رواية لما قلت لا الفصل الرابع والاخير بقلم داليا سالم
من يوم ما أختي اتخطبت، البيت اتغير. مش تغيير كبير يخلي حد يلاحظه من أول مرة، بس أنا لاحظته. ماما بقت مشغولة بتجهيزاتها، بابا بقى بيحسب كل حاجة مرتين، وأختي نفسها بقت عايشة بين فرحة وخوف. أما أنا، فكنت لأول مرة مش حاسة إني مسؤولة عن إنقاذ أي حد.
كنت بساعد بس لما أقدر، وأرفض لما ما أقدرش، والغريب إنهم بدأوا يتعودوا. حتى بابا مرة طلب مني أروح أخلص حاجة لأختي، قلت له:
— مش هقدر النهاردة.
بص لي ثانيتين، وبعدين قال:
— خلاص، هخليها تروح.
وانتهى الموضوع، وقتها حسيت إني كنت مكبرة الحكاية في دماغي طول السنين. يمكن الناس ما كانتش مستنية مني أضحي. يمكن أنا اللي كنت بسبقهم بالتضحية.
بعد أسبوع، وأنا قاعدة مع كريم في العربية، قال لي:
— سارة، عايز أسألك سؤال.
— اسأل.
— أنتِ مبسوطة؟
بصيت له.
— آه.
— معايا؟
ضحكت.
— لأ، مع العربية.
ضحك.
— بجد.
بصيت قدامي.
— آه، مبسوطة معاك.
سكت، وقال:
— طب لو أنا طلبت منك حاجة مش هتعجبك؟
— هقول لأ.
ابتسم.
— كويس.
— ليه؟
— علشان عايز أجرب.
— تجرب إيه؟
— أشوف سارة الجديدة هتعمل إيه.
ضحكت.
— أنت مستفز.
— عارف.
وصلنا قدام البيت، وقبل ما أنزل، مسك إيدي.
— أنا جالي عرض شغل تاني.
بصيت له.
— فين؟
— بره المحافظة.
سكت.
— يعني؟
— يعني لو وافقت، هحتاج أسافر يومين كل أسبوع.
بصيت له.
— هتوافق؟
— مش عارف.
— طب ليه بتقول لي؟
— علشان القرار يخصنا إحنا الاتنين.
اتنفست.
— أنت عايزه؟
— جدًا.
— يبقى وافق.
بص لي.
— كده؟
— آه.
— وأنتِ؟
— أنا هتعب.
سكت.
— بس مش معنى إني هتعب إنك ما تعملش حاجة أنت عايزها.
فضل باصص لي، قال:
— أنتِ متأكدة إن ده مش تنازل جديد؟
الجملة خلتني أسكت لأني لأول مرة ما كانش عندي إجابة جاهزة. هل أنا فعلًا بقول له روح لأني مقتنعة؟ ولا لأني خايفة أكون الزوجة اللي بتعطله؟ قلت:
— مش عارفة.
ابتسم.
— أهو ده اللي كنت مستنيه.
— إيه؟
— إنك تقولي مش عارفة بدل ما تقولي حاضر.
ضحكت.
— طب نرجع البيت ونتكلم؟
— نتكلم.
رجعنا... قعدنا في الصالة، وكل واحد فينا قدام التاني، قال:
— الشغل ده هيفرق معايا جدًا.
— عارفة.
— بس هبعد.
— عارفة.
— ممكن يبقى مرهق.
— عارفة.
— وممكن بعد فترة نكتشف إنه مش مناسب.
— عارفة.
ضحك.
— أنتِ النهاردة عارفة كل حاجة.
ضحكت وبعدين سكت شوية، قلت:
— أنا خايفة.
— من إيه؟
— إني أوافق دلوقت، وبعدها أندم.
— طب ما تقولي لأ.
بصيت له.
— ولو قلت لأ؟
— هنفضل زي ما إحنا.
— وأنت هتندم.
— ممكن.
— وهتحس إني وقفت مستقبلك.
— ممكن.
— وأنا مش عايزة ده.
— طب اسمعيني.
قرب الكرسي.
— أنا مش محتاج منك توافقِي على كل حاجة علشان أحبك.
سكت.
— ومش محتاجك توافقي علشان تثبتي إنك بتحبيني.
بصيت له.
— بس أنا محتاجة أعرف إيه الصح.
