رواية جدران بلا مأوى الفصل السادس بقلم مريم وليد
- أنتَ مين، أبعد عني..
- أهدي يا حبيبتي دي أنا
بصيت لُه بصدمة، بعدين قمت وقفت بخضة:
- مين قالك تقرب مني
قام وقف وكمل بهدوء:
- حقك عليا والله، أنا بس حطيت نفسي مكان أبوك
كام عمو سلامة، بعدت عنه خطوتين لورا وكملت بإنفعال:
- أنا معنديش أب، ومش عايزة يبقى عندي.. مش محتاجة اصلًا، مش ناقصتي حاجة
يونس جيه وقف قدامي وكمل بأستغراب:
- فيه إيه، حصل إيه أنتِ كويسة!
بصيت لُه بلا مبالاة وجيت ماشية، لقيت أدهم جاي بالماية، وقفني بقلق:
- حصل إيه؟
بص ورا لقى باباه ويونس فكمل بعصبية بسيطة:
- يونس ضايقك
- محدش ضايقني يونس ملهوش دعوة، ومحصلش حاجة عايزة أروح بس
كان لسه هيتكلم فعمو سلامة قاطعه:
- أنا اللي ضايقتها
- وضايقتها ليه؟
كملت بزهق وأنا بكلمه:
- أهدى بقى بطل تعمل حوارات، سيبك منهم أنا تعبت فهروح وأنتَ خلص وتعالى
حرك راسه بنفي:
- مش هتمشي لوحدك وأنتِ كده طبعًا، تعالي أوصلك وأرجع
يونس قرب مننا، اتكلم بتردد:
- ممكن أوصلك أنا..
بصله ورفع حاجبه:
- وأنتَ مالك توصلها ليه؟
- هي وعمو، هو تقريبًا كان جاي يبارك وماشي
أدهم راح ناحية باباه، ووقف معاه على جنب، كان باين إنهم بيقفشوا مع بعض.. يونس أتكلم فجأة:
- هو عمره ما فهم أبوه، وأبوه عمره ما فهمه
بصيت لُه بأستغراب، فابتسَـم وبصلي:
- أدهم بني آدم كويس، بس غضبان علينا كلنا، أنا وأبويا وأبوه، الفرق بينا وبين ابوه إنه ميقدرش يكره ابوه
كملت وأنا بتنهِـد بزهق:
- أنتَ مالك ومالهم
- أدهم كان صاحب طفولتي لعلمك، أنا مش عدوه يعني
ضحكت بسخرية وكملت:
- واللي أبوك عمله؟
- مفيش دليل قطعي إنه عمله..
قالها بإنفعال فكملت بهدوء:
- ومفيش دليل قطعي إنه معملهاش
- في الحالتين أنا مليش ذنب
قال آخر جملة قبل ما أدهم يجي، جيه وقف قدامي وكمل:
- قادرة تفضلي؟
كنت حاسة إنه مرهق، مش قادر يتكلم بس مش قادر يفضل لوحده.. حركت راسي بأيجاب فشاورلي امشي معاه، بصيت ليونس ولعمو سلامة وبعدين مشيت قدامه خطوتين.. ثواني وبقى جنبي.
- حصل حاجة؟
- آه هحكيلك واحنا مروحين
مشيت معاه ودخلنا القاعة تاني، كان عمال ينكش فيا طول الوقت مع إن شكله كان مرهق ومتضايق، اتكلم جنب ودني:
- عمرك فكرتِ في احساسك لما تيجي تتجوزي
بصيت لُه وبعدين حركت راسي بنفي:
- عمري ما فكرت أصلًا إنّي ممكن اتجوز
بصلي بأستغراب فكملت بسخرية:
- هي الحياة الزوجية اللي بتشوفها خلال حياتك حاجة انتريستنج بالنسبالك يعني؟ بصراحة حاسة إن التجارب اللي بشوفها أديها تفة ونص من عشرة، حاجة حقيقي صعبة
- بس مش معنى إن فيه تجارب وحشة إن كلها وحشة
بصيت لُه وحركت كتفي بعدم معرفة، بعدين لقيت حد جاي يديني طبق فيه جاتوه وبيبسي.. بصلي وكمل:
- بتحبي البيبسي ولا السڤن..
كان اتمدلي سڤن وهو بيبسي، بصيت لُه وكملت بتساؤل:
- أنت بتحب إيه..
