رواية فوق جبال الهوان الفصل الواحد والثمانون 81 بقلم منال سالم


 رواية فوق جبال الهوان الفصل الواحد والثمانون 

الجلبة الصادرة خارج منزلها أثناء تنظيفها للصالة لفتت انتباهها، فتركت المكنسة الكهربية، وتوجهت إلى الباب لتنظر من العين السحرية وتتفقد الوضع. تصلب كتفاها عندما أبصرت حفنة من الرجال يجثون على البسطة الممتدة، محاولين التواري عن الأنظار، وكأنهم يخططون لشيءٍ ما في الخفاء، وبجوارهم وضعوا ذلك الصندوق الخشبي الكبير. خفق قلب الجارة بشيء من الخوف، ولم تجرؤ على إصدار صوت، ليثير دهشتها رؤيتها للحاج "صالح" بينهم، فاتسعت عيناها في ذهولٍ، وتساءلت مع نفسها هامسة:
-هو في إيه؟
دفعها فضولها على متابعة ما يجري خلسة، لتتحفز أكثر في وقفتها عندما وجدتهم يندفعون بســـرعة نحو الأسفل وهم يحملون الصندوق الخشبي.
لم تتبين ما حدث بعد ذلك بسبب تعذر الرؤية، فقامت بفتح بابها بهدوءٍ شديد، لترهف السمع محاولة التطفل عليهم، فنما إلى أذنيها صوت أنين مكتوم قبل أن تلتقط نبرة الحاج "صالح" وهو يأمر أتباعه:
-انزلوا أوام لتحت، مش عايز حد يحس بحاجة.
طريقة إلقائه لأمره أقلقتها، فخشيت أن يكتشف أحدهم أمرها، لذا أغلقت الباب بحذرٍ تام، ثم هرولت نحو النافذة لتتابع الموقف من الأعلى، تمكنت من رؤية الصندوق وهو يستقر بعربة الربع نقل، و"صالح" يستقل المقعد الأمامي، لتنطلق المركبة مغادرة المنطقة، فيما ظلت باقية في مكانها متسائلة:
-هو بيعمل إيه بالظبط؟
هزت كتفيها في عدم مبالاة، وهمهمت:
-طب وأنا مالي، ما جايز بينقل بضاعة
لم تعطِ المسألة أكبر من حجمها، أو المزيد من الأهمية، وعاودت إكمال أعمالها المنزلية وهي تدندن بأغنية شعبية شهيرة.
...........................................
تلقائيًا انشغل عن أي شيء حِيك من وراء ظهره ليقع في فخ تلك المكيدة المدبرة بالتورط في شجارٍ مفتعل لا ناقة له فيه ولا جمل بادعاء تهشيم زجاج سيارته للاستيلاء عليها. حاول أهالي المنطقة الفض بين "غيث" وهؤلاء الغرباء المتشاحنين معه ممن تجرأوا على استخدام السلاسل الحديدية والأسلحة البيضاء لتهديده وفرض سطوتهم؛ لكن ذلك أدى إلى استثارة غضبه وإصراره على ردعهم مهما تكلف الأمر، ليقوم الحاضرون بالسعي لتهدئة الأوضاع قبل أن تتفاقم، لتأتي الإشارة بإنهاء الأمر مثلما بدأ فجــأة، خاصة بعدما نجح "زهير" في اختـــطــاف "دليلة" والخروج بها بعيدًا عن محيط المكان. 
انسحبوا مرة واحدة مما آثار دهشة وغرابة السكان، ليقول أحدهم كنوعٍ من تقديم الدعم والمؤازرة لـ "غيث" الذي كان لهم بالمرصاد:
-معلش يا بلدينا، كل يوم وتاني تلاقي ناس عوأ زي دول طايحين في الخلق، والحكومة مش لاحقة تلم مين ولا مين.
فيما أضاف آخر بسخطٍ:
-المدعوء اللي بيشربوه طير مخهم، ربنا يخلصنا من أشكالهم.
صاح "غيث" محتجًا:
-ورب العِزة لولا إني مطول بالي لكان يبجى آخر يوم في عمرهم.
ليعلق ثالث في شيءٍ من التعاطف:
-قدر ولطف.
فيما صفق آخر بيديه هاتفًا بين الحشد المتجمهر:
-يالا يا إخوانا، المولد اتفض، كله يشوف أشغاله.
سرعان ما تفرق الناس، كلٌ إلى طريقه، ليدمدم "غيث" في تبرمٍ وهو يتفحص الأضرار التي لحقت بسيارته:
-ولاد الـ.......!!!
تهشم الزجاج، وانبعج جزء من البدن المعدني، فأخذ يردد في نقمٍ:
-حظهم فلتوا مني.
ربت أحدهم على كتفه محاولًا التهوين عليه:
-ربنا يعوض عليك.
بينما قال آخر وهو ينحني ليجمع قطع الزجاج المتناثرة ليزيحها:
-كويس إنها جت على أد كده.
اقترح ثالث بشيءٍ من الجدية:
-احنا هناخدك عند الحاج "صالح"، هو يعرف ناس في الحرفيين كويسين هيظبطولك العربية، ما تقلقش!
نظر ناحيته "غيث"، وتساءل مستفهمًا عن ذلك الرجل الذي ذكره باهتمامٍ:
-مين الحاج "صالح" ده؟
أجابه موضحًا وهو يشير بيده:
-صاحب محل الكماليات اللي هناك ده!!
تحرك "غيث" مع حفنة الرجال المصاحبين له تجاه المحل لطلب مساعدته؛ لكن للغرابة لم يكن جالسًا في كرسيه الخشبي كالمعتاد، فاستعلم من أحد عماله عنه، فأخبره بمغادرته المكان لأمرٍ طارئ، ليعود الرجل لمخاطبة "غيث" مستوضحًا منه:
-هو إنت جاي لمين زيارة هنا يا بلدينا؟
على مضضٍ جاوبه:
-للحاجة "رضا".
ليمتدحها الرجل في توقيرٍ:
-سِت كُمل ومُحترمة، عمومًا أول ما يرجع الحاج "صالح" من مشواره هعرفك.
هز رأسه متمتمًا:
-ربنا يسهل.
ثم سار عائدًا إلى مدخل البناية بعدما ألقى نظرة سريعة للأعلى، حيث الشرفة التي تقف بها أربعتهن، لم يجد "دليلة" بينهن، فافترض مجازًا أنها سارعت نحو الباب لتفتحه وتستقبله، وربما تتعاتب معه لتورطه في المشاجرة العجيبة، ولم يطرأ بباله حدوث الأسوأ لها.
..........................................
حين صعد "غيث" للمنزل بخطواتٍ متمهلة، كانت "عيشة" أول من وقفت عند عتبة الباب لتستقبله. عكست تقاسيم وجهه علامات الضيق والامتعاض لكونه قد اضطر على التساهل مع هؤلاء الملاعين وعدم تلقينهم ما يستحقوا. هتفت تلومه في خوفٍ أمومي:
-يا ابني الناس دول شر، فداك أي حاجة، بس مكانش في داعي تشبك معاهم، قلقتنا عليك.
رد عليها مؤكدًا:
-اطمني يا حاجة أني كفيل بيهم كلياتهم.
أقبلت عليه "إيمان" متسائلة:
-العربية باظت؟
نظر ناحيتها قائلًا:
-أمرها هين....
ليطوف ببصره على محيط الصالة متعجبًا من عدم تواجد زوجته بينهن، فتساءل عفويًا:
-أومال فين "دليلة"؟
لتبادله "عيشة" السؤال بآخر مستغرب:
-هي مش معاك؟
هتف نافيًا وقد بدأت دقات قلبه في التسارع:
-لع، أني فايتها معاكو.
