رواية النغم الحزين الفصل الثامن والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
كانت قاعدة فوقه بنفس طريقته وهو فوقها وهي ماسكة المبرد في إيديها وبتحركه قدام عينيه يمين وشمال وبتبص له بنظرات جنونية وقربت منه لحد ما بقى مش عارف يتحرك ومرعوب وعينه رايحة جاية على المبرد اللي بتحركه ببطئ ونظراتها جنونية قدام عيونه، بقى بيبلع ريقه بالعافية وحاسس إنه خلاص رايح ناحية الموت وبقى يصرخ فيها:
ـ هتعملي ايه يا بت المجانين فكيني دي أني هطين عيشه اللي خلفوكي، فكيني يابت الجــــــــــــــــــــــزم.
لقاها على حالتها ونظراتها الجنونية على صوته بصراخ هز أركان البيت كله:
ـ يامااااااااااا، الحقيني يا مااااااااااااا المجنونة داي هتموتني ، الحقيني يا مااااااااااااا.
ج
هي طبعا كانت في حالة خارجة عن وعيها وكل اللي في دماغها الوجع اللي حست بيه طول الليلة دي واللي عمرها ما حست بيه في حياتها بسبب همجيته في التعامل معاها، قربت من وشه وخدشته بالمبرد اللي في ايديها وكل ده وهو عمال يصرخ ومش عارف يفك نفسه لحد ما صريخه قلب البيت كله، فطلعت "رابحة" ومعاها الغفر جري على أوضة "سمير" وعروسته طبعا الباب كان مقفول من جوه خلت الغفر يكسروا الباب وبرده باب أوضة النوم كان مقفول خليتهم كسروه وكل ده و"سمير" بيصرخ زي ما هو لأنها كانت بتقطع في جسمه بالمبرد اللي في ايديها، أول ما دخلوا انصدموا من المنظر و"رابحة" حطت ايديها على بقها تكتم شهقتها وقربت منهم وهي بتعلي صوتها بزعيق جامد لـ"نورا":
ـ شيلي يدك يا مجنونة إنتي هتعملي إيه يا مجنونة انتي، قومي يا بت داي اني هقـ.ــطع لك يدك على اللي عملتيه دي؟
كل ده و"سمير" لأول مرة يبكي وهو خايف بجد وخصوصا إن هي حاطة المبرد على رقبـ.ــته وبتبص لـ"رابحة":
ـ لو قربتي خطوة هموته لك دي فاجر يستحق الموت ما هيرحمش الضعيف اللي هيقع تحت يده لو قربتي هموته هموت حالي.
"رابحة" بقت واقفة مش عارفة تعمل إيه ولا تتصرف ازاي والموقف كان صعب جدا وكل ما تحاول تهددها أو تعلي صوتها "نورا" كانت تقرب من رقبة "سمير" أكتر لدرجة إن المبرد غرس في رقبته والموقف بقى صعب فحاولت تاخدها باللين:
ـ طب احكي لي هو عِمل فيكي إيه وما تأذيهوش ولا تأذي روحك يا بتي قولي لي هو أذاكي كيف واني هاخد لك حقك منه؟
"نورا" ضحكت بجنون وهي بتبص لـ"رابحة" بنظرات زاغة:
ـ عمل كتير ما عندهوش رحمة كيف "كرم" وكيف "نعيمة" كان هيموتني وما رحمنيش فقبل ما يموتني اني هموته.
بلعت "رابحة" ريقها بصعوبة وهي بتسمع كلامها وفضلت تهاودها وتجاريها في الكلام وهي بتبص للغفر إنهم يحاولوا يمسكوها:
ـ طب يا بتي دي جوزك وأي حاجة هيعملها وياكي حلال وربنا أمر بيها، أما أخوكي "كرم" وأمك "نعيمة" ما ذنبناش حاجة في اللي عِملوه فيكي إحنا طيبين ما هناذيكيش أبدا اسمعي الكلام يا "نورا" وخليكي جدعة واني هخليه يبوس يدك ويبوس راسك على اللي عِمله فيكي.
على الناحية التانية كان الغفير بيجري ووصل لـ"سند" ونادى عليه وهو بينهج:
ـ الحق يا سي "سند" بيه الحقنا بسرعة في مصيبة.
خرج "سند" وراه "نغم" وهي لابسة عبايتها وحجابها وبيسألوا بقلق:
ـ في إيه يا واد الحاج "زين" والحاجة بخير اُنطق حُصل إيه عاد؟
حكى الغفير اللي شافه وخلاهم واقفين مصدومين و"نغم" حطت ايديها على بقها كتمت شهقتها:
ـ حرم "سمير" بيه ربطاه في السرير وماسكة سكـ.ــينة في يدها ومعوراه في كل حتة ومصممة إنها تمـ.ــوته والحاجة ما قادراش عليها وبعتتني علشان أجيبك تتفاهم وياها.
انصدم "سند" وهو بيجري قدامه "نغم" جت تروح وراه بص لها بنظرة حادة:
ـ خليكي مكانك ما تتحركيش من اهنه واقفلي بابك عليكي.
ومشي "سند" بسرعة على شقة أخوه في البيت اللي جنبه وقبل ما يدخل الأوضة علّى صوته وقال لأمه:
ـ هي مستورة يا حاجة ادخل ولا لاه؟
جريت "رابحة" ودخلته وهي بتستنجد بيه ودموعها مغرقة وشها لأنها ما قدرتِش عليها:
ـ ادخل يا ولدي هو دي وقته الحق أخوك بت المجانين داي هتموته.
