل ما يخرج يروح الاسطبل ويركب الخيل بتاعه:
ـ "علي" كانت حالته النفسية صعبة جدا لأنك مش متقبلة وجوده في حياتك بالرغم من انه كان حاسس انك هتحبيه كيف ما هو هيحبك، وسمع ان في واحد دكتور زميلكم في الجامعة معجب بيكي وكان هياجي يتقدم لك ومن وقتها وهو حالته النفسية في الارض ولا بقى ياكل زين ولا ينام زين وكان موجوع قوي من وقت ما عرف.

"شيماء" قلبها وجعها جدا وخصوصا ان فعلا دكتور زميلهم في الجامعة كلمها وكان عايز يتقدم لها لكن هي رفضته بذوق على انها مش مستعدة لخطوة زي دي، ونزلت عيونها بخزي وهي حاسة انها السبب في الحادثة اللي حصلت لـ "علي" وما كانتش متوقعة انه متعلق بيها لدرجة ان ينسى نفسه وهو راكب الخيل:
ـ يعني اني السبب في اللي حُصل لـ "علي"، أني السبب انه وقع من على الحصان وجرا له ما جرى له، اني ما هقدرش اسامح نفسي على اللي حُصل له بسببي.

وحطت ايديها على وشها وفضلت تبكي ما كانتش قادرة تنسى الموقف اللي حصل ما بينهم واللي خلاها تتعقد من علاقتهم ولكن القدر كان له رأي التاني، ما قدرتش غير انها تقوم وتستأذن مامتها ودخلت لبست هدومها وراحت المستشفى بأقدام مسرعة وهي ملهوفة انها تشوفه وتطمن عليه، اول ما وصلت دخلوا هم الاتنين كان ما زال تحت المخدر ونايم  لأنه بعد ما فاق واكتشف اللي حصل له انهار بشدة،  فقعدت امه جنبه مسكت ايديه:
ـ "علي" يا حبيب امك اني جبت لك حبيبتك فوق يا "علي" ما تتعبش قلبي عليك.

وشدت ايد "شيماء" وقعدتها جنبه واول ما شافته دموعها غرقت وشها بصمت وبقيت حاسة بالذنب اكتر ما كانتش متخيلة انه يكون بيحبها بالشكل اللي ممكن يخليه يموت عشانها، خرجت امه وسابتهم لوحدهم وحاولت انها تتكلم من بين دموعها وهي بتنادي عليه بحنين:
ـ "علي"... اني "شيماء" جيت لك الف سلامة عليك يا حبيبي، حقك علي والله ما كنت أعرف انك هتحبني بالشكل دي، فوق يا "علي" وكلمني واطمن علي وطمني عليك قل لي انك بخير وانك قوي، ارجوك ما توجعش قلبي عليك.

فضلت تكلمه لحد ما بدأ يحرك راسه ويفوق من أثر المخدر وفتح عيونه بصعوبة وحاسس بثقل شديد في دماغه، فاق على الصوت اللي ياما اتمنى يسمعه، فاق على كلمة حبيبي بصوتها المترسخ جوه قلبه وعقله وكل كيانه، حرك راسه لحد ما عيونهم اتقابلت مع عيونها المغشية بالدموع، واتكلم بصوت طالع بالعافية:
ـ متبكيش يا أغلى من روحي، أني مستاهلش إنك تبكي علي، خلاص يا "شيماء" مهتلاقيش "علي" اللي هيضايقك تاني، ربنا انتقـ.ــم لك من ذنبي وياكي، وانتـ.ــقم لكل بنت أذيتها، وأخد حقكم مني أخذ عزيز مقتدر.

حركت راسها برفض شديد لكلامه وبلعت أنفاسها بصعوبة وخرج الكلام منها بالعافية وهي مش قادرة تتمالك أعصابها:
ـ لااااه يا "علي" متقولش اكده إنت هتُبقى زين وهترجع الفارس الجميل وهتقف على رجليك من تاني بس المرة دي وأني يدي في يدك مهفوتكش لحالك ولا رايدة غيرك يا "علي" .

وكملت وهي بتتجرأ وحضنت كف ايده وعاهدته:
ـ أني موافقة على جوازي منك، مهلقاش حد غيرك يستحق قلبي ويحبني، اول ما تخرج من المستشفى نتمم جوازنا علطول .

ابتسم من بين حزنه لكن بسمة وجع، بسمة إنسان بقى فاقد للأمل والحياة، هي اه بسمة لكن من غير روح :
ـ تفتكري إن "علي" اللي هيحبك كيف ما بتقولي هيرضاها لك يا "شيماء"؟!
احنا قصتنا كيف ما قلتي قبل سابق انتهت من قبل ما تبتدي وكل مرة القدر يبعدنا اكتر ما يقربنا، اني خلاص ولا عدت أنفعك ولا أنفع غيرك، اني بقيت عاجز يا "شيماء" عاجز .

حركت راسها برفض تام لكلامه وأكدت له :
ـ لاااه يا "علي" متقولش اكده الدكتور هيقول إنك ليك عملية هتعملها وبعد اكده هتخف وترجع تقف على رجليك من تاني، صدقني يا "علي" .

رد عليها بصعوبة:
ـ إنتي هتفكريني عيل صغير هتضحكي عليه بكلامك؟!
دي كلاته كلام هيقولوه الدكاترة علشان مزعلش على حالي واللي بقيت فيه، يمكن قبل سابق مكنتش هرضى وهنهار من اللي حُصل لي دي؛ اما اني اتغيرت وإيماني بربي قوي وراضي بحكمه وقدره فيا، اما إنتي ملكيش ذنب تتحمَلي تعيشي مع واحد عاجز .

