رواية جدران بلا مأوى الفصل السابع 7 بقلم مريم وليد

 

 

 

 

رواية جدران بلا مأوى الفصل السابع بقلم مريم وليد




- هتخرج من بيتي ومشوفش وشك هنا تاني.. 
- أنا في بيتي لو ناسية.
كملت بزعيق: 
- اللي زيك ميستاهلش حاجة، أنت أمك ماتت وبلتنا بيك

"قبل شهرين" 

"كان ياما كان كان فيه عصفور، قلبه صغير.. ريشه قصير، حلمه يرفرف برا السور.. كان إنسان من طين من نور كان بيدور عاللي يخضر قلب الناس القاسي البور." 

فتحت عيني فكُنت على سرير في المستشفى، حواليا أجهزة كتير، وحاسة إن كل جزء في جسمي بيوجعني.. حاولت أحرك إيدي بصعوبة، فحسيت إيدي على شعر حد. 
- مريم، أنتِ فوقتي؟ 
حركت راسي بصعوبة وكملت:
- حصل إيه
كنت بتكلم بصعوبة، كل حرف بيخرج كإنه بيتزق.. كمل وهو بيبصلي: 
- حصل حاجات كتير أوي، أهمها إني كنت حاسس إني هتجنن
بصيت لُه وابتسَـمت بتعب: 
- ما يمكن كنت باصصلي في الأوضة وأنتَ بتديهالي
- فوقي بس وأنا اجيبلك شقة، اوضة إيه وكلام فارغ إيه
بصيت لُه بأستغراب: 
- أفوق ازاي، ما أنا صحيت أهو.. 
اتنهِـد وكمل وهو بيقعد جنبي:
- أنتِ بقالك اسبوع مسكتة خالص، كل يوم بنيجي نبدل هنا علشان لو صحيتِ.. 
بصيت لُه واتنفست: 
- أنتوا مين
- أنا ومامتك، وعمر
بصيت لُه بصدمة: 
- عُمر! هو عُمر رجع من السفر؟ 
حرك راسه بإيجاب فأتعدلت وكملت بسرعة:
- طيب كلمهولي بالله عليك
كمل بهدوء: 
- استني هو نص ساعة وهيبقى هنا، خلينا نعملهاله مفاجأة 
ابتسَـمت وكملت بفرحة: 
- أنتَ عارف إن عمر أكتر واحد في اخواتي بيحبني، هو الوحيد اللي بيحبني فيهم اصلًا محدش تاني بيحبني
ابتسَـم وحرك راسه بإيجاب: 
- أنا معرفش هو عرف منين بس تاني يوم الحادثة جيه هنا كان هيتجنن ومهديش غير لما دخلناه، وبعدين بقى بيبات هو معاكِ ومامتك بتيجي بالنهار وأنا باجي من 6 ل 11
كملت بتعب: 
- عمو سلامة كويس؟ أنا فاكره اخر حاجة كان تعبان.. 
- كويس بس حاسس بالذنب علشان لو مجاش يومها كل ده مكنش هيحصل. 
اخدت نفس وكملت بهدوء: 
- نصيب متخليهوش يشيل ذنب حاجة.. 
بصلي شويه وبعدين كمل بتردد: 
- بس اللي الذنب احتمال يموته فعلًا أمك
بصيت لُه وكملت بسخرية بسيطة: 
- ياه، اخيرًا حست بالذنب ناحيتي. 
- هي تقريبًا حاسة بيه دايمًا بس مش عارفة تعبر، زي العيال الصغيرة اللي بتخبط.. 
غمضت عيني من الصداع وكملت: 
- خلاص يا أدهم فكك، قولها إني خلاص فوقت. 
حرك راسه بموافقة، وبعدين افتكر ينادي الدكتور.. لا حول ولا قوة إلا بالله ده أنا كنت فضلت نايمة أحسن من الحاجات اللي بشوفها دي. 