أول ما دخل بص لها وبص لنظرات عيونها لقاها بتبص حواليها وبتتلفت كتير ونظراتها غريبة مش زي أي بني آدمة طبيعية، واللي لفت انتباهه أكتر علامات العـ.ــنف على ايديها وعلى رقبتها فعرف اللي أخوه عمله فيها كالعادة وفي لحظة افتكر "نغم" وإنها كانت بين ايديه في يوم من الأيام وكان بيعمل فيها كده لكن حاول ما يتشتتش لأن الموقف صعب جدا فبعد عيونه بعيد عنها وهو بيسألها برفق:
ـ ممكن أعرِف هتعملي في جوزك اكده ليه يا ست "نورا"؟
ابتسمت "نورا" ابتسامة مجنونة وجاوبته:
ـ أخوي "كرم" كان دايما هيأدبني لما أعمل غلط ويربـ.ــطني في السرير ويفضل يضـ.ــربني بالكرباج ويعلم في جسمي كلاته وهيقول لي اللي غُلط لازما يتحاسَب والواد دي غلط وبهدلني وخلاني أعيط طول الليل وما قادراش أتحرك وجسمي كله هيوجعني من غير ما أعمل له حاجة ومن غير ما أغلط، يُبقى هو اللي لازمن يتأدَب علشان ما يعملش الغلط تاني، مش اكده صُح برده؟
"سند" بقى واقف مصدوم من اللي بيسمعه هو مش عارف عنها أي حاجة ولا عن شخصيتها ولا عن حياتها مع أهلها لكن من أول كلام معاها في اللحظة دي عرف إنها مريضة نفسيا أو أقرب للجنون وحالتها غير طبيعية ودلوقتي اتأكد من الشكوك اللي كانت في دماغه إن أهلها ازاي رضيوا يجوزوا بنتهم لـ"سمير" وخصوصا إنه عرف إنهم سألوا عنه واللي سألوهم ما اتكلموش بالخير عن "سمير" أبدا فكان مستغرب ازاي الجوازة دي كملت، لكن قرر وقتها إنه يسيب أمه تعمل اللي هي عايزاه علشان ما تفتكرهوش إن هو اللي بيبوظ الجوازة زي كل مرة بتتهمه إن هو السبب في اللي أخوه بيوصل له، فقرب منها ومد ايده وبقى يتعامل معاها معاملة الأطفال بالظبط:
ـ طب تعالي نتفق اتفاق قومي وسيبي السكـ.ــينة اللي في يدك داي وتعالي ما تخافيش من حد وأوعدك إنه ما هيعملكيش حاجة.
ضحكت بجنون وصوتها كان غريب في ضحكاته وردت عليه برفض:
ـ لاه انت هتضحك علي كيف ما "كرم" أخوي هيضحك علي لما يلاقيني ماسكة السكينة وهموت روحي وبعد أما أسيب السكـ.ــينة يقوم جاي مكـ.ــتفني ويفضل يضـ.ــرب فيا طول الليل والنهار فاكرني هبلة إياك.
وبصت لـ"سمير" بنفس نظراتها الجنونية:
ـ اني هفضل اكده مكتفاه وهتسلى عليه كل شوي علشان ما يُبقاش يأذيني ويوجعني تاني وبعد اكده هموته وهموت روحي.
هنا اتكلم "سمير" بزعيق وبنفس نبرة العجرفة بتاعته:
ـ آه يا بنت المجانين والله لهموتك وهدخل فيكي السجن، بعدي عني يا بت الكلا....
هنا "سند" نطق بصوت عالي وهو بيبرق له بنظرات حادة:
ـ اسكت متتكلمش خالص، اقفل بقك دي عاد.
"سند" من جواه كان حاسس بالشفقة عليها أكتر من الشفقة على أخوه معقولة في حد يعمل في أخته كده في حد يدمر أخته لحد ما يوصلها للجنون بالشكل ده، وحاول يطمنها تاني بكل هدوء ورفق:
ـ طب اني مش كيف أخوكي "كرم" خالص صدقيني اني بوعدك إن ما حدش هيمسك ولا هياجي ناحيتك ولا "سمير" هيأذيكي تاني.
ومد "سند" ايده بابتسامة هادية علشان يطمنها وفضلت مسهمة عيونها ناحيته شوية لحد ما قامت وسابت "سمير" ونزلت من على السرير في ايد "سند" لسه "رابحة" رايحة عندها وهتشدها من شعرها بسرعة شدها "سند" ورا ضهره وهو بيحذرها بهدوء:
ـ هتعملي إيه يا أمي ما فيش حد فيكم يمد يده عليها سواء كان قدامي أو من وراي، ما ينفعش يا أمي اللي هتعمليه دي.
"رابحة" كانت متعصبة جدا وكانت عايزة تطولها بايديها ومش عارفة بسبب إن "سند" مانعها عنها وهي بتشتمها بأبشع الألفاظ:
ـ كيف عايزني أسيبها المجنونة داي كانت هتموت أخوك البت داي لازمن تتربط وتتكتف وتاخد علقة موت على اللي عملته دي عشان تحرم تعمل اكده تاني، هملها يا "سند" شيل يدك عنها.
"نورا" كانت واقفة بترتعش وماسكة في ضهر "سند" وهي بتهزي بكلامها:
ـ لاه ما تربطونيش، ما تموتنيش حرام عليكم، "نعيمة" وحشة و"كرم" وحش وانتي وحشة.
وبصت ناحية "سمير" وشاورت عليه بايديها وهي بتقول بهذيان:
ـ والبغل دي كمان وحش.
في اللحظة دي كانوا الغفر فكوا "سمير" ونزل من على السرير وهو ماسك ضهره وبيحاول يلين ايده وأول ما سمعها وهي بتناديه بالبغل وهو مخـ.ــنوق ومتغاظ منها جري عليها هو كمان وحاول يشدها من ورا "سند" فـ"سند" زعق بصوت عالي وهو بيأمر الغفر اللي واقفين يتفرجوا:
ـ انت يا بني آدم منك ليه ما هتشوفوش بعدوه عني.
الغفر مسكوا "سمير" اللي كان غضبان بشدة ولو كان طال "نورا" كان موتها وزعق "سمير" وهو بيحاول يفلت من ايد الغفر:
ـ سيبني يا بهيمة منك ليه بعدوا عني هموتها يعني هموتها، بت الجزم داي تعمل فيا أني اكده، بعدوا يدكم عني.
بص "سند" لأمه وهو بيطلب منها بأمر:
ـ خدي ولدك واخرجي بره الأوضة يا حاجة بدل ما هتُحصل جريمة دلوك، خديه واخرجي.
وكمل وهو شايف "رابحة" واقفة مكانها ومش عاجبها كلامه كعادتها وهو ما زال متمسك بـ"نورا" ورا ضهره وحاميها:
ـ ابنك لو سبتها له هيموتها وهيروح في ستين داهية وهيتعدم خدي ابنك واخرجي واسمعي كلامي ولو مرة واحدة في حياتك يا أمي.
"رابحة" اترعبت من كلام "سند" وراحت ناحية "سمير" وشدته من ايديه بالعافية وخرجته بره الأوضة أما "سند" بص للغفير وطلب منه:
ـ تتصل بالدكتور "حامد" وتقول له ياجي دلوك في أمر ضروري وهام.
وكلهم خرجوا ما عدا غفير فضل مع "سند" و"نورا" أول ما بقت حاسة إنها في أمان وإن فعلا "سند" وفى بوعده معاها ولأول مرة حد يعمل معاها كده يوعدها بحاجة ويوفي فبصت له وهي بتبتسم له ابتسامة كأنها ملاك وفجأة قربت ايديها من وشه ولمسته برفق:
ـ انت طلعت جميل قوي، مخلتش البغل اللي خرج دي يموتني.
نزل "سند" ايديها بهدوء وهو كان بيحاول يبعد وشه قبل ما تلمسه وسحبها "سند" من ايديها زي الطفلة وطلب منها تقعد على الكرسي وقعد على الكرسي اللي قصادها وعاتبها بهدوء من غير ما يخوفها:
ـ ينفع واحدة زينة ومتربية وبنت ناس تقول على جوزها بغل؟
حركت رأسها بتأكيد وهي بتجاوبه بتلقائية:
ـ وينفع واحد زين ومتربي يوجع "نورا" ويخليها تعيط تعيط كتير وهي يا عيني ضعيفة ومتقدرش تدافع عن حالها؟
في اللحظة دي سكت "سند" لما لقاها بتحضن جسمها بايديها وكانها بتفتكر اللحظات الصعبة اللي عاشتها بين ايدين أخوه اللي هو عارف كويس طريقة معاملته مع أي ست في اللحظة دي كان عايز يقوم يجري على "نغم" وياخدها في حضنه ويطبطب عليها إنها استحملته عشر سنين بحالهم عمل فيها نفس اللي عمله في "نورا" وعملت فيه اللي ما فيش إنسان يصدقه وهي خارجة عن العقل، فما بالك هي كانت بعقلها وكانت هتحس بكل العذاب ده، رجع بعقله تاني لـ"نورا" وفضل يتكلم معاها كتير ويعرف كل حاجة عن تفاصيل طفولتها وطبعا في حاجات بتألف فيها وفي حاجات تتصدق لأنها تتصدق فعلاً ، لحد ما جه الدكتور وقعد معاها ساعة بحالها وكشف عليها وكمان إداها حقنة مهدئة ونامت وبعدها خرج قال لـ"سند":
ـ هي تقريبا ما فيهاش حاجة عضوية مريضة لا سمح الله، بس واضح جدا من نظرات عيونها وبياض عينيها اللي رايح وجاي وطريقة كلامها وابتسامتها غير المعقولة وكلامها غير المرتب إنها مريضة نفسية من الدرجة الأولى ودي تقريبا نتيجة اكتئاب حاد وصلت له بسبب ظروف معينة هي عاشت فيها وللأسف على حد علمي في الطب النفسي اللي في حالتها علاجهم صعب جدا ويكاد يكون مستحيل.
"سند" ضرب كف على كف وهو مش مصدق اللي سمعه ومصدوم كان عنده شك إنها تكون كده وسأل الدكتور:
ـ طب، طب شور علي الله يسترك بدَكتور زين يعالجها لأنها بقت مرت أخوي وأول ليلة ليها اهنه وإحنا ما كناش نعرِف عن مرضها دي أي حاجة، الجواز جه بسرعة ما لحقناش نسأل وأهلها ما قالولناش حاجة عنيها.
برق الدكتور عينيه بصدمة:
ـ بس كيف داي تتجوز دي جريمة المفروض الخارج عن الأهلية حرام ليه الجواز عاد، يكون في علمك لازم تحترسوا منيها جامد لأن اللي زيها ما هيفكرش في أي حاجة قبل ما يعملها لازما تخلوا بالكم لا تأذي حالها وتروحوا في داهية أو تأذيكم بافتعال حرايق أو أي حاجة لا سمح الله، يا إما ترجعوها لأهلها لأنهم خدعوكم.
مط "سند" شفايفه بأسى لحوارات "سمير" وأمه اللي ما بتنتهيش بس الحوار المرة دي مش زي كل مرة حوار كبير ملهوش أول من آخر وما لهوش خلاص، خلص كلامه مع الدكتور وهي كانت نايمة لأنها كانت واخدة حقنة مهدئة تنيمها ساعات طويلة، وخرج لأمه وأخوه وقعد قدامهم كان "سمير" لسه متعصب وعايز يدخل لها:
ـ سيبوني عليها هكسر عضمها وإذا كانت مجنونة هعقلها، اني لازما أخد حقي منيها على اللي عِملته فيا دي.
رد "سند" وهو متعصب:
ـ انت بالذات تخرس ومعايزش أسمع صوتك مش هي داي جوازتكم انتو التنين، مش هي داي المصيبة الجديدة وقعتونا فيها؟
جبتوا لنا واحدة خارجة عن الأهلية ما هتنفعش للجواز من الأساس جوازها حرام شرعا وقانونا، ممكن أفهم يا حاجة حباية إيه اللي اديتوها لها امبارح بالليل انت وأمها وقالت عليها في وسط كلامها معنى اكده إنك كنتِ خابرة عنيها كل حاجة؟
عيطت "رابحة" لأول مرة وهي حاسة بالخطر فعلا بقى محاوطهم مش محاوط "سمير" لوحده وخصوصا لما سمعت الكلام اللي الدكتور قاله لـ"سند":
ـ والله يا ابني أمها ضحكت علي وقالت لي إن الحبوب داي لما هيجي لها نوبة وتحلم أحلام عفشة لأنها كان معمول لها عملات في جوازتها الأولانية اللي ما عمرتش وما كنتش أعرِف حاجة عن إنها مجنونة.
حرك "سند" راسه بقى وهو مش مصدق اللي ودانه سمعته:
ـ هو يا أمي الجواز بياجي خبط لزق اكده وخصوصا لما يكون من ناحية غير ناحيتنا نهائي؟
ليه ما سألتيش عنيهم وجبتي تاريخهم وأصلهم وفصلهم؟
ليه لما جيت أقول لك اني هشيع حد يسأل عنهم مرة وتنين وتلاتة رفضتي وقلتي هتخترع أسباب علشان تفشكل جواز أخوك؟
تعبت منيكم والله يا أمي تعبت على الآخر وختمت بمصيبة حطت على راسنا كلاتنا وهي بدأت كانت هتموت ابنك وما هتاخدش في يوم واحد.
"سمير" بلع ريقه برعب حقيقي وهو بيسمع كلام "سند" وقال بلسان بيرتعش وحلاوة روح:
ـ ليه يعني هخاف من بت كيف داي؟
دي كلاتها شبر ونص هفعصها في يدي وهفشفش لها عضمها كل يوم والتاني وما هخليهاش تعرف تتحرك هخاف من واحدة ست إياك، لعلمك بقى هي خدتني على خوانة.
نفخ "سند" بضيق شديد وزعق له:
ـ انت بالذات ما تتحددش واصل، أكيد اتعاملت وياها بهمجية وعـ.ــنف كيف ما هتتعامل ويا أي ست كأنك مش أخوي وخابرك زين وخابر جبروتك، يكون في علمك يا "سمير" لو قربت ناحيتها الحكومة هتكلبشك من يدك وهتروح في ستين داهية لو جرى لها حاجة ولو ما جرالهاش هي هتاخدك على خوانة تاني وهتخلص عليك.
بلع "سمير" ريقه بدراع وهو ماسك رقبته كأنه بيحميها من الموت أما "رابحة" ضربت على رجلها بحزن وهي بتعيط:
ـ معلوم يا ولدي معلوم كل الكلام اللي انت قلته حداك حق فيه أمها ست شديدة وخواتها كمان وما هيرضوش إن بتهم تطلق من تاني يوم ومش بَعيد هم اللي يخلصوا على أخوك أعمل إيه يا رب وأسوي إيه أروح فين وأجي منين؟
يا حزنك يا "رابحة" يا مرك يا "رابحة" الحِزن وراكي وراكي ما هيفوتكيش واصل.
الموقف بقى صعب جدا و"سند" طلب من "سمير" بتحذير شديد:
ـ شوفي يا أمي اللي هقول لك عليه تعمليه انتي وولدك بالحرف الواحد ولو ما عملتوش اللي اني هطلبه منكم ما تلوموش إلا حالكم لما تحصل بلاوي أكتر من اللي حُصلت النهاردة، ولدك يبعد عنيها خالص ما يقربلهاش ما يجايش ناحيتها ولا ناحية الأوضة اللي هي قاعدها فيها، ما يلمسهاش ويفتكرها إنها مرته ويتعامل وياها من الأساس، ولا انتي كمان يا حاجة الدَكتور قال طول ما هي حاسة إنها في أمان طول ما هي هتُبقى هادية وفي حالها لحد ما أروح اني لخواتها وأهلها وأشوف الموضوع دي هيوصل لحد فين.
حركت "رابحة" رأسها بتأكيد على كلام "سند":
ـ حاضر يا ولدي ما هخليهوش ياجي ناحيتها واصل هاخده وياي في الدوار تحت ما خلهوش يطلع ناحية اهنه عاد، بس خلصنا من البلوة والمصيبة اللي وقعت على رأسنا داي.
قاموا كلهم وسابوا المكان وطلب من "جليلة" إنها تيجي تقعد جنبها وتحاول تسايسها وتهديها وتشوف كل طلباتها وأي حاجة ترن عليه وما تعاندهاش في أي حاجة لحد ما يروح لأهلها.
********
ـ طب بتعيطي ليه يا بنتي دلوقتي اهدي يا بابا هي أول مرة هسافر لشغلي.
اتمسكت بأحضانه قوي وهي لسه بتعيط:
ـ مخبراش يا "يونس" اني حاسة بتعب وريداك تكون جنبي وما تهملنيش وتسافر انت هتوحشني قوي لما بتبعد عني.
طبطب على ضهرها وخرجها من حضنه وحضن وشها بين كفوف ايديه وسألها بقلق:
ـ مالك يا "مهرة" تعب إيه ده اللي انتي حاسة بيه وما قلتليش ليه قبل كده كنا رحنا لدكتورة علشان نطمن عليكي.
وكمل بنبرة حزينة وهو بيعاتبها:
ـ انتي بجد مهملة في حق نفسك قوي وما بتديش وقت ولا مساحة كافية لنفسك إنك ترتاحي يعني أنا قعدت معاكي طول الأجازة دي ما بين شغلك المرهق جدا وما بين إنك عايزة تشوفي بيتك وجوزك وطلبات البيت لوحدها أصلا واحتياجاته بتاخد مجهود كبير جدا فلازما تتعبي.
مطت شفايفها بحزن وسألته بقلة حيلة:
ـ يعني هعمل إيه يا "يونس" هي الست اللي هتشتغل بتبقي حياتها اكده، مفيش راحة وما فيش أي وسيلة إنها تريح نفسها ما فيش أي رفاهيات للست اللي بتشتغل وكمان زوجة الموضوع متعب جدا عن ما كنت اني اتخيل.
نفخ بضيق وحاول يكون هادي وهو بيقول لها رأيه:
ـ طب انت إيه اللي يجبرك على كده وإنك تتحملي وتضغطي على نفسك وأعصابك بالشكل ده طب في ستات زي ما انتي ما هتقولي محتاجة فعلا إنها تخرج وتشتغل وتتعب علشان ظروف حياتهم صعبة فبالتالي الله يكون في عونهم بجد الستات دي يتقال عليهم جبل أما انت بصراحة كده انتي مش محتاجة ترهقي نفسك ما بين المستشفى والجامعة كده كتير قوي يا "مهرة" سواء كان لصحتك وكمان أنا حاسس إن أنا مش لاقيكي معايا طول الوقت.
حركت وشها باستغراب من كلامه لأن ده شغلها ومضطرة إنها تستحمل ظروفه وتعبت كمان جدا علشان توصل للي هي وصلت له وسألته:
ـ بس دي ظروف شغلي وانت خابر زين اني تعبت كد إيه علشان أوصل للي وصلت له دي فغصب عني لازما أتحمل ظروف شغلي.
حاول يكون هادي جدا في مناقشته معاها علشان ما يحسسهاش بالإجبار إنها تسيب شغلها ورد عليها:
ـ هفكر معاكي بصوت عالي يا "مهرة" مسيرك في يوم من الأيام هتبقي أم هتعملي إيه ويا ولادك وخصوصا إن إحنا ساكنين في كومباوند بعيد عن ماما خالص وبعيد عن شغلك تماما وما جنبناش حد هنا تسيبي له أولادك لما ترجعي شغلك وحتى لو وديتي في حضانة هتعملي إيه بالليل في وردياتك أو هتسيبي ابنك في الحضانة بين ايدين ناس غريبة طول المدة دي كلها، بصراحة الموضوع ده بقى مضايقني جدا وبقيت بفكر فيه كتير لازم حل يكون منطقي يريحك ويخلي الدنيا تمشي بسهولة.
بقت محتارة وخصوصا إنها ما كانتش حاطة في اعتبارها حكاية الأولاد أو ما فكرتش فيها خالص وقالت له بابتسامة علشان تخفف حدة الحوار ما بينهم:
ـ طب ليه هتشيلني الهم للخلفة والأولاد وتخليني أحمل همهم قبل ما ياجوا الدنيا خليها على الله وقتها هنشوف إيه اللي هيُحصل؟
ربع ايديه حوالين صدره وقرر إنه يتكلم معاها بقراره اللي قعد يفكر فيه كتير وشايف إن توضيح الأمور بصراحة أفضل من اللف والدوران في الحوار مهنته علمته كده:
ـ طب ليه ما تستغنيش عن المستشفى خالص وخليكي في الجامعة على الأقل عدد ساعاتها قليل ومش كل يوم كمان وفي نفس الوقت ما تخليتيش عن شغلك وحلمك وكمان يبقى عندك وقت تكملي دراستك لأن مجالك بيحتاج دراسة كتير.
برقت عينيها بصدمة من قراره ونطقت بدهشة:
ـ انت رايدني أتخلى عن تكليفي كحكيمة وأسيب شغلي في المستشفى يا "يونس" انت بتتكلم بجد؟
اتنفس بصوت عالي وقرب منها وهو بيحضن كتافها برعاية وعيونه بتنطق بخوفه عليها:
ـ دلوقتي أنا خايف عليكي بجد انت كده بتموتي نفسك في الشغل وكمان إحنا مش محتاجين فليه ما تستغنيش وتعتزلي ما يؤذيكي يا حبيبي، أنا والله مش من النوع اللي بحب أهدم نجاحك ولا بفكر في كده خالص أنا كل اللي يشغلني اني شايفك حرفيا مهلوكة بصي لنفسك في المراية هتلاقي تحت عينك أسود من شدة ضغطك على نفسك في الشغل وكمان من قلة الراحة لجسمك ده انتي خسيتي النص يا "مهرة".
بالنسبة لها الفكرة اللي قالها دلوقتي كبيرة جدا إنها تعملها وخصوصا إن "مهرة" تعبت قوي علشان توصل للي هي وصلت له فبقت شايفة إن عرضه للفكرة ظلم ليها:
ـ طب وقرارك دي اللي انت بتقوله لي دلوك إجبار ولا اختيار يا "يونس"؟
جاوبها بدون تفكير وهو بيحضن وشها بين كفوف ايديه ده حنين:
ـ ما فيش حاجة اسمها إجبار ما بيني وما بينك نهائي يا "مهرة" كل حاجة ما بينا وما بين بعض اختيار وبمحض إرادتك وموافقتك، أنا مش من نوع اللي بحب أفرض سيطرتي على الست بتاعتي ولا أجبرها على حاجة تهدم حلمها وتعبها.