وحاول يشدد ايده على ايديها وبص جوة عيونها وقال:
ـ انتي تستاهلي أحسن واحد في الدنيا يا حبيبي، واحد تستندي عليه صُح مش إنتي اللي تسنديه وهو عاجز .

بللت شفايفها الجافة من أثر بكاها وأكدت له بتصميم وهي مصرة عليه اكتر وعلى وجودها في حياته :
ـ لااااه يا "علي" مهسيبكش ولا رايدة غيرك، هكون وياك كيف ضلك، هكون هواك وغرامك وحبك وروحك، اني مريداش إلا أنت صدقني يا "علي" .

فلت ايده من ايديها وما زال على رفضه:
ـ إنتي هتقولي اكده علشان أني صعبان عليكي، واحد بقى مشلـ.ــول هتعطفي علي علشان إنتي قلبك طيب ، أني دلوك اللي بطلب منك تبعدي وتنسيني، وافقي على العريس اللي متقدم لك هو دكتور وشاطر وزين كمان، هو يستاهلك وإنتي كمان تستاهليه.

حركت راسها برفض قاطع:
ـ قلت لك يا "علي" معايزاش حد غيرك، وهفضل اقولها، انت مش كنت دايما هتقول لي إنك كاشفني وكاشف مشاعري وانك واثق من حبي ليك، صُح يا "علي" ولا مش صُح؟

عاند برفض لكلامها ومن جواه مقتنع إنه عمره ما هيربطها بيه بعد ما بقى عاجز، تضحية الحب بتحتم بكده، وغير نبرته لنبرة قاسية ومنهارة:
ـ هقول لك ايه اطلعي برة ومتاجيش اهنه تاني اني معايزش اشوف حد، معايزش حد يعطف علي، معايزش اشوف وشك اهنه تاني، اطلعي برة .

بقت قاعدة جنبه بتبكي ومنظره وانهياره خلاها مش قادرة تاخد نفسها، وبقت متمسكة بايده قوي ومش عايزة تسيبه، وهو من شدة انهياره حط ايده على راسه وبقي حاسس بألم
شديد جسدي ونفسي، ألم لا يتحمله بشر والموقف بقى صعب جداً وحط ايده على دماغه وهو بيصـ.ــرخ بوجع :
ـ آاااااااه، وجع شديد ممتحملهوش، بعدي عني، اطلعي برة .

وكل اللي حواليه برة دخلوا جري على صوته العالي وهما مفزوعين وخاله راح ينده للممرضة تشوفه وامه دخلت قعدت جنبه وهي بتبوسه من راسه وبتحاول تهديه ووخداه في حضنها:
ـ هدي روحك يا حبيبي هدي روحك اسم الله عليك يا نور عيني،  معلش يا حبيبي معلش يا "علي"، آاااه يا بن عمري آاااه من وجعك اللي هيوجعني أكتر منك .

طلب من امه انها تمشي "شيماء" وهو ما زال على انهياره:
ـ مين اللي خلاكي تجيبيها خليها تمشي ما عايزش اشوفها تاني ولا عايز حد يشفق عليا اطلعوا كلكم بره، سيبوني لوحدي.

الممرضة جت على صوته العالي وانهياره وهي بتقرب منه وبتطلب منهم وهي بتحط الابرة في المحلول:
ـ مش صُح جدا انهياره دي من فضلكم حالته صعبة وما تتحملش انه يوصل للمرحلة دي أرجوكم اطلعوا كلكم بره وبلاش وجود اي حد يضايقه ويخليه ينهار بالشكل دي، ارجوكم لحد ما حالته تستقر دي اوامر الدكتور.

"شيماء" عيونها متعلقة بيه لكن هو حالته صعبة فضلت تبص عليه وهي خارجة من الأوضة وسايباه وكانها سايبة روحها معاه وعيونها مش مبطلة دموع ومن جواها تصميم انها عمرها ما هتسيبه ولا هتتخلى عنه وفضل يهذي قبل ما يغيب عن الوعي من اثر المخدر انهم يخرجوا بره ويسيبوه لوحده وحالته يرثى لها...

                        *****

كانت قاعدة في الحرم بتبكي جامد وكل يوم من وقت ما جت وهي تيجي المكان ده وتفضل تبكي و"سما" و"مازن" يشوفوها ويحاولوا يهدوها لكن بتفضل حاضنة مصحفها في ايديها وتبكي من غير سبب، لحد ما في واحدة كانت بتشوفها كل يوم وهي بتبكي في حضن ولادها ومش قادرة ما تقربش منها وما تسألهاش مالها لحد ما قررت وقامت راحت ناحيتها، وقربت منها وقعدت قصادها وحطت ايديها على رجلها وطبطبت عليها وهي بتقول لها بتطلع أدهش "دعاء" :

ـ مالك يا بنتي شايفاكي كل يوم تيجي المكان ده وتعيطي جامد إيه اللي تاعب قلبك، ولو إني ما فيش حاجة في الدنيا تستاهل إنك تبكي بالشكل ده وتضغطي على أعصابك، ارمي ورا ضهرك وما تعمليش إلا اللي يريحك حتى لو كان اللي هيريحك في نظرك ونظر الناس أمر كبير قوي، لكن ربنا سبحانه وتعالى أمرنا نعيش حياتنا برضا مش بالغصب ولا إكراه على أي حاجة.

رفعت "دعاء" عيونها المغشية بالدموع وأول ما بصت في وش الست دي حست وكأن وشها بيشع نور وكلامها ولسانها هاديين وشها سمح لدرجة إن "دعاء" قلبها دق من جواها وهي بتبص للست دي وكأنها ملاك نازل من عند ربنا، وسألتها بتيهة:

ـ طب أعملها كيف يا أمي واني ما عارفاش الصُح من الغلط، ما عارفاش أعيش حياتي كيف ما هتريحني وهعيش علشان الوضع اللي اني فيه اتحطيت فيه غصب عني، وما عارفاش هتفهمي كلامي ولا لاااه؟

ابتسمت لها الست الطيبة وهي بتجاوبها:

ـ أنا اسمي الحاجة "فاطمة" مولودة هنا في الحرم، أبويا الله يرحمه بيشتغل في الحرم هنا وأنا استلمت الشغل بداله وعشت حياتي كلها في رحاب الله في المسجد الحرام هنا، ارمي حمولك على الله يا بنتي وما لكيش دعوة بالناس وارمي ورا ضهرك أي حاجة وأي علاقة مكملة فيها غصب عنك، ده ربنا سبحانه وتعالى رحيم بعباده ورؤوف بيهم، ما تضغطيش على نفسك تتحملي حاجة مش قادرة تتحمليها، سيبي اللي بيوجعك حتى لو كان كبير، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة يا بنتي وما فيش أكثر من أذية النفس هلاك.

بصت لها "دعاء" بحيرة وسألتها:

ـ ما فهماكيش يا حاجة "فاطمة" هتقصدي إيه عاد؟

ابتسمت الحاجة "فاطمة" وهي بتَرد عليها وكأنها ساحرة قلوب قدرت تقرأ الوجع اللي في عيونها:

ـ سيبي الماضي وعيشي اللي باقي من حياتك في حضن ولادك لميهم حواليكي وما تضغطيش على نفسك أكتر من كده، النفس عن النفس رحمة يا بنتي، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

وبصت لأولادها وطبطبت عليهم وسألتهم عن اسمهم وسنهم واتكلمت معاهم شوية، وبعدين طلبت منهم بابتسامة هادية وكلام راقي:

ـ أمكم في حيرة من أمرها سيبوها تعمل اللي يريحها صدقوني هتلاقوها معاكم أحسن وأفضل في تربيتكم واللي باقي من حياتكم، ما تضغطوش عليها كفاية اللي هي فيه وكفاية البلاء اللي ربنا ابتلاها بيه من سنين، شوفي نفسك واللي يريحك واعمليه يا بنتي وأولادك هيدعموكي.

وقربت منهم وطبطبت على ضهرهم وقرأت في سرها بعض آيات من الذكر الحكيم والاستغفار وأدعية كان الرسول عليه الصلاة والسلام بيدعيها وهو في عز حزنه وضغفه وشدته لربنا سبحانه وتعالى، لدرجة إنها بعد ما مشيت الأولاد حسوا بحاجة غريبة جواهم راحة ربانية نزلت على قلوبهم من عند ربنا سبحانه وتعالى وكأن الست دي فيها سر عجيب، وقبل ما تمشي دعيت لهم:

ـ عن إذنكم يا ولاد ربنا يبارك لكم فيها يا رب.

"سما" و"مازن" ما فهموش حاجة من كلامها لكن حسوا براحة شديدة بعد ما مشيت، وكمان "دعاء" فضلت تبص على أثرها وتفكر في كلامها وتوزنه ودماغها تجيب يمين وشمال وفي كل مرة تلاقي نفسها وصلت عند نقطة واحدة هي النقطة دي 'الطلاق' إن ما فيش حاجة هتريحها غير إنها تنهي علاقة جوازها بـ"سند" اللي لا هي مرتاحة فيها ولا هو مرتاح وكانت علاقة غلط من بداية بسبب ضغط الأهل عليهم، ولا هي عرفت تبقى زوجة غصب عنها مش بإرادتها ولا هو عرف ينعم بحلاله معاها، وكان أسلم حل وصلت له بتفكيرها هي إنها تسمع كلام الحاجة "فاطمة" وتعيش اللي باقي من عمرها في سلام نفسي مع ولادها بعيد عن أي ضغط من أي حد، وقعدت مع أولادها واتكلمت معاهم في الموضوع كتير وكانوا معترضين جدا وخصوصا "سما" اللي فضلت تجيبها يمين وشمال في "نغم" مرة وفي ستها مرة وفي أبوها مرة، وفي كل مرة "دعاء" تبطل قدامها الحجج إن ده رأيها هي وقرارها هي اللي نابع من جواها ومش هتحس إنها مرتاحة إلا لما تعمله، وبعد ما خلصت كلام معاهم راحت لـ"سند" وبدأت تتكلم معاه وطلبت منه الطلاق.

سمع اللي قالته بصدمة وهو بيبرق لها ومش مستوعب اللي ودانه سمعته لحد دلوقت وهو بيسألها بذهول:

ـ إنتي هتقولي إيه إنتي اتجنيتي عاد ولا مش في وعيك ومدريناش؟

صممت على طلبها منه وهي بتأكد له إنها في وعيها، وملامحها كأنها بتترعش وهي بتنطقها تاني باستماتة:

ـ اتجنيت ليه يا "سند"، اني في وعيي واللي طلبته حاجة متستدعيش الجنون..

ودورت وشها الناحية التانية وبعدت عيونها عن عيونه وكررت طلبها تاني بنفس التصميم ومن جواها قرار لا رجعة فيه:

ـ أني رايدة أطلق يا "سند" يعني رايدة أطلق...

بص على أولاده اللي قاعدين ومامتهم بتقول الكلام ده قدامهم لقاهم مش متفاجئين لكن على وشهم باين الحزن وطلب منهم:

ـ معلش يا "مازن" خد أختك وادخل جوة هنتحدت اني وأمكم عشان هي أعصابها تعبانة شوي.