- مريم.. 
أول ما سمعت صوته فتحت عيني بلهفة: 
- عُمر
جيه ناحيتي مسك ايدي وقعد يبوس فيها، كانت عيونه بتدمع.. قام باس راسي وكمل بزعل: 
- أنا آسف والله العظيم حقك عليا، أنا لو مكنتش مشيت مكنش رماكِ برا، كنت وقفته عند حده
كملت وأنا بعيط: 
- أنتَ كنت هتعمل إيه أكتر من اللي عملته، اللي كنت بتعمله معايا خلاهم يمشوك، فخلاص مقدامكش حاجة تانية تعملها
حرك راسه بنفي: 
- أنا السبب في اللي وصلتيله.. 
مسحت دموعه وكملت بهدوء:
- قلتلك الف مرة، متشيلش نفسك ذنب مش ذنبك.. أنتَ عملت اللي عليك معايا، خلاص سيبك منهم.. 
كملت بضحك: 
- وبعدين اتعرفت على أخواتي الصغيرين سيلين وسليم
ابتسَـم وهو بيبوس ايدي: 
- بيحبوكِ اوي، وأمك بتحبك، أنتِ ربنا رحمك منهم والله.. الدور والباقي على اللعنة اللي هفضل جواها.. 
كمل بتذكُر وهو بيضحك بسخرية وزعل بسيط: 
- طب افرحك فيهم؟ 
بصيت لُه بأستغراب فكمل: 
- لما حبستِ أبويا وعملوا عنه تحريات طلع فيه واحد عامل فيه محضر سرقة، ولما عملوله تحاليل كان شارب..
كمل وهو بيضحك بزعل وعيونه بتدمع: 
- بس لأ مش ده اللي هيخليكِ تفرحي، اللي هيفرحك فعلًا إن أمي راحتله السجن وطلبت يطلقها وكان معاها أخوها، طلقها وخدت أخواتي وراحت لأهلها البلد
كنت بصاله بصدمة، كملت وأنا مشفقة على حاله: 
- لا حول ولا قوة إلا بالله.. خسر كل حاجة، خسر دنيته وخسر أخرته، وخسر عياله ومراته، خسر كل حاجة.. 
حرك راسه بإيجاب وكمل وهو متضايق: 
- بس يستاهل، اللي زيه يستاهل أي حاجة 
- متكرهش ابوك علشاني يا عمر
كمل وهو بيبوس راسي: 
- أنا محدش يهمني في الدنيا غيرك يا بت، أنتِ أمي وأختي وكل حاجة حلوة ممكن اعيش علشانها وبحاول علشانها، أنا كده كده هحول السنة دي القاهرة وهاجي أعيش هنا معاكِ.. نشتغل ونعيش مع بعض، طظ فيهم
قال آخر جملة بعدين لقيت الباب بيتفتح، سمعت صوت سيلين وسليم بيجروا وهم بينادوا باسمي فضحكت، طلعوا جنبي على السرير فماما زعقت: 
- ابعدوا عنها ابعدوا جسمها بيوجعها.. 
كملت وأنا بشاورلها: 
- سيبيهم
كل واحد حضني من ناحية، سليم مسك ايدي باسها وطلع قعد جنبي، وسيلين حضنتني من وسطي ونامت جنبي. 
- أنا كنت خايفة أوي يا ابله يحصلك حاجة، كنت خايفة وقعدت اعيط واصلي وادعي تخفي
سليم كمل بهدوء: 
- أنا كنت عارف إنك مش هتموتي يا مريومة
سيلين بصتله وكملت بنرفزة: 
- أنا اللي هقول مريومة
كمل بغلاسة: 
- أنا حر
كان لسه هيتخانقوا فأدهم وقف مسك سيلين ونزلها: 
- بس، أختكم مصدعة
عُمر حمحم وكمل بهدوء وهو بيشاور لأدهم: 
- طب يلا نخرج أحنا، علشان مريم مصدعة.. هات سيلين يا أدهم، يلا يا سليم
حاسة إني عايزة أقوم من على السرير امسك في زمارة رقبة عُمر على قلة أدبه دي
- حقك عليا
كانت واقفة، باصة على الأرض وعيونها بتدمع، غمضت عيني بتعب.. قعدت على الكرسي ومسكت ايدي وباستها: 
- أنا آسفة يا بنتي والله العظيم، حقك عليا يا بنت بطني، وقلبي.. حقك عليا يا أول فرحتي
عيوني دمعت وأنا قافلة عيني، غصب عنّي حسيت بنغزة في قلبي، صوت عياطها هزّ جوايا حاجة كنت مفكرة إنها مبقتش موجودة، دموعي زادت فكملت وهي بتبوس ايدي: 
- أنتِ عندك حق، أنا أنانية فكرت في روحي وفي حياتي.. نفدت بجلدي وسيبتك، بصيت لراحتي وإني لقيت عوض ليا ونسيت إني سايبة ورايا حتة عيلة بريئة معملتش حاجة في دنيتها غير إنها بنتنا، بس أنا كنت صغيرة برضوا، عايزة أحب وأتحب، عايزة اعيش الحاجات اللي معيشتهاش مع أبوكي.. 
كملت وهي بترفع راسها: 
- عايزة أدوق حاجة في الدُنيا غير طعم القسوة والضرب، أدوق حضن راجل يحسسني بالأمان، أنا وحشة أوي.. مستاهلكيش، بس والله العظيم يا مريم ما كنت بنام، كنت باجي كتير مبيرضاش يدخلني ليكِ كان بيطردني.. حاولت اوصلك معرفتش. 
عياطي زاد، حسيت إن بدأ يطلع لعياطي صوت، قامت وقفت ونزلت على راسي باستها: 
- لأ لأ ياما متعيطيش، أنتِ عيانة يا حبيبتي.. أهدي يا قلب امك، خلاص اولع أنا أموت بس اهدي ميحصلكيش حاجة بسببي ضغطك هيعلى. 

عياطي زاد، فقربت مني وخدتني في حضنها وعيطت، كانت بتعيط جامد كأنّ ميت لها ميت، بس أنا.. أنا كنت حاسة إن جزء جوايا اتكسر، جزء كبير أوي.. حاسة إني زعلانة من الدنيا اللي وصلتنا لهنا، للأمان اللي اتهد فوق راسي فجأة لما أمي مشيت، زعلانة منها ومن أبويا، زعلانة من نفسي.. زعلانة اوي علشان لسه بحبها، علشان لسه محتاجة أم.. بس مش قادرة اسامحها، قلبي مش مسامحها وغصب عنّي. 
***
"كان ياما كان قلب الحدوتة رَق وحن، رَق وحن على البنوتة في زمن اتجن.. زمن الناس في قلوبها وحوش
 زمن الغاب والناب ووشوش
 تحزن غش وتضحك زور"

كُنت راكبة الأوبر راجعين البيت، قاعد جنبي من ناحية عُمر ومن التانية سيلين وسليم وقدام أدهم. 
- هو أنت هتعمل إيه يا عمر
بصله وكمل بعدم معرفة: 
- مش عارف والله هتتظبط ازاي، بس خير هنزل اشوفلنا مكان
حرك راسه بنفي وكمل: 
- أنا لقيت لك الحل بقى، هتعيشوا معانا في العمارة.. أنا كنت هدي لمريم اوضتي واخد أنا الشقة اللي فوق، ممكن نبدل بقى خدوا الشقة وأنا زي ما أنا
حرك راسه بنفي: 
- لأ يا عم، أنا لسه ملقتش شغل هنا هشوف شغل الاول وبعدين اشوف ولوقتها مريم تعيش معاكم وأنا هشوف هعمل إيه
كملت بتساؤل: 
- هو صحيح شقة أبوك حصل فيها ايه
ضحك وهو بيكمل بزهق: 
- أمي خدتها يا ستي، شلفحته
اتنهِـدت وكملت: 
- حق ناس بيخلصه ناس والله 
أدهم كمل بإصرار: 
- هتاخدوا الشقة وهندور لك على شغل وبعدين نشوف المواضيع دي سوا.. 
بصلي وكمل: 
- يونس قالي إنك ترجعي الشغل لما تفوقي بس أنا قلتله لما تفوق تبقى تقرر
- أنتَ ويونس أتكلمتوا! 
- فوقي بس ونشوف الكلام ده
مكنتش قادرة اتناقش فعلًا او اتكلم، كانت سيلين قاعدة جنبي وحضناني، فسندت براسي على كتف عمر ومديت إيدي لسليم مسكها، غريب أوي الاحساس اللي حساه دلوقتِ ده.. غريب وجميل ومُريح، أتمنى يفضل موجود دايمًا وميختفيش، حاسة إن عندي عيلة.. حاسة إني مش لوحدي. 

- ادخلي يا حبيبتي تعالي
رجلي كانت لسه متأثرة من الحادثة، وكان عندي كدمات بس كلها مش جامدة، كنت ساندة على عُمر من ناحية ومن الناحية التانية ماشية على عُكاز. 
- تعالي اتفضلي يا بنتي
ابتسَـمت لعمو سلامة وكملت:
- أنا آسفة إني ضغطت على حضرتك، أنا بس مش حاسة إني حابة علاقتنا تكون كده، حضرتك كويس جدًا يا عمو سلامة.. بس كعمو سلامة مش أكتر، اتمنى تفهمني. 
ابتسَـم وطبطب على إيدي بوِّد: 
- أنا بس مكنتش عايزك تزعلي 
- حصل خير 
أدهم كمل بمقاطعة:
- طب اقعدي وبعدين اتكلمي واتأسفي، الواد مش قادر
بصيت لُه ورفعت حاجبي: 
- قصدك إني تقيلة؟ 
عمر كمل بغلاسة: 
- لا يا حبيبتي طبعًا أنتِ يدوب 50 طن
خبطته بالعكاز في رجله فكمل وهو بيتوجع: 
- قصدي كيلو، ايه مبتفهميش في الهزار
سليم وقف جنبه وهو بيزقه في رجله: 
- لو مش قادر تمسك أختي أنا هعرف اسندها
- طب على فكرة أختي قبل ما تبقى أختك يا سليم
كمل ببساطة: 
- مش مهم، هي بتحبني أنا اكتر
ضحكت على طريقة كلامه، فعمر بصلي ورفع حاجبه: 
- فعلًا؟ 
كملت بزهق: 
- تعبانة بقى قعدونيي
كنت حاسة ماما بتبص لعمر نظرات غريبة، مش محددة هي متضايقة من وجوده، ولا مش حباه، مش فاهماها. 

- مريم وعمر يا بابا هيقعدوا في الشقة اللي فوق
كنا قاعدين بناكل كلنا، عمو سلامة كان لسه هيرد.. بس ماما شرقت وهي بتسيب المعلقة، فمدلها ماية.. شربت وكملت كأن حد دلق عليها جردل ماية ساقع: 
- عمر؟ ليه ما يقعد في بيت أبوه.. 
بصيت على عمر لقيت وشه اتغيَر، حس بإحراج فكمل بهدوء:
- أنا فعلًا هتصرف، مش حابب اقعد هنا ولو مريم حابة تقعد مع مامـ.. 
قاطعته بأعتراض: 
- أنا هقعد معاك، وهبقى ازور سيلين وسليم. 
عمو سلامة بصلها بلوم، وكمل بحزم: 
- مفيش مرواح في حتة، هنودب الشقة اللي فوق وتقعدوا فيها فعلًا.. علشان مريم تكون قريبة من اخواتها ومع أخوها. 
عمر حرك راسه بأعتراض: 
- أنا اصلًا مش هقعد في حتة منغير فلوسي، يعني شايف إني لو اجرت برا وجيت لمريم هيبقى أحسن
بصيت لُه بعصبية فكمل وهو بيمسك ايدي: 
- دنيتنا اتغيرت يا حبيبتي.. 
حركت راسي بنفي: 
- أنا مش بحس إني كويسة غير وسطكم انتوا التلاتة، خلينا نقعد هنا فعلًا يا عمر وهنشتغل وندفعلهم الإيجار
ماما كملت بزعل: 
- إيجار ايه بس يا بنتي، ده بيتك
رفعت حاجبي وكملت بجديّة: 
- المكان اللي اخواتي مرتاحين فيه أنا مرتاحة فيه، واللي مترحب بأخواتي فيه أنا تمام فيه، بس لو حد مش حابب حد منهم فملهاش لازمة. 
بصلي بتحذير، فماما كملت باستسلام: 
- أنا معنديش مشكلة معاك يا عمر، حقك عليا.. بس أنا بصراحة مش عارفة أعاملك كويس وأمك كانت بتعامل بنتي وحش. 
ابتسَـم وحرك راسه بهدوء:
- أكيد فاهم حضرتك، حقك. 

عُمر هو السبب الوحيد اللي كان بيخليني مهربش من بيت بابا، غلطة أمه وأبويا، يمكن يكون هو سبب طلاق ماما وبابا.
خلصنا أكل ودخلنا قعدنا سوا في البلكونة أحنا التلاتة، فأدهم قاطعنا:
- هو ازاي عمر عنده 19 سنة وأنتِ 21، مش فاهم حاجة.. 
ضحكت بهدوء وأنا بشرب من الشاي: 
- دوري في الحكاية بقى، بس مش هقفلهالك قفلات محمد سامي أنا، هحكيهالك كلها مرة واحدة. 
ضحك وكمل بهدوء: 
- طب يلا، احكولي بقى.. 
اتنهِـدت بزعل وكملت وأنا بفتكر أكتر حاجة بكرهها في حياتي، بفتكر طفولتي.

