رواية علي ذمة قلبي الفصل الخامس 5 بقلم داليا سالم

 

 

 


رواية علي ذمة قلبي الفصل الخامس بقلم داليا سالم


طول الطريق وأنا ساكتة. آسر كان سايق، وكل شوية يبص لي من المراية، وأنا كنت ببص من الشباك. مش عارفة أرتب اللي حصل. أمي اسمها سعاد. أمي ممكن تكون عايشة. أبويا كان عارف. أم آسر كانت عارفة، وآسر... آسر كان عارف أكتر مني بكتير، وأنا آخر واحدة تعرف. بعد نص ساعة، ما قدرتش أسكت أكتر، قلت:

— إنت كنت عارف إن أمي اسمها سعاد؟

— آه.

— وكنت عارف إن ممكن تكون عايشة؟

سكت.

— آسر.

— كنت شاكك.

— من إمتى؟

— من زمان.

ضحكت بمرارة.

— من زمان يعني إمتى؟

— من قبل ما نتجوز.

لفيت له بسرعة.

— قبل ما نتجوز؟

هز راسه.

— آه.

— يعني وإنت جاي تطلب إيدي، كنت عارف إن أمي ممكن تكون عايشة؟

— كنت شاكك.

— وقررت تتجوزني برضه؟

— عشان أحميكي.

— بلاش الجملة دي.

سكت.

— أنا بقيت بكره كلمة "أحميكي".

ما ردش، قلت:

— إنت كنت عارف إن فيه سر.

— آه.

— وعارف إن السر متعلق بأمي.

— آه.

— وعارف إن أبويا طرف فيه.

— آه.

— وعارف إن فيه شخص بيدور علينا.

— آه.

بصيت له.

— وإيه اللي ما كنتش عارفه؟

فضل ساكت، صرخت:

— آسر!

وقف العربية فجأة على جنب الطريق، بص لي.

— كنت عارف إن الجوازة دي ممكن تكون الطريقة الوحيدة اللي تخليكي تحت عيني.

اتصدمت.

— يعني حتى الجواز كان جزء من الخطة؟

— في البداية... آه.

الكلمة دي وجعتني أكتر مما توقعت، نزلت من العربية.

— ليان!

قفلت الباب ومشيت، نزل ورايا.

— استني.

— لأ.

— اسمعيني.

— سمعتك كفاية.

— ليان، أنا ما كنتش عارف إن...

لفيت له.

— إن إيه؟

سكت.

— إنك هتحبيني.

اتجمدت، هو كمان سكت، بصيت له.

— مين قالك إني بحبك؟

ابتسم ابتسامة حزينة.

— محدش.

— أمال؟

— أنا اللي حبيت.

قلبي دق. بس المرة دي ما فرحتش، قلت:

— الحب مش بيمسح الكذب.

— عارف.

— ومش هيخليني أنسى إنك دخلت حياتي بخطة.

— عارف.

— ومش هقدر أثق فيك بسهولة.

— عارف.

سكتنا، وبعدين قال:

— بس فيه حاجة واحدة لازم تصدقيها.

— إيه؟

— إني لما حبيتك، بطلت أشوفك كجزء من أي خطة.

بصيت له.

— إمتى؟

— مش عارف.

— كداب.

ابتسم.

— يمكن من أول مرة ضحكتي فيها قدامي.

غمضت عيني كنت عايزة أضعف، بس مش هينفع، ركبت العربية، وهو رجع يسوق. لما وصلنا البيت، لقيت باب الشقة مفتوح، آسر وقف.

— استني هنا.

— لأ.

— ليان.

— مش هفضل مستنية كل مرة.

دخلنا سوا الشقة كانت زي ما هي. لكن فيه حاجة ناقصة. فتحت درج المكتب الظرف اللي كان فيه الصور... اختفى، آسر قرب.

— مين دخل هنا؟

قلت:

— حد عايزنا نعرف إنه يقدر يدخل وقت ما يحب.

بص لي.

— متخافيش.

— أنا مش خايفة.

— إنتِ خايفة.

— لأ.

— ليان...

