رواية أخطر ملف الفصل السابع 7 بقلم مصطفى محسن

 

 

 

رواية أخطر ملف الفصل السابع بقلم مصطفى محسن


رامي لاحظ حاجة غريبة جدًا خلته يتوتر: النور في مكتب التحاليل المركزية بالدور التاني كان شغال وبيطفي بانتظام، وكأن في حد جوه شغال في الضلمة وبيستخدم كشاف يدوي. رامي مسك إيد وليد، وقال له بصوت واطي: "انزل ببطء، وشاور على مكتب وقاله: المكان ده المفروض مقفول ومفيش فيه ورديات ليلية النهاردة." وليد سحب طبنجه من جنبه بحرص وشد الأجزاء بتاعتها، وهو بيبص للمبنى الضخم اللي واقف زي الشبح وسط العتمة. رامي سحب سلاحه هو كمان، واتحركوا بحذر شديد باتجاه الباب الخلفي للمعمل. الشارع كان هادي جدًا، مفيش غير صوت الهوا اللي بيخبط في ورق الشجر. أول ما وصلوا الباب الخلفي، رامي مد إيده يختبر الأكرة، ولقاها مفتوحة سنة صغيرة ومش مقفولة بالترباس، بص لوليد وهز راسه بمعنى "المكان مخترق". دخلوا جوه الممر الضيق والمظلم، وكانت فيه ريحة المواد الكيميائية نفاذة وبتزكم المناخير. طلعوا السلم الموصل للدور التاني بحذر، وكل ما بيقربوا من مكتب التحاليل المركزية، النور الخافت اللي كان بينور ويطفي. رامي وقف على جنب الباب وسند ضهره على الحيطة، ووليد وقف على الناحية التانية مستعد للاقتحام. رامي أخد نفس عميق، وعد بتلات صوابع بإيده لوليد: "واحد... اتنين... تلاتة." وفي لحظة واحدة...
-
رامي زق الباب برجله ودخل وهو رافع سلاحه وبيصرخ بصوت يهز المكان: "ثبت مكانك وإيدك فوق!" لكن أول ما دخلوا جوه، كانت الصدمة اللي مش متوقعة خالص. المكتب كان مقلوب رأسًا على عقب، والأوراق والملفات متطيرة في كل حتة، ومفيش أي حد واقف في الأوضة، غير إن الكشاف اليدوي كان محطوط على الترابيزة ومربوط فيه جهاز تايمر صغير، هو اللي بيخليه ينور ويطفي كل كام ثانية بشكل أوتوماتيكي. وعلى الشاشة الرئيسية لكمبيوتر المعمل، كانت فيه كلمة واحدة بتكرر نفسها وبتتحرك بعرض الشاشة باللون الأحمر: "تأخرت يا سيادة المقدم".
-
رامي وقف قدام الشاشة، والنبض في عروقه بيغلي، ووليد ورامي النظرات بينهم كانت عبارة عن ذهول مخلوط بغضب مكتوم. وليد قرب من الشاشة وبص على التايمر اللي مربوط بالكشاف وقال: "الزفت ده بيلعب بأعصابنا، كان عارف إننا هنلاحظ النور وهنيجي هنا، ده ساب الكشاف والتايمر عشان يسحبنا جوه المكتب." رامي ما ردش، مشي بين الأوراق المترامية على الأرض، ووطى مسك ملف كان مرمي تحت المكتب، ملف كان مفتوح ومتاخد منه بعض الصفحات الخاصة بتقارير العينات اللي فاتت. بص للورق وقال: "هو ما سحبناش هنا عشان يضحك علينا بس يا وليد، هو جه هنا ياخد حاجة معينة من الملفات دي قبل ما يختفي، التايمر ده كان معمول عشان يعطلنا كام دقيقة ويلهينا بالشاشة." وفي نفس اللحظة، سمعوا صوت حركة خفيفة جدًا جاية من آخر الممر الضيق اللي