رواية اسميتها ريحانة الفصل الرابع 4 بقلم سلمي جاد


 رواية اسميتها ريحانة الفصل الرابع 

في صباح يوم جديد...
خرجت ريحانة من المصعد بثقة، وقد بدت مفعمة بالنشاط والحيوية لبداية يوم جديد. وقفت أمام مكتب السكرتيرة، وقالت بابتسامة:
"صباح الخير يا سهيلة، سليم بيه جه؟"

أجابت بابتسامة سمجة:
"لا، سليم بيه اتصل بيا وقال إنه هيتأخر شوية."

رفعت ريحانة حاجبها من أسلوبها، لكنها قررت تجاهلها، والتقطت أحد الملفات واتجهت نحو مكتبها.

لكنها توقفت حين فُتح باب المصعد، ليخرج منه سليم بهدوء وهيبة.
تقدم نحوهما، وقال موجهًا حديثه إلى سهيلة:
"سهيلة، شوية وهتوصل البدل بتاعتي من المغسلة. استلميها وهاتيها لي المكتب، وتعاليلي ومعاكي ملفات صفقة الأدوية."

هزت رأسها بابتسامة:
"حاضر يا سليم بيه."

دخل مكتبه وأغلق الباب، تحت أنظار ريحانة التي استغربت تجاهله لها، لكنها هزت رأسها بعدم اكتراث، ودخلت مكتبها.

داخل مكتب سليم...
جلس خلف مكتبه، واضعًا جاكت بدلته على الكرسي خلفه، ليبقى مرتديًا القميص الأبيض فقط.

فتح الحاسوب المحمول، وبدأ يكتب عليه بسرعة ومهارة.
نظر خلسة أمامه، ليجدها جالسة خلف مكتبها، تمسك ملفًا تقرؤه بتركيز، وفي يدها الأخرى قلم رصاص تدون به بعض الملاحظات.

حاول ألا ينظر إليها...
لكنه فشل حين رآها تقف فجأة، وتفك شعرها لينسدل على ظهرها كخيوط الحرير.
همس دون وعي، وهو يتأمل خصلاته التي تجاوزت خصرها:
"اللهم بارك."

ثم رفعت شعرها من جديد، ولفته على هيئة كعكة فوضوية زادت من جمالها.
أنقذه من مراقبتها دخول سهيلة، وهي تحمل كيسًا أسود كبيرًا.

"البدل وصلت يا سليم بيه، تحب أحطها فين؟"

أجاب وهو يشير إلى الأريكة:
"حطيها على الكنبة اللي هناك يا سهيلة."

اقتربت منه بدلال متعمد، وقالت:
"تمام... حضرتك تؤمر بحاجة تانية؟"

استغرب أسلوبها، لكنه أجاب بهدوء:
"هاتيلي فنجان قهوة، عشان مصدع."

ابتسمت، وقالت:
"من عنيا يا سليم بيه."

خرجت سهيلة، بينما تمتم هو باستغراب:
"مالها دي؟"

هز رأسه بعدم اكتراث، وأعاد نظره إلى الحاسوب، مجبرًا نفسه على عدم الانصياع لرغبته في مراقبة ريحانة.

لكن محاولته باءت بالفشل حين طُرق الباب مرة أخرى.
أجاب، ظنًا أنها سهيلة:
"ادخل."

لكن ما إن فُتح الباب حتى وجدها ريحانة.
تحدث وهو ينظر إلى الحاسوب، متعمدًا تجاهلها:
"نعم يا ريحانة، فيه حاجة؟"

ضمت شفتيها بضيق، ثم قالت:
"في شوية ملفات لصفقات، كنت عايزة أخد رأيك فيها. أنا كتبت ملاحظات."

هز رأسه وهو يغلق الحاسوب.
"ماشي... اقعدي ووريني."

بدأت تشرح له ملاحظاتها بأسلوب عملي، بينما كان يستمع إليها بتركيز شديد، يعلق بين الحين والآخر ويضيف بعض الملاحظات.

مر نحو نصف ساعة.
وقفت وهي تلتقط الملفات، وقالت:
"كده تمام، إحنا جاهزين للاجتماع بعد شوية."

خرجت دون أن تضيف شيئًا، لكن صوته أوقفها:
"ريحانة."

استدارت إليه، وقالت:
"نعم؟"

"متنسيش الحفلة بليل، عشان هنقابل فيها عملاء مهمين."

ضيقت بين حاجبيها باستغراب:
"حفلة إيه؟"

نظر إليها باستغراب مماثل.
"الحفلة اللي هنقضي فيها مع الوفد الفرنسي. هي سهيلة مقالتلكيش؟ أنا عرفتها امبارح بالليل لما كلموني."

أجابته ببرود:
"محدش قالي حاجة."

قطب حاجبيه بغضب، ثم رفع سماعة الهاتف وقال باقتضاب:
"سهيلة... تعالي المكتب."

أغلق الهاتف، بينما كانت ريحانة تنظر إليه في صمت.دخلت سهيلة بعد لحظات.
"نعم يا سليم بيه؟"

قال بلهجة صارمة:
"أنا مش مأكد عليكي امبارح تعرفي ريحانة إن فيه حفلة بليل، وإن هنقابل فيها الوفد؟"

تلعثمت:
"أنا... أنا آسفة، بس نسيت... ثم أنا متعودة إني اللي بحضر الحفلات دي لما كنت مع سعد بيه."

وقف بغضب، وقال:
"وأنا مقولتش إنك هتيجي. أنا قايلك ريحانة هي اللي هتيجي معايا، لأن أعضاء الوفد هما اللي طلبوها بالاسم."

خفضت رأسها.
"أنا آسفة يا سليم بيه."

قال بحدة:
"اعتذارك يبقى لريحانة، مش ليا.".

نظرت إلى ريحانة بحقد، وقالت من بين أسنانها:
"أنا آسفة يا ريحانة."

ثم التفتت إليه:
"في حاجة تانية يا سليم بيه؟"

"لا... اتفضلي."

خرجت.
نظر سليم إلى ريحانة، وقال بهدوء:
"معلش يا ريحانة، عندي أنا الغلط. كان المفروض أتصل بيكي وأعرفك بنفسي."

ابتسمت ابتسامة صغيرة.
"حصل خير... عن إذنك."

في الخارج...
كانت تسير باتجاه مكتبها، منشغلة بالنظر إلى هاتفها، فلم تنتبه لسهيلة القادمة في الاتجاه المقابل، وهي تحمل فنجان القهوة.

همست سهيلة بحقد:
"عشان تبقي تخليه يزعقلي تاني."

وفجأة...
اصطدمت بها، فانسكب فنجان القهوة الساخنة على ملابس ريحانة.
صرخت الأخيرة بألم.

قالت سهيلة بأسف مصطنع:
"أوه... سوري يا ريحانة، مخدتش بالي خالص."

خرج سليم على صوت الصرخة، ليجد ريحانة تحاول إبعاد القهوة عن ملابسها.
قال بقلق:
"إيه اللي حصل يا ريحانة؟"

أجابت سهيلة بتوتر:
"أنا... بالغلط خبطت فيها، والقهوة دلقِت عليها."

اقترب سليم من ريحانة بسرعة.
"ريحانة، إنتِ كويسة؟ اتحرقتي؟ اتكلمي... ساكتة كده ليه؟"

همست بشرود:
"هدومي... هدومي باظت، والاجتماع فاضل عليه نص ساعة."

نظر إليها بغضب من تفكيرها، وقال:
"اجتماع إيه بس دلوقتي؟ المهم إنتِ."
أمسك بيدها، وأدخلها إلى مكتبه، تحت أنظار سهيلة التي كانت تقف متجمدة، تجز على أسنانها من الغيظ.

همست بحقد:
"بكرهك يا ريحانة."

داخل المكتب...
قال سليم بقلق واضح:
"يلا ادخلي الحمام، وتأكدي إن مفيش حروق."

ضمت شفتيها بتوتر.
"لا... أنا كويسة."

عقد حاجبيه.
"إيش عرفك؟ ممكن تكوني اتحرقتي ومش حاسة."

هزت رأسها.
"أنا متأكدة إن القهوة موصلتش لجسمي، أنا بس صرخت من اللهضة... بس المهم دلوقتي، هحضر الاجتماع إزاي بالهدوم دي؟ ومش هلحق أروح البيت أغير."

مرر يده في شعره وهو يفكر لثوانٍ، ثم قال فجأة:
"لقيتها."

نظرت إليه باستغراب.
"إيه؟ أكيد مش هروح أشتري لبس دلوقتي، كده هنتأخر على..."

لكنها شهقت بصدمة، وتصلبت في مكانها، وهي تراه يبدأ بفك أزرار قميصه، زرًا تلو الآخر... استعدادًا لخلع قميصه.

__________________________________

في شركة السويسي

كان كلٌّ من أدهم وسعد يجلسان في المكتب يتسامران عن أمور الحياة.
تحدث سعد بحنين: "ياااه يا أدهم، الواحد كان مفتقد القعدة دي."

ربت أدهم على كتفه قائلاً: "أنا كمان كنت محتاج قعدة زي دي أستعيد فيها أيام الشباب. على الرغم من إن الواحد اتجوز وخلف، وعياله بقوا على وش جواز، لكن لسه بشتاق لأيام الجامعة لما الواحد مكانش شايل هم حاجة."

ابتسم سعد وقال: "لا، بس إنت طول عمرك يا أدهم مسؤول، حتى وإنت لسه بتدرس. كنت مجتهد وبتشتغل، مع إن عيلتك غنية، وكمان كنت مسؤول عن طفل."

ابتسم أدهم بفخر وهو يقول: "يزن ده ابني."

تحدث سعد: "تعرف؟ كنت بستغرب إزاي طفل إنت مش أبوه وتتعلق بيه بالشكل ده. كنت بقول يمكن عشان أهله ماتوا وإنت ربيته من وهو لسه رضيع، فتعلقت بيه. لكن لما أنا جربت، لقيت إن الموضوع ملهوش علاقة بالسن."

قطب أدهم جبينه باستغراب: "جربت إزاي؟"

تنهد سعد وقال: "أنا عارف إني مقولتلكش من الأول... بس سليم مش ابني."

صمت لثوانٍ قبل أن يكمل:
"أنا اتبنيته وهو عنده عشر سنين، بعد ما أهله ماتوا. وهو اتشرد في الشوارع. لدرجة إنه كان بيمسح الجزم للناس."

أدهم بصدمة : "........

__________________________________

كانت تقف أمام المرآة، تتأمل نفسها وهي مرتدية قميصه الخاص، بعدما أصرّ على أن ترتديه بدلًا من ملابسها التي تلطخت بالقهوة. تذكرت ما حدث قبل قليل.

شهقت بخجل وهي تراه يقف أمامها عاري الصدر، بعد أن خلع قميصه. كان جسده ضخمًا، مليئًا بعضلات صلبة متوازنة عند صدره وكتفيه، مع عضلات بطن سداسية، أو ما يُعرف بـ"السكس باكس".

استدارت فورًا لتقف وهي تعطيه ظهرها، وأنفاسها تكاد تنقطع من سرعتها، والحمرة تشع من وجنتيها.

أما هو فابتسم ابتسامة خفيفة من ردة فعلها ، ثم مد يده بالقميص قائلًا: "خدي القميص بتاعي، وأنا هلبس أي بدلة من البدل اللي جاية من المغسلة."

ظلت صامتة، فاعتقد أنها لم تسمعه، لذا اقترب خطوة، وإن هم أن يخطو الثانية حتى سحبت القميص من يده، وجرت خارج المكتب يتبعها بنظراته وهو يضحك على خجلها.

حمدت ربها أن البنطال الجينز الذي ترتديه ما زال نظيفًا، فارتدته أسفل القميص. أخذت نفسًا عميقًا، ثم خرجت من المكتب لتجد سهيلة واقفة تتأملها بشر وهي تنظر إلى ملابسها. تجاهلتها وتوجهت إلى غرفة الاجتماعات، لتجده يجلس بهيبة في مقدمة الطاولة. وما إن وقعت عيناه عليها حتى ابتسم بخفة لمنظرها في قميصه، ثم عاد ليكمل حديثه.

بعد انتهاء الاجتماع خرج الجميع، بينما بقيت ريحانة لتسجل بعض الملاحظات.
اقترب منها بخطوات بطيئة، ثم مال وهمس بصوت منخفض، هي الوحيدة التي سمعته:
"على فكرة... شكلك حلو في قميصي."

أغمضت عينيها بتأثر بسبب صوته الرخيم الذي دبّ القشعريرة في أوصالها، خصوصًا مع اقتراب فمه وأنفاسه من أذنها.

ثم خرج من الغرفة بهدوء، كأنه لم يفعل شيئًا، ليتركها في تلك الحالة؛ أنفاسها متسارعة، ووجنتاها ساخنتان كالجمر، حمراوان كالفراولة.

بعد دقائق، جلست على مكتبها، ولمست وجنتها لتجدها ما زالت تشع حرارة. فتحت ملفًا أمامها، وهي تحاول صب تركيزها، ولكن هيهات، فعقلها أصبح مع القاطن بالمكتب المقابل، يفصلهما فاصل فقط.

ورفعت عينيها خلسة تجاه مكتبه لتراه جالسًا بوقاره المعتاد، لكنه لم يكن بمفرده، بل كان يجلس أمامه شاب يتحدثان.

في نفس الوقت، في مكتب سليم
"خير، إيه اللي جابك؟"

تنهد ياسين قائلًا: "قابلتها تاني."

"طيب، كويس... اتكلمتوا؟"

همس الآخر بضيق: "قابلتها في العيادة."

"تمام... وإيه المشكلة؟"

قال ياسين بضيق: "ركز يا سليم، هو أنا دكتور أسنان؟ أنا دكتور أطفال، وبقولك قابلتها في العيادة."

قال سليم بتفهم: "آه... فهمت."

تنهد ياسين بضيق: "طلعت متجوزة، ومعاها طفل عنده خمس سنين."

"طيب، وإنت هتعمل إيه؟"

نفخ بضيق: "هعمل إيه يعني؟ أكيد هخرجها من دماغي... وأحاول أنساها، مع إنه صعب أوي."

ربت سليم على كتفه بمواساة: "معلش يا ياسين، مش من نصيبك. إن شاء الله ربنا يرزقك باللي أحسن منها."

هز رأسه بحزن، ثم سأله: "وإنت، إيه أخبارك مع ريحانة؟"

نظر أمامه ليراها تقرأ الملف الموجود في يدها بتركيز، وتلف بالكرسي ذي العجلات. ابتسم دون وعي عندما رأى هيئتها اللطيفة.

استغرب ياسين صمته، فمد رأسه في الاتجاه الذي ينظر إليه. ثوانٍ، ثم صفر بإعجاب:
"أوعى تكون هي دي؟"

قطب سليم حاجبيه بغضب: "ياسين."

رفع حاجبه بخبث: "إيه يا بطة، بتغير ولا إيه؟"

قال سليم بتهديد: "ياسين، لو مسكتش هقوم أضربك... وإنت مجرب وعارف إيدي تقيلة إزاي."

ضحك ياسين وقال: "خلاص يا عم، حقك عليا. أنا هقوم بقى عشان أرجع العيادة، زمان المرضى فوق بعضهم."

هز سليم رأسه بلامبالاة، وهو يحتسي فنجان القهوة، لينظر ياسين تجاه مكتب ريحانة مرة أخرى، ويتحدث محاولًا إغاظته:
"لا بس... جامدة."

ليجد فجأة علبة أقلام تُرمى عليه من سليم.جرى تجاه الباب وهو يضحك بخبث: "والله قلت بتغير"

خرج ياسين من المكتب، أما هو فنظر إليها بعينيه السوداوين، وهمس بخفوت:
"مستحييييل."

(لاحظت إن كتير منكم بيسأل ياسين ظهر في حياة سليم إزاي؟
متقلقوش هيوضح خلال الأحداث ،لإنه متعلق بماضي سليم وإيه اللي حصله بعد نهاية الجزء الأول. بس يكفي تعرفوا إنهم صحاب من زمان وخلاص . 
وياحبايبي🥲 متقلقوش مش هبخل عليكم في المعلومات بس اي حاجه مبهمة بنسبالكم دلوقتي هتوضح خلال الأحداث )
_______________________________________________

بدأت الشمس في الاختفاء خلف السحب البيضاء، ولم يبقَ منها سوى أشعة برتقالية رسمت خيوطها الناعمة على المباني الشاهقة ذات الديكورات العصرية.
كان يقف واضعًا يده في جيب بنطاله، يتأمل المنظر من شرفة مكتبه الموجودة على ارتفاع خمسة عشر طابقًا، مما جعله كاشفًا للمنطقة بأكملها.

قطع شروده طرقٌ على باب المكتب، تبعه دخول سهيلة.
قالت: "سليم بيه، أنا خلصت شغلي."

أجاب بهدوء: "تمام، تقدري تمشي."

ثم سألته: "وحضرتك مش هتروح عشان تجهز للحفلة؟"

رفع عينيه ببطء إليها، ونظر لها شزرًا...
ففهمت فورًا ما يقصده، وخرجت من المكتب بإحراج.