— أنا خايفة فعلًا.

سكت، قرب مني.

— وأنا معاكي.

بصيت له، ولأول مرة، ما بعدتش. مسك إيدي، فضلنا واقفين كده ثواني، وبعدين سمعنا صوت من ورا الباب خبطتين. آسر ساب إيدي واتجه ناحية الباب فتحه. مفيش حد، بس كان فيه ظرف صغير على الأرض فتحه. طلع منه مفتاح، وتحته ورقة. آسر قراها، وشه اتغير.

— إيه؟

ناولني الورقة كان مكتوب: "لو عايزة تعرفي أمك فين... اسألي أبوكي عن ليلة الحريق." رفعت عيني.

— أنا رايحة لبابا.

آسر هز راسه.

— وأنا جاي معاكي.

وصلنا بيت أهلي بالليل. بابا فتح لنا، أول ما شاف آسر، فهم إن حاجة حصلت، قال:

— عرفتوا؟

دخلت من غير ما أستنى.

— أيوه.

بص لي.

— عرفتِ إيه؟

طلعت الصورة من شنطتي وحطيتها قدامه.

— عرفت إن أمي اسمها سعاد.

وشه اتغير.

— وعرفت إنها ما ماتتش.

سكت.

— وعرفت إنك كنت هناك ليلة الحريق.

قعد.

أنا وقفت قدامه.

— وعرفت إن آسر أنقذني.

بص لآسر، وبعدين رجع بص لي.

— مين قالك إنها عايشة؟

— الصورة.

— أي صورة؟

— دي.

حطيت قدامه الصورة فضل ساكت، وبعدين قال:

— أمك ماتت.

— لأ.

— ليان...

— كفاية.

صوتي ارتفع.

— أنا مش هصدق أي كلمة منك إلا لما أعرف الحقيقة.

غمض عينه.

— الحقيقة مؤلمة.

— وأنا مستعدة.

بص لآسر.

— اطلع بره.

آسر رد:

— مش هسيبها لوحدها.

بابا قال بعصبية:

— دي حاجة تخص عيلتي.

رد آسر:

— وهي مراتي.

بصيت له، الكلمة دي المرة دي ما ضايقتنيش. بالعكس... حسيت إنها أول مرة يقولها وهو مش بيستخدمها كحجة. بابا سكت، وبعدين قال:

— أمك ما اختفتش.

اتنفست ببطء.

— أمال؟

— أنا خليتها تختفي.

اتجمدت.

— إنت عملت إيه؟

بابا بص للأرض.

— ليلة الحريق، أمك كانت عارفة إن كمال هيقتلها.

آسر اتحرك خطوة.

— إيه؟

بابا كمل:

— لأنها اكتشفت الحقيقة.

قلت:

— حقيقة إيه؟

رفع عينه لي.

— إن كمال ما كانش عايز يقتل أمك...

سكت.

— كان عايز يقتلك إنتِ.

حسيت إن رجلي مش شايلاني، آسر قال:

— ليه؟

بابا بص له.

— لأن ليان...

سكت لحظة.

— مش بنتي.

الدنيا سكتت، حتى نفسي وقف، بصيت له.

— إيه؟

قالها مرة تانية:

— ليان مش بنتي.

بصيت لآسر، ثم لبابا.

— أمال أنا بنت مين؟

بابا فتح بقه... لكن قبل ما يتكلم، سمعنا صوت زجاج بيتكسر في المطبخ. آسر شدني وراه، بابا قام. دخلنا المطبخ. الشباك مفتوح، والستارة بتتحرك، وعلى الأرض... كان فيه ظرف فتحه آسر. طلع منه صورة واحدة. صورة لست شابة، شعرها طويل، وشكلها يشبهني بشكل يخض. على ظهر الصورة كلمة واحدة: "سعاد." وتحتها: "أمك لسه عايشة." بصيت لبابا.

— فين هي؟

بابا ما ردش. لكن دموعه نزلت، وقال:

— في المكان اللي وعدتها إني عمري ما هخليكي توصلي له.