لتظن "إيمان" بحسن نيةٍ:
-أنا فكرتها نزلت وراك، أصلها كانت خايفة عليك جدًا.
أزعجه اعتقادها فصاح مستنكرًا ما اعتبره رعونة منها، واندفاعًا أخرقًا:
-بـــاه، اتخبلت علشان تاجي وراي.
تحدثت "رضا" ملطفة الأجواء:
-متقلقش يا ابني، هي هتروح فين بس.
صاح بوجومٍ:
-أني نازل أشوفها.
أوصته "عيشة" وهي تلحق به:
-بالله عليك ما تتخانق معاها، هي لو مكانتش بتحبك مكانتش اتصرفت كده.
أدار وجهه تجاهها متمتمًا في تبرمٍ:
-ألاجيها بس الأول، وبعديها نتعاتبوا!
غادر المنزل مسرعًا نحو الخارج ليبحث عنها بالأسفل، إلا أن ذلك الهاجس المريب الذي راود عقله جعله ينزعج إلى حدٍ كبير، فإن كانت متواجدة بين الحشود، فمن البديهي أن يراها ويتقابل معها؛ لكن لم يكن لها أدنى أثر على الإطلاق، إذًا هناك شيء ما غير مريح في غيابها الغامض هذا!
..................................................
أغوته أطماعه غير المحدودة لسحب غالبية مدخراته لاستخدامها في إقامة مراسم عزاء فخمة بأحد دور المناسبات الشهيرة لحماه وزوجته بعدما تم دفن جثمانيهما في مقابر العائلة، متوقعًا حضور لفيف مميز من رجال الأعمال لتقديم واجب العزاء، بالطبع لم يكن ذلك نابعًا من شعوره بالحزن لفقد أيًا منهما، بل كانت هذه فرصته الذهبية لتوطيد الصلات مع صفوة المجتمع، وإقامة علاقات جديدة راسخة من أجل التمهيد لدعمه مستقبلًا حينما يتولى بشكلٍ رسمي إدارة أعمال حماه الفقيد باعتباره أحد الورثة. 
تفاجأت "نجاح" من الحقيبة المملوءة بالنقود الموضوعة على فراش ابنها، وسألتها بعينين اتسعتا على آخرهما:
-إيه الفلوس دي يا "راغب"؟
أجابها وهو يكمل عد حزمة من الأوراق النقدية ذات الفئة العالية:
-بجهز لعزا أسطوري لحمايا المرحوم ومراتي الغالية!
زمجرت معترضة في استنكارٍ جلي:
-بعد اللي عملوه فيك؟ ده إنت حقك تلعنهم مش تعملهم عزا، خسارة المصاريف دي فيهم.
لفظ دفعة من الهواء مرة واحدة، وأوضح لها بهدوءٍ:
-يا ماما إنتي مش فاهمة دماغي، الفلوس دي هتكون السبب إني أقب على وش المياه، أبقى مع الناس العليوي.
همهمت في قنوطٍ:
-أنا مش فاهمة حاجة، بس هما ما يستهلوش جنية.
تغاضى عن موقفها المحتج، وقال:
-بكرة تتأكدي إن دماغي دي متكلفة...
قبل أن تصر على مجادلته، طلب منها بجديةٍ:
-المهم عايزك تظبطي نفسك، وتشتري طقم أسود غالي يليق بوالدة رجل الأعمال القادم "راغب" باشا.
قلصت المسافة بين حاجبيها متسائلة بتعجبٍ:
-وده لازمته إيه؟
ليرد موضحًا:
-مش الناس دي هتيجي ومعاها مراتتهم ولا قرايبهم الستات، إنتي بقى تترسمي عليهم.
استهواها الأمر، فهتفت في غرورٍ:
-ده أنا متوصاش يا حبيبي، دي منطقتي.
أعاد الحزمة مع البقية، ومسح بيده على النقود مهسهسًا:
-خليها تروق وتحلى.