بصت له بعيون حيرانة وسألته بتيهة:
ـ يعني انت رايد مني إيه دلوك هحس اني مش فاهمك يا "يونس"؟
ابتسم لها بحب كبير وسحبها من ايديها وقعدها جنبه وبقى يحسس على شعرها بحب كبير:
ـ شوفي يا "مهرة" أنا لو عليا عايزك تقعدي من الشغل خالص وتكوني برنسيسة تخرجي وتشوفي نفسك وتدي لجسمك الراحة والنوم الكافي كل يوم، عايزك ما تعمليش في حياتك حاجة غير إنك تستريحي بقية سنين عمرك من تعب سنين عمرك اللي فاتت، أنا أكتر واحد عارف انت تعبت قد إيه من وانتي طفلة صغيرة، أكتر واحد بجد زعلانه عليكي جدا وعلى الدوامة اللي بتشدك للتعب والمرمطة إنتي خلاص أثبتي لنفسك إنك ناجحة ومتفوقة وقدرتي توصلي لمكانة ما حدش يقدر يوصل لها بالسرعة دي زيك، وعلشان برده نمسك العصاية من النص وما تضيعيش تعب سنينك في المذاكرة كفاية شغل الجامعة وتسيبي المستشفى وده برده مش إجبار مني لكن انتي من حقك تشوفي الدنيا بمنظور إنك ست تدلعي وتخرجي وتتابعي الموضة وتعملي شوبينج وأظن دي مكافأة ربنا ليكي بعد كل سنين التعب دي.
بقت محتارة وبتفكر في كلامه وهي بتبص له بتوهان عمرها ما فكرت إنها تخرج أو تتفسح أو إنها تقعد في كافيه وتستمتع بقعدتها مع أصحابها اللي كانوا دايما بيتحايلوا عليها إنها تخرج معاهم أو إن حتى يكون عندها فكرة الترويح عن نفسها أو التنزه، رجعت بتفكيرها لحياتها وسنين عمرها ما لقيتهاش غير شقى وتعب ما يتحملهوش إنسان مش بنت المفروض إنها كائن رقيق كل اهتماماتها إنها تدلع وتعيش حياتها، وكلام "يونس" كمان كان ليها خوف عليها وخوف على عمرها اللي جاي إنه يفضل ضايع في دوامة الشغل والنجاح لأن طالب النجاح ما بيستكفاش أبدا وحست من جواها إنها بدأت تقتنع بكلامه،
خدت نفس طويل وبصت له وقالت:
ـ تصدق إنك عِندك حق يا "يونس" في كل كلمة قلتها، أني هعاند روحي وهرهقها علشان النجاح وأوصل لأبعد حدوده وكل دي وأني ما بفكرش في نفسي كبنت يمكن يكون علشان اني ما هعرفش احتياجات البنت الحقيقية صُح يا "يونس"؟
سؤالها ده وجع قلبه قوي وفي لحظة شدها بين أحضانه وطبطب عليها وهو بيجاوبها برفق:
ـ صح يا قلب "يونس"، والله يا "مهرة" لو طولت أجيب لك الدنيا كلها تحت رجليكي عشان أعوضك عن سنين الشقى والتعب ما هيكفيكي، وعلشان كده بقول لك انت تستحقي إنك ترتاحي وخصوصا إن حياة إخواتك اللي كانوا مسؤولين منك استقرت الحمد لله و"شيماء" بقت دكتورة في الجامعة هي كمان وكمان والدتك الحمد لله صحتها اتتحسنت جدا وأختك الكبيرة ما بتسيبهاش و"سند" قايم بالواجب معاها ومش مخلي لحد فينا حاجة إنه يقدمها لها، خلاص يا حبيبي انسى الماضي بتعبه بألمه وعيشي لـ"مهرة" ولانبساطها انت ما استمتعتيش بطفولتك كبنت ولا استمتعتي بحياتك كلها قبل كده فمن حقك تستمتعي بشبابك، تعيشي دنيتك ووقتك، وتسيبي أي حاجة وراكي بتتعبك مش علشان خاطر مسؤوليتي أنا كزوج ناحيتك ولا علشان خاطر مسؤولية بيتك علشان خاطر نفسك يا "مهرة" أولا وأخيرا وكل حاجة.
قربت منه وارتمت في حضنه وسندت رأسها على كتفه وهي بتشدد على حضنه جامد:
ـ تفتكر يا "يونس" اني لو ربنا ما كانش خلقني قوية وقدرت أتحدى ظروفي وقدرت أتحول من "مهرة" اللي بتلف بين إشارات المرور علشان تلاقي رغيف عيش تاكله هي وأمها وأبوها وأختها، علشان بس أقدر أدفع مصاريف تعليمي وتعليم أختي لـ"مهرة" الدكتورة الجامعية كان زماني بقيت فين دلوك؟
وكملت بوجع وهي بتبلع أنفاسها بصعوبة وشريط حياتها كله بيمر قدام عينيها:
ـ تفتكر كل طفل بيمر بظروفي في الوقت دي عامل إيه؟ نفسي أنزل في الشوارع وألف زي ما كنت بعمل وأشوفهم كلهم وأسمعهم كلهم وأحاول أحل مشاكلهم كلهم وآخدهم في حضني وأطبطب عليهم في عز ما أنا ما كنتش لاقية اللي يطبطب علي، قبل ما كنت بتمنى الرزق كنت بتمنى الضحكة الحلوة الحنينة والطبطبة والدعوة الحلوة لكن كنت بشوف من عيون الناس نفور ونظرات اشمئزاز لبنت صغيرة طفلة هدومها مقطعة ووشها ملامحه باهتة من المرمطة في الشوارع، كنت بشوفهم بيبصوا لي بقرف يا "يونس" ما قادراش أنسى نظرتهم دي لحد دلوك بحلم بيها.
في اللحظة دي "يونس" كان عايز يخبيها جوه ضلوعه كان عايز يدخل جوه دماغها ويمحي كل لحظة وجع عاشتها في اللحظة دي قلبه دق بوجع يكفي العالم كله على اللي حبيبته عاشته وشافته في حياتها، لكن قرر إنه يبدل حزنها وتفكيرها في اللي فات لقوة:
ـ اللي فات من حياتك ليه تنسيه يا حبيبي ده فخر ليكي إنك قدرتي تحولي تعبك والسلبية اللي كانت في حياتك لنجاح ما حدش يقدر يوصل له، انتي بطلة القصة وانتي الحدوته اللي لازما كله لما يسمعها يفتخر بيكي، انتي أحلى الحلوين اللي في الدنيا كلهم يا "مهرة"، صدقيني كل الأطفال اللي انتي بتتكلمي عنهم دول أكيد ربنا حاسس بيهم زي ما كان حاسس بيكي وأكيد ربنا هيقدر لهم الخير زي ما قدر لك، أنا بحمد ربنا على وجودك في حياتي وإنه رزقني بيكي انتي بالذات علشان ربنا فعلا بيحبني.
وكمل كلامه وهو بيبتسم وعيونه بتلمع بحب كبير ما يكفيهوش وصف ومسهمة النظر جوه عيونها بعشق حقيقي:
ـ عمري ما أنسى إنك أول مرة اتقابلنا فيها واتعرفنا ببعض حبيتيني وأنا كل معرفتك عني اني بواب ورغم الشقى والتعب اللي عشتيهم إلا إنك ما بصيتليش اني قليل وإنك من حقك يكون في حياتك راجل يغنيكي عن التعب والمرمطة، انتي أصيلة وبنت أصول وبالنسبة لي لو لفيت الدنيا بحالها مش هلاقي زيك يا أجمل "مهرة" في الدنيا.
والاتنين ارتموا في حضن بعض كأنهم بيحضنوا الحياة من جديد كل واحد فيهم بيقول للتاني إن هو الأهم والمهم في حياته كل واحد فيهم بيثبت لنفسه وللتاني اختياره الصح وقالت له بدون تفكير أو مراجعة:
ـ خلاص يا "يونس" اني هسمع كلامك وهسيب المستشفى وهستكفي بشغل الجامعة ولو ما فيش حاجة في حياتي خالص غير انت وولادنا اللي ربنا هيرزقنا بيهم من جواي اني هبقى راضية ومبسوطة.
حضن عيونها بايديه وهو بيمسح دموعهم ولقاها بتسأله:
ـ تفتكر لو ربنا رزقني بأولاد أحكي لهم قصتي ولا أخبيها عنهم علشان ما يستعروش مني أو يحسوا بالنقص بسببي؟
ضحك "يونس" على سؤالها علشان يثبت لها إنها مكبرة الحكاية قوي في دماغها وجاوبها على طول بدون تفكير:
ـ يستعروا منك انتي؟! يا شيخة قولي كلام غير ده والله العظيم انتي قصة حياتك المفروض تدرس في المدارس والأطفال كلها تدرسها وتذاكرها كويس قصة حياتك المفروض تكون منهج حياة لكل إنسان بص تحت رجليه وأخد الظروف حجة علشان يضيع، مش بس نحكيها لأولادنا انتي ما فيش حاجة في حياتك تستدعي الكسوف والخجل خالص يا "مهرة" حياتك وتعبك وشقاكي وسام شرف لأي حد ومش علشان انتي حبيبتي والله دي الحقيقة اللي أول ما سمعتها منك لما اتعرفت عليكي كنت وقتها عايز أقول لك إن نفسي أخطـ.ــفك في حضني وأطبطب عليكي وأقول لك انتي بطل كملي.
بللت شفايفها الجافة من أثر الدموع ومسكت ايديه الاتنين وباستهم بحب حقيقي وهي بتعبر له عن مدى حبها ومشاعرها الصادقة ليه:
ـ انت جميل قوي يا "يونس"، انت عوض حقيقي من ربنا ليا، مش بس كده انت أجمل حاجة حصلت لي في حياتي ربنا يخليك ليا وما يحرمنيش منك أبدا ولا من وجودك ويا رب ترجع لي سالم غانم وما يضرنيش فيك أبدا.
ابتسم "يونس" ورد عليها بمشاغبة:
ـ طب أعمل إيه أنا دلوقتي وأنا لابس ومجهز شنطتي علشان أمشي وحضرتك بتغريني بكلامك وبنظراتك أكسر كلام القيادة بتاعتي وأرميها عرض الحائط وأقعد بقى في حضن مهرتي حبيبتي وتولع الدنيا ولا إيه بالظبط يا ست "مهرة"؟
استغلت كلامه وسألته:
ـ طب والله فكرة حلوة هو ينفع تعمل كده فعلا؟
ضحك "يونس" ضحكة عالية وهو بيجاوبها:
ـ آه ينفع عادي جدا ووقتها قولي على "يونس" يا رحمن يا رحيم انتي مفكراني شغال في شركة بابي يا حبيبتي مش فاهمة يعني إيه ضابط جيش في المخابرات كمان؟ مش بقول لك يا مهرتي انت طيبة قوي يا حبيبتي.
خبطته على كتفه بسبب تريقته عليها واترمت في حضنه وهي بتودعه وبتطبطب عليه وبتدعي ربنا إنه يرجع لها بالسلامة بعد كل مرة بيسافر فيها ويسيبها كان روحها بتروح معاها وكان "يونس" لـ"مهرة" و"مهرة" لـ"يونس" قصة حب وعشق لا تنتهي.
