رواية جثة علي الترعة الفصل الثالث بقلم حمدي المغازي
وبعد ما خرج فرج دخل من بعده شعبان.. راجل خمسين، لابس قميص ضيق، وشعره مصبوغ، واضح انه بيهتم بنفسه وعايش سن مش سنّه.
-أتفضل يا شعبان.. اقعد.
-خير ياباشا.
-اخر مرّة شوفت فردوس أمتى؟
حط أيده على دماغه وفضل يردد.
-اخر مرة شوفت فردوس، آخر مرة شوفت فردوس، اه افتكرت، قبل ما البت ملك تيجي تاخدها وتروح شغلها.
-تحرياتي بتأكد إن كان في بينكم مشاكل.
-مشاكل عادية، بنت وراجل في بيت واحد، طبيعي يحصل شد وجذب.
-شد وجذب ولا كانت بترفضك.
بلع ريقة وبص في الأرض..
-ترفضني في إيه؟ دي زي بنتي!
-الجيران سمعوا صوتها وهي بتزعق لك:
"إبعد عني، حرام عليك."
-كانت عصبية، دايمًا بتكبر المواضيع.
-مواضيع ايه اللي بتكبرها؟ مراتك أكدت إنك حاولت مع بنتها.
-كدب ياباشا، أنا راجل محترم.
-والراجل المُحترم يقف يبُص على بنت مراته من فاتحة الباب؟
-مين اللي قال الكلام الفاضي ده؟
-وطي صوتك واحترم نفسك.
-أنا آسف ياباشا بس دي حاجة تفور الدم في النفوخ.
-تفور الدم ليه يا شعبان؟
-اتهام زي ده صعب، دي بنت مراتي.
-وبنت مراتك دي كانت عاملة لك إيه علشان تقوم بينها وبينك خناقات نص الليل؟
-قلت لحضرتك، كانت قليلة الأدب شوية، صوتها عالي، وبترد عليا.
-بترد عليك في أيه بالظبط؟
-في أي حاجة، في لبسها، في خروجاتها مع أصحابها، كنت بخاف عليها.
-خايف عليها ولا كنت مضايق إنها مش طيقاك.. ومكنتش عايزها تخرج علشان يخلالك الجو معاها، بص يا شعبان، الجثة اتلاقت ملفوفة في سجادة، ونوع السجاد ده منتشر في منطقتكم، نفس النقشة تقريبًا.
-يعني إيه؟ هو أي حد عنده سجادة زي اللي أتلفت فيها يبقى قاتل؟
-طب قولي كان بينك وبين فردوس كلام قبل ما تختفي؟
-ولا حاجة مهمة، قولتلها متتاخرش مردتش عليا وخرجت.
-تمام يا شعبان تقدر تمشي دلوقتي، لكن خليك عامل حسابك إننا ممكن نطلبك في أي وقت.
-وانا تحت أمرك ياباشا.
****
كنت متعمد استفزة، الشخص اللي بيتعصب ممكن يقول أي كلام، لكنه كان ثابت في ردوده، واضح انه جاي وعامل حسابه، لكن لازم أشتغل عليه شوية محتاج أي دليل إدانة علشان أقدر اتحرك من خلاله.
"صوت خبط على الباب"
-أدخل.
-صباح الخير يافندم.
-أهلًا اهلًا يا دكتور فريد أقعد.
حط ملف قدامي وقال:
-ده التقرير النهائي يا فندم وفي مفاجأة هتقلب التحقيق كله.
-خير؟
-الصفة التشريحية أكدت إن سبب الوفاة إسفكسيا الخنق، ضغط على الرقبة باستخدام جسم لين، غالبًا حبل أو إيشارب سميك، فصل الرأس تم بعد الوفاة، بأداة حادة ده غير كمان الطعنة اللي موجودة في صدر الضحية، واضح إن القاتل بعد ما خنقها حب يتأكد إنها ماتت وطعنها، ومن المؤكد إن الجاني كان عارف هو بيعمل إيه كويس، فصل الرأس ونزع الملابس كان هدفهم إخفاء الهوية وتعطيل التعرف عليها، لكنه ما كانش يعرف إن الحرق القديم في الفخذ هيبقى العلامة الفارقة اللي هتكشفها بسهولة.