وساعتها فهمت... إن أمي ما كانتش الهاربة. إحنا اللي كنا بنستخبى منها.

— في المكان اللي وعدتها إني عمري ما هخليكي توصلي له.

فضلت باصة لبابا، ومش قادرة أستوعب الجملة.

— يعني إيه مش بنتك؟

بابا مسح وشه بإيده.

— يعني أمك مش سعاد بس.

— أمال مين؟

سكت.

— بابا، أنا مين؟

رفع عينه لي.

— إنتِ بنت سعاد... وبنت كمال.

سكت، بصيت لآسر هو نفسه كان مصدوم.

— كمال؟

بابا هز راسه.

— أيوه.

رجعت خطوة.

— يعني آسر...

صوتي اختنق. آسر فهم اللي بفكر فيه، قال بسرعة:

— لأ.

بصيت له.

— لأ إيه؟

— أنا مش أخوكي.

بابا قال:

— آسر ابن كمال من مراته الأولى.

بصيت له.

— مراته الأولى؟

آسر كان ساكت، بابا كمل:

— كمال اتجوز سعاد بعد ما انفصل عن نادية.

أنا بصيت لآسر.

— يعني...

قال:

— أنا وإنتِ مش إخوات.

تنفست براحة، لكن الراحة ما كملتش ثانية. لأن سؤال تاني جه في بالي.

— طب ليه كمال كان عايز يقتلني؟

بابا سكت.

— ليه؟

قال:

— لأن سعاد كانت عارفة حاجة عنه.

— إيه؟

— إنه سرق فلوس الشركة.

آسر اتكلم لأول مرة:

— فلوس الشركة؟

بابا بص له.

— كمال كان شريك في شركة أبويا.

— وعمل إيه؟

— اختلس مبلغ كبير، ولما سعاد اكتشفت، هددها.

سألته:

— وأنا دخلت في الموضوع إزاي؟

— لأن سعاد كانت ناوية تروح للشرطة.

— وإنت منعتها؟

— لأ.

— أمال؟

— ساعدتها.

— في إيه؟

— إنها تهرب.

سكت.

— وليه سيبتوني؟

بابا بص لي بحزن.

— لأن كمال عرف إنك موجودة.

— وكان عايز يقتلني؟

— أيوه.

— فعملتوا الحريق؟

— الحريق حصل لما كمال حاول يدخل البيت.

آسر قال:

— بس أنا كنت هناك.

بابا هز راسه.

— لأنك كنت مع سعاد.

آسر اتجمد.

— أنا؟

— أيوه.

— أمي كانت هناك؟

— نادية كانت عارفة كل حاجة، وكانت بتحاول تساعدها.

آسر سكت، قلت:

— طيب سعاد فين؟

بابا قام واتجه ناحية دولاب قديم، فتح درجًا صغيرًا. طلع منه ظرف بني. رجع وقعد، ناولني الظرف.

— ده آخر خطاب من أمك.

إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه. الخط كان واضح، قديم، قرأت: "حسن، لو أنت بتقرأ الخطاب ده، يبقى حصل اللي كنت خايفة منه. أنا مش هطلب منك تحميني. أنا كل اللي بطلبه إنك تحمي ليان. خليها تكبر وهي فاكرة إني مت. يمكن ده أقسى شيء ممكن أطلبه منك، بس هو أرحم من إنها تعرف الحقيقة وتبقى هدفهم، ولو كبرت وسألت عني، قول لها إني اخترت أسيبها. ما تقولهاش إني فضلت أحبها من بعيد، وما تقولهاش إني هرجع يومًا. لأن لو رجعت... معناها إنهم عرفوا مكاني... سعاد. الخط وقع من إيدي.

— هي كانت عايشة.

بابا قال:

— أيوه.

— وكانت بتراقبني؟

— أيوه.

— طول السنين دي؟

— أيوه.

ضحكت وأنا بعيط.

— طب ليه؟

— عشان تحميكي.

بصيت له.

— كلكم عندكم نفس الجملة.

آسر قرب مني.

— ليان...

— لأ.

بصيت له.

— أنا تعبت.