ردت "دعاء" بتصميم وهي بتبص لهم إنهم يقعدوا ويفضلوا مكانهم:

ـ سيبهم يا "سند" اني اتكلمت وياهم قبل ما آخد قراري وأفكر في الموضوع دي، "مازن" و"سما" معادوش صغيرين ولازم يفهموا كل حاجة واني فهمتهم إن دي إرادتي ودي طلبي اني.

ودورت وشها بعيد عنهم وهي بتحاول تمسح دمعة فرت من عينيها ورجعت بصت لهم تاني وكملت:

ـ اني ما قدرش أكمل في علاقة ما فيهاش راحة لا ليك ولا ليا، يشهد ربنا اللي إحنا بنزور بيته الحرام دلوك وفي أراضيه المطهرة إنك عمرك ما قصرت وياي ولا عمرك زعلتني ولا جيت علي في حاجة، وإن طلب الطلاق دي هو الأفضل والأحسن لينا وللعيال وهحس إننا هنبقى مستقرين أكتر لأني ما هفوتهمش بس لا يصح إلا الصحيح، إحنا وجودنا مع بعض كزوج وزوجة ملهوش لازمة واني اكده هبقى مستريحة أكتر.

اعترض "سند" على تفكيرها تماما:

ـ كيف يعني الأصلح يا "دعاء"، لما هحب أشوف ولادي في أي وقت وإحنا مطلقين هشوفهم كيف، لما أحب أجتمع وياهم كل ليلة والتاني وأبات في حضنهم هيحصل كيف وإحنا متطلقين؟

وكمل بشدة لقرارها الصادم بالنسبة له:

ـ طول عمرك أنانية يا "دعاء" طول عمرك هتشوفي اللي هيريحك ويتعبني وتعمليه بزياداكي عادي يا بت الناس، أني تعبت وياكي من كتر السنين اللي فاتت واني ما عارفش انتي رايدة إيه وما رايداش إيه، تعبت يا "دعاء" وما بقتش قادر أتحمل تغيراتك وتقلباتك كل شوي وأخرها تختم بطلاق؟!

"دعاء" بكت لما سمعت كلامه فـ"مازن" و"سما" قاموا وحضنوها وطبطبوا عليها، وردت على "سند":

ـ اني عارفة إن اني تعبتك كتير وحرمتك من إحساس السكينة والمودة اللي كل راجل هيحتاجها من مرته، خابرة زين إنك صبرت عليا سنين وأنت ما ليكش ذنب في اللي اني فيه وهحسه، بس خلاص ما قدراش أتحمل ملامات الناس ليا وكمان ربنا زي ما شرع الجواز شرع الطلاق، واني عمري ما همنعك من ولادك تاجيهم وقت ما تحب وتبات وياهم كمان، وفي الليلة اللي هتاجي تبات فيها وياهم ههملكم لحالكم صدقني اكده أحسن لينا ولنفسية الولاد.

ما زال "سند" على اعتراضه وهو بيقرب منها وبيمسك ايديها وبيطبطب عليها:

ـ طب ليه يا "دعاء" ما إحنا زين والحمد لله وحياتنا مستقرة واني ما هجبركيش على حاجة انتي ما رايدهاش وهسيبك تعيشي على راحتك، اني لو كنت رايد الطلاق كنت عملتها من زمان وما كنتش استنيتك تطلبيها، انتي قبل ما تكوني مرتي انتي بت خالتي ومن بعدها بقيتي أم عيالي يعني جزء مني وأني ما هستريحش اني والولاد غير وانتي موجودة وسطنا،
 ولا وجود "نغم" في حياتي هو السبب اللي عايزة تطلقي عشانه؟

جاوبته على سؤاله الأخير بتأكيد:

ـ "نغم" وجودها من عدمه ما فرقش في علاقتي معاك يا "سند" لأنها غلط من البداية، إحنا حياتنا ويا بعض وأنت خابرها زين ما كانتش مستقرة بعيدا عن وجود "نغم" فيها من الأساس، وسواء كانت موجودة ولا لأ اني كنت هطلب الطلب دي في يوم من الأيام، وما أخبيش عليك فكرت فيه كَتير قبل سابق بس كانوا العيال صغيرين وما كانش ينفع.

وكملت "دعاء" وهي مصممة على طلبها:

ـ اني ما هفوتش ولادي مهما كان يا "سند" ولا هبعد عنهم وهفضل معاهم لحد ما يتجوزوا ويخلفوا كمان إن أراد ربنا اني أعيش لحد ما أشوفهم أحسن عيال في الدنيا، ولا هاجي في يوم من الأيام أقف بيناتكم وأمنعك إنك تشوفهم أو اني أحرمك من وجودك في وسطهم، لكن موضوع الطلاق بالنسبة لي فكرت فيه كتير وحسمت أمري وصليت صلاة استخارة وما فيش أطهر من المكان اللي إحنا فيه دي علشان ربنا سبحانه وتعالى ييسر لي الموضوع دي وأقدر أستقبله، وكمان الولاد اني كلمتهم وفهمتهم إن دي رغبتي واني عمري ما هفوتهم وهم كبار كفاية وفاهمين وقالوا لي اللي يريحك يا ماما.

غمض "سند" عيونه بتعب وحاول يريحها وخلاص يمكن نفسيتها تعبانة فتهدى:

ـ طب يا "دعاء" بعدين نتحدت في الموضوع دي لما نخلص رحلتنا داي ونرجع بلدنا.

ردت "دعاء" بتصميم:

ـ لا يا "سند" ما هروحش من اهنه الا وأني معاي ورقة طلاقي وقراري دي نابع عن اقتناع من جواي، على الاقل لما نرجع البلد ما حدش يجيب في سيرتي تاني واحفظ ماء وجهي.

ضرب "سند" كف على كف:

ـ دلوك ما متحملاش كلام الناس يا "دعاء"، كان فين كلام الناس وانت بتطلبي مني اتجوز غيرك وبتشجعيني على اكده كمان، تعبت منك ومعاكي يا "دعاء" والله تعبت.

كتمت بكاها بتضغط على شفايفها انها ما تعيطش بالعافية وردت عليه وهي بتحرك راسها لقدام:

ـ خابرة زين يا "سند" ان كل حاجة بدايتها ونهايتها كانت من عندي، من سنين وانت هتضغط على اعصابك وتعبان وحيران بسبب تعبي وحيرتي اني كمان والطلاق دي عشان اريحك مني واحلك من اي ذنب انت هتحط روحك فيه بسببي.

نفخ بضيق وهو بيرمي المخدة اللي في ايديه على الارض:

ـ هو انا كنت اشتكيت ولا قلت لك انك عبئ علي وحتى في عدم تقبلك لشكل جوازنا وعلاقة اي راجل بمرته اني هعدل بيناتكم وما هقصرش وياكي واظن انتي عارفة اكده زين.

وافقت على كلامه وقالت له:

ـ خابرة كل كلامك ووعياه زين يا "سند"، بس برده ربنا الهمني بعد تفكير طويل ان دي هو الصُح، وبعدين مش اول ناس نطلق احنا يعني علشان تكبر الموضوع.

بص لها "سند" لقدام وهو بيحط المستقبل قدام عينيها:

ـ يا "دعاء" اني خايف عليكي من تفكيرك وقرارك وتصميمك عليه ولادك مسيرهم في يوم من الأيام هيتجوزوا وهيبعدوا عنك وما هيبقلكيش غيري حتى لو ونس، ياستي صدقيني قرارك دي غلط واصل.

ابتسمت "دعاء" بأمل وردت عليه وشكل ما تكون مفكرة في كل حاجة في حياتها اللي جاية وحسمت قرارها كويس جدا:

ـ اني خلاص لقيت طريقي شكل ما يكون ربنا بعتني وجابني الرحلة داي من غير ترتيب ليها علشان يهدي قلبي وروحي، ولادي لما يكبروا ويتجوزوا اتمنى لهم كل الخير وعندي"مازن"  ولدي هعيش وهشوفه عريس يملا العين والنضر واحفادي هيملوا عليا دنيتي وهعيش لعبادة ربنا اني ما رايدهاش حاجة من الدنيا غير اكده، ما تحاولش يا "سند" تأثر على قراري لأن اني مصممة.

بص "سند" لولاده اللي في حضن امهم بيبكوا بصمت وسألهم:

ـ ايه رايكم في حديت امكم اني ما رايدش الطلاق ولا رايد افوتها، ولحد اخر يوم في عمري رايد هتكون مرتي وشايلة اسمي وعلى ذمتي كيف هتطوعوها في الموضوع دي؟

ردت "سما" على باباها باختصار:

ـ اللي يريحها يا بابا الانسان ما يقدرش يتحمل اكتر من طاقته.

ورد "مازن" هو كمان:

ـ طالما يا بابا امي هتشوف انها هتكون اكده مرتاحة هي حرة واحنا ما عدناش صغيرين وما هنفوتهاش لحالها واصل.

قام "سند" وقف وهو بيبص لهم بصدمة ولحد دلوقتي مش مستوعب الموضوع:

ـ انتم كلكم اتفقتوا خلاص واني المفروض انفذ ما عارفش هتفكروا كيف عاد ان خراب البيت بالساهل اكده؟!

خلص كلامه وسابهم ومشي والاولاد فضلوا في حضن امهم متمسكين بيها وبيعيطوا وهي كمان في حضنهم بتعيط لكن بصمت وهي بتحاول تهديهم لان طبعا وقع الموقف عليهم كلهم صعب جدا لانه في بدايته.

                      *******
ـ إلحق يا سي "سند"  بيه الست "رابحة" طلعت عند الست "نغم"  و وشها ما يبشِرش بالخير، اعمل ايه دلوك انت منبه علي اني ما اخليش سي "سمير" بيه بس هو اللي يعتب ناحية الباب؟

رد "سند"  عليه:
ـ سيبها وخليك واقف قدام الباب من تحت ولو سمعت صوت عالي كلمني وهقول لك تعمل ايه. 

وقفل "سند"  معاه وكلم "جليلة" ولما ردت عليه طلب منها: 
ـ اسمعيني زين يا "جليلة"  وفتحي لي مخك الجزمة دي، وعلى الله تتغابي وما تنفذيش اللي هقول لك عليه، ستك "رابحة" طالعه دلوك خلي بالك من "نغم"  زين ولو حاولت تقرب منها او تعمل لها حاجة عفشة اقفي قصادها وامنعيها بكل قوتك ولو اعترضت قولي لها داي أوامر "سند"  بيه.

ردت "جليلة"  وهي بتزوم بخوف واعتراض:
ـ واه يا سي "سند" رايدني أقف قدام الست "رابحة"  داي كانت تقـ.ــطع خبري عاد، حرام عليك يا سي "سند"  بيه والله.

اتعصب "سند"  ورد عليها بامر لا يقبل النقاش: 
ـ حرمت عليكِ عيشتك يا بَعيدة، نفذي اللي هقول لك عليه، لو هيتحدتو ما تدخليش في حوار خالص بيناتهم، ما تتقدميش خطوة إلا لو لقيتي الحاجة قربت منها في أذى، وعايزك تبلِغيني بكل اللي هيحصُل بعد ما الحاجة تنزل، وحذاري ما تعمليش اللي قلت لك عليه بالحرف الواحد هطين عيشتك. 

وخلصت المكالمة وقفلت معاه و"رابحة" كانت واقفه في الصاله مع نغم بتبص لها بكبر وهي بتأمرها أمر لا يقبل النقاش: 
ـ بكره عِندنا عزال عروسة "سمير"  ولدي جاي عايزاكي تنزلي من البدرية من بعد الفجر طوالي علشان إنتي اللي هتعملي الوكل كلاته للضيوف، "دعاء"  مش اهنه وهم ما ياكلوش من يد خدامين سمعت حديتي زين.

حطت "نغم" ايديها اليمين على بطنها وايديها الشمال على ضهرها من ورا ورجعت قعدت على الكرسي وشاورت لـ"رابحة" إنها تقعد:

ـ اقعدي ياما استريحي من السلم الأول وخدي نفسك و"جليلة" تعمل لك قهوة.

بصت لها "رابحة" بنظرة كيد وقعدت وهي بتقول لها بسخرية:

ـ وكمان "جليلة" اللي هتعمل لي القهوة أمال إنت لازمتك إيه، والله ودار الزمن وبقى ليكي خدامة تحت رجليكي يا بت حناوي، وأما حماتك تطلع لك هتخليها هي اللي تعمل لي القهوة أمال إيه كنت في جرة وخرجت لبرة.

"نغم" استدعت البرود قدامها ببراعة وحاولت إنها تكون هادية ورسمت قدامها وش مليان ابتسامة وهي بترد عليها:

ـ أمال إيه مش المثل هيقول جوزي علاَّني ودي مش أي جوز دي "سند الناجي" يعني مقامي من مقامه، وانتي خابرة زين يا حاجة كيف يكون مقام "سند الناجي".

مطت "رابحة" شفايفها بزهق من رد "نغم" وقامت وقفت تاني وهي بتعيد طلبها:

ـ طب اني هنزل ولا رايدة أشرب قهوة ولا غيره، وتنزلي من الصبح بدري بعد الفجر طوالي عشان غدا الضيوف هيكون بعد الضهر.

حركت "نغم" ايديها على بطنها وهي بترد عليها برفض لكن هادي وبارد جنن "رابحة":

ـ معلش يا أما اعفيني من المهمة داي لأن جوزي منبه عليا ما أخرجش من البيت في غيابه حتى لو كنت هنزل عندك، وكمان اني لسه داخلة الشهر التامن وهحس بالوجع والدوخة وبرده جوزي منبه عليا أخلي بالي من ولده، تقدري تستعيني بطباخين ماليين البلد أو لو عايزة أطلبهم لك دليفري.

برقت "رابحة" عينيها بصدمة من رد "نغم" ونطقت باستهزاء على كلمتها الأخيرة بالذات:

ـ ديفري إيه دي يا بت حناوي وكمان عرفتي الديفري دي، مش بقول كنت في جرة وطلعت لبرة...

وكملت بنفس الأمر بطريقة حادة:

ـ ابقي نامي بدري وما تسهريش على التليفون طول الليل وانتي هتُبقي زينة علشان تنزلي تعملي الوكل.

ردت "نغم" برفض بنفس الطريقة الحادة وبتصميم قاطع لا يقبل النقاش:

ـ لااااه مهنزلش ولا هعتب عتبة دوارك طول ما جوزي مش موجود، يعني ما تعمليش حسابك علي وشوفي لك حد غيري.

انصدمت "رابحة" من ردها ونظراتها القوية، وهبت فيها بصوت عالي وكل ده و"جليلة" واقفة تتفرج وتسمع وكمان شغلت الموبايل بتاعها تسجيل علشان تبعته لـ"سند" لأنها بتنسى بسرعة وخايفة ما تقولوش حاجة تطلع مهمة يرجع يبهدلها:

ـ اتجنيتي في دماغك عاد يا بت حناوي، حماتك هتقول لك انزلي ساعديها في الوكل عشان عندها ضيوف هترفضي؟!

حركت "نغم" راسها لقدام وردت بكل برود وكيد لأول مرة "رابحة" تشوفه:

ـ اني أعمل اللي على كيفي وما أعملش اللي ما عايزاهوش، جوزي قال لي اكده انتي هانم وما حدش يقدر يغصبك على حاجة واصل، إلا إذا كنتي هتجريني من يدي وهتغصـ.ــبيني وساعتها هيُبقى في كلام تاني.

ربعت "رابحة" ايديها قدام صدرها وسألتها بحدة وهي بترفع حاجبها بسخرية:

ـ كلام تاني إيه يا بت حناوي هتعملي لي إيه يعني، ما انتي طول عمرك خدامتي وتحت رجلي إيه الجَديد اللي جد يعني لما آخدك من يدك وأخليكي تنزلي تعملي الوكل غصب عنك؟

"رابحة" استفزتها بكلامها، بصت لها بنظرة كأنها هتاكلها، اتعدلت في قعدتها وحطت رجل على رجل وقالت لها باللي صدمها وكأنها بكلامها ردت كرامتها من سنين عمرها اللي فاتت إهانة منها وبهدلة:

ـ ما حدش يقدر يغصـ.ــبني على حاجة ولا حد يقدر يمد يده عليا، واللي هيعملها يُبقى هو البادي والبادي أظلم، فلو حد مد يده هقطـ.ــعها له وهغرس فيها أنيابي علشان اللي هيعمل اكده يحرم يعملها تاني وياي.

شهقت "رابحة" بصدمة وردت بجبروت:

ـ ما انتي قليلة الرباية، رباية خدامة كانت هتغسل الأرض تحت مداسي هيطلع إيه من لسانك غير العفش.

كتمتها "نغم" بنفس الجبروت وبتحاول تكون رد فعل مش فعل لكلام "رابحة":

ـ أهي الخدامة اللي هتتحدتي عنيها دي تربيتها أحسن من تربيتك لمجرم شمام هتعرى من اسمه اللي هيرتبط باسم ولادي لأسف، أما أمي ربتني أحسن تربية أنا وإخواتي الدكاترة اللي عمرك ما هتعرفي تخلفيهم.