- عمرنا ما كنا عيلة سعيدة، بابا كان وحش من أول ما اتولدت اعتقد.. ماما كانت مكملة علشان هو اختيارها، للأسف كانوا بيحبوا بعض قبل الجواز، هي البنت الحلوة اللذيذة الكيوت.. وهو الواد الشمام اللي على الناصية، وحبوا بعض واتجوزوا غصب عن اهلهم.. بس الجوازة كلها باظت طبعًا علشان مش منطقية، هو كان بيزود في الشرب والتأخير برا، الأول كانت بتهتم وتسأل ويتخانقوا كتير اوي، مكنش بيحضنها او يطمنها، مكنش بيعتذرلها.. هو فعلًا كان وحش. 
أخدت نفس وكملت وأنا بمسك ايد عمر: 
- لحد وانا عندي 6 سنين، ماما اكتشفت إن بابا متجوز عليها ومخلف عيل عنده 4 سنين.. يعني متجوز من تاني سنة جواز ليهم اصلًا، أم عُمر دي.. طبعًا المشاكل كترت وأمي اتطلقت واهلها مكانوش عايزين يرجعوها تاني، ولما رجعوها كان بيحصل كل يوم مشاكل علشان طبعًا مشيلنا ذنب نفسها وإن دي اخطائها وكده.. لحد ما بدأت تسيبني كتير لستي، وبعدين اتخطبت فجأة بس كانوا موافقين يعني.. ابويا ساعتها جيه عمل حوارات كتير اوي، طلع علينا قديم وجديد وخدني وهو ماشي.. لما راحت ترفع عليه قضية اقنعها انها هتشوفني والكلام ده، بعدين ستي ماتت.. فمكنش فيه في الدنيا بالنسبالي يأما بيت أمي يأما بيت أبويا..
ابتسَـمت بصعوبة، وكملت بزعل: 
- أبويا بقى حبسني وقال مش هيوديني لأمي، وأمي اتشغلت في حوارات فرحها ومبقتش بتسأل عني، وده جننه أكتر.. بس كنت عايشة معاهم، عمر بيهربلي أكل اوقات بيهرب ويلعب معايا أوقات تانية..
أخَدت نفس، كنت بتكلم وأنا حاسة إن حد ماسك زمارة رقبتي فعلًا.. مخنوقة جدًا. 
- بعدين بدأت حياتي معاهم، ماما كانت خلاص فقدت الامل، معرفش مش عايزة اتحامل عليها أكتر من كده.. بس هي مدورتش عليا مبذلتش مجهود علشان تشوفني، أقل حاجة لو رفعت عليه قضية رؤية كانت هتشوفني، تيجي المدرسة.. معرفش، مرات أبويا كانت صعبة شويه وفي نفس الوقت مكانتش بتحب ماما فكانت بتأذيني، مش فاكرة امتى نمت من غير ما اتضرب، وامتى شربت لما احتاجت اشرب او اكلت لما جوعت لدرجة إني حاليًا بنسى أشرب واكل اوقات وبفضل عايشة، بابا كان بينتقم من ماما فيا دايمًا ويقولي مفيش اكل، لما وصلت ل 10 سنين قررت اشتغل شويه وهو قرار غريب على طفلة زيي فكنت بفكر كتير هشتغل ازاي، كنت عايزة اجيب خرز واساتك واعمل اساور او حظاظات، تفتكر مين اداني فلوس اول حاجة؟ 
ابتسَـمت وعيوني بتدمع: 
- عموري، الوحيد اللي كنت بحبه وبيحبني وبلعب معاه وانا صغيرة 
ابتسَـم وضغط على ايدي وهو بيبصلي بزعل، كملت بهدوء: 
- بقيت بعملهم وابيعهم في المدرسة لصحابي، وفي الطريق وأنا راجعة علشان اقدر أكل وأشرب اكل احبه.. كنت باكل برا او بقابل عمر وناكل سوا، بس كل ده بعيد عن البيت.. لحد ما كملت 14 سنة نزلت دورت على شغل في مكتبة واشتغلت، بس وقتها مبقتش طفلة حرفيًا.. الاذى زاد علشان عايزين مرتبي، طبعًا بس مكنتش بسيبه لحد علشان اقدر البس حلو واكل حلو واعيش حياة محسش فيها إني محتاجة اي حاجة، لما دخلت ثانوي بابا قالي مفيش دروس وقتها كان معايا التاب بتاع المدرسة وموبايل كنت مشترياه لنفسي، بقيت بشحن داتا واذاكر يوتيوب من الكونتنت المجاني ده، فضلت كده طول التلات سنين حتى تالتة خدتها كده.. 
ابتسَـمت ومسحت دموعي وأنا بكمل: 
- وعلشان ربنا فعلًا بيحبني، وكان عايز يراضيني اتقبلت في امتحان القدرات، وجبت مجموع الكلية وقدمت ودخلت، طبعًا كل ما شخصيتي تقوى كل ما خناقاتنا بتزيد، اتطردت اكتر من 7 مرات من ساعة ما دخلت الجامعة، كنت بنام اوقات على السلم علشان مفيش حل تاني، بس اخر مرة كان الموضوع اصعب.. هي سرَقتني في صيغتها واتهمتني في شرفي إني بصرف على نفسي علشان.. 
سيبت ايد عمر وبدأت اعيط وجسمي بيرتعش، قرب مني حضنني وهو بيطبطب على ضهري، كمل بهدوء: 
- خلاص يا حبيبتي اهدي شويه، محصلش حاجة..
خرجت من حضنه لقيت أدهم باصصلي وباين في عيونه غضب، هربت من عيونه دمعة مسحها وكمل بهدوء: 
- أنتِ خسارة في الناس دي كلها والله، خسارة بنت زيك تبقى بنتهم ويعرفوها. 
عُمر كمل بزعل: 
- مريم حكتلك الموضوع ببساطة، يعني كل ده لا يُداهي حجم الألم، هم مشوني من البيت علشان لما اخويا الاصغر مني قرب من مريم وحاول يتعرضلها كنا هنموت بعض، العيال هناك مش شايفين مريم اختهم دول شايفينها واحدة عايشة معاهم في البيت.. مشوني من البيت ودخلوني كلية برا وشافلي شغل في محافظة تانية علشان يبعدني عنها مش أكتر. 