فيما راقب والده من عند عتبة الباب ما يقوما به معلقًا:
-والله إنتو الاتنين مجانين، ولا هيحصل حاجة من اللي في دماغكم دي!
اعتبرت "نجاح" رأي زوجها تشاؤميًا، فنهرت ابنها عن الإصغاء إليه هاتفة:
-ما تركزش مع أبوك، طول عمره كده فقري، يكسر في مجاديف الواحد.
هز رأسه في طاعة، ونهض عن الفراش متوجهًا نحو الدولاب، عبث بالضلفة ليخرج رابطتي عنق مختلفتين، عرضهما عليها متسائلًا بنبرة متحيرة:
-قوليلي الكرافتة دي أحلى ولا دي؟
أمسكت بإحداهما حاسمة قرارها:
-دي يا حبيبي، شكلها هتليق مع البدلة.
استحسن اختيارها، واتجه نحو مرآة طاولة الزينة ليتخيل هيئته بعدما يتأنق في أبهى حِلة.
.............................................
عاد بها إلى حيث بدأ كل شيء، إلى آخر بقعة قد يظن أحدهم أنه سيتواجد بها؛ التبة العالية، موطن قوته الأصلي ونفوذه الواسع، إلا أن الحال اختلف عن الماضي كثيرًا، وكأنه لم يعد يعرفه وفقد هويته. تأمل "زهير" المكان الذي امتلأ بالمشردين، والمتسكعين، ومتعاطي المخـــدرات، وكل من ليس له مأوى. ظهرت على تعابير وجهه تكشيرة واضحة، خاصة عندما تجرأ البعض على اعتراض طريقه، فقاموا بنصب حاجز معدني مزود بنتوءات حادة تساعد في تمزيق إطارات السيارات وإعاقة تقدمها، ليتولى زعيمهم تهديده بتبجحٍ مشوب بالسخرية وهو يطوح بهراوة غليظة يمسكها بيده في الهواء:
-رايح فين يا شبح؟
نظر له "زهير" شزرًا، وأمره بخشونةٍ:
-ابعد ياله، دي منطقتي!
هزأ منه ساخرًا وباستخفافٍ مستفز:
-منطقتك!! شكلك مش واخد بالك إنت بتتعامل مع مين؟
تنفس "زهير" بعمقٍ ليضبط انفعالاته، ورفع من نبرته مُصدرًا أمره لما جاء معه من رجاله الأشداء:
-زيحوا الفسل ده من وشي.
لينصاعوا في الحال لأمره ويترجلوا عن السيارة وهم يحملون الأسلحة الآلية، صوب أحدهم الفوهة في وجه الزعيم المزعوم موبخًا إياه:
-إزاي تكلم الريس "زهير الهجام" بالشكل ده؟
مجرد ذكر لقبه الباعث على الخوف في النفوس جعله يدرك فداحة خطئه، فتساءل بصوتٍ مرتعش ينم عن إحساسه الجاد بخطورة من يواجه:
-هو .. إنت "الهــجام"؟
رمقه "زهير" بهذه النظرة النارية الشرسة قبل أن يبرز ذلك الوشم المميز المرسوم على ساعده نصب عينيه، فأبدى ندمه على الفور معتذرًا منه:
-حقك عليا يا ريسنا، اللي ما يعرفك يجهلك.
ليرد عليه بتحفزٍ:
-وأديك عرفتني، إيه الدنيا؟
تنحى جانبًا وهو يهتف في توترٍ:
-مكانك يا كبيرنا....
ثم وجه أمره لرجاله المحيطين به:
-شيل ياض الهباب ده ووسع لكبير المنطقة.
أطاعوه دون معارضة، وأزاحوا الحاجز، ليضرب "زهير" بيده على باب السيارة، فانطلق السائق مكملًا وجهته في أعماق التبة، وصوت ذلك الزعيم الزائف يهلل مرحبًا به بإطراء متكلف ومزعج لأذنيه:
-نورت مكانك يا ريسنا ............................ !!!!


تعليقات