*******
كانت قاعدة على أحر من الجمر مستنية "سعدية" ترجع لها بالأخبار وعقلها بقى يودي ويجيب وجسمها كله الوجع بينشر فيه من كل مكان بسبب خضتها على "سمير" وبسبب المصيبة الجديدة اللي لبسوا فيها، أول ما جت "سعدية" عيونها اتعلقت بيها وكأنها مستنية الفرج وسألتها بلهفة:
ـ قولي يابت عرفتي ايه عن موضوع الهبابة داي، اُنطقي ؟
خدت "سعدية" نفسها من طول المشوار وردت عليها وهي بتلوي شفايفها باستنكار للي عرفته وسمعته:
ـ يالهــ... يا حاجة يالهــ... على اللي عرفته وسمعته بلاوي يا حاجة بلاوي بالكوم .
"رابحة" ملامحها بهتت من الخوف وبقت بتبلع نفسها بصعوبة بالغة وهي بتزعق لها باستعجال:
ـ قولي يا بت كركبتي لي معدتي انطقي جاك خابط في نافوخك .
بدأت "سعدية" تحكي لها اللي سمعته:
ـ سألت الجارة اللي جنبهم طوالي بعد ما غمزتها بمبلغ كبير وقالت لي ان الست نورا زمان واحد ضحك عليها واتجوَزها عرفي وأهلها عرفوا في اليوم اللي عِملت فيه العملة الهباب داي وراحوا كشفوا عليها لقوها لساتها بنت وقتها كانت بنت في اعدادي يدوب يعتبر عيلة صغيرة، ومن وقتها وهما حابسينها وخواتها وأمها من يومها وهما هيصبحوها بعلقة وهيمسوها بعلقة لحد البنت ما اتجنت وجالها اسمه إيه دي؛ آه اكتئاب شديد قوي والناس بقت مسمياها نورا المجنونة لأنها كانت ساعات هتهرب منهم وتمشي في الشوارع العيال كانت هتزفها وهيقولوا المجنونة اهي، ولما أهلها خلاص زهقوا منها ومن مشاكلها جوزوها لراجل كبير في السن من دور أبوها بهدلته لما اتجوزته،كسرت له رجله مرة، ويده مرة ، وفي آخر مرة كانت هتخزق له عينيه لولا ستر ربنا، وما فيش شهر ورجعها لاهلها تاني بعد ما شاف منها الويل بس يا ست "رابحة" ومن وقت ما رجعت وهي محبوسه وبيعملوا فيها نفس ما كانوا بيعملوا قبل سابق وبقى كل شويه دكتور خارج من عندهم ودكتور داخل وشنط أدوية داخلة وشنط أدوية خارجة .
لطمت "رابحة" على رجليها وهي مصدومة مين اللي سمعته والمصيبه اللي وقعوا فيها لو كانت سمعت كلام ابنها "سند" ما كانش كل ده حصل، وقامت وسابتها وبلغت سند بكل اللي عرفته وطمنها كعادته انها متخافش وإنه كالعادة هيشيل شيلة مش شيلته و"سمير" ولا في دماغه سهر وسُكر وعايش حياته بالطول والعرض.
*******
دخل عندها وهموم الدنيا محوطاه، جريت عليه وهي بتمد ايديها علشان تحضنه بابتسامتها الجميله اللي بتدي لحياته روح ومعنى، لكن كان وشه حزين وملامحه بهته فسالته وهي بتاخد منه عبايته تعلقها مكانها:
ـ مالك يا حبيبي مهموم ووشك حزين في حاجه مضايقاك ولا الموضوع اللي حصل من العروسة الجديدة هو اللي مضايقك؟
حضن وشه بين كفوف ايديه ورد عليها بتعب :
ـ المرة داي الشيلة تقيلة قوي يا "نغم" ، المرة دي فيها عيلة شديدة فيها عرق الإجرام لما سألت عنيهم وعرفت كلاتهم غشم ماهيفرقوش بين الصُح والغلط ، وغير إن بيتنا بقى في بلوة أكبر غير أهلها، بلوة خطر علينا كلاتنا وعلى العيال وعلى اي حد.
حاولت تهديه وقالت له بابتسامة صافية وهي بتتوسد صدره:
ـ متقلقش يا "سند" انت قدها وقدود، انت راجل زين وشهم وقوي وهتعمل خير كَتير ربنا عمره ما هيسيبك ابدا، ربنا وعمرك ما هتقع في ضيقة الا وهتلاقي ربنا باعت لك السند يا "سند".
حسس على شعرها بتملك وسألها بضياع وهو سايب كل حاجة وكل المشاكل وكل الحورات اللي هما فيها، كان جواه ملامة لنفسه على سنين عمرها اللي راحت وهي بتتعذب العذاب ده كله، عاشق بيلوم نفسه على ظلم حبيبته في ماضيها في الوقت اللي مكانتش فيه حبيبته، جواه صوت عالي وصراخ وقوة وعزم إنه يهد كل السنين اللي فاتت ومع أول وجع ليها يشدها منه وينقذها لكن ياريت نقول للزمان ارجع وفعلاً يرجع :
ـ انتي كيف اتحمَلتي عشر سنين بحالهم في العذاب دي؟
كيف كنتي هتقضي كل ليلة وإنتي بتدمري فيهم ومقدراش تتوجعي حتى ولا تقولي لااااه؟
كيف كنتي هتعيشي كابوس متشاف ومسموع كل ليلة والتانية وانتي روحك هتنزف بوجع صامت جواكي ؟
ورفع وشها ليه بكف ايده واتعمق النظر جوة عيونها اللي دمعوا من أسئلته وإنه فكرها بأسوء سنين عمرها وفجأة نزل قبالهم بشفايفه وباسهم باعتذار وندم عن حاجة مايملكش من أمرها شئ وهو بيهمس له باعتذار حقيقي ونبرة صوت مبحوح وكأنه خارج تقيل :
ـ قبل ما تجاوبيني على أي حاجة، حقك علي يا "نغم" على سنين عمرك اللي مكنتش فيها جارك والله كنت وقتها هحميكي من لمسة الهوا يا حبيبي.