أما هو، فرفع نظره تجاهها...
كانت تقف أمام مكتبها، تلملم الملفات وهي تدندن.
لم يستطع سماع ما تقوله، لذا اقترب بضع خطوات حتى أصبح أمام الشباك الخشبي مباشرة، ليستطيع سماعها بوضوح وهي تدندن بصوت عذب بمقطع من إحدى أغنيات أم كلثوم:
"ياما عيون شغلوني... لكن ولا شغلوني إلا عيونك إنت."

شعرت فجأة بظل يقف أمامها، فرفعت عينيها ببطء، لتجده...
يقف أمامها، وعيناه السوداوان مثبتتان عليها بنظرات غير مفهومة.

ضمت شفتيها بخجل، وأمسكت يديها خلف ظهرها بتوتر، وقالت:
"فيه إيه؟"

حمحم بخشونة، وقال:
"مفيش... بس كنت جاي أسألك لو خلصتي."

أجابت:
"أيوة، أنا كنت بلم حاجتي عشان أروح وأجهز للحفلة."

هز رأسه ببطء، ثم خرج من المكتب.
تنفست الصعداء، ثم سحبت حقيبتها وخرجت هي الأخرى.

سارت في الطرقة وهي تمسك بهاتفها، لتطلب رقم يزن، ثم وضعت سماعات الإيربودز في أذنيها.

وصلت أمام المصعد أخيرًا...
فتوقفت فجأة عندما رأته يقف بداخله بهيبته المعتادة، واضعًا إحدى يديه في جيب بنطاله.

دخلت بهدوء، ثم أُغلق باب المصعد، وبدأ في النزول.ساد الصمت المكان.
رفع عينيه إلى انعكاسها في مرآة المصعد، فقطب حاجبيه بضيق عندما وجدها ترتدي بلوزتها القديمة بعد أن نظفتها.

أتخلّت عن قميصه؟
كان يستحوذ عليه شعور غريب وهو يراها مرتدية قميصه الخاص، شعور بالانتشاء لم يستطع تفسيره.

قطع صمت المكان حديث ريحانة المفاجئ:
"غبي."

رفع حاجبه بصدمة، ونظر إليها بعدم فهم، وقال:
"نعم؟"

أكملت ريحانة حديثها، دون أن تنتبه أنه ظنها تخاطبه:
"هو أنا مش قولتلك أنا هخلص الساعة كام؟ اتأخرت ليه بقى؟ أنا كده هستنى في الشارع..."

صمتت لثوانٍ، ثم قالت:
"ماشي يا يزن... بس بسرعة، وحياتك."

أغلقت الهاتف، ثم نزعت سماعات الأذن التي كانت مختبئة خلف خصلات شعرها.
حمحم بخشونة، وقال:
"مين يزن؟"

رفعت عينيها إليه بتفاجؤ من السؤال، ثم أجابت بهدوء:
"ده أخويا الكبير."

سألها باستغراب:
"بس إنتوا عادي كده تشتموا بعض؟"

ابتسمت بمرح، وقالت:
"أيوة عادي، هو آه أكبر مني بعشر سنين، بس متعودين نشتم بعض."

هز رأسه ببطء.
ثم سألته هي:
"هو إنت معندكش إخوات؟"

قابل سؤالها بالصمت، وسرح لثوانٍ جعلتها تشعر بالحرج، لكنه أجاب أخيرًا بهدوء:
"أيوة، عندي ندى، أكبر مني، متجوزة ومخلفة، بس عايشة في أمريكا."

هزت رأسها بهدوء.
وفي تلك الأثناء، فُتح باب المصعد، فخرجت ريحانة، ثم تبعها سليم.

أمام مقر الشركة...
كانت السماء قد اكتست باللون الأزرق القاتم استعدادًا لقدوم الليل.
وقفت ريحانة تتأمل الشارع أمامها، تتنفس بعمق، بينما كانت نسمات الهواء الباردة تداعب وجهها.

تفاجأت بسليم يقف بجانبها في صمت.
قالت باستغراب:
"إنت مركبتش عربيتك ليه؟"

أجاب بهدوء، دون أن ينظر إليها:
"هستنى معاكي لحد ما أخوكي ييجي.
هزت رأسها نفيًا، وقالت:
"لا، ملوش لزوم. هو زمانه جاي... اتفضل إنت."

نظر إليها ببرود، وقال:
"أنا قولت هستنى... اسكتي بقى."

رفعت أحد حاجبيها بضيق:
"أسكت؟!"

رد بنفس النبرة الباردة:
"أيوة... عشان بتتكلمي كتير، وأنا مبحبش الرغي."

شهقت باستنكار:
"أنا رغاية؟!"

وكادت تكمل، لكنه قاطعها بسؤال مفاجئ:
"هتلبسي إيه؟"

قالت بعدم فهم واستغراب:
"نعم؟"

أوضح:
"أقصد... في الحفلة. هتلبسي إيه في الحفلة؟"

ثم أكمل بجدية:
"عشان دي حفلة شغل، فلازم يكون اللبس عملي، لكن شيك."

ابتسمت بغرور، ورفعت كفها في الهواء، وقالت:
"متقلقش... هبهرك. ده أنا أيقونة في الفاشون."

قلب عينيه بملل، وقال:
"ياخوووفي."

ضحكت بمرح.
ساد الصمت بينهما، قبل أن تقطعه ريحانة قائلة:
"صحيح... بمناسبة اللبس، شكرًا على قميصك. أنا حطيته في الشنطة عشان أرجعهولك بكرة مغسول ومكوي."

أجاب بلا مبالاة:
"دولابي فيه قمصان معرفش عددها... فمش القميص ده اللي هينقصهم."

ثم قال بغرور مماثل لها:
"تقدري تحتفظي بيه، مش همانع. زي ما إنتي عارفة... أنا أيقونة في الفاشون، ويزيدك الشرف تحتفظي بحاجة بتاعتي."

ضحكت بقوة عندما أدركت أنه يقلدها.
أما هو، فتأمل ضحكتها بابتسامة خفيفة.
ثم سألها:
"هتروحي الحفلة إزاي؟"

أجابت ببساطة:
"بعربيتي."

رفع أحد حاجبيه بحيرة:
"إزاي؟"

ابتسمت، وقالت:
"في الحفلة محدش هيركز مين كان راكب إيه وهو جاي، على عكس هنا في الشركة."

ابتسم بهدوء، ثم قال:
"على العموم، لو صفقة الوفد الفرنسي تمت النهارده، هيكون ليكي بونص مكافأة، تقدري تدفعي بيه مقدمة لعربية كويسة، وساعتها تيجي بعربيتك عادي، وتقولي إنك اشتريتيها بفلوس المكافأة."

لمعت عيناها بسعادة، وقالت:
"بجد؟! ده أنا هترحم من ذل يزن كل ما يجي يوصلني."

في تلك اللحظة، وصل يزن بسيارته.
توقف بهدوء، ثم ترجل واتجه نحوهما.

قال، موجهًا حديثه لريحانة، بينما كانت نظراته على سليم:
"معلش، اتأخرت عليكي."

ابتسمت، وقالت:
"ولا يهمك. آه صحيح... أعرفكم ببعض."

أشارت إلى يزن:
"ده يزن، أخويا الكبير، مقدم في الحربية."

ثم أشارت إلى سليم:
"وده سليم، رئيس مجلس إدارة الشركة، وابن أنكل سعد، شريك بابا."

مد يزن يده أولًا، وقال:
"أهلًا وسهلًا."

صافحه سليم، وقال:
"أهلًا وسهلًا يا سيادة المقدم."

سأله يزن بهدوء:
"يا ترى بقى، ريحانة شاطرة في شغلها، ولا بتتعبك؟"

ابتسم سليم ابتسامة خفيفة، وقال:
"بالعكس... هي بتتعلم بسرعة، وعندها سرعة بديهة."

رفعت ريحانة رأسها بغرور، وقالت:
"شوفت؟ عشان تبقى تحترمني."

ابتسم يزن، وقال:
"طيب، يلا ولا إيه؟"

"يلا."

ثم التفت إلى سليم، وقال:
"اتشرفت بمعرفتك يا سليم بيه، وإن شاء الله متكونش دي آخر مرة نتقابل فيها."

أجابه سليم بثقة:
"أكيد... دي مش هتكون آخر مرة."

هز يزن رأسه، ثم اتجه إلى السيارة برفقة ريحانة، وغادرا تحت أنظار سليم، الذي ظل يتأمل السيارة وهي تبتعد، قبل أن يستقل سيارته هو الآخر وينطلق.

_________________________________

في عيادة الدكتور ياسين برهام
كان يجلس بإنهاك على الكنبة الموجودة بالغرفة، يضع كف يده على عينيه، وتنفسه هادئ، فقد سيطر عليه الإرهاق؛ بسبب كثرة الأطفال الذين تعامل معهم على مدار اليوم، لذا خلع معطفه الطبي وبقي بتيشيرت كحلي وبنطال أبيض.

طرقت الممرضة الباب ثم دخلت، وقالت: "أدخل الحالة اللي عليها الدور يا دكتور."

نزع كف يده الموضوع على عينيه، ثم قال: "معلش يا نسرين، اعتذر لهم عشان أنا مش شايف قدامي من التعب، ومتنسيش ترجعي الكشف، وعرفي الأم إن المرة الجاية هيكون مجاني تعويض عن النهارده."

هزت الممرضة رأسها ثم خرجت، أما هو فظل على نفس وضعيته، ممددًا على الأريكة، ويغمض عينيه البنيتين بإرهاق.

فجأة دُفع الباب، ليظهر طفل صغير يجري بشقاوة. استغرب بشدة، ولكن تحول استغرابه لصدمة حين دخلت والدة الطفل وراءه قائلة:
"إياد، تعالى هنا يا ولد."

نهض مسرعًا عندما وقعت عيناه عليها، يتأملها بشوق واضح.
أما هي فتحدثت بإحراج: "أنا آسفة والله، إياد شقي، ولقيته فجأة جري دخل غرفة حضرتك."

أومأ برأسه: "حصل خير."

ثم وجه حديثه للممرضة: "نسرين، جهزيلي أدوات الكشف."

قالت باستغراب: "بس حضرتك قولت..."

قاطعها ياسين بسرعة: "خلاص يا نسرين، نفذي اللي بقولك عليه."

ثم التفت إليها، وقال بابتسامة دافئة: "اتفضلي اقعدي."

ابتسمت برقة كعادتها وجلست، ليجلس ياسين خلف مكتبه.
وجه حديثه للصغير: "أخبارك إيه يا إياد؟"

تحدث إياد ببراءة، وهو يتمسح في كتف والدته: "كويس، وإنت؟"

ابتسم: "أنا كويس."

ثم وجه حديثه للجالسة أمامه: "خير، فيه جديد؟"

تحدثت بصوت منخفض: "أنا عطيته الدوا اللي حضرتك كتبتهوله المرهاللي فاتت، لكن الكحة لسه مستمرة، وامبارح طول الليل كان بيكح جامد ومش عارف ياخد نفسه."

أومأ برأسه وسأل: "طيب، فيه حد بيدخن في البيت؟"

حمحم وهو يقول بنبرة ضيق: "والده بيدخن."

هزت رأسها: "أيوة، للأسف بيدخن."

أومأ برأسه وهو ينهض: "تمام، استأذنك تطلعيه على السرير يا مدام ..."

همست بخجل: "آيات... اسمي آيات."

همس بصوت خافت، كأنه يتذوق طعم اسمها: "آيات."

بدأ يفحص الطفل بسماعته الطبية، ومرت دقائق، فسأل ياسين: "الكحة دي بتستمر معاه وهو صاحي ولا بالليل بس؟"

أجابت: "لا، أغلب الوقت بتكون وهو نايم، وساعات بتكون شديدة أوي لو عيط."

مسح ياسين على شعر الصغير بابتسامة: "وإنت بتعيط ليه يا أستاذ إياد؟ هو فيه رجالة بتعيط؟"

إياد ببراءة: "لا، مفيش رجالة بتعيط."

صمت لثوانٍ كأنه يفكر، ثم قال: "بس هو فيه رجالة بتخاف؟"

ابتسم ياسين ابتسامة دافئة وقال: "أكيد، أنا نفسي ساعات بخاف، بس المهم إنك تكون شجاع ومتخليش الخوف يهزمك."

سأله إياد ببراءة: "يعني لما أشوف بابا وهو بيضرب ماما، المفروض مخافش وأجري أحميها زي الأبطال الخارقين اللي بشوفهم في الكارتون؟"

دوى الصمت بالغرفة بعد كلمات إياد البسيطة، لكنها كانت تحمل بداخلها معاني كثيرة.رفع ياسين نظره إلى آيات، التي ضمت شفتيها بإحراج، وهي تفرك يديها بتوتر.

إذًا هي تتعرض للعنف...
سيطر عليه الغضب من ذلك المدعو زوجها، كيف يجرؤ على أذيتها وهي مثل الغزال الرقيق؟

انتهى من الكشف، ثم حمل الطفل هذه المرة وأنزله على الأرض، ثم تحرك تجاه المكتب والتقط بعض الحلوى.