اتنهِـدت بتعب وأنا بمسح دموعي:
- جماعة أنا بجد اتخنقت، ممكن ننسى كل ده انا مش عايزة أفتكر حد فيهم، عايزة أعيش وقت كويس مع اخواتي.. 
أدهم بصلي وكمل بزعل بسيط:
- على فكرة أنا سيرتي مبتجيش خالص.. مع إني كنت هتجنن يعني عليكِ
ابتسَـمت بهدوء وأنا بقف: 
- أنتَ أكتر راجل جدع شوفته في حياتي والله منغيرك مكنتش هعدي كل ده
ابتسَـم بضحك: 
- فداكِ يا مريومة، عندنا كام مريومة يعني. 

أنا معرفش إيه أتغير من شهر مثلًا لدلوقتِ، بس اللي اعرفه كويس إني حاسة بالأمان، حاسة إني وسط ناس بحبهم وبيحبوني، متأكدة إن عمرهم ما هيخذلوني.. أنا يمكن مش هنسى ولا هسامح، بس أتمنى يجي اليوم اللي اقدر اتعايش فيه مع الألم وأنا شايفه ماما قدامي. 
***
عدى حوالي شهر، كنت فيهم بتعافى من أثر الحادثة إلا حاجة بسيطة، بدأت شغل مع أدهم.. وأدهم جاب لعمر شغل في كافية، ظبطنا الشقة وقعدت فيها أنا وعمر ولحدٍ ما أمورنا استقرت، بقيت سعيدة لحدٍ ما، مرتاحة.. مصدقة الحياة أكتر، بحاول بقدر الأمكان اتلاشى اي نقاش مع ماما، علشان أنا مش بكرهها بس مش قادرة اسامحها. 

- رحمة كلمتني بتعزمك على خطوبتها وقالتلي ابعتلها رقمك
بصيت لُه وكملت بضحك بسيط: 
- أنتَ مش متخيل أنا بقيت تروماتيزد ازاي
- لو بابا مجاش هتتحل
بصيت لُه بلوم بسيط: 
- بس بقى بطل، أنتَ برضوا كبرت الموضوع شويه يا أدهم.. خالك زعق وأتضايق إنه جيه وقتها فخلاص أنتَ كمان متضغطش عليه
اتنهِـد وكمل بهدوء: 
- يا بنتي هو بيشوف بابا بيفتكر اللي حصل لماما وده حقه مقدرش الومه، فالحل إن بابا ميجيش.. مش يجي علشان ده برضوا واجب وكلام فارغ
- خلاص بقى لسه هنهري في نفس الكلام، سيبك منهم.. 
بصلي ثواني وبعدين ضحك بنكش: 
- بس قوليلي أنتِ بقى.. 
رفعت حاجبي فكمل بهدوء: 
- إيه الحلاوة دي
بصيت لُه برخامة: 
- أنا حلوة على طول، أنتَ اللي عينك مبتشوفش
كمل بغلاسة: 
- طب شوفي حد يروحك بقى معاه 
- اللي يشوفك بتهري كده يقولر بتحايل عليك تروحني، أنتَ اللي عايزني يا حبيبي.. 
ضحك بهدوء وكمل: 
- عندك حق والله، أنا عايزك فعلًا 
بصيت لُه بأستغراب فكمل بعد سكوت دقيقة: 
- ما نتجوز يا مريم
كنت بشرب نسكافية، الكوباية كانت هتقع مني فمسكها:
- يخربيتك.. خلاص نتجوز لما نروح ليه التصعيد ده