— مفيش صح مطلق.
— أمال؟
— في قرار نقدر نعيش معاه إحنا الاتنين.
فضلنا نتكلم لساعات. مش عن الشغل بس. عن البيت، عن الفلوس، عن المسافة، عن الأطفال، عن أهلنا، عن الأيام اللي هنختلف فيها، عن كل حاجة كنت فاكرة إن الحب لوحده هيحلها، وفي آخر الكلام، قلت:
— موافقة.
ابتسم، لكني كملت:
— بشرط.
— إيه؟
— لما أحس إني مش قادرة، أقول لك.
— طبعًا.
— وماتعتبرهاش خيانة لقرارنا.
— حاضر.
ضحكت.
— أنت كمان قلت حاضر.
— أيوة، علشان أنا كمان بتعلم.
مسكت إيده، وفي اللحظة دي رن موبايل أختي. رديت... صوتها كان بيترعش.
— سارة؟
— في إيه؟
— العريس كلمني وقال إنه عايز يقابل بابا بكرة.
— ليه؟
سكتت.
— قال إنه مش قادر يكمل.
قلبي وقع.
— إيه؟
— قال إنه اكتشف إني... إني مش مناسبة له.
قعدت ساكتة.
— سارة، أنا مش عارفة أعمل إيه.
وبدون ما أفكر، أول حاجة جت في بالي كانت: لازم أنقذها، لكني وقفت، أخدت نفسًا وقلت:
— استني، ما تعمليش حاجة دلوقت.
— يعني إيه؟
— ما تبعتيش له، ما تعتذريش، وما تحاوليش تقنعيه.
سكتت.
— بكرة نتكلم.
— بس أنا بحبه.
غمضت عيني.
— عارفة.
— وأنا خايفة أخسره.
— عارفة.
— طب أعمل إيه؟
قلت لها الجملة اللي كنت محتاجة أسمعها من حد طول عمري:
— الأول نعرف هو ليه مش عايز يكمل. وبعدها أنتِ تقرري إذا كنتِ عايزة تكملي معاه أصلًا.
سكتت، وبعدين قالت:
— حاضر.
قفلت وبصيت لكريم، كان بيبص لي وبيبتسم.
— إيه؟
قال:
— أهو كده.
— كده إيه؟
— أخيرًا بقيتي بتعلمي غيرك اللي اتعلمتيه.
ضحكت. لكني مكنتيش أعرف أن كلام أختي بكرا هيحطني قدام أصعب موقف في حياتي. لأن المشكلة مكنتش أن العريس مش عايزها. المشكلة كانت في السبب، وكان السبب متعلق بيا أنا.
تاني يوم، صحيت قبل المنبه. من وقت ما أختي قالت إن خطيبها عايز يقابل بابا، وأنا مش مرتاحة. مش علشانها هي. علشان الجملة الأخيرة. السبب متعلق بيكِ. فضلت أفكر طول الليل. إيه علاقتي؟ أنا حتى ما اتكلمتش معاه غير مرات قليلة. دخلت المطبخ، لقيت أمي قاعدة ساكتة، بصت لي.
— صحيتِ؟
— آه.
— أنا ما نمتش.
قعدت قدامها.
— ليه؟
اترددت.
— أختك قالت لك؟
— آه.
— هو كلّمها امبارح وقال لها إن أكتر حاجة مخوفاه إنها هتبقى زيك.
بصيت لها.
— زيي؟
— قال إنك بتتدخلي في كل حاجة.
ضحكت من الصدمة.
— أنا؟
— هو شايف إن أختك بدأت تتغير بعد كلامك معاها.
سكت... كنت متوقعة أي حاجة إلا دي، أمي كملت:
— قال إنه مش عايز واحدة تقول له لأ طول الوقت.
حسيت بحاجة بتشد في صدري. نفس الجملة، نفس الصورة القديمة. البنت اللي بتقول حاضر هي البنت المريحة، لكن المرة دي، الموضوع مش يخصني... يخص أختي. دخل بابا، وكان واضح إنه سمع آخر الكلام، قال:
— هنقابله النهارده.
— وأنا هكون موجودة؟
— لو حابة.
بصيت له.
— آه.
بعد الظهر، جه. قعد قدام بابا، وأختي جنبه. أنا كنت قاعدة بعيد، قال:
— أنا مش جاي أفسخ.