اقترب من الطفل وأعطاه إياها في كف يده الصغير.
"اتفضل يا بطل."

إياد بسعادة: "الله! بصي يا مامي، الدكتور اداني حلويات من اللي أنا بحبها."

ابتسمت وهي تمسح على شعره: "أيوة، عشان إنت شطور."

جلس خلف مكتبه، وبدأ يكتب الروشتة الخاصة بالطفل، وما إن أنهاها حتى مد يده بها لتلتقطها آيات منه بهدوء.

تحدث ياسين : "ياريت ميتعرضش لأي دخان، لأنه غلط على صدره، وده اللي مسببله الكحة."
ثم أضافبنبرة ضيق : "وكمان ياريت والده يدخن على الأقل، برة البيت، مش في المكان اللي الطفل عايش فيه."

أومأت برأسها، ثم استأذنت بهدوء لتخرج ومعها الطفل، الذي لوح لياسين ببراءة، ليبادله ياسين بابتسامة حتى خرجا.

اختفت الابتسامة من وجهه فور خروجهما، ليحل محلها الغضب.
همس وهو يجز على أسنانه: "إزاي حد يبقى معاه البسكوتاية دي، ويقدر يمد إيده عليها... إزاي؟"

__________________________________

في مكانٍ راقٍ، عبارة عن فيلا فاخرة بنظام الأوبن إير، أُقيمت الحفلة وسط أجواءٍ آسرة تخطف الأنفاس. كانت الحديقة الواسعة تتزين بأشجارٍ شاهقة التفَّت حول جذوعها الأضواء الذهبية، بينما انعكست إنارة الثريات الكريستالية المعلقة بين الأغصان على النوافير الرخامية، لتمنح المكان سحرًا خاصًا.

انتشرت الطاولات المستديرة المغطاة بالمفارش البيضاء الفاخرة، تعلوها باقات من الورود الطبيعية، فيما كان النادلون يتنقلون بهدوء بين الضيوف يحملون المشروبات والمقبلات الراقية. وعلى الجانب الآخر، كانت فرقة موسيقية تعزف مقطوعات كلاسيكية هادئة أضفت على الأجواء مزيدًا من الرقي.

امتلأ المكان بكبار رجال الأعمال وأصحاب الشركات، يرتدون بدلات رسمية أنيقة، يتبادلون الأحاديث حول الصفقات والاستثمارات، 
كان سليم يقف بهيبته المعتادة مرتديًا بدلة توكسيدو سوداء مفصلة بإتقان، ينسدل فوق قميصٍ أبيض ناصع وربطة عنق سوداء أنيقة، بينما زادت ساعة يده الفضية من مظهره وقارًا. وقف يتحدث بهدوء مع أحد رجال الأعمال، يجيب عن أسئلته بثقة واتزان، وعلى وجهه تلك الملامح الجامدة التي لا تكشف شيئًا مما يدور داخله.

وفجأة...
توقفت الأحاديث تدريجيًا، واتجهت أنظار الحضور نحو مدخل الفيلا.

دخلت ريحانة بخطواتٍ هادئة، تحمل من الرقة بقدر ما تحمل من الثقة.
كانت ترتدي فستان سهرة طويلًا باللون الأحمر القاني، صُمم بقصةٍ أنيقة تلتف حول خصرها برقة، ثم ينسدل بانسيابية حتى يلامس الأرض، بينما زُين بفتحةٍ جانبية أظهرت ساقها بخجلٍ أنيق مع كل خطوة تخطوها. أما الأكمام، فجاءت منسدلة عن الكتفين، لتبرز نعومة عنقها وعظام ترقوتها.

تركت شعرها الطويل الأسود الحريري منسدلًا على ظهرها في تموجاتٍ ناعمة، تتراقص مع نسمات الهواء الخفيفة، واكتفت بمكياجٍ بسيط أبرز صفاء بشرتها وعينيها الواسعتين، بينما ازدانت أذناها بأقراطٍ ماسية صغيرة، والتف حول عنقها عقدٌ رقيق زادها جمالًا دون مبالغة.
بدت كأنها وردة حمراء تفتحت وسط حديقةٍ مليئة بالزهور... مختلفة، تخطف الأنظار دون أن تحاول.

أما سليم، فانقطعت كلماته في منتصف حديثه، وتجمدت عيناه عليها للحظات.
لم يشعر برجل الأعمال الذي كان يحدثه، ولم يعد يسمع ضجيج المكان من حوله.
كل ما رآه... كان هي


تعليقات