بصلي ثواني بعدين ضحك، وكمل:
- اختاري أنتِ
- البيبسي
اداني البيبسي واخد هو السڤن بس مجاوبنيش برضوا بيحب إيه، استكمل الموضوع ولا كأن حاجة حصلت:
- يعني أنتِ إيه مشكلتك مع الجواز
بصيت بعيد واتنهِـدت ورجعت بصيت لُه:
- إني اتجوز راجل زي أبويا، أو أبقى أنانية زي أمي..
سكتت وبعدين كملت بتساؤل:
- هو الفرح هيخلص الساعة كام
بص في ساعته وكمل بهدوء:
- يعني باقي نص ساعة مثلًا.. ممكن نمشي دلوقتِ عادي
- لو عايز تقعد مع عيلتك عادي
- بصراحة راسي بتوجعني اوي بس بحاول اتماسك بقالي شويه..
كملت بقلق:
- طيب ليه مقولتليش نخرج، تعالى نمشي طيب..
كنت هتحرك فمسك ايدي، بعدتها بسرعة فكمل بهدوء:
- هنسلم الاول طب
- طيب سلم وتعالى..
مسك راسه وكمل بأستهبال:
- آه يا راسي، راسي بتوجعني..
ضحكت غصب عنّي ومشيت معاه باستسلام:
- أنتَ مش طبيعي والله ربنا يهديك
- مش أنتِ دكتورتي دلوقتِ، حافظي عليا بقى
بصيت لُه وكملت بغلاسة:
- أنا كده مش دكتور أنا كده حارس سيادتك..
ضحك وكمل بهدوء:
- طيب ما عسل، أنتِ ملاكي الحارس بقى
بصيت لُه وكملت بضحك:
- أنتَ استاذ في التصعيد
- الصعيد تاج راسك، أمشي قدامي..
معرفش هم عيلته كلها عشريّة، ولا المشكلة الحقيقية فيا أنا والله بس هم لذاذ أوي لدرجة إن كلهم حبوني، هو محبوب أوي وسط عيلة مامته، شخصيته معاهم حيّوية أكتر معرفش ده لإنهم مربيينه ولا علشان هم فعلًا ناس ودودة أوي مع بعض.
- إيه رأيك في عيلتي بقى
- لُذاذ أوي، تحس إنك واحد منهم غصب عنك يعني..
ضحكت وبصيت لُه شويه وبعدين كملت بهدوء:
- أدهم أنا عايزة أقولك على حاجة
بصلي بإهتمام:
- قوليلي..
- أنتَ أكتر بني آدم حاسة إني قادرة أكون مرتاحة وأنا معاه، بتعيشني حاجات أول مرة اعيشها
ابتسَـم وكمل بهدوء:
- أنا كمان بعيش وبحس معاكِ حاجات اول مرة اعيشها وأحسها، بحس إني انسان حابب يعيش
ابتسَـمت على كلامه وبصيت قدامي تاني، أنا مش فاهمة إيه المشاعر دي لإني عمري ما حسيتها، عمري ما جربت أحب التعامل مع حد.
ركبنا الاوبر فبصيت لُه بتساؤل:
- صحيح، يونس قالي إن مفيش حاجة بتأكد إدانة أبوه
بصلي بأستغراب:
- اتكلمتي معاه في الموضوع ده أمتى وليه اصلًا
- لأ متكلمتش معاه، كان هو بيقول كلام كده وإن ملهوش ذنب وكلام من ده
سكت ثواني بعدين حرك راسه بإيجاب:
- ملهوش ذنب فعلًا، أنا كنت مانع نفسي منه علشان مش حابب أشوف ده
بصيت لُه بأستغراب فاتنهِـد وكمل بهدوء:
- يونس كان صاحبي، أقرب صاحب ليا وكان الوحيد في عيلة أبويا اللي بحبه وليا معاه ذكريات، كنا نفس السن فبنحب نتجمع سوا، أدهم بيروح لما يونس يكون موجود ويونس بيروح لما أدهم يبقى موجود..
بصيت لُه بأهتمام فكمل بهدوء:
- بس كرهي لعمي، عمى عيني عن إن يونس ملهوش أي ذنب في اللي حصل بيننا.. أنا برضوا يا بنتي كان غصب عني، يعني أنا طول الوقت بتشحن كلام، ده غير تصرفات عمي
بصيت لُه بتساؤل:
- صحيح مقولتليش بقى، أبوك عرف منين
- عمي كان الراجل الوحيد اللي قادر يقنع أبويا، أخوه الصغير اللي بيحبه ومربيه على ايده شقي علشانه وبذل مجهود علشانه، مكنش يعرف أنه بيربي شيطان.. كان دايمًا عمي بيسرق أبويا وأبويا عارف وعامل عبيط علشان ده أخوه دمه وحتة منه، هيعمل إيه بقى..