أختي رفعت عينيها.
— أمال؟
اتنهد.
— أنا اتكلمت مع أهلي، وهم قالوا لي إنك هتتغيري بعد الجواز.
بصت له.
— مين قال لك؟
بص ناحيتي.
— أختك.
أنا اتجمدت.
— أنا؟
قال:
— أنتِ بتقولي لها ما تسمعيش كلام حد، وما تسيبيش شغلك، وما توافقيش على كل حاجة، وإنها لازم يكون ليها رأي.
سكت.
— وده غلط؟
ما ردش، بابا قال:
— الكلام ده مش سبب للفسخ.
قال:
— أنا مش عايز أعيش في بيت كل حاجة فيه نقاش.
بصيت لأختي كانت بتبص لي، وبعدين قالت له:
— يعني أنت عايزني أوافق على كل حاجة؟
قال:
— لا.
— أمال؟
— عايز مراتي تسمع كلامي.
سكتت وقالت:
— وأنا عايزاك تسمع كلامي.
اتغيرت ملامحه، قال:
— أنتِ بتقولي إيه؟
— بقول إن الجواز بين اتنين.
سكت... أختي بدأت تعيط.
— أنا بحبك، بس مش عايزة أبقى معاك علشان أخاف أقول لك رأيي.
فضل ساكت. بابا حاول يتدخل:
— يا ابني، كل بيت فيه شد وجذب.
قال:
— أنا عارف.
بص لأختي.
— بس أنا اتربيت إن الراجل هو اللي كلمته تمشي.
أختي مسحت دموعها.
— وأنا اتربيت إني أقول حاضر.
سكتت لحظة.
— بس أنا مش عايزة أفضل كده.
بصت لي نظرتها كانت غريبة. مش لوم كأنها بتقول لي: شكرًا العريس قام.
— محتاج وقت.
بابا قال:
— خده.
خرج... أول ما الباب اتقفل، أختي انهارت جريت عليها حضنتها.
— أنا آسفة.
هزت راسها.
— ما تعتذريش.
— يمكن أنا دخلت في حياتك زيادة.
— لأ.
بصت لي.
— أنتِ أول مرة دخلتي فيها حياتي علشان تطلعي نفسك منها.
مفهمتش، قالت:
— طول عمري كنت فاكرة إنك بتعرفي تعيشي أحسن مني.
ابتسمت وسط دموعها.
— وأنا طول عمري كنت فاكرة إنك عارفة ترفضي أحسن مني.
ضحكت.. قعدنا جنب بعض. بعد شوية، قالت:
— لو هو رجع، مش عارفة أعمل إيه.
قلت:
— ما تعمليش حاجة دلوقت.
— أستناه؟
— لأ.
— أرفضه؟
— برضه لأ.
بصت لي.
— أمال؟
— عيشي يومك.
ضحكت.
— هو ده الحل؟
— آه.
— أنتِ بقيتي حكيمة أوي.
— لا، أنا بس بطلت أقرر وأنا خايفة.
سكتت، وفي آخر اليوم، كريم جه. كنت قاعدة في البلكونة، قال:
— حصل إيه؟
حكيت له فضل ساكت، وبعدين قال:
— وأنتِ حاسة إنك السبب؟
— شوية.
— ليه؟
— علشان لو ما كنتش اتغيرت، أختي كانت هتفضل زي الأول.
— يعني كان ممكن تتجوز وهي ساكتة علشان أنتِ ما اتغيرتيش؟
سكت، وقال:
— يبقى أنتِ مش السبب.
— أمال؟
— أنتِ كنتِ السبب اللي خلاها تعرف إنها من حقها تختار.
بصيت له.
— بس ممكن تخسره.
— ممكن.
— وممكن تندم.
— ممكن.
— طب أنا عملت إيه؟
ابتسم.
— عملتي اللي كان لازم يتعمل.
سكت، وبعدين قلت:
— كريم؟
— نعم؟
— أنت عارف إن أنا زمان كنت ممكن أوافق على أي حاجة علشان ما أخسرش حد؟
— عارف.
— وأنت كنت ممكن تخسرني بسبب ده.
— عارف.
— ليه استنيت؟
بص لي.
— علشان كنت مستنيكِ تختاريني، مش توافقِي عليا.
دموعي نزلت، قال:
— وده حصل.