— عارف.

— كل واحد فيكم كان بيقرر عني.

— عارف.

— أمي قررت تختفي.

— عشانك.

— وإنت قررت تتجوزني.

— عشانك.

— وأبويا قرر يكدب عليا.

— عشانك.

ضحكت وسط دموعي.

— طب وأنا؟ حد فيكم سألني أنا عايزة إيه؟

سكت. آسر بص لي شوية، وبعدين قال:

— أنا دلوقتي بسألك.

بصيت له.

— عايزة إيه؟

سكت.

— عايزة تعرفي الحقيقة؟

هزيت راسي.

— آه.

— حتى لو هتوجعك؟

— آه.

— حتى لو بعدها كرهتيني؟

بصيت له.

— مش عارفة.

ابتسم بحزن.

— يبقى هنكمل.

بعد ما خرجنا من بيت بابا، فضلت ساكتة. آسر فتح باب العربية. قبل ما أركب، قال:

— ممكن أسألك سؤال؟

— اسأل.

— لسه عايزة ترجعي البيت؟

بصيت له.

— بيتنا؟

ابتسم.

— أيوه.

— آه.

— ليه؟

فكرت.

— عشان أنا مش عايزة كل حاجة حصلت بينا تبقى مجرد خطة.

بص لي.

— وأنا كمان.

ركبت. طول الطريق ما اتكلمناش. لحد ما وصلنا. أول ما دخلنا الشقة، لقيت ظرف على الترابيزة، وقفت.

— إنت حطيته هنا؟

آسر هز راسه.

— لأ.

فتحناه. جواه مفتاح صغير، وورقة. قرأتها بصوت عالي: "لو عايزة تقابلي سعاد، روحي للمكان اللي بدأت فيه الحكاية." بصيت لآسر.

— البيت القديم؟

هز راسه.

— غالبًا.

قلبت الورقة. كان فيه عنوان. مش عنوان البيت. عنوان تاني، وعرفت المكان فورًا.

— آسر...

— إيه؟

— ده عنوان المكان اللي كنت بروحه وأنا صغيرة مع أمي.

بص لي.

— إنتِ فاكرة؟

— فاكرة جزء صغير.

— إيه؟

بصيت للعنوان.

— كانت بتوديني هناك كل يوم جمعة.

— ليه؟

— معرفش.

قلبت الورقة تاني. كان فيه سطر صغير تحت العنوان: "تعالي لوحدك"، آسر قال:

— مش هتروحي.

— هروح.

— لوحدك؟

— لأ.

بص لي.

— يبقى هنروح سوا.

في اليوم التالي، وصلنا للمكان. كان محل حلويات قديم في شارع جانبي. نزلت من العربية دخلنا. الراجل الكبير اللي ورا الكاونتر رفع عينه أول ما شافني. سكت، وبعدين قال:

— سعاد؟

قلبي وقف، قلت:

— أنا بنتها.

بص لآسر، وبعدين رجع بص لي.

— كنت مستنيكي.

اتجمدت.

— مستنيني؟

طلع صندوق صغير من تحت الكاونتر حطه قدامي.

— أمك سابته من 17 سنة.

إيدي ارتعشت. فتحته جواه صورتين، وخاتم، ورسالة. فتحت الرسالة. أول سطر كان: "ليان، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى حسن فشل في إخفائك." رفعت عيني آسر قرب، قلت:

— اقرأ.

أخد الرسالة قرأ السطر الثاني، وتغير وشه.

— إيه؟

ناولني الورقة قرأت: "والشخص اللي لازم تخافي منه مش كمال." سكت، وبعدين قرأت السطر اللي بعده: "هو أقرب شخص ليكي." رفعت عيني لآسر. هو كان ساكت. لكن عينيه راحت ناحية الخاتم الموجود في الصندوق، قال بصوت منخفض:

— الخاتم ده...

— إيه؟

— أنا شفته قبل كده.

— فين؟

بص لي.

— مع أبويا.

