رواية شلال الدم الفصل السابع 7 بقلم ملكة الروايات


 رواية شلال الدم الفصل السابع 

​انطوت صفحة الخديعة وانقشعت غمامة الزور من سماء الدوار، ليتنفس الليل عبق الوصال بعد سنوات من العذاب والمرارة. في الجناح الغربي، كان الهدوء يلف المكان، ونور القمر ينساب هادئاً ليغمر وجه رحمة وهي تقف أمام المرآة تجمع خصلات شعرها.

​اقترب ناجي بخطوات هادئة، يفوح منه كبرياء الصعيدي الذي امتزج برقة العشاق. وضع كفيه على كتفيها، ونظر إلى انعكاس وجهها في المرآة، يهمس بنبرة رخيمة أذابت ما تبقى من الجليد:
"ما بقاش بيننا سور ولا باب مقفول يا بنت سويلم.. النهار ده ردت فيا الروح، وعرفت إن الصعيد ما فيهوش غير ملكة واحدة سكنت قلبي من يوم ما كنا نجلس على الساقية."
​التفتت إليه رحمة، وفي عينيها بريق كبرياءٍ مغسول بالطمأنينة، وسندت يدها الناعمة على صدره قائلة بصوت يفيض دفئاً:

"ولد الدهشان أثبت إنه صان العهد وما خنش الأصول قبال الكبار.. وبنت سويلم لما تفتح بابها، بتفتحه لراجل يسوى الدنيا في عينها."
​ابتسم ناجي ابتسامة ساحرة أظهرت غمازتيه، وضم كفها إلى قلبه الذي كان يضرب بقوة، مستسلمين للحظة عشق صادقة أنستهم كل ما مرّوا به من آلام وثأر.
​لكن في الجانب المظلم من النجع.. حيث تتغذى القلوب المريضة على الغل والدم، كان هناك بركان يغلي.
​في بيئة نائية على أطراف النجع، داخل بيت مهجور بين زراعات القصب، كان "حافظ" يجلس والشرار يطير من عينيه، يمسك بندقيته ويزيتها بحسرهوحقد. خسر كل شيء؛ هيبته أمام كبار عيله سويلم،  بعد أن طرده الحاج سويلم وأخرجه من مجلس الرجال مهزوماً.
​فجأة.. شق صمت المكان صوت كعب عالٍ وخطوات متعثرة في الطين.

​فتحت الضلفة الخشبية، ولدخلت كارولينا! لم تكن قد غادرت إلى المطار كما ظن الجميع؛ بل استغلت ثروتها ونفوذها في رشوة سائق سيارة الشرطة والهروب في منتصف الطريق قبل الوصول للمركز!
​كانت ثيابها الأوروبية متسخة بالطين، وشعرها ثائراً، وفي عينيها نظرة جنون ورغبة جامحة في الانتقام بعد الإهانة والصفعة التي تلقتها على يد رحمة وناجي أمام رجال الصعيد.
​وقفت كارولينا تنفس بحقد وقالت بلغة عربية مكسورة تملؤها الشرارة:
"حافظ! أظن أنك الخاسر الأكبر مثلي تماماً.. طردوك كالمجرمين، وتركوا ناجي يضحك عليك مع تلك الصعيدية!"
​وقف حافظ وسحب سلاحه بوجهها بغضب:
"إنتِ إيه اللي جابك هنا يا خواجاية؟! عايزة تجربي ضرب النار في راسك؟! بسبابك وكدبك في الحمل لبستينا العار وقويتي موقف ولد الدهشان قبال الكبار!"
​اقتربت كارولينا بثبات وأزاحت سبابة البندقية بيدها، وابتسمت ابتسامة شيطانية قائلة:
"اخفض سلاحك ولا تكن غبياً! كذبة الحمل كانت لإنقاذ نفسي، لكن الآن لدينا هدف واحد.. ناجي حطم كبريائي وأخذ أموالي وشردني، وأنت أخذ منك زعامة عيله سويلم وجعلك صغيراً أمام عمك الحاج سويلم! إذا أردت أن تسترد أرضك وهيبيتك، وأسترد أنا حقي وننتقم منهما.. فلابد أن نتحد!"
​اتسعت عينا حافظ برغبة قذرة في الانتقام، وجلس على الدكة الخشبية وقال بنبرة ملؤها الغل:
"ويتحد كيف الشيطان مع الأفعى؟ اتكلمي يا خواجاية.. إيه اللي عندك؟"

​سحبت كارولينا خريطة قديمة وهاتفاً مصفحاً وضعتها على الطاولة، وقالت بنبرة تقطر سُماً:
"ناجي يدير خطوط الري ومحطات الساقية القديمة التي تغذي أرض عيله سويلم وعيله الدهشان معاً.. هناك شحنة ديناميت ومواد متفجرة تستخدم في شق الترع والدروب الجبلية، يمكنني توفيرها ورشوة الخفراء! إذا فجرنا محطة الساقية الكبرى في منتصف الليل أثناء وجود ناجي هناك.. سنضرب عدة عصافير بحجر واحد!"
​انحنى حافظ بفضول وشغف أسود: 
"وضحي أكتر يا بومة الليل!"

​أكملت كارولينا والشر يلمع في عينيها:
"الأول: سينسف الانفجار أرض الساقية ويتهم آل سويلم بأنهم من فجروا المحطة انتقاماً لكرامتهم، مما يحيي الثأر فوراً ويجبر الحاج سويلم والحاج عمران على رفع السلاح مجدداً وفسخ الصلح نهائياً! او الشوشره بينهم: 
والثاني: سنلفق التهمة لرحمة ووالدك عبر تسريب أوراق ملغومة تتهم عائلتك بالغدر! أما الثالث.. فنضمن مقتل ناجي أو إصابته بتهمه تنهي غروره للأبد! حينها ستأخذ أنت الزعامة بعد غرق العيلتين في الدم، وأنا أستولي على أوراق الشرائح والشركات وأسافر إلى أوروبا!"
​ضرب حافظ بكفه على الطاولة بضحكة خبيثة هزت البيت المهجور:

"الله يخرب بيتك يا خواجاية! رأسك دي فيها شياطين الليل كلها! المحطة والساقية هما العرق اللي بيمشي فيه الماي والدم.. ولو المحطة اتفجرت والنار مسكت في أرض سويلم، الصلح هيدفن تحت التراب وما فيش كبير هيقدر يوقف بحر الدم!"
​اتفق الأثنان وسكبا الخمر والغل في كؤوس الغدر، ليبدأ تنفيذ المخطط الشيطاني في غفلة من الدوار المنتشي بالصلح والوصال.
​في الدوار.. وفي ساعات الفجر الأولى..
​كان ناجي يقف في الشرفة يرتدي عباءته الصوفية، يتطلع إلى هدوء الليل. جاءته رحمة من الخلف تحمل صينية صغيرة عليها كوبان من الشاي الملمس بالنعناع الصعيدي، وقدمت له الكوب بابتسامة دافئة.
​أخذ ناجي الكوب وتناول يدها يقبلها بشغف:
"سلمت إيديكي يا ملكة قلبي.. القعدة دي تسوى عندي ملك الدنيا وما فيها."

​ابتسمت رحمة وقالت بنبرة تحمل بعض القلق الفطري:
"قلبي مقبوض يا ناجي.. حاسة إن الهدوء ده وراه عاصفة. حافظ مش من النوع اللي يسلم بسهولة، والخواجاية وراها شر كبّير."
​ضمها ناجي إلى صدره بقوة وقال بنبرة رجولية حاسمة:
"طالما الكبار واقفين في ظهرنا، وأنتِ في حضني، ما تخافيش من إنس ولا جان! الصعيد أصله طيب، والغدر بنقطعه قبل ما يكبر."
​وفجأة.. شق هدوء الفجر صوت خفير ينادي بانهيار وسرعة من أسفل الدوار:
"يا ناجي بيه! الحق يا ناجي بيه! الساقية الكبيرة محروقة ومحطة الماي فيها ضرب نار ومواد بتولع!" والاراضي بتتحرق
​فزع ناجي، وانتفضت رحمة ورعب يخنق أنفاسها!
​سحب ناجي سلاحه فوراً وقال لرحمة بصرامة:
خليكي جوة الدوار وما تخرجيش يا رحمة! ده شغل غدر ومحتاج راجل يرد عليه!"

​ركض ناجي إلى الأسفل وتجمع معه حراس عيله الدهشان، وانطلقوا كالرياح نحو أرض الساقية الكبرى..
​في هذه الأثناء، كانت كارولينا تقف بين زراعات القصب البعيدة مع حافظ، يمسك حافظ بجهاز التفجير عن بعد، والشرار يملأ عينيه وهو ينظر إلى خيال ناجي وهو يقترب من المحطة المشتعلة!
​همست كارولينا بحقد:
"اضغط يا حافظ.. واجعل شلال الدم يجري في الصعيد!"
​خليها تحلو: 


تعليقات