مسحت عيني.
— آه.
— خلاص.
— خلاص إيه؟
— الرواية خلصت.
ضحكت.
— رواية إيه؟
— الحكاية اللي كنتِ عايشاها في دماغك.
سكت كان عنده حق. أنا طول عمري كنت بفتكر إن حياتي هتتحسن لما ألاقي الشخص الصح، لكن الحقيقة إن الشخص الصح ساعدني أشوف نفسي. أما الباقي، فكان لازم أعمله أنا. بعد أسبوع، أختي فسخت الخطوبة. مش لأنها ما بتحبوش بالعكس... كانت بتحبه، لكنها قالت:
— أنا مش عايزة أتجوزه وأنا بخاف منه أكتر ما بحبه.
ما حدش ضغط عليها حتى بابا. زعل، طبعًا. أمي عيطت، وأختي عاشت أيام صعبة. لكنها فضلت، وبعد فترة، رجعت لشغلها، وبدأت تجمع فلوسها من جديد، وفي يوم قالت لي:
— عارفة؟
— إيه؟
— أنا مش زعلانة إني فسخت.
— حتى بعد كل ده؟
— آه.
— ليه؟
ابتسمت.
— علشان أول مرة أخسر حاجة وأنا عارفة إني أنا اللي اخترت أخسرها.
ضحكت وحضنتها، وفي اللحظة دي فهمت إن ده كان معنى كل اللي حصل. مش إننا نقول «لأ» للناس، ولا إننا نتمرد، ولا إننا نثبت إننا أقوياء. الموضوع أبسط من كده. إنك تعرف نفسك. تعرف احتياجاتك، وتعرف إمتى تتنازل لأنك بتحب، وإمتى تتنازل لأنك خايف. لأن الاتنين شكلهم واحد من بره. لكن جواك... الفرق بينهم كبير جدًا. بعد سنة من جوازي، كنت قاعدة في نفس البلكونة. كريم دخل ومعاه كوبايتين شاي. حط واحدة قدامي.
— برد.
— سخنه.
— لا، أنا قصدي الجو.
ضحكت.
— طب اقعد.
قعد جنبي... فضلنا ساكتين شوية، وبعدين قال:
— سارة؟
— نعم؟
— لو رجعنا لأول يوم اتقابلنا فيه، كنتِ هتوافقي عليا؟
بصيت له فكرت شوية، وبعدين قلت:
— مش عارفة.
ضحك.
— إيه؟
— كنت هحتاج أعرفك الأول.
— يعني كنتِ هتقولِي لأ؟
— كنت هقول «استنى».
ابتسم.
— وأنا كنت هفضل مستني.
بصيت له.
— ولو ما حبيتكش؟
قال بمنتهى البساطة:
— كنت هزعل.
— وبعدين؟
— وأمشي.
— كده؟
— أيوة.
— مش هتحاول؟
— هحاول لو في حاجة تستاهل المحاولة.
سكت، وقال:
— بس مش هحاول أغيرك.
ابتسمت... بصيت للبيت، للمطبخ، للكوباية اللي في إيدي، للكروشيه اللي كنت سيبته جنب الكرسي، للحياة اللي ما كانتش مثالية. لكنها كانت لي، قلت:
— كريم؟
— نعم؟
— أنا مبسوطة.
ابتسم.
— عارف.
— إزاي؟
— علشان بقالك فترة ما بتسأليش إذا كان مسموح لك تبقي مبسوطة.
ضحكت وحطيت رأسي على كتفه. يمكن أنا ما بقيتش البنت اللي بتقول «لأ» طول الوقت، ولا دي كانت الحكاية أصلًا. الحكاية كانت عن بنت قضت عمرها كله وهي فاكرة إن حب الناس ليها محتاج منها تكون سهلة. لحد ما فهمت إن اللي يحبها فعلًا... مش هيطلب منها تختفي علشان يفضل يحبها، ومن يومها، بقيت أعرف أقول «آه». وأقول «لأ»، وأقول «مش عارفة»، وأقول «محتاجة وقت»، وأقول «أنا غلطت»، وأقول «أنا بحبك». لكن أهم جملة اتعلمت أقولها... كانت لنفسي. «أنا كمان مهمة.» وربما... كانت تلك هي المرة الأولى التي بدأت فيها حياتي فعلًا.
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