وقامت "نغم" ودورت وشها الناحية التانية وهي بتطردها:

ـ ولو سمحتي اتفضلي علشان اني تعبانة وعايزة أنام.

قربت "رابحة" منها واتكلمت بصوت عالي:

ـ هتطرديني من بيت ولدي وبيتي عَال، هو دي اللي كان ناقص؟!

جاوبتها "نغم" بقوة وكيد وبرد خلاها بقت واقفة تغلي ومش مصدقة اللي سمعته:

ـ البيت دي بيتي مكتوب ومتوثق باسمي، جوزي حبيبي اللي ربنا ما يحرمني منه كتب لي البيت بيع وشرا باسمي وقال لي كمان اللي ما يعجبكيش ما تدخليهوش في بيتك ولا تستقبليه، وبصراحة اكده انتي ما عجبانيش ولا قعدتك هتعجبني فمن باب أولى ما تطلعيش حداي تاني يا حاجة.

ردت بغضب:

ـ وكمان خليتيه يكتب البيت باسمك؟! لااااه انتي أكده أكيد ساحراله.

هزت رجليها بدلال وردت عليها ببرود:

ـ أيوه ساحراله بقلبي علشان اكده هيحبني ويدللني ومعليني ومغليني، ابقى روحي إنتي لدجال خليه يفك العملات اللي أني عِملتها له.

ذمت "رابحة" شفايفها بغيظ وبصت لها بغضب شديد من فوقها لتحتها وسابتها وخرجت وهي بتتوعد لها بكرة:

ـ ماشي يا بت حناوي يا أني يا إنتي في البيت دي، حرق اللي جابوكي.

ضحكت "نغم" بصوت عالي وبدلع كاد "رابحة" أكتر وهي نازلة من عندها، وبعد ما مشيت خالص حطت ايديها على صدرها تهدي من ضربات قلبها وجسمها كان بيتنفض من جواه لمجرد بس وجود "رابحة" معاها في مكان واحد:

ـ روحي يا شيخة حسبي الله ونعم الوكيل فيكي، ربنا ينتقم منك انتقام عزيز مقتدر على اللي هتعمليه فيا واللي عِملتيه سنين عمري اللي فاتت، ربنا يوريني فيكي الأذى اللي أذيتيهولي.

بعتت "جليلة" التسجيل لـ"سند" وخرجت لـ"نغم" وهي بتبتسم ابتسامة بلهاء:

ـ جدعة يا ست "نغم" ولية حربوقة وسو ما عارفاش اتحملتيها السنين اللي فاتت داي كلاتها كيف؟ دي إنتي تاخدي وسام الشجاعة والله.

ابتسمت "نغم" على كلامها وطريقتها وهي بتتلفت حواليها يمين وشمال خايفة حد يسمعها:

ـ وما خايفاش الحيطان تسمعك وتبلغ ولدها "سند" بالكلام اللي هتقوليه ويقطم رقبتك يا "جليلة"؟

اترعبت "جليلة" أكتر بمجرد ما جت سيرة "سند" وجريت من قدامها:

ـ يا حزنييي لااااه كل سي "سند" بيه ما مستغنياش عن عمري اني.

ضحكت "نغم" على طريقتها وخوفها بمجرد ما جت سيرة "سند" اللي أول ما جت سيرته ابتسمت وهي بتبص على صورتهم المتعلقة وقالت:

ـ مجرد ما يتقال اسمك واني مرتك مجرد ما الكل يعمل لي ألف حساب، ياه يا "سند" اتوحشتك قوي.

وما كملتش كلامها وبصت لقت موبايلها بيرن برقم "سند"، ابتسمت ابتسامة واسعة بينت صف أسنانها من فرحتها بمجرد ظهور اسمه على الشاشة، وعضت على شفايفها وقررت إنها تستخدم نصايح "رحمة" في الدلال عليه وإنها تتمنع عليه وترد على قد السؤال باختصار، وردت عليه في آخر المكالمة وطبعا ده قلقه جداً لا تكون بتبكي من أمه والكلام الصعب اللي قالته لها:

ـ ما هترديش على طول ليه كنتي فين؟

ردت باختصار:

ـ لااه عادي انت عارف إن الشهور الأخيرة من الحمل وحركتي تقيلة على ما قمت وجبت الموبايل.

سألها عن أحوالها بقلق:

ـ طمنيني عنك إنتي زينة؟

جاوبته ببرود:

ـ أها زينة الحمد لله.

رفع حاجبه بعدم إعجاب لردها البارد:

ـ امممم... كأنك مزاجك مش رايق عاد، الرد ناشف، يا ترى في حد مضايقك ولا حاجة تانية؟

ابتسمت بمكر ومن جواها فرحانة إن هو مهتم بيها حتى وهو بعيد لأنها واثقة إنه عارف بمجيه أمه بمجرد ما دخلت شقتها لأنه بيعرف عنها كل حاجة، وقالت له:

ـ كنت رايد حاجة غير إنك هتسأل علي ولا أقفل؟

بعد الموبايل عنه وهو بيبص له باستغراب ومش مصدق إن دي "نغم" اللي بتكلمه بالبرود ده، ولولا إنه عارف ردها على أمه وإنها أخدت حقها كان ظن إنها متضايقة، وسألها بتهكم:

ـ مالك يا هانم إيه الردود الباردة داي علي، مالك مستعجلة اكده ليه وراكي الوزارة ولا حاجة؟

ابتسمت بسعادة من جواها لأنها قدرت تستفزه وتاخد حقها منه وإنه سابها وسافر، وردت بنفس الطريقة:

ـ ماهو مش معقول إنك هتتصل مخصوص علشان تتريق علي يا أبو "مازن"؟!