مشي من قدامي وسابني، فحاولت استوعب حصل إيه من ثواني.. أنا بقالي أكتر من اسبوعين حاسة إني هتجنن اصلًا من التفكير، كل يوم بفكر فيه، كل يوم ببقى عايزة أفهم إيه اللي حساه ده، أنا اصلًا هتجنن وهو بيجنني زيادة، منكرش إني فعلًا حاسة بحاجة ناحية أدهم.. بس مش فاهمة هي إيه، والأهم أنا فعلًا خايفة من خطوة زي الجواز دي، علشان كده كل يوم بقصد أوجهه ناحية إني مش عايزة أتجوز، وبعدين مستحيل حد يوافق على العلاقة دي.. أبوه بيحبني بس لما لمح قبل كده قدامه قاله إنه مش هيسمح بحاجة زي دي، وماما كمان مش هتوافق. 

- يعني أنتِ جيباني ليه دلوقتِ
بصيت لُه بنرفزة وخبطته في كتفه: 
- علشان افهمك أنا حاسة بأيه
- طب وأنتِ فاهمة حاسة بأيه اصلًا؟ 
حركت راسي بنفي فكمل: 
- على فكرة هو مكلمني في الموضوع، وقايلي إنه فعلًا بيحبك مش معجب بيكِ.. بس قلقان ياخد خطوة علشان أنتِ بتخافي، وعلشان أبوه.. 
أخَدت نفس بزهق وكملت: 
- ليه الدنيا مش سهلة، يعني ليه معيشتش حياة سهلة يا عمر
- علشان أنتِ مريم عادي، مش طبيعي تعيشي حاجة سهلة
ضحكت غصب عني وكملت بهزار: 
- طب لو كنت محمود كان هيبقى عادي
- ممكن فعلًا 

ليه الدنيا مش سهلة، نحس بمشاعر فنتجوز.. نزعل فنعيط، نسامح بعض علشان ذاكرتنا اتمسحت.. المشكلة إن حتى لو فقدنا الذاكرة جسمنا بيفضل محتفظ بكل الذكريات والألم اللي حسينا بيه في حياتنا، يعني مفيش مفر. 

كنت قاعدة في البلكونة بليل، سمعت صوت حد بيبسبس.. فبصيت تحت، شاورلي: 
- تعالي على السلم 
كملت بزهق: 
- مش قادره 
- اخلصي عملت كيكة عايز أدوقك
بصيت لُه بإعجاب وكملت: 
- في الحالات اللي زي دي، مضطرة أوافق. 
خرجت من البلكونة وفتحت الباب، اتقابلنا على السلم اللي في النص فكان في ايده طبق كيكة شكله حلو، بصيت لُه وضحكت بإعجاب: 
- احلف إن ده مجهود شخصي.. 
ابتسَـم وكمل بهدوء: 
- كل سنة وأنتِ طيبة يا ألذ بنت شوفتها في حياتي.. 
إيه الاحساس ده، مش فاهماه فعلًا.. ليه حاسة إني هعيط، كملت وأنا بغمض عيني وبفتحها: 
- يا أدهم
- يا قلب أدهم.. 
خدت منه الطبق وكملت بتحذير: 
- اقسم بالله لو محترمتش نفسك لاكسر الطبق فوق دماغك يا أدهم
ضحك وكمل وهو بيقعد: 
- ما قلتلك نتجوز بقى
- ومين هيرضى على الكلام الفارغ ده
بصلي بزعل: 
- جوازنا كلام فارغ
حركت راسي بنفي وكملت وأنا بتنهِـد: 
- فكر بالعقل كده.. 
كمل بإنزعاج: 
- لأ يا مريم مش هفكر بالعقل، علشان الحب مفيهوش عقل وأنا والله بحبك فعلًا.. عملنا إيه لما فكرنا بالعقل يعني، شايفه الوضع ممل ازاي؟ هيحصل إيه نحاول
حطيت الكيكة جنبي وكملت وأنا بحاوط رجلي بإيدي وأنا بفكر: 
- مش عارفة.. حاسة إني مش قادرة أفكر
- يبقى منفكرش، نكلمهم
كملت وأنا ببصله: 
- نكلم مين يا أدهم بالله عليك إذا كنت مش طايقة اتعامل مع ماما
كمل بجديّة: 
- يبقى ملكيش دعوة هتصرف أنا
نفخت بضيقة فكمل وهو بيمسك الكيكة: 
- يلا دوقي بقى
مسكت منه حتة كيكة، دوقتها كان طعمها لذيذ جدًا، ألذ كيكة دوقتها في حياتي، كملت بذهول: 
- دي تحففة! 
ضحك بسعادة: 
- علشان عاملها علشانك