أخَد نفس وكمل:
- مرات عمي وأمي كانوا صحاب أوي، مرات عمي ست زي العسل، بس عمي كان بيأذيها كتير أوي.. لحد ما مرة ضربها لحد ما كانت هتموت، أمي حاولت تقنع مرات عمي تطلق بس مكنش عمي موافق على الكلام ده واتخانق مع أبويا بسبب الموضوع ده وقاله لو مراتك اتدخلت تاني هأذيها، عدى أيام وشهور وفجأة لقينا مرات عمي جاية مضروبة تاني قدام بيتنا بس المرة دي بتستنجد بأمي وأبويا يطلقوها أو يخلعوها منه..
أخَدت نفس وأنا بصاله بصدمة، فضحك بهدوء وكمل:
- هو إيه النظرة دي حضرتك
- لأ مش وقته، كمل هو عيلتكم برعاية محمد سامي ولا إيه
ضحك وكمل بهدوء:
- أمي كانت محامية، مشيت في إجراءات خُلع مرات عمي.. عمي بقى اتجنن وقعد يهري ويزعق ويلطش يمين وشمال ويهدد، لحد قبل الجلسة بيوم.. أمي ركبت وكانت جاية تجيبني وعملت الحادثة، يونس قال إن شاف ابوه بيلعب في العربية بس لما كبر قعد يقول إنه مش فاكر حاجة عن الموضوع ده، معرفش إيه الدنيا يعني بس تقريبًا عمي غسل دماغ الواد ده
بصيت لُه وخدت نفس، بعدين كملت بفضول:
- ومرات عمك؟
- ماتت بعد أمي بفترة، ماتت بجلطة في المخ الدكاترة قالوا إن كان بيجيلها جلطات ومش بتعدي منها بسبب زعل او ضغوط
بصيت بزعل وكملت:
- أنا آسفة بجد علشان اللي حصل معاك، مامتك متستاهلش ومرات متستاهلش، وأنت ويونس يا أدهم بصراحة متستاهلوش برضوا..
بص بآسف وكمل وهو بيتنهِـد:
- مشكلتي مع يونس إنه متربس دماغه على كلام ابوه، مش مصدق حد مش بيرضى يصدق إن أبوه هو سبب موت أمه حتى
- علشان صعب يا أدهم، تخيَّل الراجل اللي عيشت معاه واتربيت معاه تكتشف إنه قاتـ. ل، صعبة اوي كمان
- لو اللي اتقتلت أمي يا مريم هيبقى الراجل ده في اقدم صفيحة زبالة
- لو اللي قتـ ل امك أبوك هتبقى صعبة
بصلي وكمل وهو بيرفع حاجبه:
- أنتِ مش مسامحة أهلك ليه يا مريم؟ أنتِ مش قادره تسامحي أمك علشان اللي عملته، بس احساسك ناحية ابوكِ اصعب بكتير، ليه؟
بصيت لبعيد وكملت:
- بلاش نتكلم في الموضوع ده، مش هقدر.. علشان خاطري.
حرك راسه بموافقة وكمل:
- خلاص مش هنتكلم، منغير ما تقولي حاجة.. لما تكوني قادرة أنا دايمًا موجود.
ابتسَـمت بهدوء وكملت بتذكُر:
- أبوك معمليش حاجة، أنا بس اللي اتخضيت، ومش متعودة حد يلمسني هو لقاني بعيط قرب علشان يحضني وأنا مقدرش اسمح لراجل غريب عليا يحضني حتى لو هو جوز أمي، أنا مبتقبلش حضن أمي اصلًا..
كمل بهدوء:
- قالي، قلتله إنه غلط وإنه مينفعش يقرب منك والمفروض يسيبلك مساحتك الخاصة
- بس أنا فاهماه، هو لقاني بعيط فكان عايز يحسسني إن ليا حد..
كملت بزعل:
- أنا مش عايزة حد فيهم، مش قادرة اتقبل باباك ولا ماما، لما بشوفهم بفتكر كل حاجة وحشة عيشتها..
- يبقى متتقبليهمش، متعمليش حاجة غصب عنك.. أعملي الحاجة اللي تريحك بس.