وقتها... سمعنا صوت كرسي بيتحرك خلفنا، لفينا. الراجل العجوز اللي كان واقف ورا الكاونتر اختفى، والباب الخلفي كان مفتوح. آسر جري ناحيته. لكن قبل ما يخرج، سمعنا صوت الراجل من الشارع:

— متدورشوا ورا سعاد...

وقف آسر.

— ليه؟

جاء الرد من بعيد:

— لأنها مش هي اللي مستخبية.

وبعدين سمعنا صوت عربية بتتحرك بسرعة، رجع آسر بص لي. أنا كنت ماسكة الرسالة، والسطر الأخير كان واضح قدامي: "لو عايزة تعرفي مين اللي خان أمك... اسألي نادية."

سكتنا. لأن نادية... أم آسر. كانت أول شخص لازم نسأله، وصلنا بيت نادية. طول الطريق، محدش فينا اتكلم. أنا كنت ماسكة الرسالة في إيدي، وآسر كان سايق وهو ساكت. لكن من وقت ما قرأنا اسم نادية، وأنا حاسة إن فيه حاجة غلط. مش عارفة إيه. بس فيه حاجه. أول ما وصلنا، آسر نزل من العربية.

— خليكي هنا.

— لأ.

— ليان...

— دي أمي.

بص لي.

— قصدك؟

رفعت الرسالة.

— دي رسالة منها. وأنا مش هفضل مستنية بره.

دخلنا سوا. نادية كانت قاعدة في الصالة. أول ما شافتنا، وشها اتغير.

— إنتوا جيتوا ليه؟

آسر قال:

— عشان نسألك عن سعاد.

نادية سكتت.

— أمي كانت هنا؟

— لا.

— تعرفي مكانها؟

سكتت. أنا قربت منها.

— هي عايشة؟

نادية بصت لي، وعينيها دمعت.

— أيوه.

نفسي اتقطع.

— فين؟

— مش هقدر أقولك.

— ليه؟

— لأنها لو عرفت إنك وصلتي لها...

— إيه؟

— هتخاف.

ضحكت بمرارة.

— هي خايفة مني؟

— لأ.

— أمال؟

نادية بصت لآسر.

— خايفة عليكي.

قلت:

— أنا مش طفلة.

— عارفة.

— طب قوليلي الحقيقة.

نادية قامت دخلت أوضة تانية. رجعت ومعاها صندوق صغير حطته قدامي.

— سعاد طلبت مني أحتفظ بده.

فتحت الصندوق كان فيه شريط كاسيت قديم، بصيت له.

— ده إيه؟

— تسجيل.

آسر سأل:

— تسجيل إيه؟

— آخر مرة اتكلمت فيها سعاد معايا.

— ليه محتفظة بيه كل السنين دي؟

نادية بصت له.

— عشان كنت خايفة.

ركبنا الشريط في جهاز قديم. طلع صوت تشويش، وبعدين... صوت ست، صوت هادي. لكن أول ما سمعته، قلبي عرفه قبل وداني... أمي.

— نادية...

جسمي كله ارتعش.

— أنا عارفة إنك هتخافي.

الصوت استمر.

— بس لو حصل لي حاجة، خلي ليان بعيدة عن كمال.

آسر بص لي، أنا كنت ببكي.

— هو فاكر إن ليان بنته.

الصوت قال:

— وده أحسن شيء ممكن يحصل.

سكتت لحظة.

— لأن لو عرف إنها بنتي من الشخص اللي أنا كنت بحبه قبل كمال...

تجمدت، آسر بص لنادية.

— إيه؟

الصوت كمل:

— هيقتلها.

الشريط وقف، بصيت لنادية.

— الشخص اللي أمي كانت بتحبه؟

نادية ما ردتش.

— مين؟

سكتت.

— مين يا نادية؟

قالت:

— أبوكي.

ضحكت من الصدمة.

— بابا؟

— أيوه.

— بس إزاي؟ هو قال إنها كانت مرات كمال.

— كانت.

— يعني بابا كان بيحبها وهي متجوزة؟

— القصة مش كده.

— أمال إيه؟

نادية أخدت نفس.

— سعاد وحسن كانوا بيحبوا بعض قبل كمال.

سكتت.

— لكن كمال اتجوز سعاد غصب عنها.

آسر قال:

— غصب عنها؟

— تقريبًا.

— وإزاي؟

نادية بصت لي.

— لأن كمال كان ماسك على أبوكي حاجة.

— إيه؟

— سر.

— سر إيه؟

— أبوكي كان شاهد على حاجة حصلت في الشركة.

— إيه؟

— كمال قتل شريكه.

سكتنا، آسر قال:

— مستحيل.

— أبوك شافه.

بصيت لنادية.

— وبعدين؟

— كمال هدده. وقال له لو اتكلم، هيموت هو وسعاد.

— طب إزاي أمي كانت معاه؟

— لأن حسن اضطر يبعد عنها.

— وهي اتجوزت كمال؟

— أيوه.

— وبعدين أنا اتولدت؟

نادية هزت راسها.

— أيوه.

— وكمال كان فاكر إني بنته؟

— أيوه.

— والحريق؟

نادية سكتت.

— الحريق كان محاولة من كمال لقتل سعاد.

آسر قال:

— وأنا كنت هناك.

— لأنك كنت عندي وقتها.

بص لها.

— كنتِ عارفة؟

— عارفة.

— وسبتيني أروح؟

دموعها نزلت.

— كنت فاكرة إنك هترجع.

آسر سكت، أنا قلت:

— طيب أمي هربت فين؟

نادية بصت لي.

— هي ما هربتش.

— أمال؟

— اختفت بمساعدة حسن.

— فين؟

سكتت.

— نادية.

— مش هقدر.

— ليه؟

— لأنها وعدتني.

— بإيه؟

— إنها مش هتظهر غير لما تتأكد إن كمال مات أو اتسجن.

بصيت لآسر.

— كمال مات؟

نادية هزت راسها.

— لا.

سكتنا.

— هو عايش؟

— أيوه.

آسر وقف فجأة.

— فين؟

نادية قالت:

— هنا.

بصينا لها.

— هنا فين؟

قالت بهدوء:

— في القاهرة.

— فين بالظبط؟

نادية بصت لي.

— قريب منك أكتر مما تتخيلي.

سكت، وبعدين قالت:

— هو اللي كان بيبعتلك الصور.

اتجمدت.

— كمال؟

— أيوه.

آسر قال:

— ليه؟

نادية ردت:

— عشان يخوفها.

— من إيه؟

— عشان ترجع له.

بصيت لها.

— ليه يرجعني؟

نادية سكتت.

— ليه؟

قالت:

— لأنك الوحيدة اللي عندها حق في الشركة.

آسر اتصدم.

— إيه؟

— أبوكي سجل كل ممتلكاته باسمك.

بصيت لها.

— أنا؟

— أيوه.

آسر قال:

— يعني كمال كان عايز يوصل ليها عشان الفلوس؟

نادية هزت راسها.

— مش بس الفلوس.

— أمال؟

نادية بصت لي مباشرة.

— لأن الشركة اللي كمال سرقها...

سكتت.

— كانت أصلًا باسم أمك.

وقفت.

— يعني إيه؟

— يعني كل اللي عنده...

— ملك أمي؟

— أيوه.

سكتنا.

وبعدين سمعت صوت عربية برا، نادية قربت من الشباك بصت، وشها ابيض، قالت:

— هو هنا.

آسر وقف.

— مين؟

بصت لي.

— كمال.

جريت ناحية الشباك. شفت عربية سودا واقفة قدام البيت. بابها اتفتح، ونزل منها رجل كبير، وقفت مكاني. أنا شفته قبل كده. مش في صورة، ولا في حلم. في حياتي. لأنه... كان الشخص اللي بيدخل بيتنا كل أسبوع. الشخص اللي كنت فاكرة إنه صديق بابا. واللي كنت طول عمري بناديه: عمو كمال.

فضلت واقفة قدام الشباك... كمال، عمو كمال. الرجل اللي كنت بشوفه وأنا صغيرة. اللي كان بيجيبلي شوكولاتة في عيد ميلادي. اللي كنت فاكرة إنه واحد من أصحاب بابا. هو نفسه... اللي حاول يقتل أمي. آسر قرب مني.