-في جديد غير اللي عرفناه؟
-ايوة، في نقطة مهمة جدًا.
-ايه هيَّ؟
-المجني عليها كانت حامل!
-متأكد؟
-ايوة، تحليل الأنسجة والأشعة المقطعية بيأكد إنها كانت حامل، في الشهر الرابع تقريبًا.
-في آثار علاقة حديثة؟
-أيوه، قبل الوفاة بساعات، ومفيش مؤشرات اعتداء قسري.
-يعني علاقة برضاها؟
-على الأرجح كده.
-خدتوا عينات DNA؟
-اتسحبت عينات كاملة، ولو في مشتبه فيه، نقدر نطابق.
-عظيم. متشكر جدًا يا دكتور.
-كده يا فندم نقدر نقول القاتل أبو الواد، خصوصًا لو مش عايز يتحمل المسؤولية وخايف من الفضيحة.
****
كل الكلام بيأكد إنها على خلافات مع فرج وشعبان يعني من الصعب تكون مارست علاقة مع حد فيهم برضاها، في لغز في الموضوع، وإحساسي بيقولي إن في طرف تالت لسه مظهرش، خرج دكتور فريد وأنا كلمت كمال طلبت منه يبعت لفرج وشعبان علشان يتاخد منهم عينة وتتسلم للمعمل الجنائي، لأن لو حصل تطباق في عينة الطفل وطلع الأب واحد فيهم ده هياخدنا لطريق تاني خالص في القضية، والاجراء ده للتأكيد على كلامي. كملت كلامي وقولت:
-في أخبار عن ملك؟
-لسه مظهرتش يا فندم، وسألنا عليها في الشغل واتضح إنها مراحتش بقالها مدة.
-كثف بحثك يا حضرة الظابط وانشر مخبرينك، ملك لازم تظهر.
-اوامرك يا فندم.
قفلت معاه وخدت مفاتيح عربيتي واتحركت على المنطقة كان لازم أتكلم مع الناس بنفسي، روحت على القهوة اللي فرج قالي عليها وسألت على المعلم ربيع الشاهد، لحد ما واحد دلني عليه.. عرّفته بنفسي وبعد ما رحب بيا قال:
-تشرب أيه يابيه؟
-ولا حاجة متشكر.
-عليا الطلاق ما يحصل.. لازم تشرب حاجة.
-قهوة سادة.
-وعندك قهوة سادة يالا يا سيحا على ماية معدنية للباشا.
-قولي بقى يا معلم.. فرج بيقول إن اليوم اللي اختفت فيه فردوس كان قاعد عندك من المغرب لحد الساعة واحدة تقريبًا، الكلام ده مظبوط؟
-والله يا سعادته الباشا هو فعلًا كان هنا، لكنه غطس بتاع ساعة كده ولا حاجة ورجع تاني بعدها وشه ملوّن.
-متعرفش راح فين؟
-ابدًا والله ياباشا، هو كان بيلعب عشرة طاولة على المشاريب، وفجأة جاله مكالمة قلبت وشه وخلته مش على بعضه، حاسب وخد بعضه ومشي، مجاش غير بعد ساعة.. لكن راح فين الله أعلم، أنا مش هراقبه يعني سعادتك.
-مفهوم مفهوم.. متشكر يامعلم، استأذن أنا.
-قهوتك ياباشا.
-مرّة تانية.
رجعت على مكتبي وطلعت أمر ضبط وإحضار وتفتيش لبيت فرج، بعد ما لقيت تناقض واضح في كلامه، كان لازم أعرف راح فين في الساعة دي ومين اللي كلمه بالظبط، ما عدّتش ساعات، والقوة كانت جايباه، دخل كمال وهو ماسك فرج من دراعه، مكبّل وإيده بترتعش، قرب من مكتبي، وحط كيس بلاستيك مقفول قدامي وقال:
