رواية قرية دهموس الفصل السابع بقلم مصطفى محسن
وفى اللحظة اللى بدأت فيها جلسة تحضير الأرواح، حصلت حاجة مرعبة. الترابيزة بدأت تهتز جامد، لدرجة إن الكراسى كلها اتحركت من مكانها، والشمعة اللى كانت منورة فوق الترابيزة انطفت فجأة. بعدها بثوانى، اتسمع صوت راجل عجوز خارج من كل ركن فى المكان، بيتكلم بكلمات محدش فيهم كان فاهمها، كانت لغة غريبة، عمرهم ما سمعوها قبل كده. حسين حاول يتمالك أعصابه، ومد إيده بسرعة، ومسَك الشمعة وولعها تانى، لكن الترابيزة فضلت بتتهز بنفس القوة. عاطف وقتها مبقاش حاسس بأى حاجة حواليه، كانت عينه مغمضة، وملامحه متغيرة كأنه دخل فى عالم تانى. حسين بسرعة خد الورقة البيضا وحطها قدامه، وحط القلم فى إيده، وقاله: "اكتب، أوصف كل اللى إنت شايفه." عاطف بدأ يحرك القلم، ويكتب على الورقة كأن حد هو اللى ماسك إيده. مريم كانت مسكة على وعلياء بقوة، ووشها كله خوف، ويوسف كان بيصور كل اللى بيحصل. وفجأة حصلت حاجة أرعب من الرعب نفسه.
-
الشمعة انطفت تانى، وفى نفس اللحظة بدأ صوت خبط قوى جاى من كل ناحية فى الاستراحة، الحيطان، والأبواب، والشبابيك، كأن المكان كله بيتكسر. فجأة الترابيزة اترفعت فى الهوا واتقلبت، والضلمة غطت الصالة بالكامل، ومبقاش حد شايف أى حاجة. يوسف بسرعة طلع موبايله وفتح الكشاف، لكن أول ما النور لف فى المكان، شاف منظر عمره ما هينساه. مريم، وعلى، وعلياء كانوا متعلقين فى الهوا، كأن قوة خفية شايلاهم، وعلى وعلياء كانوا بيضحكوا ضحكة مرعبة تخلى أى حد يسمعها جسمه يقشعر. يوسف صرخ بأعلى صوته: "سيبى إيديهم يا مريم بسرعة." لكن مريم كانت ماسكة فى إيديهم بكل قوتها، ووشها مليان خوف، ومصممة إنها متسيبهمش مهما حصل. يوسف جرى ناحيتها، ومسك رجليها، وبدأ يشدها بكل قوته، لكنه حس كأنه بيشد جبل. وفى اللحظة دى، ظهرت دايرة كبيرة من النار، وكانت بتوسع أكتر، والنار كانت بتقرب ناحية مريم وعلى وعلياء، والدايرة بدأت تبتلعهم. حسين كان بيحاول يساعدهم، ويوسف كان واقف مذهول من اللى شافه، وعاطف لسه مغمض عينيه، وفى اللحظة دى.
-
وفى لحظة واحدة، دايرة النار اتوسعت بشكل مرعب، وابتلعت مريم، وعلى، وعلياء قدام عينيهم. آخر حاجة اتسمعت كانت صرخة مريم وهى بتنادى على عاطف، ومعاها ضحكة مرعبة طالعة من على وعلياء. وبعدها كل حاجة سكتت، والنار اختفت. يوسف فتح نور الصالة، وجرى على عاطف اللى كان واقع على الأرض فاقد الوعى تمامًا. فضل يحاول يفوقه، لحد ما عاطف فتح عينيه بالعافية، وبص حواليه وهو تايه، وقال: "فى إيه؟ أنا فين؟" حسين قال: "اهدى يا دكتور، وإنت هتفهم كل حاجة." عاطف بص فى الصالة كلها، ولما ملقاش مريم ولا على ولا علياء، وشه اتغير، وقال: "فين عيلتى؟" حسين حاول يهديه وقاله: "اهدى، وإن شاء الله هنلاقى حل." عاطف قال بعصبية: "فين عيلتى؟" يوسف قاله: "بقوا فى العالم الآخر." عاطف قرب من يوسف وهو بيترعش، ومسكه من هدومه وقاله: "يعنى إيه العالم الآخر؟!" يوسف قاله: "متقلقش، هنعمل جلسة تانية، وإن شاء الله هنقدر نوصلهم، ونعرف هما عاوزين إيه ونرجعهم." عاطف قاله: "نعمل الجلسة دلوقتى حالًا." حسين قاله: "مينفعش، جسمك مش هيستحمل جلستين فى يوم واحد، لازم يعدى وقت، أقل حاجة 24 ساعة." عاطف قاله: "أنا هعملها حتى لو هموت." يوسف فضل يهديه ويفهمه إن التسرع هيضيعهم كلهم، وبعد وقت طويل عاطف بدأ يهدى بالعافية. فى اللحظة دى، حسين افتكر الورقة اللى كانت قدام عاطف أثناء الجلسة. قرب منها، ومسكها من على الأرض، وبدأ يقرا اللى مكتوب عليها، لكن أول ما وقعت عينه على أول سطر، اتغير لون وشه، لأنه شاف حاجة كانت أرعب من كل اللى شافه فى حياته.
-
يوسف لاحظ ملامح حسين وهى بتتغير، قرب منه وقاله: "مكتوب إيه فى الورقة دى؟" حسين رفع عينيه، وكان الرعب واضح فى عينيه، وقاله: "دول الجحيم." يوسف حط إيده على راسه وهو مش مستوعب اللى سمعه. عاطف بص ليهم باستغراب وقالهم: "أنا مش فاهم حاجة. يعنى إيه دول الجحيم؟" حسين قاله: "الكيانات دى مش زى أى أرواح عرفتها قبل كده، دول مبيسيبوش روح إلا لما ياخدوا مكانها روح تانية." عاطف قاله: "يعنى لازم حد يموت عشان يرجعوا عيلتى؟" حسين قاله: "مش شرط يموت، لكن لازم يتسلم لهم روح تانية، ودى أخطر حاجة ممكن تحصل." عاطف قاله: "يبقى الحل إيه؟" حسين قاله: "الحل الوحيد إننا نعمل جلسة تانية. لازم نعرف هما عاوزين إيه بالظبط." عاطف قاله: "وأنا جاهز." يوسف قاله: "وأنا معاكم للآخر." حسين بص لعاطف وقاله: "ادخل ارتاح، وبكرة بعد الساعة 11 بالليل هنبدأ الجلسة الجديدة." كل واحد فيهم كان مستنى الليل وهو جواه خوف مش قادر يهرب منه. ومع دقات الساعة 11 بالليل، بدأ يوسف يجهز الكاميرا، وحسين جهز الترابيزة، وحط الشمعة فى نصها، وفرش الورقة البيضا قدام عاطف، واداله القلم. بعدها قعد حسين قدامه، وقفلوا نور المكان كله، ومبقاش غير نور الشمعة الضعيف بينور وشوشهم. يوسف ضغط زر التسجيل فى الكاميرا، وبص لحسين، وحسين شغل الجهاز اللى معاه... وفى اللحظة اللى بدأت فيها الجلسة التانية، حصلت الكارثة الحقيقية.