— ليان، ابعدي عن الشباك.

بصيت له.

— أنا مش خايفة.

— عارف.

— بس أنا عايزة أواجهه.

— مش لوحدك.

نادية قالت:

— لازم تمشوا من الباب الخلفي.

بصيت لها.

— لأ.

— ليان!

— طول عمري كل الناس بتهرب بيا.

سكتت.

— المرة دي أنا مش ههرب.

آسر بص لي.

— وأنا معاكي.

خرجنا للصالة. جرس الباب رن، كمال دخل بص لي، ابتسم.

— كبرتي.

صوتي كان هادي.

— وإنت لسه فاكرني؟

— عمري ما نسيتك.

— ولا أمي؟

ابتسامته اختفت.

— مين قالك؟

— كلهم.

بص لآسر.

— إنت السبب؟

آسر رد:

— لأ.

كمال ضحك.

— كنت عارف إنك هتخسر.

— أخسر إيه؟

— كل حاجة.

بصيت له.

— إنت قتلت أمي؟

— لأ.

— حاولت تقتلها؟

سكت.

— جاوب.

— كنت عايز أحمي نفسي.

— من إيه؟

— من سعاد.

— عشان عرفت إنك سرقت الشركة؟

ابتسم.

— كانت غبية.

آسر اندفع ناحيته.

أنا مسكته.

— سيبه.

كمال بص لي.

— إنتِ مش فاهمة.

— فهمني.

سكت.

— ليه الحريق؟

— عشان أوقفها.

— وإيه اللي حصل؟

بص للأرض.

— النار خرجت عن السيطرة.

— وأمي؟

— هربت.

— وإنت سيبتها؟

— افتكرت إنها ماتت.

— كداب.

رفع عينه لي.

— أيوه.

سكت.

— كنت عارف إنها هربت.

— فين؟

— معرفش.

— كداب.

ضحك.

— إنتِ شبهها.

— أمي؟

— لأ.

قرب خطوة.

— أبوكي.

آسر وقف قدامي.

— متقربش منها.

كمال بص له.

— إنت لسه بتحميها؟

— أيوه.

— زي ما حميتها ليلة الحريق؟

آسر اتجمد، كمال ابتسم.

— فاكر؟

بصيت لآسر.

— إيه؟

كمال قال:

— الليلة دي مش زي ما قالولك.

آسر سكت.

— قول لها.

آسر بص لي.

— ليان...

— قول.

كمال قال:

— هو ما أنقذكيش.

اتجمدت.

— إيه؟

— هو اللي كان السبب في إن النار بدأت.

بصيت لآسر.

— آسر؟

وشه ابيض.

— مش زي ما هو بيقول.

رجعت خطوة.

— قول الحقيقة.

سكت.

— آسر.

قال:

— أنا ما ولعتش النار.

كمال ضحك.

— لكنك كنت ماسك علبة البنزين.

سكت، آسر بص لي.

— كنت بحاول أطفّي النار.

كمال قال:

— وإنتِ كنتِ جوه.

— لأ.

— إنتِ اللي وقعتِ العلبة.

آسر هز راسه.

— لأ.

— فاكر؟

آسر حط إيده على رأسه، وبعدين قال:

— أنا كنت صغير.

كمال ابتسم.

— عشان كده سهل نسيبك تصدق إنك بطل.

بصيت لآسر.

— إنت فاكر؟

دموعه نزلت.

— جزء.

— إيه الجزء؟

— كنت بحاول أوصل لأمك.

— وبعدين؟

— شفت كمال بيولع النار.

كمال سكت، آسر كمل:

— أخدت العلبة منه.

— وبعدها؟

— وقعت مني.

سكت.

— النار مسكت في الستارة.

بصيت له.

— وإنت شلتني؟

— أيوه.

— وأمي؟

— كانت لسه عايشة.

قلبي اتقطع.

— سبتها؟

— لأ.

— أمال؟

— رجعت لها.