مكنتش فاهمة إحساسي، بس عارفة كويس اوصفه بكوبلية وردة وهي بتقول: "أول مرة أشوف الدنيا.. دنيا كبيرة ومش سيعاني، أول مرة الاقي لعمري طعم ومعنى جميل إنساني."

عدى حوالي شهر على كلامنا، كان أدهم في الشهر ده بيحوش مبلغ علشان الشبكة علشان يفاتح باباه في الموضوع أول ما يجهزها، مكنتش بشوفه غير في المكتب تقريبًا بعدين كان بيطلع رحلات اوبر اسكوتر، كنت لأول مرة افهم احساس يعني إيه حد يحاول علشاني، كان لذيذ اوي اول ما بيجي بيناديني يشوفني واطلع على طول، كنت بعيش حاجات اول مرة اعيشها.. استنى منه تليفون، يوحشني لما يغيب كتير، ولما يجي بحس إني عايزة اجري اسلم عليه، كانت كل حاجة مستقرة.. كل حاجة، علاقتي بيه بأخواتي الصغيرين وبعمر، علاقتي بماما هادية يعني مش بنتخانق، مش بنتناقش كتير.. لحد ما جمَع المبلغ بتاع الشبكة. 

- توقعي هنعمل إيه النهارده
بصيت لُه بتساؤل، فضحك: 
- هكلم بابا علشان اقوله إني عايز اتجوزك
ضحكت بفرحة: 
- عمر عارف؟ 
- ايوه قلتله برضوا، تيجي معايا؟ 
حركت راسي بإيجاب: 
- هقعد مع سليم وسيلين شويه على ما تكلمهم. 
حرك راسه بماشي، دخلنا الشقة سوا، هو طلب مني ادخل اوضة سليم وسيلين مع اخواتي وهو قعد برا معاهم. 
حاولت أسمع حاجة مكنتش عارفة، لحد ما سليم وقف جنبي: 
- هو فيه ايه اقعدي يا ابله
بصيت لُه وكملت بتساؤل: 
- تفتكر يا سليم هيحصل إيه لو اتجوزت ابيه أدهم
كمل هو وسيلين بصوت عالي: 
- إيه! 
بصيت لهم لقيتهم بيبصولي بصدمة، رجعت بصيت لهم تاني ونفخت بضيقة: 
- يوه، أنتوا دمكم تقيل اوي تخيلوا بقـ.. 
كنت لسه هكمل كلام، سمعت صوت زعيق برا، اتنهِـدت بخوف وبصيت لهم: 
- متتخيلوش خلاص، خليكم هنا متخرجوش
حركوا راسهم بموافقة، فخرجت وقفلت الباب ورايا. 
- أنا بنتي في بيتكم فبدل ما تعتبرها أختك بتبصلها، ده أنا كل ده فكراك حاططها مكان سيلين، إنما أنتَ عيل قليل الأدب وعينك فارغة
عمو سلامة قام وقف وكمل بتحذير: 
- لو مسكتيش يا حنان الموضوع ده مش هيعدي على خير
بصِت له وكملت بزعيق: 
- مش لما تبعد ابنك عن بنتي تبقى تيجي تتكلم! 
بصلها بصدمة: 
- دلوقتِ بقى ابني وبنتك.. 
كنت باصة على أدهم، شكله كان متضايق جدًا.. ومتعصب، حسيت اللي سمعه اوحش من إنه يخليه يتقبل الكلام. 
كملت وهي بتوجهله كلام: 
- هتخرج من بيتي ومشوفش وشك هنا تاني.. 
رفع عينه بمحاولة منه لإنه يدافع عن نفسه: 
- أنا في بيتي لو ناسية 
كملت بنرفزة: 
- أنتَ اللي زيك ميستاهلش حاجة أنت أمك ماتت وبلتنا بيك.. 
بصيت لها بصدمة، بس قبل ما صدمتي تخلص.. زادت بالقلم اللي نزل على وشها، شهقت بخضة وأنا بسمع صوتها: 
- أنتَ بتضربني بالقلم! 


تعليقات