رد وهو بينطق كلمتها بسخرية:

ـ أبو "مازن" أها... للتاني مرة هسألك مالك بتردي علي بالطريقة داي ليه؟

أكدت كلامها بتحدي:

ـ أه أبو "مازن" مهنطقش غير الاسم اكده كل مرة، انت مش طلقتني وسافرت يُبقى مفيش كلام ولا سلام بيناتنا، إحنا خلاص مفيش حاجة تربط بيني وبينك.

اتعصب من طريقة كلامها ورد عليها بزهق:

ـ "نغـــــــــــــــم" انظبطي في كلامك وياي وردي علي زين أني مناقصش اللي فيا مكفيني.

مطت شفايفها بسخرية:

ـ أه اللي فيك مكفيك دايما عِندي، أني "نغم" متخصصة الحزن والنكد والكل بيحط وياجي عليها ويفش خلقه وضيقه فيها.

مسح على راسه بضيق وهو بيحاول يهدي أعصابه، وحاول تكون نبرته أهدى وهو بيتكلم بوجع بسبب موقف "دعاء" وكان بيتصل بيها علشان يحاول ينسى همومه معاها:

ـ لااه ولا يهمك، كل الحكاية إني فكرت إنك أكتر إنسانة في الدنيا هتفهمني من نبرة صوتي بس، لكن إنتي عِندك حق أني هشيل شيلتي لحالي مهقرفكيش وياي ولا هنكد عليكي، سلام.

خلص كلامه وقفل معاها الخط وقرر يروح يلجأ لربنا ويشتكي له حيرته وتعبه من الدنيا اللي بتصده يمين وشمال ومش عارف يستقر فيها، ولا عارف يرضي مين وبيجي على نفسه علشان كل اللي حواليه، أما هي فضلت تأنب نفسها على طريقتها معاه وخصوصاً إن صوته باين عليه الضيقة، مقدرتش تتحمل أكتر من خمس دقايق بعد ما قفلت معاه المكالمة وبقت مش مرتاحة خالص، وقاعدة في حيرة من أمرها ولقت نفسها بتتصل عليه علشان تشوف ماله، أول ما وصله مكالمتها رد عليها بنبرة شجن:

ـ محتاجة حاجة ولا نسيتي حاجة تقوليها؟

بلعت ريقها بصعوبة وهي بتلوم نفسها على طريقتها الباردة معاه وخصوصاً إن حالته وصوته مش طبيعيين، وسألتها بحنان:

ـ مالك يا "سند" صوتك متغير وحزين فيه حاجة مضايقاك، احكي لي؟

اتنهد بأسى ومش عارف يحكي لها ولا لأ عن طلب "دعاء" بس مش قادر يكتم جواه هيروح يحكي لمين ومين أصلاً بيسمعه غيرها، وقرر يحكي لها:

ـ "دعاء" طالبة الطلاق ومصممة عليه وقبل ما نرجع من العمرة كماني.

شهقت "نغم" بصدمة من اللي سمعته ما بقتش مستوعبة اللي قاله أصلاً، وسألته باستنكار:

ـ كيف الكلام دي انتوا اتخانقتوا ويا بعض يا "سند" أو قسيت عليها في الكلام أو إيه اللي حصل بيناتكم خلاها تطلب الطلب الغريب دي وأنتم كمان في رحلة تصفي القلوب وتريحها وتطيب خاطرها؟

جاوبها بروح منهكة ودماغه بتودي يمين وشمال ومش عارف أخر طريقه معاهم هم الاتنين إيه:

ـ ولا اتخانقنا ولا حاجة وكلاتنا كنا زين وما فيش أي موقف يستدعي الطلاق علشان تطلبه غير إنها ما مستريحاش للوضع اللي هي شايفاه غلط وخصوصاً بعد اللي اتعرضت له من كلام الناس أمها وإخواتها وقرايبها وجيرانها، وشايفة إن البلد كلاتها ما وراهاش سيرة غير "دعاء" اللي جوزها اتجوز عليها وهي عايشة وياه عادي وكأني أول وآخر راجل في الدنيا يتجوز مرة تانية.

حزنت "نغم" من اللي سمعته وما بقتش عارفة ترد عليه بإيه ولا تنصحه بإيه، وكل اللي شايفاه إن هي اللي خربت حياتهم بدخولها فيها:

ـ يعني أني السبب اللي خليت "دعاء" تطلب الطلاق، أني السبب في خراب بيتك يا "سند"؟

وكملت باللي صدمه:

ـ يُبقى الأولى إن أني اللي أطلع من حياتك وما يبقاش ليا وجود فيها مش هي؟ هي ملهاش ذنب والناس هتبطل كلام عنها لو أني وانت انفصلنا رسمي.

رد عليها بصدمة:

ـ إنتي هتقولي إيه إنتي، دي كل الدنيا كوم وإنتي كوم تاني، إنتي رحمة ربنا لقلب "سند"، ونوره في عز ضلمته يا "نغم".

دموعها نزلت بصمت وقالت له بشجن:

ـ شكل الفراق محتوم علينا لا محالة، الدنيا حالفة علينا إننا نفترق، لا الناس هتسيبنا ولا أني هرضى أفرق بينك وبين عيالك أبداً، متسمعش كلامها وتطلقها يا "سند"، مهرتاحش وياك ولا هنعم على خراب حياتها وياك، أني الدخيلة عليكم وأني اللي عملت لكم كل المشاكل وأني السبب في كل حاجة، يبقى أني اللي لازمن أبعد....

تعليقات