— وبعدين؟

آسر بكى.

— لقيتها خارجة من البيت.

— لوحدها؟

— لأ.

رفع عينه لي.

— مع أبوكي.

اتجمدت، كمال قال:

— كدب.

آسر رد:

— أنا شفتهم.

كمال قرب.

— أبوها كان بيهربها.

بصيت لكمال.

— يعني أمي عاشت؟

— أيوه.

— وإنت عارف مكانها؟

سكت.

— كمال.

ما ردش، نادية دخلت وفي إيدها ظرف.

— أنا أعرف.

بصينا لها.

— فين سعاد؟

قالت:

— في المستشفى.

اتجمدت.

— إيه؟

— من سنتين.

— مستشفى إيه؟

— هي مريضة.

بصيت لآسر.

— لازم نروح.

بعد ساعة... كنت واقفة قدام باب غرفة. إيدي على المقبض. آسر واقف جنبي، قال:

— لو مش قادرة...

— قادرة.

فتحت الباب. الغرفة كانت هادية، ست قاعدة على السرير. شعرها طويل، وشكلها... كان زي صورتي. رفعت عينها. أول ما شافتني، بدأت تعيط، قالت:

— ليان؟

وقفت مكاني. الكلمة دي... عمري ما سمعتها منها. لكن قلبي عرفها، مشيت ناحيتها.

— ماما؟

مدت إيديها، جريت عليها. حضنتها وفضلنا نعيط من غير كلام. بعد سنين من الأسئلة... لقيت الإجابة في حضنها.

بعد شهرين... كمال اتقبض عليه الشركة رجعت لأصحابها الشرعيين. أبويا اعترف بكل حاجة، ونادية قالت كل اللي تعرفه. أما سعاد... خرجت من المستشفى بعد فترة، وكان أصعب شيء عليها إنها تتعلم تعيش معايا من جديد، وأصعب شيء عليّ... إني أتعلم أسامحها. مش لأنها سابتني. لكن لأنها كانت شايفة إن البُعد هو الطريقة الوحيدة لحمايتي. أما آسر... فأنا ما سامحتوش بسرعة. خدت وقت طويل، وفي يوم، كان واقف قدامي، قال:

— لو رجع الزمن...

قاطعته:

— مش هتتجوزني؟

ابتسم.

— هتجوزك.

— رغم كل اللي حصل؟

— عشان المرة دي...

سكت.

— هتجوزك من غير خطة.

ضحكت.

— ومن غير أسرار؟

— هحاول.

بصيت له.

— لأ.

— إيه؟

— مش هحاول.

ضحك.

— حاضر.

مد إيده.

— نتجوز بجد؟

بصيت لإيده.

— إحنا متجوزين.

— عارف.

— أمال؟

— عايز أسمع موافقتك.

ابتسمت، ومسكت إيده.

— موافقة.

قرب مني.

— بشروط؟

ضحكت.

— طبعًا.

— قولي.

— شغلي مش هسيبه.

— موافق.

— مش هعيش مع أهلك.

— موافق.

— مفيش تحكم.

— موافق.

— ومفيش كذب.

سكت، بصيت له.

— دي أهم واحدة.

هز راسه.

— موافق.

قلت:

— وآخر شرط.

— إيه؟

قربت منه.

— لو في يوم حسيت إنك مش قادر تكمل...

ابتسم.

— هقولك.

— ولو أنا؟

— هقولك.

— ولو اختلفنا؟

— نختلف.

— ولو اتخانقنا؟

— نتخانق.

— ولو زعلنا؟

— نتصالح.

ضحكت.

— ليه؟

قال:

— عشان أنا مش عايز أعيش معاكي على ذمة خطة.

وقرب أكتر.

— أنا عايز أعيش معاكي...

على ذمة قلبي.

ابتسمت، ولأول مرة من سنين... ما كانش في سر مستني يتكشف، ولا حد بيجري، ولا حد بيستخبى. بس أنا... وآسر، وحياة جديدة. بدأت أخيرًا بإرادتنا إحنا الاتنين.


 انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم



شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

تعليقات