بيودي على المعمل الداخلي، صوت خطوة رجل بتتحرك بحذر شديد فوق إزاز مكسور. رامي شاور لوليد بإيده عشان يسكت، وسحب سلاحه وخد جنب عند فتحة الباب، وبدأ يتحرك بخطوات واسعة وساكتة تمامًا باتجاه مصدر الصوت. الضلمة كانت حالكة، وريحة المواد الكيميائية بدأت تزيد وتخنق الصدر، وليد كان مغطي ضهر رامي وبيحرك عينيه في كل زاوية، وأول ما وصلوا لباب المعمل الداخلي، شافوا خيال طويل واقف قدام إحدى الخزانات المعدنية المفتوحة، وممسك في إيده إزازة كيميائية صغيرة. رامي أخد خطوة سريعة لتداخل الأوضة، وثبت السلاح بتركيز تام على ظهر الخيال وقال بنبرة حاسمة: "المكان كله متحاصر، أي حركة منك هتكون الأخيرة ليك، نزل الإزازة من إيدك ولف."
-
الغريب إن الشخص ده ما اتفاجئش ولا خاف، وكان ثابت في مكانه، وبعدها بدأ يلف ببطء وهو بيحط الإزازة الصغيرة على الترابيزة اللي جنبه. بدأت ملامحه تتكشف بالتدريج، وكانت الصدمة حقيقية؛ الشخص اللي واقف قدامهم ما كانش غريب، ده كان الدكتور أيمن، كبير الكيميائيين في المعمل والمسؤول الأول عن كتابة تقارير مصلحة الطب الشرعي، الراجل اللي رامي ووليد بيتعاملوا معاه بشكل يومي في كل القضايا الكبيرة. وليد سلاحه اترعش في إيده من كتر الذهول وهو بيصرخ فيه: "دكتور أيمن؟ إنت بتعمل إيه هنا في الوقت ده وبتقلب في الملفات ليه؟" أيمن رفع إيديه الاتنين فوق في الهوا وبص لرامي وقاله: "اسمعني يا رامي بيه... والله العظيم الموضوع مش زي ما إنت فاكر خالص، أنا ماليش دعوة بالجرائم دي، أنا جيت هنا عشان كنت متهدد." رامي ما نزلش سلاحه، بدأ يقرب منه وعينيه ثابتة على عينين الدكتور وقال له: "متهدد بإيه يا دكتور؟ وبتقلب في ملفات الضحايا اللي فاتوا ليه في نص الليل؟"
-
أيمن بلع ريقه بصعوبة، وشاور ناحية المكتب وقال: "السفاح ده تحفة كيميائية يا رامي بيه، المركب اللي بيقتل بيه مفيش حد في مصر كلها يعرف يركبه غير اتنين فقط... أنا والمرحوم الدكتور شوقي اللي مات من ست شهور، والنهارده الصبح جاتلي رسالة فيها صورة بنتي الصغيرة وهي طالعة من المدرسة، ومعاها تعليمات إني أجي هنا في السر وأمسح كل الملفات الخاصة بالمركب ده وأسحب العينات القديمة، وإلا هيرجعلي بنتي في كيس بلاستيك." رامي بص للورق الملفوف وللإزازة اللي على الترابيزة، وفهم إن السلسلة لسه ليها حلقات مفقودة، وبسرعة سأل أيمن: "مين غيرك إنت وشوقي كان يعرف تركيبة السم دي؟ مين اللي كان يدخل المعمل ده ويقدر يستنسخ المادة؟" أيمن أخد نفس عميق وبص لرامي بذهول وقال: "محدش يا فندم... غير ابن الدكتور شوقي نفسه، اللي اختفى تمامًا من يوم وفاة أبوه بعد ما اتعرض لانهيار عصبي ودخل مصحة أمراض نفسية. رامي عينيه كانت مركزة على عيون الدكتور أيمن، ودقات قلبه بدأت تسرع أكتر. وليد قرب من أيمن وقال بنبرة مليانة تشكيك:


تعليقات