ضحكت وكملت بهدوء وأنا بمسح دموعي:
- أنتَ مش شبه باباك في أي حاجة، ولا الشبه ولا الشخصية.. شفت صورة مامتك أمبارح أنت شبهها اوي
ضحك وكمل:
- لو حد غيرك كان زماني قطعت رقبته، بس فداكِ.. إيه رأيك أنا أحلى ولا أبويا
- البيتزا تشيكن رانش يا أدهم
ضحك بصوت عالي، بعدين بصلي وكمل برخامة:
- أنا فاكر إن راسي أمبارح كانت على رجلك، دي حقيقة ولا بيتهيألي..
- دي أوهام، أنتَ موهوم قد الدنيا.
اتنهِـد وهو بيتظاهر بالزعل:
- وأنا اللي فكرت إنك كنتِ قلقانة عليا
- أنت مش سهل خلي بالك
بصلي وكمل بابتسامة:
- ولا أنتِ والله
كمل وهو بيدندن، وباصص من شباك العربية:
"خايف إني احب وخايف ينسى الحب يوم يقابلني، خايف أجرب خايف أهرب.. خايف أقرب يبعد عني."
بصلي وكمل:
"ناس من الحب شافوا قاسية وناس اتهنوا، خايف يقسى الحب عليا.. خايف منه."
ضحكت بهدوء وكملت:
- أنتَ بتحب عبدالحليم بقى على كده
- اوي اوي، فيه مين يتحب قده.. الراجل ده أكتر واحد بيغني اغاني بتعبر عن خوفي من الحب ده
بصيت لُه وكملت بأستغراب:
- بتخاف من الحب؟
- بترعب.. أحب واحدة ومتحبنيش.
بصيت لُه وكملت:
- مين المجنونة اللي متحبكش يا أدهم، ده أنت لقطة
- هنشوف مين المجنونة بقى لسه اللي جاي كتير.
ضحكت وأنا بفتح التليفون:
- تعالى يلا نتصور
ابتسَـم وقرب شويه، اتصورنا كذا صورة كل صورة بشكل مختلف.. مرة أنا أصور، ومرة هو.
روحنا البيت سوا، أول ما طلعنا ماما جت ناحيتنا واتكلمت:
- حصل إيه في الفرح، ولما انت مع أبوك ليه متجيبهوش وهو تعبان
كمل بزهق:
- تعبان ماله
- ضغطه عالي، ما اكيد أنتَ اللي عليت ضغطه..
كان لسه هينفعل عليها، غمض عينه وخد نفس وكمل بهدوء:
- معلش يا مرات ابويا، خشي شوفيه بقى علشان ميتعبش اكتر
كملت وهي بتبصلي:
- اتخانقتِ معاه؟
رفعت حاجبي وكملت بسخرية:
- إيه هتزعقيلي أنا كمان؟
كملت بزعيق وهي بتعيط:
- أنتِ عايزاني أعملك إيه تاني يا بنتي، فكرك إني مش حاسة بالذنب، كنت كل يوم بتقطع وأنتِ بعيد عني، كنت بقعد أفكر فيكِ.. كنت ببقى عايزة أجيبك، ده أنا بتمنالك الرضا ترضي، أنا أمك اللي بتعمليه ده عقوق ربنا هيحاسبك عليه..
ضحكت بصوت عالي وأنا دموعي نازلة:
- يا حبيبتي عقوق؟ وأنتِ تعرفي ربنا يا أمي ياللي رميتيني لست لا اعرفها ولا تعرفني كل اللي يهمها في الدنيا إنها تأذيكي بيا مع العلم إن اذاها مأذاش حد غيري، أنتِ متأثرتيش علشان أنا مهمكيش..
أدهم همس جنبي:
- مريم أهدي جسمك بيترعش..
كنت حاسة إن حد بيشد في اعصاب جسمي، نبرة صوتي عليت أكتر وأنا بزعق فيها:
- أنتِ مش أم، أنتِ عقاب.. وأنا كنت صابرة وبحاول أكون رحيمة بيكِ، بس أنتِ كل مرة بتأكديلي إنك متستاهليش إني أفكر حتى ابرك مش اسامحك حتى، أنا غلطانة علشان قررت أخبط على بابك..
خرجت من الشقة بعصبية وهبدت الباب ورايا، كنت نازلة بجري على السلم، كنت عايزة أهرب في مكان مشوفش فيه حد فيهم، محدش فيهم يستاهلني.. كنت حاسة إن كل اللي محتاجاه دلوقتِ إني أصرخ فيهم.. خرجت الشارع بسرعة، قبل ما أخد بالي لقيت عربية معديّة بسرعة جدًا.. كل اللي حسيت بيه وجع في جسمي، وجع مبالغ فيه، وجع مخليني متخدرة.. آخر حاجة سمعتها كان صوت أدهم بيصرخ:
- مريم..
